من منصات “فاس” إلى أحضان “دنقلا”.. رحلة التتويج والوفاء للعالم والشاعر محمد علي الإمام

دنقلا / الرباط – (خاص)
بين عبق التاريخ في مدينة “فاس” المغربية، ودفء المشاعر على ضفاف النيل في “دنقلا”، سطر الباحث والشاعر السوداني الأستاذ محمد علي الإمام ملحمة نجاح جديدة، توّجت مسيرته العلمية والأدبية الحافلة، في رحلة بدأت بتكريم قاري وانتهت باحتفاء أهلي ورسمي مهيب في مسقط الرأس.
سفير التراث السوداني في المغرب
بدأت فصول القصة في المملكة المغربية، حيث اعتلى “الإمام” منصة التتويج ضمن فعاليات الدورة السنوية الثانية لجائزة “مؤسسة محمد السادس للعلماء الأفارقة للمخطوطات والوثائق وبحوث الذاكرة التراثية الأفريقية”. وقد استطاع الباحث السوداني أن يقتنص الرتبة الثالثة قارياً في أصعب فئات الجائزة وأدقها؛ فئة “الكتب التراثية المخطوطة”.
لم يكن هذا الفوز مجرد رقم إضافي، بل كان اعترافاً دولياً بقيمة الذخائر السودانية، وتأكيداً على كفاءة العقل السوداني في مجال تحقيق المخطوطات ونفض الغبار عن كنوز الأمة. وقد تضاعفت فرحة هذا التتويج في المغرب بمفاجأة إنسانية مؤثرة، تمثلت في حضور أفراد أسرته، يتقدمهم ابنه، الذين قطعوا المسافات ليشاركونه لحظة رفع اسم السودان عالياً، في مشهد امتزجت فيه دموع الفرح بزهو الانتصار.
الشاعر.. وجهٌ آخر للإبداع
والمتابع لمسيرة الأستاذ محمد علي الإمام، يدرك أن هذا التدقيق العلمي الصارم في المخطوطات، يوازيه حسٌ فني مرهف؛ فالرجل ليس باحثاً أكاديمياً فحسب، بل هو شاعر مطبوع، يمتلك في رصيده الإبداعي ديوانين من الشعر، صاغ فيهما وجدان المنطقة وتغنى بقيمها. وهذا الجمع بين “صرامة التحقيق العلمي” و”عذوبة الشعر” هو ما منح شخصيته هذا البعد المتفرد الذي احتفت به الأوساط الثقافية.
دنقلا.. تكريم “الأهل” ومسك الختام
وعقب عودته مظفراً، كان “شمال السودان” على موعد لرد الجميل. فقد شهدت مدينة دنقلا اليوم احتفالاً نوعياً نظمه المجلس الأعلى للثقافة والإعلام بالولاية الشمالية، برعاية ممثل الوالي وأمين عام المجلس الأستاذ الباقر عكاشة عثمان، الذي أكد أن تكريم “الإمام” هو رسالة بأن الولاية ترعى مبدعيها، وأن الثقافة هي الضلع الثالث في معركة الكرامة والبناء.
وكان المشهد في دنقلا حميمياً بامتياز، حيث شارك الأهل والأصدقاء ورموز المجتمع، وكان الحضور الإعلامي لافتاً ومميزاً بوجود “صوت الولاية الإعلامي” وابنها البار الأستاذ ناجي فاروق، مدير عام هيئة الإذاعة والتلفزيون، الذي حرص على توثيق هذا الحدث، مؤكداً أن الإعلام شريك أصيل في الاحتفاء بالرموز.
البشارة الكبرى من جامعة دنقلا
ولعل أبرز ما خرج به حفل التكريم في دنقلا، هو المبادرة العلمية الرائدة التي أطلقها البروفيسور الوليد مصطفى إبراهيم، مدير جامعة دنقلا. حيث أعلن، في خطوة وجدت صدى واسعاً، عن تكفل الجامعة بطباعة الكتاب التراثي الفائز ونشره وتوزيعه.
هذه المبادرة نقلت التكريم من طابعه “الاحتفالي” إلى طابع “الخلود العلمي”، لتكتمل بذلك لوحة الاحتفاء بالأستاذ محمد علي الإمام؛ عالماً محققاً، وشاعراً مبدعاً، وابناً باراً احتفى به المغرب وقدره أهله في السودان حق قدره.