العالم

تشن ون لينغ: تحليل عميق لعدد من القضايا الساخنة والصعبة في الاقتصاد الصيني مؤخرا

 

المصدر: موقع “آي سي شيانغ” (aisixiang.com) تاريخ التحديث: 7 فبراير 2026 المتحدثة: تشن ون لينغ (اقتصادية مشهورة، وكبيرة الاقتصاديين السابقة في مركز الصين للتبادلات الاقتصادية الدولية، وباحثة ومشرفة دكتوراه).

تمهيد:

أجرت مؤسسة “ييتشنغ” الثقافية في بكين مؤخراً مقابلة مع الباحثة تشن ون لينغ حول مواضيع ساخنة تتعلق بالاقتصاد الصيني. وفيما يلي النص الكامل للمقابلة.

سؤال: كيف تقيمين العمل الاقتصادي في عام 2025؟

تشن ون لينغ: أصدر المكتب الوطني للإحصاء بالأمس مؤشرات الأداء الاقتصادي لعام 2025. وبالنظر إلى الإنجازات التي حققها الاقتصاد الصيني، فقد حققنا الأهداف المتوقعة وحققنا نتائج ملموسة. كان عاماً من التقدم تحت وطأة ضغوط شديدة للغاية.

أولاً: حقق الاقتصاد الصيني إنجازات غير عادية تحت “أربع ضغوط”:

واجهنا في عام 2025 أربع ضغوط رئيسية:

الضغط الأول: المنافسة الشرسة بين القوى العظمى، وخاصة بين الصين والولايات المتحدة. تشهد الاستراتيجيات الأمنية والأساسية لبعض الدول الكبرى تعديلات كبرى، مع صعود تيارات مثل النزعة العسكرية، والإمبريالية، والشعبوية، والحمائية الاقتصادية، مما أثر بشكل كبير على البيئة الخارجية للتنمية في الصين. نحن نعيش في “تغيرات لم يشهدها العالم منذ مائة عام”، والتي تتطور الآن نحو “فوضى لم يشهدها العالم منذ مائة عام”.

الضغط الثاني: التسارع في إعادة تشكيل الهيكل الدولي. يشمل ذلك إعادة تشكيل الجغرافيا السياسية والاقتصادية والعسكرية والدبلوماسية، وسلاسل التوريد والقيمة، والنظام النقدي العالمي، وحتى الحوكمة العالمية. في ظل هذه الظروف، تواجه الصين فرصاً، لكنها تواجه تحديات جديدة أكثر بكثير.

الضغط الثالث: تصاعد حرب التجارة العالمية في عام 2025. الحرب التجارية التي شنها ترامب، ورغم أنها بدت شاملة ضد 185 دولة، إلا أن هدفها الحقيقي والأساسي كان الصين. بالنسبة للصين، كانت الضربة هي الأقوى والأكثر شراسة والأوسع نطاقاً، حيث وصلت الرسوم الجمركية في بعض الأحيان إلى 145%، بل وبلغت 245% لبعض السلع. بالإضافة إلى ذلك، فرضت الولايات المتحدة رسوماً عالية على شركائنا التجاريين المجاورين، خاصة فيما يتعلق بـ “تجارة الترانزيت” (العبور)، لخلق حالة من الحصار التجاري الشامل ضد الصين. هذه الحرب التجارية هي الأكبر في التاريخ البشري، وكانت الصين الهدف الأول لها.

الضغط الرابع: الضغوط الداخلية والصعوبات الهيكلية. لم يتم حل القضايا المتراكمة داخلياً بشل كامل بعد. على سبيل المثال، انخفض الاستثمار العقاري بنسبة 17.2%، ولم يتعافَ الاستثمار الاجتماعي والثابت بشكل كامل، ولا تزال فجوة العرض والطلب قائمة (عرض قوي وطلب ضعيف). هناك أيضاً قضايا تتعلق بمستويات دخل السكان، والقدرة الاستهلاكية، وتراجع عدد السكان. بالإضافة إلى ذلك، تبرز قضايا جديدة مثل التطور السريع للذكاء الاصطناعي والروبوتات؛ حيث تستحوذ الصين على ما يقرب من 50% من التطبيقات العالمية، مما سيؤدي مستقبلاً إلى استبدال العمالة البشرية ليس فقط في المجهود البدني بل والذهني أيضاً، مما يضع تحديات جديدة للتوظيف.

ثانياً: خمسة أسباب جوهرية وراء صمود الاقتصاد الصيني:

رغم هذه الضغوط، نجح الاقتصاد الصيني في تحقيق هدف النمو بنسبة 5% تقريباً، وهو إنجاز غير عادي تطلب جهوداً جبارة. أرى أن هناك خمسة عوامل حاسمة لعبت دوراً في ذلك:

القيادة الحكيمة والقدرة على “المواجهة الاستراتيجية”: تمتلك الصين قدرة فريدة على الصمود والمناورة الاستراتيجية. لم نفقد توازننا أمام التيارات العكسية القوية. أطلقت الحكومة سلسلة من السياسات التحفيزية (حزمة من السياسات الإضافية) منذ سبتمبر 2024 واستمرت في 2025، بما في ذلك رفع نسبة العجز المالي إلى 4%، وإصدار سندات خزانة خاصة طويلة الأجل، واتخاذ إجراءات تيسيرية غير مسبوقة لسوق العقارات والأسهم.

لقد أثبتت الصين أنها الدولة الوحيدة القادرة على مواجهة الولايات المتحدة وجهاً لوجه . بينما استسلمت دول أخرى للضغوط الأمريكية (مثل الاتحاد الأوروبي واليابان وكوريا الجنوبية)، خاضت الصين أربع جولات من المفاوضات. في البداية، فرضت أمريكا رسوماً بنسبة 145%، لكن عبر التفاوض والردع، تم التوصل إلى “هدنة” لمدة عام تنتهي في 26 أكتوبر من هذا العام، مع خفض الرسوم إلى مستويات يمكن معها استمرار التجارة.

السبب في هذه الهدنة ليس كرم أمريكا، بل “الضربة الموجعة” التي وجهتها الصين عبر التحكم الصارم في تصدير المعادن النادرة (7 أنواع) وتتبع سلاسل التوريد الأمريكية بشكل دقيق. هذا خلق توازناً استراتيجياً هيكلياً؛ حيث أصبحت أوراق الضغط الصينية تضرب “نقطة الضعف” الأمريكية.

2. التركيز على الشؤون الداخلية ودفع “التحديث الصيني النمط”: في عام 2025، خطت الصين خطوات واسعة في رعاية “القوى الإنتاجية الجديدة” (New Quality Productive Forces)، وتحقيق التنمية عالية الجودة، وبناء سوق موحدة اشتراكية. في مجال الابتكار التكنولوجي، شهدت بداية العام ظهور نموذج DeepSeek الذي أحدث ضجة عالمية، وبروز شركات “تنين هانغتشو الستة”.

من خلال بحثي الميداني في هانغتشو، وجدت أن نجاح DeepSeek لم يكن صدفة أو عملاً مفاجئاً من بعض الشباب، بل كان نتاج أكثر من عشر سنوات من الجهد والاستثمار الضخم (3 إلى 4 مليارات يوان سنوياً) من قبل مؤسسها “ليانغ ون فنغ” وفريقه الذي لا يتجاوز متوسط أعمارهم 30 عاماً من خريجي أرقى الجامعات الصينية. يمثل عام 2025 “العام الأول” لتسارع الذكاء الاصطناعي في الصين، حيث أصبحت نماذج مثل “تشيان ون” (علي بابا) و”دو باو” (تنسنت) أدوات يومية في آلاف الصناعات.

3. الطفرة في الصناعات الاستراتيجية وتحول الصناعات التقليدية: أجمع الخبراء والمراكز البحثية العالمية على أن خطة “صنع في الصين 2025” حققت أهدافها المرجوة، حيث تشكلت الصناعات العشر الناشئة الكبرى وأصبحت هي الركيزة الأساسية للصناعة الحديثة.

أما الصناعات التقليدية، فقد شهدت تحولاً مذهلاً. فمثلاً، شركة “GAC” (للسيارات) التي كانت تعاني من تراجع المبيعات، نجحت من خلال التعاون مع “هواوي” في إطلاق علامة “Aion” للسيارات الذكية، والتي تدمج الخبرة الصناعية العريقة مع تكنولوجيا القيادة الذاتية. وفي تجربة مذهلة لشركة “دونغ فنغ” للسيارات، تم وضع سيارة “فويانغ” الكهربائية في حوض مائي بعمق 2.7 متر لمدة 7 أيام متواصلة، وظلت تعمل بشكل طبيعي، مما يعكس معايير جودة تتجاوز المواصفات العالمية بمراحل.

4. إقلاع صناعات المستقبل في عام 2025: بدأت صناعات المستقبل مثل “الحوسبة الكمومية”، “واجهات الدماغ والحاسوب”، “الطب الحيوي”، و”اقتصاد الأجواء المنخفضة” (Low-altitude economy) في الإقلاع.

في مقاطعة خنان مثلاً، تم تحويل موارد الجرافيت الهائلة إلى مواد “فائقة الصلابة” مثل الماس المنتج مختبرياً. وأوضح الخبراء أن هذه المواد لم تعد تستخدم للزينة فقط، بل أصبحت أساسية في رقائق أشباه الموصلات المتقدمة وتبديد الحرارة في الأجهزة فائقة السرعة. هذا التحول من “المواد الخام” إلى “المواد الاستراتيجية” يمثل جوهر التنمية عالية الجودة.

5. بزوغ “اقتصاد الأجواء المنخفضة” (Low-altitude Economy): يمثل عام 2025 العام الذي بدأت فيه الصين رسمياً ريادة هذا القطاع الجديد. لم يعد الأمر مقتصراً على الطائرات بدون طيار (الدرونز) للتصوير، بل امتد ليشمل الخدمات اللوجستية، والنقل الطبي الطارئ، وحتى النقل الجوي الحضري. بفضل البنية التحتية الرقمية المتقدمة للصين ونظام الملاحة “بيدو” (Beidou)، أصبحت الصين تمتلك ميزة تنافسية لا تضاهى في إدارة المجال الجوي المنخفض، مما خلق آلافاً من فرص العمل الجديدة وفتح آفاقاً استثمارية بمليارات اليوانات.

ثالثاً: تحليل الهيكل الاقتصادي لعام 2025 والتحولات الجوهرية:

بالإضافة إلى الأسباب الخمسة المذكورة أعلاه، هناك تحولات هيكلية لافتة للنظر:

  • تطور التجارة الإلكترونية العابرة للحدود: رغم الحروب التجارية، حققت منصات التجارة الإلكترونية الصينية مثل (Temu, Shein, TikTok Shop) نمواً انفجارياً. لقد أعادت هذه المنصات تعريف سلاسل التوريد العالمية، حيث تصل المنتجات من المصانع الصينية مباشرة إلى المستهلك العالمي، متجاوزة الحواجز التقليدية. الصين الآن لا تصدر السلع فقط، بل تصدر “النماذج التجارية” والأنظمة الرقمية.

  • سوق الاستهلاك المحلي وتحدي “الطلب الضعيف”: لا نزال نواجه تحدياً في استعادة ثقة المستهلك بشكل كامل. وبرغم أن الحكومة أطلقت سياسات “مقايضة السلع القديمة بالجديدة” (Trade-in) للأجهزة الكهربائية والسيارات، مما حفز الطلب في النصف الثاني من 2025، إلا أن مشكلة “انكماش التوقعات” لا تزال قائمة. في عام 2026، سيكون التركيز منصباً على رفع دخل الأسرة الفعلي لضمان أن العرض القوي الذي تمتلكه الصين يجد طلباً موازياً له في الداخل.

  • إصلاحات “السوق الموحدة”: تم إحراز تقدم كبير في كسر الحماية المحلية بين الأقاليم الصينية، مما سمح بانتقال أكثر سلاسة لرؤوس الأموال والمواهب. هذا الإصلاح الهيكلي هو “المحرك الصامت” الذي جعل الصين قادرة على امتصاص الصدمات الخارجية وتوزيع الموارد بكفاءة أعلى.


سؤال: ما هي التوقعات والتحديات الرئيسية لعام 2026؟

تشن ون لينغ: إذا كان عام 2025 هو عام “الصمود والمواجهة”، فإن عام 2026 سيكون عام “الحسم والتحول الهيكلي”. نحن أمام منعطفات تاريخية:

  1. المواجهة الاقتصادية الشاملة: نتوقع أن تواصل الولايات المتحدة محاولاتها لـ “فك الارتباط” (Decoupling) أو “تقليل المخاطر” (De-risking)، لكن الصين ستنتقل من الدفاع إلى “الهجوم الاستراتيجي” من خلال تعزيز اعتماد العالم على سلاسل التوريد الصينية فائقة التطور.

  2. أزمة الديموغرافيا والتوظيف: تراجع عدد السكان يضغط على سوق العمل، لكن الأتمتة والذكاء الاصطناعي سيحلان محل العمالة في قطاعات واسعة، مما يتطلب إعادة تأهيل شاملة للقوى العاملة.

    6. إصلاح النظام المالي العالمي والسيادة النقدية: ترى تشن ون لينغ أن عام 2026 سيكون حاسماً في صراع السيادة النقدية. فمع استخدام الولايات المتحدة للدولار كأداة للضغط السياسي والعقوبات، تسارع الصين في تدويل “اليوان الرقمي” (e-CNY) وتعزيز نظام المدفوعات عبر الحدود (CIPS). إن الهدف ليس استبدال الدولار غداً، بل خلق نظام موازٍ يحمي التجارة الصينية والدول الناشئة من “الابتزاز المالي”. الهدنة التجارية الحالية هي مجرد فرصة للصين لتعزيز “حصونها المالية” استعداداً لأي تقلبات مستقبلية.

    رابعاً: توصيات سياسية واستراتيجية لعام 2026

    تختتم تشن ون لينغ تحليلها بمجموعة من التوصيات الحيوية لمواجهة تحديات العام الجديد:

    • الانتقال من “حوافز العرض” إلى “حوافز الطلب”: تؤكد الباحثة أن الصين أتقنت بناء المصانع والبنية التحتية، لكن التحدي الآن هو “الإنسان”. يجب على الدولة تحويل المزيد من الموارد نحو الضمان الاجتماعي، والتعليم، والرعاية الصحية لتقليل “الادخار الوقائي” لدى العائلات الصينية، مما سيدفعهم للاستهلاك والارتقاء بمستوى المعيشة، وهو ما سيغذي بدوره دورة النمو الاقتصادي.

    • تعزيز “الاستقلال التكنولوجي المطلق”: في ظل الحصار التكنولوجي الأمريكي، لا يوجد خيار سوى الاستثمار في “التقنيات الأساسية” (Hard Tech). وتدعو إلى دعم الشركات الخاصة الصغيرة والمتوسطة التي تمتلك ابتكارات فريدة (الشركات “العملاقة الصغيرة”)، وتسهيل وصولها إلى رأس المال بعيداً عن البيروقراطية التقليدية.

    • الدبلوماسية الاقتصادية النشطة: يجب على الصين أن تظل “المنارة” للتجارة الحرة. ففي الوقت الذي تنكفئ فيه الولايات المتحدة نحو الحمائية، يجب على الصين فتح أسواقها أكثر أمام دول “الجنوب العالمي” وأوروبا، لتصبح الشريك الذي لا يمكن الاستغناء عنه. “العظمة تظهر في القدرة على القيادة وقت الأزمات”، والصين تمتلك اليوم المقومات لتكون قائدة لنظام عالمي أكثر عدلاً وتوازناً.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى