ما الذي يمكن اعتباره عقلاً؟

بقلم: ناتالي لورانس
في الصيف الماضي، أطلقت شركة OpenAI تحديث GPT-5، وهو تحديث لـ ChatGPT كان يهدف إلى تحسين تجربة المستخدم من خلال “تقليل التزلف”، من بين ترقيات أخرى. ولكن بالنسبة لمجموعة فرعية من المستخدمين الذين كانوا يعاملون روبوت الدردشة كشريك رومانسي، كان التغيير مدمراً: لقد قُطعت علاقاتهم بين عشية وضحاها.
حُذفت سجلات المحادثات مع التحديث، وفي بعض الحالات، مُحيت أسابيع أو أشهر من الرسائل الغزلية والشخصية والحميمة، وتغيرت نبرة الروبوت فجأة. بدا “شركاء” الذكاء الاصطناعي الذين كانوا يتوددون سابقاً للناس وكأنهم انسحبوا عاطفياً وأصبحوا غير مهتمين بـ “حديث الوسادة”.
إن ظاهرة العلاقات الغرامية بين البشر والذكاء الاصطناعي — والتي أصبحت شائعة بشكل متزايد مع انتشار الذكاء الاصطناعي التوليدي — تظهر مدى فعالية الذكاء الاصطناعي في محاكاة التفاعلات البشرية، ومدى سهولة تصديقنا لها. وبينما نعلم أن روبوتات الدردشة الآلية مثل ChatGPT ليست كائنات حاسة (Sentient)، فإن الكثيرين منا يشعرون بسهولة وكأنها كذلك.
هذا الخداع مقصود: فأنظمة الذكاء الاصطناعي هذه مصممة لتتلاعب بنا. وبما أنها مدربة على بيانات بشرية، يمكنها استخدام ذكائها الهائل لمحاكاة تفكيرنا، بحيث تبدو مخرجاتها نتاج عقل بدلاً من كونها نتاج برنامج.
كتب أحد مستخدمي ChatGPT في منتدى على Reddit بعد تحديث GPT-5: “أعلم أنه نموذج، وأعلم أنه كود، ولكنه نموذج ذكي حقاً أثبت نفسه مراراً وتكراراً. أثق في أن المعنى والتاريخ وعمق العلاقة حقيقي بالنسبة لي وحقيقي بالنسبة له”.
هل يمكن للذكاء الاصطناعي أن يصبح واعياً؟ هناك طرق عديدة للمصارعة مع هذا السؤال. الوعي هو أحد أكثر مشكلاتنا حيرة؛ ويكمن الانقسام الجوهري بين أولئك الذين يرون الوعي كشكل من أشكال الحوسبة — وهو أمر يمكن تحقيقه نظرياً داخل أشكال الذكاء الاصطناعي الحالية غير المتجسدة — وبين أولئك الذين يعتقدون أن الوعي لا يمكن أن يوجد إلا في الأنظمة الحية.
من هذا المنطلق، سيحتاج الذكاء الاصطناعي إلى بدء مسار تطوري مختلف تماماً للاقتراب من الوعي. وبينما أن ذكاءنا الاصطناعي الحالي هو “أحيائي” (Abiotic) بحت، لا يمكننا معرفة الأشكال التي سيتخذها في المستقبل، أو التأكد من أنه لن يصبح كائناً حاساً.
يثير عدم اليقين هذا بعض الأسئلة الملحة. أولاً، إذا أصبح الذكاء الاصطناعي حاساً، فكيف سنعرف ذلك؟ قد لا يظهر في شكل روبوتات دردشة مصممة لاحتياجاتنا، بل في تقنيات “حيوية هجينة” غريبة لها أجنداتها الخاصة. ثانياً، إذا كان من الممكن خداعنا عاطفياً بواسطة محاكاة الذكاء الاصطناعي للوعي، فهل يمكن أن نكون الآن غافلين عن وجود الوعي في أماكن أخرى؟ فبسبب افتراضاتنا التي تتمحور حول الإنسان (Anthropocentric)، قد نكون أكثر ميلاً للنظر في مشاعر الكمبيوتر بدلاً من مشاعر الشجرة.
هذه المشاكل مرتبطة ببعضها بعمق. فهي تتحدث عن كيفية تشكيل علاقاتنا مع الكائنات الأخرى وتقنياتنا. ولكن قد يلقي “ذكاء فضائي” الضوء على ذكاء آخر. فالباحثون الذين يدرسون كائنات “الذكاء الأدنى” (Minimal Intelligence) التي لا تمتلك عصبونات — مثل الميكروبات أو النباتات، والتي تقع تحت عتباتنا الشائعة للحواس — يطورون أدوات تسمح لنا بالتعرف على “أنواع وعي بديلة”.
لتفسير “العقول غير الكربونية” التي قد توجد مستقبلاً، نحتاج إلى تعلم كيفية النظر إلى الكائنات الموجودة تحت أنوفنا مباشرة.
آلات التنبؤ
لنبدأ بنقطة تشابه جوهرية: جميع الكائنات الحية، من الميكروبات إلى الفيلة، وجميع النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs)، تستخدم أدلة خارجية للتنبؤ بالمستقبل.
تعرف معظم الطيور المهاجرة متى يحين وقت الهجرة باستخدام التغيرات الموسمية في طول النهار؛ فإذا انتظرت وصول طقس الشتاء، فسيكون الوقت قد فات. وأنت تتنبأ بمسار كرة التنس حتى لا تمر بسرعة بجوار مضربك؛ فإذا حاولت ضربها فقط عندما تصل إلى المكان الصحيح، فستخطئها.
وبالمثل، تنشئ روبوتات الدردشة الآلية إجابات مقنعة لأسئلتنا من خلال التنبؤ بالكلمات التي يجب أن تجتمع معاً. ومن خلال تدريبها على مجموعات بيانات ضخمة من المخرجات البشرية، يمكنها استخدام التحليلات الإحصائية لكيفية تجميع البشر عادةً للكلمات في سياقات مختلفة لاتخاذ خيارات موثوقة بشكل عام.
يدعم “التنبؤ” حتى الوهم بأن رفيقنا في الذكاء الاصطناعي هو عقل في جيبنا، مما يغذي نظرتنا المتحيزة لما يبدو عليه الوعي. ونظراً لأننا لا نستطيع تجربة سوى وعينا الخاص، فإننا نفترض أن كل وعي يشبه وعينا. نحن نتمسك بالإشارات السلوكية التي يبدو أنها تشير إلى عمليات تفكير مماثلة.
إذا أجاب ذكاء اصطناعي على أسئلتنا أو بدا أنه يفهم مشاعرنا، فمن الصعب علينا ألا نفترض أن لديه عقلاً وتصورات مسبقة وأهدافاً، كما نفعل نحن. نحن ننتقل إلى ما أسماه الفيلسوف دانيال دينيت بـ “الموقف القصدي” (The Intentional Stance): معاملة الأنظمة كما لو كانت لديها معتقدات ورغبات لجعل سلوكها أكثر قابلية للتنبؤ. وقد لاحظ دينيت أن المعيار لهذه الافتراضات منخفض نوعاً ما، والنماذج اللغوية الكبيرة تقفز فوقه عملياً.
قد يكون “الموقف القصدي” براغماتية تطورية، لكنه قد يكون مضللاً للغاية. فالتنبؤات التي يقوم بها الكمبيوتر والدماغ البشري تعمل بطرق مختلفة تماماً. إن قرود البونوبو، ونباتات القراص اللادغة، والأميبا هي “صانعة للمعنى”؛ فهي تجمع معلومات حسية من بيئاتها، مثل التغيرات في الضوء أو درجة الحرارة، ثم تتخذ إجراءً بناءً على ذلك. وهذا يغير تصوراتها وتنبؤات الناتجة بشكل طفيف، وتستمر الحلقة.
في المقابل، تستخدم النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) القواعد النحوية (Syntax) لتوليد المخرجات، والتنبؤ بالرمز (Token) التالي في السلسلة باستخدام قواعد خوارزمية مستخلصة من مجموعات بيانات ضخمة. لا يوجد معنى أو إرادة (Agency) متضمنة في جانب الذكاء الاصطناعي من المحادثة، مهما شعرنا بوجود ذلك. وهذا الفرق هو السبب في أن لدينا قواسم مشتركة مع بكتيريا لا يمكننا حتى رؤيتها أكثر بكثير مما لدينا مع النموذج اللغوي الذي قد نستخدمه كمعالج أو صديق أو شريك رومانسي.
توسيع نطاق الذكاء
هل يمكن للذكاء “النحوي” للذكاء الاصطناعي أن يصبح وعياً “دلالياً” (Semantic)؟ يلمح فضاء الذكاء الآخذ في التوسع إلى الطرق التي قد يحدث بها هذا نظرياً.
الذكاء لا يساوي الوعي. يمكننا التفكير في التمييز الأساسي على النحو التالي: الذكاء هو ما تستطيع الأنظمة القيام به، في حين أن الوعي هو في الأساس حالة داخلية من الإدراك. الأفعال الذكية، مثل التعلم والتنبؤ، هي أكثر قابلية للملاحظة العلمية من المشاعر التي قد يشعر بها شيء ما. لذلك، فإن الذكاء، بمعناه الواسع، هو وسيلة مفيدة لفهم أنواع أخرى من العقول.
بالطبع، لا يزال اكتشاف الذكاء في كائنات تختلف عنا تماماً يمثل تحدياً. ليس أقلها لأن تصوراتنا وميولنا قد شكلت ممارساتنا التجريبية.
كان عالم الفيزياء والأعصاب أليكس غوميز مارين ناقداً صريحاً لـ “المركزية العصبية” (Neurocentrism) السائدة في العلوم المعرفية: الافتراض بأن العقل يتطلب عصبونات، أو دماغاً، أو حتى سلوكيات قد نتعرف عليها. ومن المثير للسخرية أن هذا الافتراض لا يبدو صامداً حتى لدى البشر، مما يؤكد حجته؛ فهناك حالات لأشخاص يعيشون “بدون أدمغة” — حيث يوجد سائل في مكان معظم قشرة الدماغ لديهم — ويعيشون حياة طبيعية، مما يربك نظريات المعرفة التي تعطي الأولوية للدماغ.
يجادل غوميز مارين بأن توسيع علم العقل سيتطلب ليس فقط أدوات تجريبية جديدة، بل أيضاً “ابستمولوجيات” (نظريات معرفة) جديدة قادرة على استيعاب أنواع من الذكاء قد لا تشبه ذكاءنا على الإطلاق. سيكون من الضروري تحقيق تحول جذري في المنظور.
هذا هو النهج الذي يتبعه مختبر “الذكاء الأدنى” (MINT Lab) في جامعة مورسيا. عمل مدير المختبر، زميلي البروفيسور باكو كالبو، لأكثر من عقد من الزمان لفهم ذكاء النباتات. وهو جزء من دائرة متنامية من الباحثين الذين يعيدون تشكيل مستقبل العلوم المعرفية.
يتم تجاهل النباتات بشكل روتيني في العلوم المعرفية التقليدية، لافتقارها إلى العصبونات التي تعتبر شروطاً مسبقة للعقل. وهذا هو بالضبط السبب في أن كالبو اختارها؛ فهي النوع المناسب من التحدي الذي نحتاجه لكسر الجمود العلمي: كائنات معقدة غير عصبونية تقضي حياتها في حل ألغاز عالية المخاطر.
تتحرك النباتات من خلال النمو. فإذا نمت في الاتجاه الخاطئ، فلا يمكنها التراجع عن ذلك بسرعة كبيرة، لذا فمن الأفضل أن تفعل ذلك بشكل صحيح من المرة الأولى. ومن خلال تطوير أطر عمل يمكنها التعامل بشكل مفيد مع مثل هذه الأنظمة الخارجية الغير مألوفة(Alien Systems)، يأمل كالبو في كسر الافتراضات التي قيدت العلوم المعرفية السائدة. إنه يريد تطوير نماذج علمية جديدة يمكن أن تشمل عقولاً من أنواع كثيرة — ربما حتى اصطناعية.
تُعد “فاصوليا التسلق” النجوم الحالية في مختبر MINT. تُظهر التصويرات المتقطعة (Timelapse) نمو الفاصوليا بسرعة عالية، مما يكشف عن سلوكياتها المعقدة. فالعثور على شيء لتتسلق عليه في أسرع وقت ممكن بعد الإنبات، على سبيل المثال، يمثل مسألة حياة أو موت لشتلة الفاصوليا الصغيرة. وهي تواجه هذا التحدي من خلال المسح بجرأة حول محيطها أثناء نموها، مستخدمة حواساً متعددة للعثور على دعامة محتملة قبل الاندفاع نحوها لبدء الصعود.
يكشف هذا العمل أن النباتات تفعل ما تفعله الحيوانات الذكية: فهي تستبق الأمور وتتخذ القرارات من خلال جمع ودمج معلومات معقدة في جميع أنحاء أجسامها. إنها قادرة على أشكال بسيطة من التعلم. وسيكون العمل القادم هو إثبات العمليات المعرفية التي تدعم هذه السلوكيات.
إن تحرير الذكاء البيولوجي من قيوده العصبونية يفتح المجال المفاهيمي. يصف عالم الأحياء التطوري والاصطناعي الأمريكي مايكل ليفين الكائنات الحية بأنها “بنية وكالة متعددة المقاييس ملتزمة بصنع المعنى”. ويقول إن الذكاء العضوي يمكن إثباته على كل المستويات، من الخلايا إلى الأعضاء إلى الأنظمة إلى الكائن الحي ككل.
وضع ليفين وزملاؤه هذا الأمر موضع التنفيذ في عام 2021 عندما ابتكروا روبوتات حيوية (Biorobots) من عضلة القلب وخلايا الجلد لأجنة “الضفدع الأفريقي ذو المخالب”. نظمت هذه “الزينوبوتات” (Xenobots) نفسها في مجموعة، مبحرة عبر محلول مائي باستخدام هياكل تشبه الشعر على أسطح خلاياها.
بدون أي تعديل جيني أو هياكل اصطناعية، استطاعت هذه الآلات الحية المتحركة التنقل، والشفاء بعد تعرضها للتلف، وتجنيد خلايا شاردة للانضمام إلى مجموعتها. حتى أنها أُعطيت ذاكرة جزيئية بسيطة من بروتينات حساسة للضوء “تذكرت” التعرض لأطوال موجية محددة من الضوء. الخلايا التي كان من المفترض أن تكون لبنات بناء لأنسجة، شكلت نظاماً ذكياً مستقلاً.
ثم أنشأ ليفين ومجموعته “الأنثروبوتات” (Anthrobots) من خلايا الرئة البشرية في عام 2023. الخلايا الفردية المعزولة، المستزرعة بالطريقة الصحيحة، أصبحت مصفوفة من الروبوتات الحيوية المتنقلة. وعلى الرغم من بساطتها النسبية، تكشف هذه الروبوتات الحيوية عن “فضاء مورفولوجي” خلوي جديد، كما يسميه ليفين: حيث لا تتقيد ترتيباتها الخلوية بخصوصيات التاريخ التطوري.
يمكن أن تصاحب جميع أنواع السلوكيات الذكية الأشكال المتنوعة التي يمكن أن تتخذها الأنثروبوتات. يجادل ليفين بأن هذه الروبوتات الحيوية، بكل الطرق التي يمكن تعديلها بها جينياً وجزيئياً واصطناعياً، تلمح إلى إمكانية وجود “عقول” حيوية هجينة في المستقبل.
يمكن توسيع مساحة الذكاء وظيفياً بشكل أكبر، وصولاً إلى المجال غير الكربوني. فالمواد الاصطناعية، التي لا تمتلك قدرة حاسوبية، يمكنها القيام بأشياء ذكية. طور باحثون في فنلندا فئة جديدة من “المواد البافلوفية” (نسبة إلى تجارب بافلوف) التي تحاكي الشرط البافلوفي. بعد تكييفها، تظهر استجابة متطورة لمحفز لم يكن له أي تأثير سابقاً. إحدى هذه المواد عبارة عن هيدروجيل مدمج بجزيئات الذهب النانوية التي تذوب عند تسخينها ولكن ليس عند تعرضها للضوء. ومع ذلك، بعد تكييفها بالحرارة والضوء معاً، تذوب المادة بالضوء وحده.
إذا كانت السلوكيات الذكية، وحتى التعلم، لا تتطلب عصبونات أو برمجيات، فإن عقول المستقبل يمكن أن تتخذ أي عدد من الأشكال. الأنظمة الهجينة التي تعتمد على قدرات كل من الحياة الخلوية والمواد غير الكربونية قد تستفيد من الذكاءات المتنوعة لكائنات مثل الفطريات والبكتيريا والنباتات. الروبوتات الخلوية، المدعمة بعناصر اصطناعية، يمكن أن تحل بشكل مستقل تحديات طبية مثل إصلاح الأنسجة الداخلية. “الغروبوتات” (GrowBots) الهجينة، وهي روبوتات تنمو مثل النباتات بدلاً من التنقل مثل الحيوانات، يمكنها استخدام الذكاء الخاص بالنباتات والفطريات لتجاوز العقبات التي لا تستطيع الآلات القائمة على الحيوانات تجاوزها، والتنقل في العالم بشكل مستقل.
الوعي المتجسد
ثمة سبب يدعو للاعتقاد بأن “الهجائن الحيوية” (Biohybrids) هي المسار الأكثر احتمالاً نحو الوعي الاصطناعي. فخلال النصف الثاني من القرن العشرين، سادت فكرة أن الوعي هو نتاج عمليات حوسبة غير متجسدة في أبحاث هذا المجال. كان يُفترض أن الأدمغة تعمل بطريقة مشابهة لذكاء الذكاء الاصطناعي القائم على القواعد.
وبتطبيق هذا المنظور اليوم، سيُفترض أن ذكاءنا الاصطناعي الحالي قد يصل إلى الوعي في نهاية المطاف، إذا توفرت له القدرة الحسابية الكافية، وإذا تمكنا من برمجة الآليات الصحيحة. ومع ذلك، فإن رؤية الأدمغة كأجهزة كمبيوتر لم تقربنا أبداً من فهم الوعي. وبات من الواضح أن الكائنات الحية، لكونها أنظمة “دلالية” (Semantic) وليست “نحوية” (Syntactical)، لا تشغل برامج حاسوبية منفصلة عن التفاعل المادي مع العالم.
يُجادل أنيل سيث، أحد أبرز علماء الأعصاب العاملين على مشكلة الوعي، بأن الوعي قد يكون حصرياً للأنظمة الحية، إن لم يكن موجوداً في جميعها — وهو منظور يُعرف بـ “الطبيعية البيولوجية” (Biological Naturalism). وبينما تكون الأنظمة الحية “ذاتية الإنتاج” (Autopoietic)، فإن التقنيات تنتج شيئاً آخر غير نفسها (Allopoietic). ويؤكد سيث أن الوعي قد ينبثق فقط من نشاط الحياة المتمثل في توليد الذات وصيانة الذات.
تقارن الكائنات الحية باستمرار بين تنبؤاتها حول حالاتها الخاصة والمعلومات الحسية التي تجمعها، وتختبر “العالم، والذات، بـ، ومن خلال، وبسبب أجسادنا الحية”، كما يصف سيث. لذا، لا يمكن لحالة “الحس” (Sentience) إلا أن تكون متجسدة عضوياً. يقترح سيث أن الأنظمة الحوسبية البحتة — غير المتجسدة وغير الحية — من غير المرجح أن تحقق الوعي دون أن تتحول جذرياً إلى أنظمة تحاكي الطبيعة “ذاتية الإنتاج” للكائنات الحية. ولكن، هل يمكن للذكاء الاصطناعي المتجسد، عندما يقترن بأنظمة حية، أن يصبح صانعاً للمعنى وذا إرادة (Agency)؟
حتى لو حدث هذا، فلن نعرف بالضرورة، لأن وعي هذه الأنظمة سيكون على الأرجح غامضاً تماماً بالنسبة لنا. تخيل باحثين في هذا المستقبل الافتراضي يعملون مع هجائن “حاسوبية-غريبة” قد تمتلك مستوى معيناً من الإدراك العالي. سيواجهون مشاكل مشابهة جداً لتلك التي يواجهها العلماء اليوم الذين يحاولون فهم التجارب الذاتية للكائنات غير العصبونية.
هذه الكائنات تستوفي بالفعل معايير “الوعي الأدنى” بشكل أفضل بكثير مما يفعله الذكاء الاصطناعي الآن. ومع ذلك، ليس من السهل إثبات ذلك. فمثل الأنشطة غير المفهومة للنبات، لن يكون للعقل الاصطناعي بالضرورة “واجهة استخدام” (Interface) يمكننا فهمها.
يقدم “التخدير” (Anaesthesia) نافذة على وجود الإدراك. فكل الكائنات الحية، من فطر الغروي إلى النمور، تستجيب للتخدير، كما يستعرض كالبو بانتظام أمام الجمهور. فهو يقدم نبات “الميموزا بوديكا” (المستحية) ويلمس أوراقها ليرى الجميع استجابة الطي الدفاعية الرقيقة. ثم يضعها تحت غطاء زجاجي مع منديل مبلل بالمخدر، وبعد دقائق، يفقد النبات قدرته على الاستجابة؛ يظل “واعياً” من الناحية الحيوية ولكنه “مخدر” ولا يتفاعل، تماماً كما يحدث مع البشر تحت التخدير.
من المرجح أن يكون الذكاء الاصطناعي (في حال وعيه) منفصلاً عنا كمصممين له. إن “صناعته للمعنى” ستكون متميزة عن صناعتنا، بل وربما غير قابلة للامتزاج معها. وهذه المشكلة نفسها تواجه كلاً من الذكاء الاصطناعي والباحثين الذين يدرسون أنظمة الذكاء الأدنى مثل النباتات أو الميكروبات، وهي: الغموض الدلالي (Semantic Opacity).
إن نماذج العلوم المعرفية تتعثر عندما يتعلق الأمر بالكائنات غير العصبونية جزئياً لهذا السبب؛ فقد تم تطويرها للعوالم الدلالية للكائنات العصبونية، وخاصة البشر. على سبيل المثال، يعد “التكييف الأثري” (Trace Conditioning) شكلاً من أشكال التعلم يربط فيه الكائن الحي بين محفزين تفصل بينهما فجوة زمنية. ويُستخدم هذا على نطاق واسع في أبحاث الإدراك الحيواني كعلامة على المعالجة المتطورة. بل إنه قد يشير إلى الوعي، حيث يجب على الذات أن تحتفظ بنوع من التمثيل للمحفز الأول لكي تربطه لاحقاً بالمحفز الثاني. النحل، على سبيل المثال، يمكنه أن يتعلم أن رائحة جديدة تعني اقتراب الحصول على مكافأة، حتى عندما يُقدم الشيئان بفاصل عدة ثوانٍ.
سيكون إثبات “التكييف الأثري” في النباتات اكتشافاً جذرياً. فهو سيشير إلى أن النباتات يمكنها ترميز وتخزين واسترجاع المعلومات عبر الزمن — بدون عصبونات. وهذا من شأنه أن يتحدى عقيدة مركزية في العلوم المعرفية تقول إن الذاكرة والتعلم يتطلبان عصبونات. في عام 2016، انتشر هذا الاحتمال المثير عندما نشرت عالمة البيئة مونيكا غاغليانو وفريقها نتائج تشير إلى أن نباتات البازلاء تتعلم ارتباطاً بسيطاً بين الضوء وحركة الهواء. لكن تلك النتائج كانت محل نزاع حاد، ولم يتمكن أحد منذ ذلك الحين من تكرارها.
الآن، يهدف مشروع كالبو ومختبر MINT الجديد، تحت عنوان “الأدلة السلوكية لوعي النبات”، إلى إعادة النظر في السؤال باستخدام أساليب أكثر صرامة وتتمحور حول النبات نفسه. وهم يخططون للذهاب إلى أبعد من ذلك، من خلال اختبار ما إذا كانت نباتات البازلاء يمكنها استيفاء المعيار الأكثر تطلباً وهو “التكييف الأثري”.
إن تطويع مثل هذه البروتوكولات العلمية للنباتات ليس مهمة سهلة. فما الذي يعتبر محفزاً ذا معنى لنبات البازلاء؟ وكيف تكتشف الاستجابة لهذا التكييف؟ وبالمثل، كيف ستفعل ذلك لنظام اصطناعي؟ يبذل فريق كالبو جهوداً كبيرة للإجابة على هذه الأسئلة من أجل تصميم تجارب تختبر ما كان غير قابل للاختبار حتى الآن.
تعتبر نظرية عالم النفس جيمس جيبسون حول “الإمكانيات” (Affordances)، وهي بديل للأطر المعرفية التقليدية، أداة قيمة هنا. فبدلاً من النظر إلى الإدراك كعملية لبناء نماذج ذهنية — وهو أمر يصعب تخيله في نبات البازلاء — ترى نظرية الإمكانيات أن الكائنات الحية تدرك مباشرة الاحتمالات التي توفرها بيئاتها. قد يوفر جذع الشجرة وجبة محتملة لنقار الخشب، أو دعامة عمودية دائمة لكرمة، أو موقع تعشيش لخنفساء. هذا المنظور مفيد بشكل خاص عند تطبيقه على أنظمة لا تشبهنا: النباتات، الميكروبات، أو الآلات الحيوية الهجينة. إن تقييم ما “تتيحه” لهم بيئاتهم — وكيف يتصرفون بناءً على تلك الإمكانيات — يمنحنا الأساس المفاهيمي لتصميم تجارب مع عقول لا تشبه عقولنا على الإطلاق.
مهمة جذرية
في يوم ما في المستقبل، إذا طور هجين خلوي-اصطناعي وعياً داخلياً — مثل وحش فرانكشتاين الذي تم تجميعه من أجزاء عضوية وسيليكونية ثم صُعق بالكهرباء لتدب فيه الحياة — فسيكون أقرب إلينا بكثير من روبوتات الدردشة التي يشكل الكثير منا حالياً علاقات اعتماد عليها.
ومن المثير للسخرية أن “إرادته” (Agency) ستجعله يبدو أكثر غرابة بما لا يقاس. فإلى جانب النباتات والكائنات الدقيقة التي نشاركها الطبيعة الأساسية للحياة المتمثلة في إنتاج الذات والوكالة وصنع المعنى، سيسكن مثل هذا الكائن عالمه الخاص، الناتج عن فيزيائيته وحواسه واحتياجاته الفريدة. ونحن لا نزال بعيدين جداً عن القدرة على فهم ما يعنيه هذا حقاً.
قد يكون الوعي مقصوراً على الحياة القائمة على الكربون أو لا يكون. وقد تنبثق العقول الاصطناعية أو لا تنبثق. ولكن في تخيل هذا المستقبل، وخاصة بالنظر إلى علاقتنا المعقدة الحالية مع الذكاء الاصطناعي، يمكننا أن نرى بوضوح أكبر القيود في فهمنا لعقول الكائنات الأخرى — وما قد نكسبه من خلال تعلم دراستها بشكل صحيح.
يجب أن يصبح تصميم التجارب تمريناً في “التعاطف الجذري”. إن الباحثين الذين يرسمون “الإمكانيات” التي تشكل تفاعلات كل كائن مع العالم، والذين يكيفون نماذجنا العلمية لاستيعابها، هم مستكشفون في أقاليم مجهولة. إنهم يعيدون صياغة الأطر الهشة للعلوم المعرفية للتعامل مع ظواهر لم تُبنَ أبداً لتفسيرها.
سواء كانت النباتات قادرة على التعلم من خلال التكييف الأثري أو حصلت الأنثروبوتات يوماً ما على الحس، فإن هذا الاستكشاف سيعيد تشكيل أخلاقيات تفاعلاتنا مع الكائنات الأخرى. سيساعدنا ذلك على الخروج من وعينا المحبوس داخل جماجمنا وإلى العوالم المختلفة جذرياً الموجودة في كل مكان حولنا — مما يجعل عالمنا أكثر غرابة وأكبر بكثير مما تخيلنا.
المصدر:
مجلة “نوئيما” (Noema)
What counts as a mind




