ثقافة وفنون

الصين: تاريخ آسيوي

1. إعادة تعريف “الصين الإسلامية” وتحدي السرديات التقمم

يفتتح الكتاب بطرح حجة مركزية تهدف إلى تغيير فهمنا لتاريخ المسلمين في الصين. بدلاً من النظر إلى “الإسلام في الصين” كظاهرة هامشية أو معزولة، يقترح المؤلف مصطلح “الصين الإسلامية” (Islamic China) للإشارة إلى شبكة مترابطة من المجتمعات التي اعتبرت نفسها مسلمة وصينية في آن واحد. يجادل الكتاب بأن الدراسات السابقة ركزت بشكل مفرط على النصوص المكتوبة باللغة الصينية (ما يسمى “هان كتاب”) لشرح كيفية “تأقلم” الإسلام مع الثقافة الصينية، مما خلق صورة مشوهة تصور المسلمين الصينيين كغرباء دائمين أو كحالة استثنائية. يهدف الكتاب إلى جعل وجود المسلمين في الصين أمراً “عادياً” (Ordinary) وغير مفاجئ، من خلال الكشف عن الروابط العميقة التي جمعتهم بالعالم الإسلامي الأوسع عبر آسيا، واستخدامهم للغات الفارسية والعربية بجانب الصينية.

2. ثنائية “العادي” و”الاستثنائي” في التاريخ الإسلامي الصيني

يميز المؤلف بين النصوص “العادية” (Ordinary) والنصوص “الاستثنائية” (Extraordinary). النصوص العادية هي تلك التي كانت متداولة بشكل يومي في المدارس والمساجد (غالباً بالفارسية والعربية)، والتي لم تكن بحاجة لتبرير وجود الإسلام في الصين لأنها كانت جزءاً من النسيج الطبيعي للمجتمع. في المقابل، ركزت الدراسات الغربية والصينية على النصوص “الاستثنائية” (مثل كتابات “هان كتاب”) التي كتبت بالصينية للدفاع عن الإسلام وتبريره أمام النخبة الكونفوشيوسية، لأن هذه النصوص تتوافق مع افتراضات المستشرقين حول “تناقض” الإسلام مع الصين. يجادل ثوم بأن التركيز على الاستثنائي طمس حقيقة الحياة الفكرية اليومية للمسلمين، والتي كانت مرتبطة عضوياً بشبكات العالم الإسلامي.

3. شخصية ما ليانيوان (Ma Lianyuan): تجسيد للارتباط العالمي

يتخذ الكتاب من شخصية العالم “ما ليانيوان” (1841-1903) نموذجاً لفهم “العادية” في الصين الإسلامية. كان “ما ليانيوان” عالماً من يونان، ومع ذلك، عندما سافر إلى الهند، اندمج بسلاسة في المجتمع العلمي هناك ونشر كتباً بالعربية تحت اسم “نور الحق”. يكشف هذا أن الثقافة الإسلامية في الصين لم تكن معزولة، بل كانت جزءاً من فضاء فكري مشترك يمتد من البلقان إلى بكين. كتب “ما ليانيوان” شروحات لكتب الفقه الحنفي (مثل الوقاية) ونشرها في كانبور بالهند، مما يثبت أن المسلمين الصينيين كانوا مشاركين فاعلين في الخطابات الإسلامية العالمية وليسوا مجرد متلقين هامشيين. حقيقة أن “ما ليانيوان” و”نور الحق” هما الشخص نفسه كانت مفاجأة للباحثين، مما يدل على عمق سوء الفهم لتاريخ الصين الإسلامية.

4. “مصفوفة العادي”: العالم النصي في يونان القرن التاسع عشر

يقدم الكتاب تحليلاً لمكتبات المساجد ومجموعات الكتب في مقاطعة يونان، موضحاً أن النصوص المتداولة لم تكن باللغة الصينية في الغالب، بل كانت نصوصاً تعليمية وفقهية باللغتين الفارسية والعربية. التعليم الإسلامي (Jingtang Jiaoyu) كان يعتمد بشكل أساسي على منهج فارسي وعربي مستورد من آسيا الوسطى والهند. الكتب مثل “مهمات المسلمين” (Muhimmat al-Muslimin) و”الأعمدة” (Umdat al-Islam) بالفارسية كانت هي الأساس، مما يعني أن المسلم الصيني المتعلم كان جزءاً من “كوسموبوليتانية” (cosmopolis) فارسية-عربية. لم يكن استخدام اللغة الصينية في النصوص الإسلامية هو المعيار، بل كان استثناءً لجمهور محدد، بينما ظل التعليم الديني “عادياً” ومرتبطاً بوسط آسيا.

5. النصوص الاستثنائية وهاجس “الأصول” (Origins)

يناقش الكتاب نصوصاً مثل كتابات “وانغ دايو” (Wang Daiyu) في القرن السابع عشر، والتي كتبت بالصينية للدفاع عن الإسلام. تميزت هذه النصوص بـ “هاجس الأصول” (Origin obsession)، حيث حاول المؤلفون ربط المسلمين الصينيين بأصول بعيدة في الجزيرة العربية لتبرير وجودهم وتميزهم. جادل “وانغ دايو” بأن الإسلام وحده يمتلك الإجابة عن “أصل الكون” (الخالق)، وهو ما تفتقده الكونفوشيوسية، مما يجعل الإسلام متفوقاً وفي نفس الوقت متوافقاً مع القيم الصينية. هذا البحث عن الأصول لم يكن مجرد سرد تاريخي، بل كان استراتيجية لبناء الهوية وتأكيد الشرعية في بيئة قد تكون معادية.

6. دور الهند (Hindustan) في تشكيل إسلام الصين

يكشف الكتاب عن دور محوري وغير مقدر للهند في تاريخ الإسلام الصيني. لم تكن التأثيرات قادمة فقط من الشرق الأوسط أو آسيا الوسطى، بل كانت الهند مصدراً رئيسياً للنصوص والطرق الصوفية. يشير ثوم إلى ضريح “أحمد السرهندي” (مجدد الألف الثاني) في الهند، حيث توجد جرة بخور مهداة من مسلمين صينيين من “لينشيا” (Linxia)، مما يبرز الروابط الروحية العميقة. الطرق التجارية عبر بورما وجبال الهيمالايا ربطت مسلمي الصين بشبكات الهند، وجلبت كتباً مثل “مكتوبات” السرهندي التي أصبحت مركزية لعدة طرق صوفية صينية.

7. شبكات “سيرينـديا” (Serindia): التواصل عبر الحدود

يستخدم المؤلف مصطلح “سيرينـديا” لوصف الفضاء الجغرافي والثقافي الذي ربط الصين بالهند وآسيا الوسطى. في الفترة ما بين 1640 و1920، لم تكن الصين معزولة كما يُشاع، بل كانت هناك حركة مستمرة للتجار والحجاج والعلماء. يستعرض الكتاب سير شخصيات مثل “وانغ مينغيو” الذي سافر إلى الهند ودرس في بلاط المغول، والمتصوف الهندي “عاشق” الذي عاش في نانجينغ. هذه التحركات الفردية والجماعية عبر طرق التجارة (مثل طريق الشاي والخيول) خلقت بنية تحتية لتبادل الأفكار والنصوص، مما جعل “الصين الإسلامية” جزءاً لا يتجزأ من شبكة آسيوية أوسع.

8. “الأصول تُعرِّف”: كتابة التاريخ كبناء للهوية

يحلل الكتاب كيف استخدم المسلمون الصينيون كتابة التاريخ لتعريف أنفسهم. يستعرض أعمالاً مثل “أنساب مجيء الغرب” (Xi lai zongpu) لـ “ما تشيرونغ”، وتاريخ الطريقة الجهرية لـ “منصور ما شيوجي”. يشترك هؤلاء المؤلفون في التركيز على “الأصل” و”سلسلة النسب” (Silsila). بالنسبة للمتصوفة، كان التاريخ هو إثبات اتصال السند الروحي من اليمن أو مكة إلى الصين دون انقطاع. أما بالنسبة للعلماء الكونفوشيوسيين المسلمين، فقد كان التاريخ وسيلة لربط الحكماء الصينيين القدامى (مثل فوشي) بالأنبياء، مما يجعل الإسلام جزءاً أصيلاً من التاريخ الصيني القديم.

9. النقشبندية المجددية: الشبكة الخفية

يكشف تأثير هائل للطريقة “النقشبندية المجددية” (التي أسسها أحمد السرهندي في الهند) على الإسلام في الصين، وهو تأثير تم إغفاله غالباً في الدراسات السابقة. يتتبع ثوم انتقال الطريقة من الهند إلى كاشغر (شينجيانغ) ثم إلى داخل الصين (قانسو وتشينغهاي) عبر شخصيات مثل “ما باوتشن”. المفاجأة تكمن في أن العديد من الطرق الصوفية الصينية (Menhuan) التي تُصنف عادة كـ “خفية” (Khufiyya) هي في الواقع فروع للمجددية، لكن التسميات المحلية أخفت أصولها. حتى الحركات الإصلاحية الحديثة (الإخوان) تأثرت بكتابات السرهندي.

10. “الأصول تتحرك”: الشتات والهجرة

لا تقتصر “الأصول” على القصص، بل هي قوة دافعة للهجرة. يوضح الكتاب كيف دفعت قصص الأصول المسلمين الصينيين والتركستانيين (الأويغور) للهجرة إلى مكة، ليس فقط للحج بل للاستقرار، هرباً من الاضطرابات السياسية. هربت عائلات بأكملها عبر جبال الكاراكوروم للوصول إلى “مركز العالم” (مكة) بناءً على تخيل ديني للأصل. في المقابل، شكل المسلمون الصينيون مجتمعات شتات في جنوب شرق آسيا (مثل تايلاند وماليزيا)، حيث حافظوا على روابطهم بالصين كـ “أصل” جديد، مما خلق حركة عكسية من الكتب والأفكار تعود إلى الصين.

11. تفكيك أسطورة “هان كتاب” (Han Kitab)

يشن الكتاب نقداً لاذعاً لمفهوم “هان كتاب” الذي سيطر على الدراسات الغربية. يشير المصطلح إلى مجموعة من النصوص الإسلامية المكتوبة بالصينية في القرنين 17 و18. يجادل ثوم بأن هذا التصنيف هو بناء أكاديمي حديث تم إسقاطه على الماضي، وأن المؤلفين في ذلك الوقت لم يروا أنفسهم كجزء من “قانون” (Canon) منفصل يسمى “هان كتاب”. التركيز على هذه النصوص شوه الواقع التاريخي، حيث تجاهل الباحثون الكم الهائل من النصوص الفارسية والعربية التي كانت هي الأساس الحقيقي للتعليم، واعتبروا النصوص الصينية هي الممثل الوحيد للإسلام الصيني.

12. نقد مفهوم “التوفيقية” (Syncretism)

يرفض المؤلف بشدة وصف الإسلام الصيني بـ “التوفيقي” (Syncretic)، وهو مصطلح يوحي بمزج عنصرين نقيين ومنفصلين (الإسلام والصين) لإنتاج هجين. يرى ثوم أن هذا المفهوم يستند إلى “ماهوية” (Essentialism) تفترض أن للإسلام جوهراً ثابتاً وللصين جوهراً ثابتاً لا يلتقيان إلا بشكل استثنائي. بدلاً من ذلك، يقترح أن المسلمين الصينيين عاشوا “تزامناً” (Simultaneity) لهوياتهم، حيث كانوا مسلمين وصينيين بالكامل في آن واحد، دون أن يروا في ذلك تناقضاً يحتاج إلى “توفيق”. النصوص التي تبدو توفيقية للعين الغربية (مثل استخدام مصطلحات كونفوشيوسية) كانت في نظر أصحابها مجرد ترجمة للحقيقة الواحدة.

13. دور الترجمة واللغة

يلعب التحليل اللغوي دوراً كبيراً في الكتاب. يوضح ثوم كيف أن المصطلحات الإسلامية في الصين (مثل “هوي” للمسلم، و”تشينغ تشن” للإسلام) هي نتاج عملية تاريخية طويلة. ومع ذلك، ظلت العربية والفارسية لغات السلطة الدينية والاتصال بالعالم الخارجي. حتى في أواخر القرن التاسع عشر، كان العلماء مثل “ما ليانيوان” يترجمون الكتب الصينية (مثل كتب ليو تشي) إلى العربية لشرعنتها وربطها بالتقاليد العالمية. لم يكن هناك “تعريب” (Vernacularization) كامل للإسلام كما حدث في أماكن أخرى، بل استمرت ازدواجية اللغة.

14. “الأصل بلا جوهر”: الهوية الإسلامية كعملية تاريخية

يقدم ثوم تعريفه للإسلام والتاريخ الإسلامي بناءً على الحالة الصينية. يقترح نهج “الانتساب الذاتي” (Self-ascription): الإسلام هو ما يقول المسلمون إنه إسلام. لكن هذا الانتساب ليس اعتباطياً؛ إنه يستند إلى “سلاسل نقل” (Transmission) تاريخية و”قصص أصل” تربط المؤمنين الحاليين باللحظة التأسيسية للإسلام. التاريخ الإسلامي هو تاريخ هذه الروابط والانتقالات. المسلمون الصينيون، من خلال هوسهم بالأنساب والسلاسل الصوفية، يجسدون هذه العملية: هم مسلمون لأنهم يملكون “قصة أصل” تربطهم بالنبي محمد أو بأولياء جاؤوا من الغرب.

15. الخاتمة: الآثار السياسية المعاصرة (التصيين)

يختتم الكتاب بربط هذه النقاشات التاريخية بالواقع السياسي الحالي في جمهورية الصين الشعبية. تستخدم الدولة الصينية حالياً سرديات “التوفيقية” و”هان كتاب” لدعم سياسة “تصيين الإسلام” (Sinicization)، حيث تروج لفكرة أن الإسلام يجب أن يتوافق مع الثقافة الصينية “الأصلية” (غير الإسلامية). يتم الاحتفاء بشخصيات مثل “ما ليانيوان” (بشكل انتقائي ومشوّه) كنموذج لهذا التصيين، بينما يتم محو العناصر “الأجنبية” (العربية/الفارسية) التي كانت في الواقع جزءاً طبيعياً وعادياً من تراثه وتراث المسلمين الصينيين. يحذر الكتاب من أن تبني الأكاديميين لمفاهيم مثل “التوفيقية” و”الماهوية” يغذي، دون قصد، أدوات القمع التي تستخدمها الدولة ضد المسلمين اليوم، وخاصة الأويغور والهوي.

المصدر:

Islamic China: An Asian History; by: Rian Thum

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى