جريمة قتل في واشنطن بوست

بقلم: آشلي باركر
نحن نشهد جريمة قتل.
إن جيف بيزوس، المالك الملياردير لصحيفة “واشنطن بوست”، وويل لويس، الناشر والرئيس التنفيذي الذي عينه في نهاية عام 2023، يشرعان الآن في الخطوة الأخيرة من خطتهما لقتل كل ما يجعل هذه الصحيفة مميزة. إن عمليات التسريح التي أُعلن عنها اليوم تعطينا لمحة عن الاستراتيجية النهائية المزعومة: تركيز ضيق وشبه حصري على السياسة والأمن القومي، رغم أن حتى هذا التفسير لا يكاد يصمد أمام الواقع.
لقد تم القضاء فعلياً على أقسام الرياضة والكتب. وسيتم تقليص القسم الدولي بشكل جذري؛ ومن بين الذين تم تسريحهم اليوم مدير مكتب الصحيفة في أوكرانيا ومراسلها، والأخير كان يقدم تقاريره من منطقة حرب. لقد تم تفكيك الأقسام التي كانت تمنح الصحيفة روحها، وتنوعها، واتساعها. لم تكن “البوست” مجرد صحيفة سياسية في “الحزام الناقل” (Inside the Beltway)؛ لقد كانت صحيفة تغطي العالم، وتغطي الثقافة، وتغطي الطريقة التي نعيش بها. والآن، يتم تجريدها لتصبح هيكلاً عظمياً لما كانت عليه في السابق.
لقد غادرتُ الصحيفة قبل أشهر قليلة، بعد ثماني سنوات قضيتها هناك كمراسلة سياسية ومراسلة للبيت الأبيض. لقد كنتُ هناك عندما اشترى بيزوس الصحيفة في عام 2013، وهي اللحظة التي بدت وكأنها طوق نجاة لمؤسسة كانت تعاني من نزيف مالي. في البداية، بدا بيزوس وكأنه المالك المثالي: صاحب رؤية، ومستعد للاستثمار، والأهم من ذلك، كان يبدو أنه يفهم أن الصحافة الجيدة هي استثمار طويل الأمد. ولكن في العامين الماضيين، تغير شيء ما. لقد تحول بيزوس من المالك الذي أنقذ الصحيفة إلى المالك الذي يبدو الآن مصمماً على تقزيمها.
بدأت ملامح النهاية تتشكل بوضوح مع وصول ويل لويس. عندما تولى منصب الناشر، لم يجلب معه فقط تاريخاً مثيراً للجدل من لندن، بل جلب معه أسلوباً في الإدارة بدا غريباً تماماً على قيم “واشنطن بوست”. في أول اجتماع عام له مع الموظفين، كان التوتر ملموساً. لم تكن الأسئلة تتعلق فقط بمدى نزاهته المهنية في الماضي، بل كانت تتعلق بمستقبلنا. كان لويس يتحدث بلغة الأرقام والكفاءة، وهي لغة يفهمها رجال الأعمال، لكنه كان يفتقر تماماً إلى فهم الرابط العاطفي والمهني الذي يربط الصحفيين بمهمتهم. لقد بدأ في فرض تغييرات هيكلية تحت مسمى “الابتكار”، ولكن بالنسبة لنا في غرفة الأخبار، كانت تبدو وكأنها محاولات لتكميم الأفواه أو على الأقل جعلها أكثر طواعية.
ثم جاءت القنبلة الكبرى: محاولته المزعومة لمنع نشر قصص تتعلق بتورطه السابق في قضايا قانونية في المملكة المتحدة. في تلك اللحظة، انكسر شيء ما لا يمكن إصلاحه. الصحفيون في “البوست” مدربون على مطاردة الحقيقة مهما كان الثمن، وعندما يشعرون أن “الحقيقة” أصبحت انتقائية داخل جدران مؤسستهم، فإن الروح المعنوية تنهار. لم يعد الأمر يتعلق بالصحافة فحسب، بل بالثقة. لقد بدأ بيزوس، من خلال لويس، في إرسال رسالة مفادها أن الصحيفة ليست “أمانة عامة” كما كان يدعي سابقاً، بل هي مجرد أصل تجاري آخر ضمن إمبراطوريته، يمكن تقليصه وتشكيله وفقاً لمصالحه السياسية والتجارية الأوسع.
إن عمليات التسريح لم تكن مجرد تقليص للنفقات؛ كانت عملية استئصال لهوية الصحيفة. عندما تقرر إلغاء قسم الكتب في صحيفة تصدر من العاصمة الوطنية، فأنت تعلن رسمياً أنك لم تعد مهتماً بالحوار الفكري الذي يشكل السياسة والقانون والمجتمع. أما القسم الدولي، الذي كان فخر الصحيفة لسنوات طويلة، فقد تعرض لضربة قاصمة. إن تسريح مدير مكتب أوكرانيا في وقت لا تزال فيه الحرب مستعرة هو قرار يتجاوز المنطق الاقتصادي إلى الفشل الأخلاقي. كيف يمكن لصحيفة تدعي أنها “تموت في الظلام” أن تطفئ المصابيح في أكثر المناطق احتياجاً للضوء؟ لقد كان بيزوس يقول لنا دائماً إنه يريد للبوست أن تكون مؤسسة نمو. ولكن النمو الذي نراه الآن هو نمو في الانكماش. إنه يحاول تحويل الصحيفة إلى منصة تقنية صغيرة تركز على المحتوى السريع والسياسة السطحية التي تجذب النقرات، متجاهلاً العمق الذي جعل القراء يدفعون اشتراكاتهم في المقام الأول.
لم تكن عمليات التسريح هي الطلقة الأولى، بل كانت الخاتمة. بدأت الانعطافة الكبرى في أكتوبر الماضي، عندما تدخل بيزوس شخصياً في اللحظات الأخيرة لمنع الصحيفة من تأييد كامالا هاريس للرئاسة. لم يكن الأمر يتعلق بالحياد المهني كما زعم بيزوس في مقاله اللاحق، بل كان يبدو للجميع داخل غرفة الأخبار كأنه “انحناء” استباقي أمام دونالد ترامب. لقد كان مشهداً سريالياً؛ الصحفيون الذين قضوا سنوات في كشف فساد إدارة ترامب وتجاوزاته، وجدوا أن مالكهم يقرر فجأة أن اتخاذ موقف أخلاقي هو “خطر” على الثقة. الحقيقة أن بيزوس كان يفكر في عقود شركة “بلو أوريجين” و”أمازون” مع الحكومة، أكثر مما كان يفكر في نزاهة الافتتاحية.
في تلك الأيام، خيم صمت ثقيل على المبنى في شارع K. كانت المكاتب التي ضجت يوماً بصوت المطابع والجدالات الفكرية الحادة، مليئة الآن بالهمسات المحبطة. لقد فقدنا 250 ألف مشترك في غضون أيام قليلة. لم يكن هؤلاء مجرد أرقام في قاعدة بيانات؛ كانوا مواطنين يؤمنون بأن “البوست” هي خط الدفاع الأخير. وبدلاً من أن يعتذر بيزوس أو يراجع موقفه، ضاعف من رهانه، معتبراً أن غضب القراء هو دليل على حاجتهم لرؤيته “المحايدة” الجديدة. هذا النوع من الحياد هو في الحقيقة استسلام. عندما يرى الملياردير أن قول الحقيقة في وجه السلطة هو “تحيز”، فإنه يقتل الوظيفة الأساسية للصحافة.
ثم نأتي إلى ويل لويس، الرجل الذي اختاره بيزوس ليكون واجهته. لويس لم يأتِ لإنقاذ الصحيفة، بل جاء لتفكيكها وإعادة تركيبها كآلة طيعة. في الاجتماعات المغلقة، كان لويس يتحدث عن “النموذج الثالث” للصحافة، لكنه في الواقع كان يطبق نموذجاً قديماً من الصحافة الشعبية البريطانية ممزوجاً بقسوة الشركات الكبرى. كان يتفاخر بأنه لا يهتم بـ “الضجيج” في غرفة الأخبار. والضجيج الذي كان يقصده هو تساؤلاتنا المشروعة حول استقلالية التحرير. لقد رأيتُ زملاءً لي، ممن قضوا عقوداً في كشف فضائح “واترغيت” وما تلاها، وهم يُعاملون كعقبات بيروقراطية أمام “الكفاءة”. إن الخطة التي ينفذها لويس الآن هي جعل “البوست” صحيفة “خفيفة”. أقل عمقاً، أقل مواجهة، وأكثر تركيزاً على ما يطلبه “السوق” بدلاً مما يحتاجه “المجتمع”. لقد تم استبدال المحررين الذين يملكون ذاكرة مؤسسية عميقة بمستشارين يتحدثون عن “تحسين محركات البحث” و”تفاعل الجمهور” كأننا نبيع سلعاً استهلاكية لا أخباراً تغير مصير دول.
قرار إغلاق قسم الكتب بالكامل ليس مجرد خطوة لتوفير التكاليف، بل هو إعلان عن فقر فكري. في مدينة مثل واشنطن، حيث تُصنع السياسات بناءً على الأفكار والكتب والدراسات، قررت الصحيفة التي تحمل اسم المدينة أنها لم تعد مهتمة بهذا الحوار. لقد محوا مساحة كانت تجمع بين الفكر والسياسة، وحولوها إلى فراغ. أما قسم الرياضة، الذي كان يضم بعضاً من أمهر الكتاب الذين يربطون بين اللعبة والمجتمع والسياسة، فقد تم تقليصه إلى حد التلاشي. إنهم يقولون للقراء: “إذا أردتم العمق، اذهبوا إلى مكان آخر”. لكن الضربة الأكثر إيلاماً كانت في القسم الدولي. لقد بنينا لسنوات شبكة من المكاتب العالمية التي كانت تنافس “نيويورك تايمز”. اليوم، يتم استدعاء المراسلين وإغلاق المكاتب. عندما يتم تسريح مدير مكتب أوكرانيا، وهو شخص كان يخاطر بحياته لنقل الحقيقة من خنادق الحرب، فإن الرسالة واضحة: “البوست” لم تعد مهتمة بالعالم إلا إذا كان يؤثر مباشرة وبشكل لحظي على المصالح الضيقة في واشنطن.
هذا التحول يحول الصحيفة من “صحيفة السجل العالمي” إلى صحيفة محلية متخصصة. إنهم يقتلون الطموح الذي جعلنا نجرؤ على الحلم بأن نكون الأفضل في العالم. إنهم يقلصون حجم الصحيفة لتناسب رؤية مالك يريد تجنب الصداع السياسي، وناشر يريد موازنة الدفاتر المالية على حساب الجودة الصحفية. المشي في أروقة “البوست” اليوم يشبه المشي في مقبرة للأحلام. الزملاء الذين قضوا عقوداً وهم يفتخرون ببطاقاتهم الصحفية ينظرون الآن إلى بعضهم البعض بصمت، يتساءلون: “من التالي؟”. لم يعد السؤال هو “ما هي القصة الكبيرة القادمة؟”، بل أصبح “كيف يمكننا البقاء على قيد الحياة تحت هذه الإدارة؟”. لقد تم استبدال الشغف بالخوف. الخوف من المالك الذي قد يتدخل في أي لحظة ليمنع نشر رأي لا يعجبه، والخوف من الناشر الذي يرى في الصحفيين مجرد “وحدات تكلفة”. إن الروح المعنوية ليست فقط منخفضة؛ إنها محطمة. وما لا يفهمه بيزوس هو أنك لا تستطيع شراء روح الصحيفة بملياراتك إذا كنت تصر على خنقها يوماً بعد يوم.
عندما اتخذتُ قراري بالمغادرة، لم يكن ذلك بسبب عرض أفضل في مكان آخر، بل كان نتيجة إدراك مرير بأن “واشنطن بوست” التي عرفتها وأحببتها قد لُفظت أنفاسها الأخيرة بالفعل. لقد كانت تلك اللحظة التي أدركتُ فيها أنني إذا بقيت، سأكون شاهدة على اضمحلال مهنتي وكرامتي المهنية يوماً بعد يوم. كان العمل في البوست يوماً ما مدعاة للفخر المطلق؛ كنا نشعر أننا نحمل العالم على أكتافنا، وأن كلمتنا لها وزن الزلزال. أما الآن، فقد أصبح الوجود هناك يبدو وكأنك تعمل في شركة تقنية كبرى تبيع الأخبار كمنتج ثانوي لا قيمة له.
لقد خان جيف بيزوس العهد. في عام 2013، عندما اشترى الصحيفة، كتب رسالة إلى الموظفين قال فيها: “القيم في البوست لا تحتاج إلى تغيير… الصحيفة يجب أن تكون لخدمة القراء، وليس لخدمة مصالح أصحابها”. كانت تلك الكلمات هي التي جعلتنا نثق به. لكن بيزوس 2026 هو رجل مختلف تماماً عن بيزوس 2013. إن الرجل الذي بنى “أمازون” على مبدأ “الهوس بالعملاء” يبدو الآن مهووساً فقط بتجنب غضب السلطة. لقد رأى أن المشتركين الذين غادروا بالآلاف هم مجرد “خسائر جانبية” في سبيل حماية مصالحه الأكبر. ما لا يفهمه، أو ربما ما لم يعد يهمه، هو أن الصحافة ليست خوارزمية يمكنك تعديلها لتقليل المخاطر. الصحافة هي خطر بحد ذاتها، أو هي لا شيء على الإطلاق. لقد اختار بيزوس أن يكون مالكاً “عاديًا” لصحيفة كانت “استثنائية”. وبفعله هذا، سلب من واشنطن، ومن أمريكا، ومن العالم، أحد أهم حصون الحقيقة. إن جريمة القتل التي نتحدث عنها ليست جريمة عنف مفاجئ، بل هي جريمة خنق بطيء ومنظم، تُنفذ تحت ستار “الواقعية المالية” و”الحياد المصطنع”.
إننا لا نفقد مجرد وظائف، بل نفقد معياراً. عندما تضعف “الواشنطن بوست”، فإن كل صحفي في كل زاوية من زوايا هذا البلد يشعر بالبرد. إنها رسالة لكل أصحاب السلطة: “إذا كان بإمكاننا ترويض البوست، فيمكننا ترويض أي شخص”. سيرحل ويل لويس في النهاية، ربما بمكافأة ضخمة، وسيبقى بيزوس غارقاً في ملياراته، لكن ما سيبقى في سجل التاريخ هو أن أعظم صحيفة في العاصمة الوطنية قد تم تدميرها من الداخل، بيد الشخص الذي وعد بحمايتها. لقد انطفأ النور في واشنطن، ولم يكن ذلك بسبب نقص الكهرباء، بل لأن الشخص الذي يملك المفتاح قرر أن الظلام أكثر أماناً لمصالحه.
المصدر:
https://www.theatlantic.com/politics/2026/02/washington-post-layoffs-bezos/685872/




