هل جاء ترامب من فراغ ؟

كتاب “Rebellion: How Antiliberalism Is Destroying America” لروبرت كاجان هو صرخة تحذير سياسية وفلسفية عميقة. يجادل كاجان بأن الليبرالية (بمعنى حقوق الفرد والمساواة) ليست الحالة الطبيعية للبشر، بل هي بناء هش يتعرض لهجوم مستمر من جذور “غير ليبرالية” متأصلة في التاريخ الأمريكي.
الجذور الفلسفية والصراع التاريخي
1. الطبيعة المصطنعة لليبرالية الأمريكية يرى كاجان أن الليبرالية التي قامت عليها أمريكا، والمتمثلة في إعلان الاستقلال، ليست تطوراً حتمياً أو طبيعياً للتاريخ البشري، بل هي “اختراع” راديكالي يتصادم مع الميول البشرية الفطرية نحو القبلية والهوية الدينية أو العرقية. فالناس يميلون طبيعياً إلى الانتماء لجماعة ضيقة تمنحهم الأمان والمعنى، بينما تطلب الليبرالية منهم الولاء لمبادئ مجردة وعالمية. هذا الانفصام هو المحرك الأساسي للتمرد الحالي، حيث يشعر الكثيرون بالغربة تجاه نظام يقدس الفرد على حساب التقاليد الجماعية الراسخة.
2. التمرد ليس طارئاً بل هو “التقليد الآخر” يؤكد الكتاب أن ما نشهده اليوم من صعود لليمين القومي المتطرف ليس مجرد انحراف عابر أو نتاج لشخصية سياسية واحدة، بل هو استمرار لتيار “مضاد لليبرالية” صاحب تاريخ طويل في أمريكا. هذا التيار يمتد من الموالين للتاج البريطاني، مروراً بمدافعي العبودية في الجنوب، وصولاً إلى حركات “أمريكا أولاً”. هؤلاء لطالما اعتقدوا أن أمريكا يجب أن تكون وطناً لجماعة معينة (البيض البروتستانت عادةً) وليست مجرد فكرة قانونية مفتوحة للجميع بالتساوي.
3. التناقض بين إعلان الاستقلال والدستور يوضح كاجان أن هناك فجوة كبرى بين “إعلان الاستقلال” الذي نادى بالمساواة الشاملة وبين “الدستور” الأصلي الذي كان وثيقة تسوية سياسية لحماية مصالح ملاك العبيد والنخب. هذا التناقض سمح للقوى غير الليبرالية بالاختباء خلف النصوص الدستورية لتعطيل التقدم نحو المساواة الحقيقية. بالنسبة لكاجان، التمرد الحالي هو محاولة للعودة إلى “تفسير ضيق” للدستور يفرغه من روحه الليبرالية التحررية التي تضمنتها وثيقة الإعلان، مما يهدد أسس العقد الاجتماعي.
4. صراع الهوية: المواطنة مقابل “الدم والتربة” يركز هذا النقطة على أن الصراع الجوهري في أمريكا هو صراع تعريف؛ هل الأمريكي هو من يؤمن بالمبادئ الليبرالية (الديمقراطية القانونية)، أم هو من ينتمي لعرق أو ثقافة معينة؟ المتمردون ضد الليبرالية يرون أن الهوية الوطنية يجب أن تستند إلى “الدم والتربة” والتقاليد الدينية المشتركة، وليس إلى أوراق قانونية ومساواة عرقية. هذا التوجه يجعل من التنوع الثقافي والعرقي تهديداً وجودياً للهوية الوطنية في نظرهم، مما يغذي خطاب الكراهية والإقصاء السياسي.
5. الخوف من “استبداد” الليبرالية يشرح كاجان مفارقة عجيبة؛ فالمناهضون لليبرالية يرون في قوانين المساواة وحماية الأقليات نوعاً من “الاستبداد” الذي يفرض عليهم قيماً غريبة ويسلبهم حقهم في ممارسة تمييزهم التقليدي. هم يعتقدون أن الليبرالية، بفرضها للحياد الديني والمساواة الجندرية، تدمر نسيج مجتمعاتهم المحلية وقيمهم الأخلاقية الراسخة. لذا، ينظرون إلى تمردهم كفعل “تحرري” لاستعادة السيطرة على حياتهم من قبضة نخبة ليبرالية عالمية، وهو ما يبرر في نظرهم استخدام وسائل غير ديمقراطية.
التحولات السياسية والاجتماعية
6. توظيف الدين كدرع للمناهضة يرى كاجان أن المسيحية الإنجيلية البيضاء أصبحت العمود الفقري للتمرد المعاصر ضد الليبرالية في أمريكا. لا يتعلق الأمر هنا بالإيمان المجرد، بل برؤية ترى في الدولة الليبرالية العلمانية تهديداً مباشراً للنظام الإلهي والاجتماعي التقليدي. هذا التحالف حوّل الخلافات السياسية من نقاشات حول السياسات إلى “حرب مقدسة” وجودية بين الخير والشر. بالنسبة لهؤلاء، الحفاظ على الهوية الدينية للأمة يبرر تجاوز بعض المبادئ الديمقراطية التي تُسهل انتشار “العلمانية المدمرة”.
7. اختطاف الحزب الجمهوري وتحوله يسرد الكتاب كيف تحول الحزب الجمهوري من مؤسسة كانت تدافع عن المؤسسات الليبرالية (مثل التجارة الحرة والتحالفات الدولية) إلى وعاء يضم حركة التمرد. هذا التحول لم يكن صدفة، بل هو استجابة لقاعدة جماهيرية شعرت أن النخب الليبرالية داخل الحزب قد خذلتها. الآن، أصبح الحزب يعطي الأولوية للولاء القبلي والهوية الثقافية على حساب معايير الحكم الرشيد أو سيادة القانون. لقد أصبح “التمرد” هو التيار السائد والمهيمن داخل أروقة الحزب بشكل شبه كامل.
8. عقلية “نحن ضد هم” واللعبة الصفرية يجادل كاجان بأن المناهضة لليبرالية تزدهر على فكرة أن السياسة هي صراع بقاء، حيث يجب أن يخسر “الآخر” تماماً لكي نربح نحن. هذه العقلية تدمر مفهوم التسوية الذي هو جوهر الديمقراطية؛ فإذا كان الخصم السياسي يمثل “عدواً وجودياً”، يصبح من المستحيل قبول نتائج الانتخابات إذا فاز. هذا التوجه يؤدي إلى شرعنة الاستيلاء على السلطة بأي وسيلة، لأن البديل في نظر المتمردين هو “دمار الأمة” على يد النخب الليبرالية أو الأقليات.
9. القلق الديموغرافي ووهم “الاستبدال العظيم” يشير كاجان إلى أن أحد المحركات الرئيسية للتمرد الحالي هو الخوف من أن أمريكا “البيضاء والمسيحية” يتم استبدالها عمداً. هذا القلق الديموغرافي لا يُنظر إليه كتحول طبيعي، بل كخطة ممنهجة من النخب الليبرالية لتقويض القوة التقليدية للمواطن الأصلي. هذا الخوف يغذي المطالبة بـ “رجل قوي” يمكنه وقف أو عكس هذه التغييرات، حتى لو استدعى ذلك كسر القوانين. إنه صراع دفاعي عن مكانة اجتماعية مهددة، أكثر منه نقاشاً حول برامج اقتصادية.
10. الهجوم على الحقيقة والواقع المشترك لكي يستمر التمرد ضد النظام الليبرالي، يجب أولاً تجريد المؤسسات التي تحدد “الحقيقة” من مصداقيتها، مثل الإعلام، القضاء، والجامعات. يلاحظ كاجان أن الحركات المناهضة لليبرالية تخلق “واقعاً بديلاً” لإبقاء قاعدتها في حالة استنفار دائم وتشكيك في الحقائق المجرّدة. عندما يختفي الواقع المشترك، تصبح الديمقراطية مستحيلة لأنها تعتمد على نقاش العقل والبرهان. هذا الانهيار المعرفي هو المرحلة التمهيدية الضرورية للوصول إلى نظام سلطوي لا يعترف إلا بالقوة والولاء.
تفكك المؤسسات وشبح السلطوية
11. جاذبية “الرجل القوي” كمخلص يجادل كاجان بأن الحركة المناهضة لليبرالية بطبيعتها تميل نحو تمجيد القائد الفرد الذي “يضرب الطاولة”. عندما يشعر الجمهور أن النظام القانوني الليبرالي بطيء أو منحاز ضدهم، يظهر “الرجل القوي” كأداة ضرورية لتجاوز البيروقراطية والقوانين المعطلة. الولاء لهذا القائد يصبح بديلاً عن الولاء للدستور، حيث يُنظر إلى أفعاله، حتى وإن كانت غير قانونية، كفعل بطولي لحماية “الشعب الحقيقي”. هذا التحول هو الخطوة الأولى والأساسية في الانتقال من الديمقراطية التعددية إلى السلطوية الشخصية.
12. هشاشة المؤسسات أمام غياب الإرادة يوضح الكتاب أن المؤسسات الديمقراطية (مثل القضاء أو البرلمان) ليست آلات تعمل من تلقاء نفسها، بل هي مجرد “جدران ورقية” تعتمد على إرادة البشر في احترامها. إذا قرر جزء كبير من المجتمع والسياسيين تجاهل الأعراف الديمقراطية، فإن هذه المؤسسات تنهار بسرعة مذهلة. كاجان يحذر من وهم أن “القانون سيحمينا”، مؤكداً أن القوانين لا قيمة لها إذا كان من يطبقها يؤمن بأن البقاء السياسي لجماعته أهم من الحفاظ على النظام العام، وهو ما يحدث حالياً.
13. تسييس القضاء وتحويله إلى سلاح يرى كاجان أن القضاء، الذي كان يُفترض أن يكون حكماً محايداً، بدأ يتحول إلى أداة في يد التمرد المناهض لليبرالية لفرض رؤية أقلية على الأغلبية. من خلال السيطرة على المحاكم، تسعى القوى غير الليبرالية إلى تشريع تمييزها وإلغاء الحقوق التي اكتُسبت عبر عقود من النضال الليبرالي. هذا “الاستيلاء القضائي” يخلق أزمة شرعية حادة، حيث يتوقف المواطنون عن رؤية المحاكم كمرجعية للعدالة، وينظرون إليها كأطراف في الصراع السياسي، مما يعمق الانقسام الوطني ويسرع التفكك.
14. تكرار سيناريو خمسينيات القرن التاسع عشر يعقد كاجان مقارنة مخيفة بين اللحظة الراهنة وفترة ما قبل الحرب الأهلية الأمريكية (1850s). في تلك الحقبة، رفض الجنوبيون الاعتراف بمبادئ المساواة الليبرالية واعتبروها تهديداً لنمط حياتهم القائم على العبودية، تماماً كما يفعل المتمردون اليوم تجاه التعددية الثقافية. عندما يصل الطرفان إلى قناعة بأن العيش المشترك تحت سقف قانوني واحد أصبح مستحيلاً، يبرز خطر الصراع العنيف. الكتاب يشير إلى أن أمريكا تعيش الآن حالة “انفصال عاطفي وسياسي” تشبه إلى حد كبير تلك التي سبقت الطلقة الأولى في الحرب الأهلية.
15. الفجوة بين النخب الليبرالية والجمهور الغاضب ينتقد كاجان، جزئياً، النخب الليبرالية التي فشلت في إدراك مدى عمق الاستياء الثقافي لدى فئات واسعة من المجتمع. الليبرالية التقدمية، بتركيزها على التغيير الاجتماعي السريع والعولمة، جعلت الكثيرين يشعرون بأنهم “غرباء في وطنهم”. هذا الشعور بالاحتقار (سواء كان حقيقياً أو متخيلاً) من قبل النخب الأكاديمية والسياسية وفر الوقود اللازم للتمرد. بالنسبة لكاجان، التمرد ليس مجرد “جهل”، بل هو رد فعل عنيف على نظام يشعر الناس أنه لم يعد يحترم قيمهم التقليدية أو يمنحهم مكانة محترمة.
الأزمة الشاملة والمصير المحتوم
16. تصدير التمرد: الليبرالية الأمريكية كركيزة عالمية يرى كاجان أن ما يحدث داخل أمريكا ليس شأناً محلياً فحسب؛ فالعالم استقر لعقود على فرضية أن أمريكا هي الحارس للنظام الليبرالي العالمي. إذا سقطت الليبرالية في واشنطن، فإن “النموذج” الجاذب للديمقراطية سينهار عالمياً، مما يعطي الضوء الأخضر للدكتاتوريات في كل مكان. تمرّد الداخل هو في الحقيقة أكبر هدية لأعداء أمريكا، لأنه يثبت وجهة نظرهم بأن الديمقراطية نظام فاشل وغير مستقر بطبعه، مما يمهد الطريق لعودة قانون الغاب في العلاقات الدولية.
17. خيانة النخب المحافظة التقليدية يوجه كاجان انتقاداً لاذعاً للقادة المحافظين الذين ظنوا أن بإمكانهم “ركوب النمر” لتحقيق مكاسب سياسية أو ضريبية. هؤلاء السياسيون اعتقدوا أن بإمكانهم استخدام غضب القوى المناهضة لليبرالية كوقود انتخابي ثم السيطرة عليه لاحقاً، لكنهم اكتشفوا أن الحركة قد ابتلعت الحزب تماماً. صمت هؤلاء النخب أمام انتهاك الأعراف الديمقراطية خوفاً من خسارة قاعدتهم الشعبية جعلهم شركاء في التمرد، مما جرّد المؤسسات المحافظة من دورها التاريخي كصمام أمان للنظام الدستوري.
18. وهم العودة إلى “الوضع الطبيعي” يحذر كاجان من الاعتقاد السائد بأن أمريكا ستعود تلقائياً إلى عهدها السابق بمجرد غياب وجوه سياسية معينة. يجادل بأن “التمرد” قد كشف عن تصدعات عميقة في الهوية الوطنية لا يمكن ردمها بسهولة، وأن الثقة في الانتقال السلمي للسلطة قد تزعزت بشكل بنيوي. إن استعادة الديمقراطية تتطلب مجهوداً جباراً يتجاوز مجرد الفوز في الانتخابات؛ إنها تتطلب إعادة بناء العقد الاجتماعي المنهار وإقناع الملايين مجدداً بأن الليبرالية هي الضمانة الوحيدة لحرياتهم الشخصية، وهو أمر لم يعد بديهياً.
19. الليبرالية كفعل إرادي وليس قدراً حتمياً من أهم أفكار الكتاب هي أن التاريخ لا يسير بالضرورة نحو مزيد من الحرية والتقدم كما كنا نتخيل. الليبرالية هي “فعل غير طبيعي” للبشر، تتطلب صيانة مستمرة ومقاومة للغرائز القبلية الفطرية. بمجرد أن نتوقف عن الدفاع عنها أو نعتبرها أمراً مضموناً، يبدأ المجتمع في الارتداد نحو الحالة الطبيعية البدائية حيث يسود القوي على الضعيف ويُضطهد المختلف. البقاء في النظام الليبرالي هو خيار أخلاقي وسياسي واعي يجب أن يتجدد مع كل جيل، وإلا فإن الانهيار هو المآل الطبيعي.
20. التحذير الأخير: نهاية التجربة الأمريكية يختم كاجان كتابه بنبرة تشاؤمية محذرة: نحن لسنا أمام مجرد أزمة سياسية عابرة، بل أمام تهديد وجودي لـ “التجربة الأمريكية” كما صاغها الآباء المؤسسون. إذا نجح التمرد في تحويل أمريكا إلى ديمقراطية “شكلية” يحكمها استبداد الأغلبية أو إرادة الرجل القوي، فإن أمريكا التي عرفها العالم ستنتهي فعلياً. الخيار الآن واضح ومرعب؛ إما القبول بمشقة العيش في مجتمع تعددي ليبرالي يضمن حقوق الجميع، أو الاستسلام لراحة الطغيان القومي الذي يقدم الأمان الزائف على حساب الحرية الفردية.




