
هذا الكتاب، الذي صدر في أواخر عام 2025، يركز بشكل مجهري على الفترة الفاصلة بين انسحاب بايدن (21 يوليو 2024) ويوم الانتخابات (5 نوفمبر 2024).
مقدمة: “الماراثون المستحيل”
بينما كان كتاب “الخطيئة الأصلية” يتحدث عن الانهيار، يأتي كتاب “107 Days” ليوثق محاولة “البعث” السياسي. يشير العنوان إلى المدة الزمنية القصيرة التي أُلقيت فيها كامالا هاريس في أتون واحدة من أعنف الحملات الانتخابية في التاريخ الأمريكي. الكتاب، الذي شارك في صياغته صحفيون سياسيون مقربون من أروقة الحزب الديمقراطي، يقدم صورة معقدة لامرأة لم تكن تحارب منافساً جمهورياً فحسب، بل كانت تحارب “إرثاً” مثقلاً بالخيبات وضيق الوقت.
المحور الأول: “مكالمة الأحد” وصدمة الوراثة
يبدأ الكتاب بتفصيل اللحظة التي تلقى فيها مكتب نائبة الرئيس مكالمة بايدن الشهيرة يوم الأحد. يكشف المؤلفون أن هاريس، رغم علمها بتدهور الموقف، لم تكن تتوقع “تأييداً فورياً” من بايدن. يصف الكتاب الساعات الخمس الأولى بعد المكالمة بأنها كانت “غرفة عمليات عسكرية”، حيث كان الهدف هو إجراء 200 مكالمة هاتفية لضمان عدم خروج أي منافس ديمقراطي من “الصف الثاني” ليتحداها.
يكشف الكتاب عن تفصيل مثير: هاريس كانت تخشى أن يقوم باراك أوباما أو نانسي بيلوسي بطلب “انتخابات تمهيدية مصغرة”، لذا كانت استراتيجيتها هي “الصعق بالدعم”؛ أي جمع تأييد أغلبية المندوبين في أقل من 48 ساعة لجعل أي منافسة أخرى تبدو كأنها “محاولة لشق صف الحزب”.
المحور الثاني: “لعنة” الجناح الغربي
أحد أعمق التحليلات التي يقدمها الكتاب هو ما يسميه “انفصام الشخصية السياسي”. كيف يمكن لنائبة رئيس أن تقدم نفسها كـ “عنصر تغيير” (Change Agent) بينما هي جزء أصيل من الإدارة الحالية؟
يروي الكتاب كواليس التوتر بين فريق هاريس (الذي أرادها أن تبتعد عن سياسات بايدن الاقتصادية والمناخية) وبين فريق بايدن في البيت الأبيض (الذي كان يرى في أي ابتعاد عن سياساته “خيانة لإرث الرئيس”). يصف الكتاب هذه العلاقة بأنها كانت “زواجاً بالإكراه”، حيث كان مستشارو بايدن يراقبون خطابات هاريس بـ “مجهر”، محذرين إياها من انتقاد الوضع الراهن، مما جعلها تبدو في بعض الأحيان “مقيدة” بين ولائها للرئيس ورغبتها في الفوز.
المحور الثالث: معضلة “المدعي العام” ضد “الشعبوي”
يركز هذا الجزء من المراجعة على استراتيجية هاريس الأولية التي ركزت على هويتها كمدعية عامة سابقة في مواجهة “مجرم مدان” (ترمب). يجادل الكتاب بأن هذه الاستراتيجية نجحت في الأسابيع الأولى (شهر العسل السياسي)، حيث تدفقت التبرعات بمستويات قياسية. لكن الكتاب يكشف أيضاً عن تحذيرات داخلية تم تجاهلها: “الناخب في ولايات الصدأ (مثل بنسلفانيا وميشيغان) لا يهتم بملفات القضاء بقدر ما يهتم بسعر لتر الحليب”.
مقامرة الفيبس (VP) ومنعطف الخريف
المحور الرابع: كواليس اختيار “تيم والز” – الهروب من الظل
يفرد الكتاب فصلاً كاملاً لعملية اختيار نائب الرئيس، وهي العملية التي يصفها المؤلفون بأنها كانت “أول اختبار حقيقي لاستقلالية هاريس”. يكشف الكتاب أن جوش شابيرو (حاكم بنسلفانيا) كان الخيار المنطقي والحسابي الأقوى، لكن هاريس اتخذت قراراً “عاطفياً وسياسياً” بالذهاب مع تيم والز.
-
لماذا والز؟: يزعم الكتاب أن هاريس شعرت “بالتهديد السياسي” من شخصية شابيرو القوية والطموحة، بينما رأت في والز (المدرب السابق وحاكم مينيسوتا) شخصية “الجد اللطيف” الذي لن يسرق منها الأضواء.
-
خطأ بنسلفانيا: يحلل الكتاب كيف أن هذا الاختيار كان “أول شرخ” في استراتيجية الفوز؛ حيث يرى المحللون في الكتاب أن خسارة شابيرو لم تكن مجرد خسارة نائب، بل كانت خسارة للمفتاح الذي يفتح أبواب ولاية بنسلفانيا الحاسمة.
المحور الخامس: “شهر العسل” الذي انتهى فجأة
يصف الكتاب شهر أغسطس 2024 بأنه كان “حلمًا ديمقراطيًا”، حيث ارتفعت الحماسة وتضاعفت أرقام التبرعات. لكن الكتاب يكشف عن “غرور” تسلل إلى قيادة الحملة في تلك الفترة.
-
فقاعة الفرح (Joy): كانت استراتيجية هاريس تقوم على “نشر البهجة”، لكن الكتاب يوثق تحذيرات من خبراء استراتيجيين قالوا لـ هاريس سراً: “الشعب ليس مبتهجاً حيال التضخم، والبهجة ليست خطة اقتصادية”.
-
تجنب الإعلام: يكشف الكتاب أن قرار إبقاء هاريس بعيدة عن المقابلات غير المسجلة (Unscripted) في البداية كان قراراً من “ديفيد بلوف” ومستشاري أوباما، خوفاً من وقوعها في زلات لسان تعيد للأذهان صورتها في 2019، وهو ما خلق انطباعاً لدى الناخب المستقل بأنها “تتهرب” من الأسئلة الصعبة.
المحور السادس: “مناظرة ترمب” – النصر الذي لم يكتمل
يقدم الكتاب تفاصيل مذهلة عن ليلة المناظرة بين هاريس وترمب. يقر المؤلفون بأن هاريس “سحقت” ترمب فنياً ونفسياً، واستدرجته بذكاء للحديث عن “أحجام حشوده” بدلاً من السياسات.
ومع ذلك، يطرح الكتاب سؤالاً جوهرياً: لماذا لم يترجم هذا النصر الساحق إلى تقدم في استطلاعات الرأي؟ تكمن الإجابة – حسب الكتاب – في أن هاريس بدأت تبدو كـ “ممثل بارع” يؤدي دوراً مدروساً بعناية، بينما ظل الناخبون يشعرون بفجوة حيال من هي كامالا هاريس “الحقيقية”. يروي الكتاب مشهداً خلف الكواليس بعد المناظرة، حيث سألت هاريس فريقها: “لماذا لم تقفز الأرقام؟”، فكان الرد الصادم: “لأن الناس لا يزالون يربطونك بأسعار البنزين، وليس بذكائك في المناظرة”.
الأغلال السياسية وأزمة الهوية
المحور السابع: ملف غزة – “النزيف” في ميشيغان
يفرد الكتاب فصلاً طويلاً وشائكاً حول كيفية تعامل هاريس مع الحرب في غزة. يكشف المؤلفون عن “صراع أجنحة” حاد داخل حملتها؛ جناح شاب يرى أن دعم إسرائيل المطلق هو “انتحار انتخابي” في ولايات مثل ميشيغان، وجناح “الحرس القديم” الذي يخشى من أي تغيير في السياسة التقليدية.
-
محاولة “التمايز” الفاشلة: يروي الكتاب كواليس مكالمة مشحونة بين هاريس وبايدن، حيث حاولت هاريس استخدام لغة أكثر حدة تجاه المعاناة الإنسانية في غزة لتخفيف الغضب الشعبي. لكن الكتاب يزعم أن بايدن رد بصرامة: “هناك رئيس واحد فقط للولايات المتحدة حالياً”.
-
فخ “ميشيغان”: يصف الكتاب مشهداً درامياً للقاء هاريس مع قادة الجالية العربية والمسلمة، حيث شعرت بأنها “مكبلة” لا تستطيع تقديم وعود ملموسة بوقف تصدير السلاح، مما جعل خطابها يبدو “جوفاء” وساهم في تآكل قاعدتها الانتخابية في ولاية لا تقبل القسمة على اثنين.
المحور الثامن: معضلة الحدود – “القيصر” الذي لم يحكم
ينتقل الكتاب لتشريح نقطة الضعف الأكبر لهاريس: ملف الهجرة. يوضح تومبسون وتابر (أو مؤلفو الكتاب) كيف نجح الفريق الجمهوري في إلصاق لقب “قيصر الحدود” بها، رغم أن مهامها كانت دبلوماسية بحتة.
-
الدفاع المفقود: يكشف الكتاب أن هاريس طلبت من مستشاري البيت الأبيض مراراً تغيير الاستراتيجية الإعلامية بشأن الحدود منذ عام 2021، لكن طلباتها قوبلت بالإهمال. وعندما بدأت الحملة في 2024، وجد فريقها نفسه عاجزاً عن الرد على إعلانات ترمب الهجومية التي استخدمت صوراً لتدفق المهاجرين، مما جعلها تبدو “ضعيفة” في ملف الأمن القومي أمام الناخب المستقل.
المحور التاسع: “سؤال ذا فيو” (The View) – اللحظة التي قصمت الظهر
يسلط الكتاب الضوء على لحظة يصفها الخبراء بأنها “نقطة التحول السلبية” في الـ 107 أيام. خلال مقابلة في برنامج “The View”، سُئلت هاريس: “هل كنتِ ستفعلين أي شيء بشكل مختلف عن بايدن؟”، فكان ردها: “لا يتبادر إلى ذهني أي شيء”.
-
الزلزال الداخلي: يصف الكتاب حالة “الانهيار” التي أصابت فريق حملتها في تلك اللحظة. يروي المؤلفون كيف صرخ أحد كبار المستشارين في الغرفة: “لقد قدمنا لترمب أعظم هدية في تاريخ الانتخابات”.
-
الفشل في الانفصال: يحلل الكتاب كيف أن هذا الرد لخص المشكلة الجوهرية لهاريس؛ خوفها المرضي من أن تبدو “غير وفية” لبايدن منعها من تقديم نفسها كبديل، مما جعل شعار حملتها “لن نعود للوراء” يبدو متناقضاً مع تمسكها بكل سياسات الماضي.
خريف الذعر واستراتيجية “الملجأ الأخير”
المحور العاشر: عندما تلاشت “البهجة” (The Death of Joy)
يكشف الكتاب كيف تحول المناخ داخل مقر حملة هاريس في “ويلمنغتون” مع بداية شهر أكتوبر. يصف المؤلفون هذا التحول بـ “نهاية شهر العسل الوردى”؛ حيث بدأت استطلاعات الرأي الداخلية تُظهر تراجعاً ثابتاً في تأييد الرجال من ذوي الأصول الأفريقية واللاتينية، وهي الفئة التي كانت تُعتبر تاريخياً مضمونة للديمقراطيين.
-
خلافات المستشارين: يروي الكتاب وقوع “حرب باردة” بين فريق هاريس الأصلي وفريق أوباما الذي انضم للحملة (بقيادة ديفيد بلوف). كان فريق أوباما يضغط من أجل نبرة أكثر صرامة وواقعية، بينما كان الفريق القديم يخشى أن يؤدي ذلك إلى إظهار هاريس في مظهر “اليائسة”.
المحور الحادي عشر: استراتيجية “ترمب الفاشي” – المقامرة الكبرى
مع تعطل الزخم الاقتصادي، يكشف الكتاب عن قرار استراتيجي اتُخذ في الغرف المغلقة: “التوقف عن الحديث عن المستقبل، والتركيز كلياً على خطر ترمب”. يوثق الكتاب كواليس الحوارات التي أدت إلى وصف هاريس لترمب علناً بأنه “فاشي”.
-
تحذير “كيلي”: يصف الكتاب كيف استغلت الحملة تصريحات “جون كيلي” (رئيس أركان ترمب السابق) حول إعجاب ترمب بجنرالات هتلر. لكن الكتاب يطرح رؤية نقدية لهذه اللحظة؛ فبينما اعتقدت هاريس أن هذا سيفزع الناخبين المستقلين، أظهرت البيانات لاحقاً أن الناخب القلق بشأن “الإيجارات” اعتبر هذا الحديث “ضوضاء سياسية” بعيدة عن معاناته اليومية.
المحور الثاني عشر: “زلزال غاربيج” (The Garbage Gaffe)
يفرد الكتاب فصلاً خاصاً للحادثة التي وقعت قبل أيام قليلة من التصويت، عندما وصف جو بايدن مؤيدي ترمب (أو بدا وكأنه يصفهم) بـ “القمامة” رداً على نكتة في تجمع لترمب عن بورتوريكو.
-
هاريس وحيدة في العاصفة: يروي الكتاب مشهد هاريس وهي تشاهد تصريح بايدن على شاشة الطائرة الرئاسية، ويصف رد فعلها بأنه كان “صمتاً قاتلاً”. يزعم المؤلفون أن هاريس شعرت في تلك اللحظة أن بايدن – سواء عن قصد أو بغير قصد – “يخرب” فرصها في اللحظات الأخيرة.
-
محاولات التنصل: يكشف الكتاب عن مكالمات غاضبة جرت بين فريق هاريس والبيت الأبيض لمطالبتهم بإصدار توضيح فوري، لكن الضرر كان قد وقع، ونجح ترمب في تحويل تلك السقطة إلى “أداة تعبئة” هائلة للقاعدة الجمهورية في ولايات بنسلفانيا وويسكونسن.
المحور الثالث عشر: الأرقام التي لا تكذب
في الأيام الثلاثة التي سبقت 5 نوفمبر، يكشف الكتاب أن الخبراء الاستراتيجيين داخل الحملة كانوا يعلمون أن “الجدار الأزرق” يتداعى. يصف تابر وتومبسون مشهداً لمحللي البيانات وهم يشرحون لهاريس أن نسبة الإقبال في المناطق الريفية تفوق كل التوقعات، بينما يظل الإقبال في المدن الكبرى (مثل فيلادلفيا وديترويت) دون المستهدف. ورغم هذه التقارير، طُلب من هاريس الاستمرار في إظهار “الثقة المطلقة” أمام الكاميرات.
ليلة الانكسار والوقوف الأخير
المحور الرابع عشر: ليلة هوارد – الكب كيك المرّ
ينقلنا الفصل الأخير من الكتاب إلى ليلة 5 نوفمبر 2024 في “جامعة هوارد”. يصف المؤلفون مشهداً سريالياً؛ حيث كانت الاحتفالات جاهزة، والنبيذ مُبرداً، بل وتكشف هاريس في مذكراتها عن تفصيل مؤلم: “كان المساعدون قد أعدوا كب كيك مزيناً بعبارة (سيدتي الرئيسة)، لكن أحد الموظفين اضطر لاحقاً لإزالة تلك العبارات بهدوء قبل تقديمها للموظفين المحطمين”.
-
لحظة الصدمة: تصف هاريس شعورها عندما بدأ “الجدار الأزرق” يتهاوى. تقول: “لم يستطع عقلي تصديق أننا خسرنا.. شعرت بضيق في التنفس وكأن الهواء نفد من الغرفة”.
-
الصمت بينها وبين دوغ: تكشف هاريس أنها وزوجها دوغ إيمهوف لم يتحدثا عن تلك الليلة لأشهر من شدة “الصدمة النفسية”، ولم يواجها الحقيقة إلا عند البدء في كتابة هذا الكتاب.
المحور الخامس عشر: “المرارة” تجاه بايدن – الحساب المتأخر
في هذا الجزء، تخرج هاريس عن صمتها الدبلوماسي لتنتقد ما تسميه “رعونة” قرار بايدن بالترشح في البداية.
-
خطاب الوداع: تذكر هاريس بمرارة كيف أن بايدن، في خطابه للأمة بعد انسحابه، لم يذكر اسمها إلا في الدقيقة التاسعة من خطاب مدته 11 دقيقة، وهو ما اعتبره فريقها “إشارة خفية” على عدم الرضا أو محاولة لتهميش دورها في اللحظة الحرجة.
-
القدرة على الحكم مقابل الحملة: تصر هاريس على أن بايدن كان قادراً على “الحكم”، لكنه كان عاجزاً عن “الحملة الانتخابية”، وهي الفجوة التي تعتقد أنها ورثتها كعبء لا يمكن التخلص منه في 107 أيام فقط.
المحور السادس عشر: الخلاصة – هل كانت 107 يوم كافية؟
تختتم هاريس كتابها بطرح سؤال فلسفي وسياسي: هل كان الوقت هو العدو الوحيد؟ بينما يرى النقاد (كما ورد في مراجعات The Guardian و The New York Times) أن الكتاب يفتقر أحياناً للنقد الذاتي العميق ويركز على “إلقاء اللوم” على الظروف وبايدن، تصر هاريس على أن الـ 107 أيام لم تكن كافية لبناء “هوية مستقلة” بعيداً عن ظل الإدارة الحالية.
الرسالة الأخيرة: لا تغلق هاريس الباب أمام المستقبل تماماً، لكنها تترك القارئ مع صورة لامرأة فخورة بكونها “الأولى” في كل شيء، لكنها اضطرت لخوض أقصر وأشرس معركة سياسية في التاريخ الحديث، لتنتهي كـ “شاهد عيان” على عودة خصمها اللدود إلى السلطة.
كتاب “107 Days”. إنه ليس مجرد مذكرات سياسية، بل هو “تشريح لجثة حملة” ولدت في خضم أزمة، وعاشت في سباق مع الزمن، وانتهت بصمت مطبق. الكتاب يقدم لطلاب السياسة درساً قاسياً: “في السياسة، الوقت ليس مجرد رقم، إنه الركن الذي تُبنى عليه الشرعية.. وبدون وقت كافٍ، حتى (البهجة) قد تصبح عبئاً”.
-




