ثقافة وفنون

أولاً، ارفع علمًا: تراجيديا الولادة والموت في أحدث دولة في العالم

كيف ربح جنوب السودان أطول الحروب وخسر السلام؟

تراجيديا الولادة والموت في أحدث دولة في العالم

لعنة الجغرافيا وخطيئة التاريخ

في التاسع من يوليو عام 2011، كانت جوبا تغلي بمزيج نادر من الحرارة والغبار والنشوة الهستيرية. تحت شمس الاستواء الحارقة، تجمع عشرات الآلاف ليشهدوا لحظة بدت مستحيلة لأجيال خلت: ميلاد جمهورية جنوب السودان. يفتتح بيتر مارتيل، المراسل المخضرم لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) في شرق أفريقيا، كتابه الملحمي “أولاً، ارفع علمًا” (First Raise a Flag) بهذا المشهد السينمائي. لم يكن مجرد احتفال سياسي؛ بل كان طقس عبور جماعي لشعب عانى من أطول حروب القارة الأفريقية. يصف مارتيل كيف أُنزِل العلم السوداني القديم ورُفِع علم “نجمة بيت لحم” الجديد، وكيف صرخ الحضور بصوت واحد “أوييي!”، وهي صرخة تحرر انطلقت من حناجر جفت من العطش والجوع والرصاص لعقود.

لكن مارتيل، الذي قضى سنوات يغطي أخبار المنطقة ويتجول في أحراشها ومستنقعاتها، لم يكتب هذا الكتاب ليمجد لحظة الاستقلال تلك فحسب، بل ليشرح بمرارة ودقة جراحية كيف تحول هذا الحلم، في غضون سنوات قليلة، إلى كابوس مروع. إن عنوان الكتاب بحد ذاته يحمل نقدًا لاذعًا ومبطنًا؛ فهو يشير إلى العقلية التي سيطرت على قادة الحركة الشعبية لتحرير السودان: الهوس بالرموز السيادية—العلم، النشيد الوطني، جواز السفر—على حساب بناء أسس الدولة الحقيقية. لقد رفعوا العلم، لكنهم نسوا أن يبنوا الأمة التي يفترض أن يظلها هذا العلم.

لفهم كيف وصلنا إلى هنا، يعود بنا الكتاب بعيدًا إلى الوراء، ليس فقط لسنوات الحرب الأهلية، بل إلى الجذور العميقة التي شكلت هوية الجنوب: الجغرافيا والتاريخ الاستعماري.

سجن “السُّد”: العزلة كقدر

يأخذنا المؤلف في رحلة عبر التضاريس القاسية التي شكلت الشخصية الجنوبية. إنه يرسم صورة حية لـ “السُّد”، ذلك المستنقع الهائل العائم على النيل الأبيض، وهو أحد أكبر الأراضي الرطبة في العالم. تاريخيًا، شكل هذا الحاجز المائي المليء بالتماسيح والبعوض والأعشاب الكثيفة درعًا وحصنًا طبيعيًا عزل الجنوب عن الشمال وعن العالم الخارجي لقرون. يجادل مارتيل بأن هذه الجغرافيا لم تكن مجرد تضاريس، بل كانت فاعلًا سياسيًا. فبينما كانت الحضارات تزدهر وتنهار في الشمال النوبي والمصري، بقي الجنوب منطقة مجهولة، “قلب الظلام” كما قد يسميها المستكشفون الأوروبيون، أو مخزنًا للموارد البشرية (العبيد) والعاج بالنسبة لتجار الشمال والغزاة الأتراك.

يغوص الكتاب في ذاكرة الألم الجمعي للجنوبيين، مستحضرًا حقبة “التركية” (الحكم التركي المصري) في القرن التاسع عشر، وحملات صيد الرقيق التي قادها تجار مثل الزبير باشا. لم تكن تلك الحملات مجرد أحداث تاريخية عابرة، بل أسست لـ “اللاوعي السياسي” للعلاقة بين الشمال والجنوب. لقد زرعت بذور عدم الثقة العميق؛ فالشمالي في المخيلة الجنوبية لم يكن شريكًا في الوطن، بل غازيًا جاء لينهب “الذهب الأسود” (العبيد) قديمًا، و”الذهب الأسود” (النفط) حديثًا. يوضح مارتيل ببراعة كيف أن مأساة جنوب السودان لم تبدأ في 2013 أو حتى 1983، بل بدأت عندما نظر العالم الخارجي لأول مرة إلى هذه الأرض على أنها منجم للثروات وليست موطنًا للبشر.

الخديعة البريطانية: “حديقة الحيوان البشرية”

ينتقل السرد ببراعة إلى الحقبة الاستعمارية البريطانية، وهنا يوجه مارتيل نقدًا لاذعًا للإدارة البريطانية في السودان. يكشف الكتاب، عبر وثائق ورسائل من الأرشيف، كيف تعامل الإداريون البريطانيون مع الجنوب بوصفه “محمية طبيعية” أو ما يشبه “حديقة حيوان بشرية”. تحت ما سمي بـ “سياسة المناطق المقفلة”، منع البريطانيون الشماليين من دخول الجنوب والعكس، وحاولوا إيقاف انتشار الإسلام واللغة العربية، وشجعوا التبشير المسيحي واللغة الإنجليزية. يصف مارتيل هؤلاء الإداريين الملقبين بـ “بارونات المستنقع” (Bog Barons)، الذين حكموا مناطق شاسعة في الجنوب بعقلية أبوية، مستمتعين بالعزلة والصيد، وتجاهلوا تمامًا تطوير البنية التحتية أو التعليم.

كانت الفكرة البريطانية المعلنة هي حماية الجنوبيين “البدائيين” من استغلال الشماليين “الأكثر دهاءً”، لكن النتيجة الحقيقية كانت كارثية. فعندما حانت لحظة الاستقلال في منتصف الخمسينيات، وجد الجنوب نفسه عاريًا تمامًا من أي مؤسسات. وبينما كان الشمال يمتلك نخبة متعلمة وجيشًا وبنية دولة، كان الجنوب يمتلك بضعة مدارس ابتدائية ولا شيء يذكر من الطرق المعبدة. يسلط الكتاب الضوء على مؤتمر جوبا الشهير عام 1947، والذي يعتبره الجنوبيون “الخيانة العظمى”. في هذا المؤتمر، وبجرة قلم، قرر البريطانيون دمج الجنوب مع الشمال في دولة واحدة تمهيدًا للاستقلال، متخلين عن وعودهم السابقة بالحماية أو الانفصال. يصور مارتيل شعور المندوبين الجنوبيين في ذلك المؤتمر: قلة قليلة غير مستعدة، تواجه دهاء السياسيين الشماليين وضغوط الإداريين البريطانيين الذين كانوا يستعجلون الرحيل. لقد دُمج الجنوب في السودان الموحد كطرف أضعف، بلا ضمانات دستورية، مما مهد الطريق للانفجار القادم.

الرصاصة الأولى: تمرد توريت 1955

قبل أن يرفع العلم السوداني الموحد في الأول من يناير 1956، كانت الحرب قد بدأت بالفعل. يعيد مارتيل بناء أحداث تمرد “توريت” في أغسطس 1955 بدقة سينمائية. في تلك الحامية العسكرية الجنوبية، انتفض الجنود الجنوبيون ضد ضباطهم الشماليين خوفًا من التجريد من السلاح والنقل إلى الشمال. كانت تلك الشرارة التي أشعلت الحرب الأهلية الأولى. يصف المؤلف الفظائع التي تلت ذلك، وكيف ردت الخرطوم بقسوة بالغة، مما دفع المتمردين إلى الغابات ليشكلوا حركة “الأنيانيا” (Anyanya)، وهو اسم مستوحى من سم قاتل يستخرج من الأفاعي. في هذا الجزء من الكتاب، يبرز مارتيل الطبيعة الفوضوية لتلك المقاومة المبكرة. لم تكن جيشًا منظمًا، بل مجموعات متفرقة يجمعها الغضب والخوف. ويشير إلى نقطة جوهرية ستلازم تاريخ الجنوب لاحقًا: الانقسامات الداخلية. فحتى في مواجهة “العدو الشمالي”، كانت القبائل والقيادات الجنوبية تتنافس فيما بينها. الحرب الأهلية الأولى، التي استمرت حتى اتفاقية أديس أبابا عام 1972، رسخت ثقافة العنف كوسيلة وحيدة للحوار السياسي. لقد تعلم جيل كامل أن القوة تنبع من فوهة البندقية، وأن الدولة المركزية هي العدو الذي يجب تدميره أو الهروب منه، لا إصلاحه.

صعود “الدكتور”: جون قرنق والرؤية المتناقضة

مع انهيار اتفاقية السلام الهشة في أوائل الثمانينيات، وسياسات الرئيس السوداني جعفر النميري التي فرضت الشريعة الإسلامية وقسمت الجنوب، ظهرت شخصية محورية ستشكل مصير البلاد لثلاثة عقود: العقيد جون قرنق دي مابيور. يخصص مارتيل مساحة واسعة لتحليل شخصية قرنق، “الدكتور” كما كان يُعرف. يصفه بأنه شخصية كاريزمية، ذكية، ومتسلطة في آن واحد. قرنق لم يكن مجرد قائد عسكري، بل كان منظرًا يحمل رؤية معقدة. وهنا تكمن إحدى مفارقات الكتاب الكبرى: مؤسس الحركة التي قادت الجنوب للاستقلال لم يكن انفصاليًا في جوهره. يشرح مارتيل مفهوم “السودان الجديد” الذي نادى به قرنق. كان يحلم بسودان موحد، علماني، وديمقراطي، يتساوى فيه الجميع بغض النظر عن العرق أو الدين. كان قرنق يرى أن مشكلة السودان ليست في وحدة أراضيه، بل في هيمنة “الأقلية العربية الإسلامية” في المركز (الخرطوم) على “الأغلبية المهمشة” في الأطراف (الجنوب، دارفور، النيل الأزرق).

لكن، وكما يوضح الكتاب، كانت هذه الرؤية نخبوية وصعبة الفهم على المقاتل البسيط في الأحراش الذي كان يحمل السلاح لأنه يكره الشماليين ويريدهم أن يخرجوا من أرضه. يبرز مارتيل التوتر الدائم بين رؤية قرنق الوحدوية وطموحات الانفصال لدى جنوده وقادته الميدانيين (مثل سلفا كير ورياك مشار). هذا التناقض البنيوي داخل الحركة الشعبية لتحرير السودان (SPLA) لم يُحل أبدًا، وظل كجرح نازف تحت الجلد.

تأسست الحركة الشعبية في 1983، وبدأ فصل جديد وأكثر دموية من الحرب. يستخدم مارتيل لغة قوية لوصف أهوال تلك الحقبة. لم تكن حربًا بين جيشين نظاميين فحسب، بل كانت حربًا شاملة استخدمت فيها الخرطوم ميليشيات القبائل العربية (المراحيل) لشن غارات وحشية على القرى الجنوبية، ونهب الماشية، واختطاف الأطفال. وفي المقابل، لم تكن الحركة الشعبية ملائكية؛ يوثق مارتيل بجرأة تجاوزات الحركة، وتجنيدها للأطفال (الجيش الأحمر)، والقسوة التي عامل بها قرنق منافسيه الداخليين.

مجاعة وموت في مثلث الرعب

لا يغفل الكتاب الجانب الإنساني المأساوي. يصف مارتيل المجاعات التي ضربت الجنوب، خاصة مجاعة 1988 ومجاعة 1998، حيث تحول البشر إلى هياكل عظمية تمشي على الأرض. يركز الكاتب عدسته على “مثلث الجوع” في ولاية الوحدة وبحر الغزال، وكيف تم استخدام الغذاء كسلاح حرب من قبل جميع الأطراف. هنا، يقدم مارتيل نقدًا لاذعًا أيضًا لصناعة المساعدات الإنسانية. يصور كيف تحول جنوب السودان إلى أكبر عملية إغاثة في العالم، “شريان الحياة”، التي أنقذت الملايين لكنها في الوقت نفسه أطالت أمد الحرب عن غير قصد، حيث كانت المساعدات تُنهب أو تفرض عليها ضرائب من قبل أمراء الحرب لتمويل عملياتهم. أصبح الجنوب “مدمنًا” على المساعدات الدولية، مما أدى إلى تآكل ما تبقى من نسيج اجتماعي تقليدي للاعتماد على الذات.

الانشقاق الكبير: نذير الكارثة

في ختام هذا الجزء التأسيسي من السرد، يتوقف مارتيل مليًا عند عام 1991، وهو عام مفصلي يفسر الكثير مما يحدث اليوم. في ذلك العام، حاول قادة كبار في الحركة، وعلى رأسهم رياك مشار ولام أكول، الانقلاب على جون قرنق. لم يكن مجرد خلاف سياسي، بل تحول بسرعة إلى صراع إثني دموي بين الدينكا (قبيلة قرنق) والنوير (قبيلة مشار). يصف مارتيل “مذبحة بور” المروعة، حيث اجتاحت قوات مشار البيضاء (الجيش الأبيض) مناطق الدينكا وقتلت الآلاف من المدنيين. هذا الحدث، كما يصوره الكتاب، كسر “المحرمات” داخل المجتمع الجنوبي. لقد تحول رفاق السلاح إلى أعداء، وتجذرت الكراهية القبلية التي ستبقى مكبوتة لسنوات تحت شعارات النضال المشترك، لتنفجر لاحقًا بعد الاستقلال. يرى مارتيل أن بذور الحرب الأهلية الحالية (التي اندلعت في 2013) زُرعت في دماء بور عام 1991. لم تتم محاسبة أحد، ولم تحدث مصالحة حقيقية؛ تم فقط “تغطية الجرح” بضمادات سياسية هشة من أجل مواصلة القتال ضد الخرطوم.

ينهي مارتيل هذا الجزء من السرد بصورة قاتمة لجنوب السودان في التسعينيات: أرض محروقة، منقسمة على ذاتها، يحكمها أمراء حرب يتنقلون بولاءاتهم بين الخرطوم والغابة، وشعب يدفع الثمن دمًا وتشردًا. وفي وسط هذا الظلام، بدأ العالم الغربي، وخاصة الولايات المتحدة واللوبي المسيحي الإنجيلي، ينظر إلى جنوب السودان نظرة تبسيطية: “الضحايا المسيحيون ضد النظام الإسلامي الشرير”. هذا الدعم الدولي، رغم أهميته في الضغط على الخرطوم، ساهم في تضخيم “الغرور” لدى قادة الحركة الشعبية، وأعطاهم شعورًا بالحصانة وأن العالم مدين لهم بدولة.

هكذا يمهد بيتر مارتيل الطريق للمراحل التالية: الطريق الوعر نحو اتفاقية السلام الشامل، الموت المفاجئ لقرنق، ولحظة “رفع العلم” التي انتظرها الجميع، غير مدركين أنهم يرفعون الستار عن فصل جديد من المأساة.

موت “النبي” وميلاد “دولة الكليبتوقراطية”

في مطلع الألفية الجديدة، بدأت رياح التغيير تهب على السودان، ليس من الداخل فحسب، بل من واشنطن العاصمة. يلتقط بيتر مارتيل الخيوط المتشابكة للسياسة الدولية ليقص علينا كيف تحولت قضية جنوب السودان من “حرب منسية” في أدغال أفريقيا إلى قضية “رأسمال سياسي” في البيت الأبيض. يصف الكتاب بدقة دور “اللوبي الإنجيلي” في الولايات المتحدة، الذي رأى في الحرب صراعًا توراتيًا بين الخير والشر، وضغط على إدارة جورج بوش الابن لجعل السلام في السودان أولوية قصوى.

هنا، يظهر جون قرنق في أوج قوته الدبلوماسية. يصفه مارتيل بأنه عرف كيف يعزف على أوتار الغرب ببراعة، مقدمًا نفسه كحصن للعلمانية والديمقراطية في مواجهة التطرف. تكللت هذه الجهود بتوقيع “اتفاقية السلام الشامل” (CPA) في نيفاشا بكينيا عام 2005. كانت لحظة تاريخية؛ اتفاقية معقدة منحت الجنوب حق تقرير المصير بعد فترة انتقالية مدتها ست سنوات، ونصف عائدات النفط الجنوبي. بدا أن السلام قد حل أخيرًا. عاد قرنق إلى الخرطوم في استقبال مليوني أسطوري، وأقسم اليمين نائبًا أول لرئيس الجمهورية. كان حلم “السودان الجديد” يبدو أقرب من أي وقت مضى. لكن مارتيل، بأسلوبه الذي يمزج الترقب بالقدرية، يخبرنا أن القدر كان يخبئ منعطفًا تراجيديًا سيغير كل شيء.

السقوط من السماء: نهاية “السودان الجديد”

بعد ثلاثة أسابيع فقط من تنصيبه، وفي ليلة ممطرة من ليالي يوليو 2005، اختفت مروحية قرنق الأوغندية الرئاسية عن الرادار فوق تلال “الأماتونج” الوعرة قرب الحدود. يصف مارتيل تلك الساعات من الارتباك والرعب التي عاشتها الحركة الشعبية والسودان بأكمله. عندما تأكد الخبر—موت الزعيم الكاريزمي—دخل الجنوب في حالة صدمة وجودية. يحلل الكاتب هذا الحدث ليس مجرد حادثة، بل كنقطة تحول فاصلة في تاريخ الأمة. بموت قرنق، ماتت فكرة “السودان الجديد”. كان قرنق هو الصمغ الوحيد الذي يربط الرؤية الوحدوية معًا، وكان الوحيد الذي يمتلك السطوة الكافية لضبط جنرالاته المتناحرة. برحيله، خلت الساحة لرجل الظل: سلفا كير ميارديت.

يرسم الكتاب “بورتريه” دقيقًا ومتباينًا لسلفا كير. على عكس قرنق المثقف والخطيب المفوه والحازم، كان سلفا كير رجل استخبارات كتومًا، يرتدي قبعته الشهيرة “رعاة البقر” (هدية من جورج بوش)، ويميل للصمت والمناورة. يوضح مارتيل أن سلفا كير لم يكن يومًا مؤمنًا بوحدة السودان؛ كان انفصاليًا حتى النخاع، مثله مثل معظم جنوده. بتوليه السلطة، تحول المسار فورًا وبشكل غير معلن من “إصلاح الخرطوم” إلى “الطلاق من الخرطوم”.

سياسة “الخيمة الكبيرة”: شراء السلام بالمال الفاسد

مع تدفق مليارات الدولارات من عائدات النفط إلى خزينة حكومة الجنوب الوليدة في جوبا، واجه سلفا كير معضلة: كيف يسيطر على عشرات الميليشيات الجنوبية المتمردة التي كانت تقاتل إلى جانب الخرطوم ضد الحركة الشعبية؟ يسمي مارتيل استراتيجية سلفا كير بـ “سياسة الخيمة الكبيرة” (Big Tent Policy). بدلاً من هزيمة هؤلاء القادة عسكريًا، قرر سلفا كير شراء ولائهم. فتح خزانة الدولة ودعا الجميع للدخول. تم منح رتب جنرالات لقادة الميليشيات، وتم دمج مقاتليهم في “الجيش الشعبي” دون تدريب أو عقيدة عسكرية موحدة.

ينتقد الكتاب هذه السياسة بمرارة. فبينما نجحت مؤقتًا في وقف الاقتتال الداخلي وتوحيد الصفوف من أجل الاستفتاء، إلا أنها حولت الجيش إلى “وحش فرانكنشتاين” متعدد الرؤوس. أصبح الجيش التزامًا ماليًا هائلاً يلتهم ميزانية الدولة (أكثر من 50% من الميزانية تذهب للرواتب، وكثير منها لجنود وهميين أو “أشباح”). يصف مارتيل كيف تحولت الوزارات والمناصب الحكومية إلى “غنائم حرب”. لم يتم تعيين المسؤولين بناءً على الكفاءة لبناء دولة، بل لضمان ولاء قبائلهم. نشأت ثقافة “الأكل”؛ حيث أصبح المال العام طعامًا يجب التهامه بسرعة. يروي الكاتب قصصًا سريالية عن الفساد في تلك الفترة: “قضية الذرة” (Dura Saga) سيئة السمعة، حيث دُفعت مئات الملايين من الدولارات لشركات وهمية لتوريد الحبوب لمخازن غير موجودة، بينما كان الناس يجوعون. في غضون سنوات قليلة، اختفت مليارات الدولارات في حسابات خارجية وعقارات في نيروبي وكمبالا وأستراليا، بينما بقيت جوبا بلا شبكة صرف صحي أو كهرباء مستقرة.

جوبا: عاصمة الوهم

يأخذنا مارتيل في جولة داخل جوبا في الفترة ما بين 2005 و2011. يصفها بأنها تحولت من مدينة أشباح دمرتها الحرب إلى “مدينة الفرص الضائعة”. تدفق عليها المغامرون ورجال الأعمال من كل حدب وصوب: تجار أوغنديون، عمال إغاثة غربيون، سماسرة كينيون، وجواسيس. ارتفعت أسعار الفنادق المبنية من حاويات الشحن (الكونتينر) لتنافس فنادق مانهاتن، وكانت الشوارع تزدحم بسيارات الدفع الرباعي الفارهة (V8) التي يقودها القادة العسكريون الجدد، “طبقة البندقية” التي استبدلت الزي العسكري بالبدلات الإيطالية، لكنها احتفظت بالعقلية العسكرية.

ينقل الكاتب ببراعة المفارقة المؤلمة: بينما كان العالم يحتفل بـ “قصة النجاح” القادمة، كان الأساس يتآكل. الدبلوماسيون الغربيةن، الذين استثمروا كثيرًا في عملية السلام، اختاروا غض الطرف عن الفساد المستشري وسوء الإدارة وتزايد النزعة القبلية، مفضلين التركيز على الهدف النهائي: الاستفتاء والاستقلال. كان هناك اتفاق ضمني بالصمت: “لنُوصلهم إلى خط النهاية أولًا، ثم نصلح المشاكل لاحقًا”. كانت تلك مقامرة كارثية.

مسرحية الانتخابات والاستفتاء

في عام 2010، جرت انتخابات عامة في السودان، كانت بمثابة بروفة للاستقلال. يوثق مارتيل كيف زور الحركة الشعبية الانتخابات في الجنوب بوقاحة لضمان هيمنتها الكاملة، وكيف تم ترهيب أي مرشح مستقل أو معارض. كان ذلك نذير شؤم للديمقراطية في الدولة القادمة، لكن المجتمع الدولي بارك النتائج مرة أخرى “من أجل الاستقرار”.

ثم جاءت اللحظة المنتظرة: استفتاء تقرير المصير في يناير 2011. يصف مارتيل الطوابير الطويلة التي امتدت لأميال، والوجوه التي ملأها الأمل والدموع. صوت الجنوبيون بنسبة 98.83% لصالح الانفصال. كان تصويتًا عاطفيًا جارفًا، رفضًا قاطعًا للشمال، وتفويضًا مطلقًا للحركة الشعبية. لكن الكتاب يغوص خلف الأرقام. يشير مارتيل إلى أن هذا الإجماع كان خادعًا. لقد توحد الجنوبيون “ضد” العدو المشترك (الشمال)، لكنهم لم يتفقوا بعد “مع” بعضهم البعض على شكل الدولة التي يريدونها. بمجرد زوال “البعبع” الشمالي، ماذا سيتبقى ليوحدهم؟

الاستقلال: سكرة النصر وصحوة الواقع

يعود بنا السرد إلى يوم الاستقلال، 9 يوليو 2011، حيث بدأنا الكتاب. لكن الآن، بعد أن فهمنا السياق، يبدو الاحتفال مختلفًا. نرى سلفا كير يرفع الدستور الجديد، ونرى خصمه اللدود ونائبه رياك مشار يبتسم بجانبه. يحلل مارتيل لغة الجسد، والتوتر المكتوم، والكلمات الجوفاء في خطابات القادة. كان العالم يضخ المليارات في الدولة الجديدة، وكانت التوقعات في السماء. لكن مارتيل يلاحظ تفصيلاً صغيرًا ومرعبًا: في نشوة الاحتفال، نسوا بناء المؤسسات التي يمكنها حل النزاعات دون عنف. القضاء كان مشلولًا، البرلمان كان مجرد ختم مطاطي، والجيش كان عبارة عن ميليشيات قبلية متكدسة فوق بعضها البعض.

في الأشهر التي تلت الاستقلال مباشرة، بدأت الشقوق تظهر. خلاف مع الخرطوم حول رسوم نقل النفط أدى إلى قرار انتحاري من جوبا: إغلاق آبار النفط بالكامل في عام 2012. يصف مارتيل هذا القرار بأنه “جنون اقتصادي”. فجأة، قطعت الدولة الشريان الوحيد الذي يغذيها (98% من الدخل). كان الهدف “خنق” الخرطوم، لكن النتيجة كانت تجفيف الموارد التي كان سلفا كير يستخدمها لشراء ولاء جنرالاته. عندما ينفد المال، يعود الولاء للقبيلة. بدأت شبكة المحسوبية التي بناها سلفا كير (الخيمة الكبيرة) تتداعى. وبدأ التنافس السياسي بين سلفا كير (الدينكا) ورياك مشار (النوير) يأخذ منحىً علنيًا وخطيرًا.

بدأ سلفا كير يشعر بالحصار. رأى في طموح مشار الرئاسي انقلابًا وشيكًا، فبدأ في تجميع ميليشيا خاصة من قبيلته (مذبحــة الـ “ماثيانق أنيور” أو النمر البني) خارج إطار الجيش الرسمي، وتخزين السلاح في جوبا. وعلى الجانب الآخر، كان مشار يحشد أنصاره ويستغل الغضب المتصاعد من الفساد وسوء الإدارة. يصف مارتيل الجو في جوبا في أواخر 2013 بأنه كان مشحونًا بالكهرباء الساكنة. الشائعات تسري كالنار في الهشيم، والجميع يتحسس مسدسه. كانت الدولة الوليدة، التي لم يتجاوز عمرها عامين، تقف على حافة الهاوية، بينما كان “أصدقاء الجنوب” في السفارات الغربية مشغولين بكتابة تقارير متفائلة عن مشاريع التنمية وبناء القدرات، غافلين تمامًا عن البركان الذي كان يغلي تحت أقدامهم.

في مؤتمر صحفي متوتر، أقال سلفا كير نائبه رياك مشار وحل الحكومة بأكملها. كانت تلك هي القشة التي قصمت ظهر البعير. لم يعد الصراع سياسيًا، بل أصبح وجوديًا. لقد أُعد المسرح للفصل الأخير والأكثر دموية في هذه التراجيديا.

الانتحار الجماعي والبحث عن وطن ضائع

في ليلة الخامس عشر من ديسمبر 2013، انطلقت الرصاصة التي أعلنت نهاية “شهر العسل” القصير لجنوب السودان. في كتابه “أولاً، ارفع علمًا”، لا يكتفي بيتر مارتيل بسرد وقائع الحرب الأهلية الجديدة، بل يشرّحها كفشل بنيوي لدولة بُنيت على الرمال. يصف مارتيل تلك الليلة في جوبا بأنها لم تكن مجرد انقلاب عسكري أو نزاع سياسي، بل كانت “انفجارًا كيميائيًا” لعناصر القبلية، الطمع، والصدمات النفسية غير المعالجة.

بدأت الشرارة باشتباكات بين الحرس الرئاسي المنتمين لقبيلتي الدينكا والنوير. وبسرعة البرق، تحولت شوارع العاصمة إلى مسرح لعمليات تصفية عرقية بشعة. يروي مارتيل قصصًا تدمي القلوب عن مدنيين استُهدفوا فقط بسبب لغتهم أو الندوب القبلية على وجوههم. في غضون أيام، فرّ رياك مشار إلى الغابة، وتحول “الجيش الشعبي” إلى ميليشيات متناحرة، وغرقت البلاد في حرب أهلية كانت، في كثير من جوانبها، أشد وحشية من حرب الاستقلال ضد الشمال.

سريالية الموت في “المقرات الأممية”

ينقلنا مارتيل إلى مشهد سريالي آخر: عشرات الآلاف من المدنيين وهم يحطمون بوابات قواعد الأمم المتحدة بحثًا عن الأمان. تحولت قواعد “القبعات الزرقاء” إلى مخيمات لاجئين داخل وطنهم، محاطة بالموت من كل جانب. يوجه الكاتب نقدًا مريرًا للمجتمع الدولي الذي أنفق المليارات لبناء هذه الدولة، ليجد نفسه الآن عاجزًا عن حماية المدنيين خلف أسوار الأسلاك الشائكة، بينما القادة الذين استقبلهم العالم بالأحمر “السجاد” بالأمس، يشرفون الآن على تدمير بلادهم.

يأخذنا الكتاب إلى جبهات القتال، من “بور” إلى “ملكال” و”بنتيو”. يصف مارتيل مدنًا بأكملها سُويت بالأرض، ومستشفيات أُحرقت بمن فيها. لم يكن الصراع على أيديولوجيا، بل كان صراعًا بدائيًا على السلطة والبقاء، تغذيه ضغائن قديمة تعود لمذبحة 1991 التي ذكرناها سابقًا. يوضح مارتيل كيف استخدم الطرفان “الاغتصاب كأداة حرب” و”الجوع كتكتيك”، في انحدار أخلاقي مروع جعل حتى المحاربين القدامى يشعرون بالخوف.

اقتصاد الحرب: النفط الذي يحرق أهله

رغم الحرب، لم يتوقف تدفق النفط تمامًا، وهنا يكشف مارتيل عن الجانب المظلم للثروة. يوثق كيف استُخدمت أموال النفط، التي كان من المفترض أن تبني المدارس والمستشفيات، لشراء الأسلحة الفتاكة والمروحيات القتالية واستئجار المرتزقة. يصف الكاتب “دورة الفساد” التي استمرت حتى وسط الأنقاض؛ حيث واصلت النخبة الحاكمة في جوبا والمتمردون في الفنادق الفاخرة في أديس أبابا جولات “مفاوضات السلام” التي لم تكن سوى وسيلة لكسب الوقت وتقاسم الحصص من كعكة الدولة المتلاشية. لقد تحول جنوب السودان في نظر مارتيل إلى “ثقب أسود” يبتلع المساعدات والأرواح والثروات دون أي أفق للحل.

تآكل الحلم وسقوط النخب

من أمتع وأكثر أجزاء الكتاب شجنًا هو حديث مارتيل عن “الجنوبيين الذين آمنوا بالحلم”. يلتقي بشخصيات فقدت كل شيء؛ مثقفون عادوا من الشتات للمساهمة في بناء الوطن ليجدوا أنفسهم مطاردين أو مقتولين، ومواطنون بسطاء كانوا يظنون أن العلم سيرزقهم الخبز فإذا به يغطيهم في القبور. يسلط الضوء على خيبة الأمل العميقة تجاه سلفا كير ورياك مشار. يرى مارتيل أن هؤلاء القادة هم “أسرى عقلية الغابة”؛ فهم يجيدون القتال والتمرد، لكنهم يفتقرون تمامًا لمخيلة “رجل الدولة”. بالنسبة لهم، الدولة هي “غنيمة” والمنصب هو “حق تاريخي” لا يقبل القسمة.

الخاتمة: هل من أمل تحت العلم؟

يختتم بيتر مارتيل كتابه “أولاً، ارفع علمًا” بنبرة تتراوح بين الأسى والواقعية القاسية. هو لا يقدم حلولاً سحرية، بل يضع العالم أمام مرآة مسؤوليته. يجادل بأن استقلال جنوب السودان لم يكن خطأً في حد ذاته—فقد كان رغبة شعبية عارمة—لكن “طريقة” هندسة الدولة هي التي كانت مشوهة.

يرى مارتيل أن الدرس الأكبر من تراجيديا جنوب السودان هو أن العلم والنشيد الوطني لا يصنعان دولة؛ بل المؤسسات، والمحاسبة، والقدرة على تجاوز الهويات القبلية الضيقة نحو هوية وطنية جامعة هي ما يفعل ذلك. وبدون مواجهة حقيقية مع آثام الماضي، ومحاكمة مجرمي الحرب، وتفكيك “اقتصاد المنهب”، سيظل العلم المرفوع في جوبا مجرد قطعة قماش ترفرف فوق مقبرة كبيرة من الوعود المحطمة.

“أولاً، ارفع علمًا” ليس مجرد كتاب عن التاريخ السياسي؛ إنه مرثية لبلد وُلد من رحم الألم، لكنه لم يجد القابلات المخلصات لإخراجه إلى نور الاستقرار. يتركنا مارتيل مع تساؤل مرير: هل سيتمكن الجيل القادم من جنوب السودان من انتزاع بلادهم من أيدي “الديناصورات” التي حررتها ثم أكلتها؟ الإجابة، كما يراها الكاتب، لا تزال مدفونة في مستنقعات “السُّد” بانتظار معجزة سياسية لم تأتِ بعد.

First Raise a Flag: How South Sudan Won the longest war and lost the peace ’

Peter Martell

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى