ثقافة وفنون

الملاذ الأخير للإنسانية: لماذا لن تتمكن الآلة من “رؤيتنا” حقاً؟

قراءة في كتاب "آخر وظيفة بشرية: رؤية بعضنا البعض في عصر الأتمتة" لعالمة الاجتماع أليسون بوج

في خضم القلق العالمي المتصاعد حول الذكاء الاصطناعي، وسيطرة الخوارزميات على كل شيء بدءاً من كتابة الأكواد البرمجية وصولاً إلى تأليف السيمفونيات، يبرز سؤال وجودي ملح: ما الذي سيتبقى للبشر ليفعلوه؟ في كتابها العميق “The Last Human Job: Seeing Each Other in an Age of Automation” (آخر وظيفة بشرية: رؤية بعضنا البعض في عصر الأتمتة)، لا تقدم عالمة الاجتماع أليسون بوج (Allison Pugh) مجرد دفاع عاطفي عن البشر، بل تطرح نظرية متماسكة حول نوع محدد من العمل يستعصي -بطبيعته- على الأتمتة، وهو ما تطلق عليه مصطلح “العمل التواصلي” (Connective Labor).

تبدأ بوج رحلتها الفكرية بتفكيك الفهم السائد للعمل البشري في العصر الحديث. لطالما اعتقدنا أن الوظائف الآمنة هي تلك التي تتطلب ذكاءً معرفياً عالياً أو مهارات تقنية معقدة، لكن الواقع أثبت أن هذه المهام هي الأسهل في النمذجة والمحاكاة. هنا، تأخذنا الكاتبة إلى منطقة مختلفة تماماً؛ إلى المساحات التي يلتقي فيها البشر ببعضهم البعض في لحظات الضعف، والتعلم، والشفاء. تعرف بوج “العمل التواصلي” بأنه ذلك الجهد الذي يبذله شخص لفهم مشاعر واحتياجات شخص آخر، ومن ثم عكس هذا الفهم إليه بطريقة تجعله يشعر بأنه “مرئي” ومقدر.

هذا النوع من العمل ليس مجرد “لطف” أو “رعاية” بمفهومها التقليدي، بل هو مهارة معقدة تتطلب قراءة الإشارات غير اللفظية، وفهم السياق الاجتماعي، وبناء الثقة المتبادلة. تستشهد بوج بمجموعة واسعة من المهن، من المعالجين النفسيين والأطباء، إلى المعلمين ورجال الدين. في كل هذه الأدوار، القيمة الحقيقية لا تكمن فقط في “التشخيص” أو “نقل المعلومة” -وهي أمور يمكن للذكاء الاصطناعي فعلها بكفاءة- بل تكمن في العملية التفاعلية التي يشعر من خلالها المتلقي بأن هناك إنساناً آخر يشهد على تجربته. إنها عملية “المرآة”؛ فنحن نحتاج إلى الآخرين لنعرف من نحن، والآلة مهما بلغت دقتها، لا يمكنها أن تكون تلك المرآة لأنها تفتقر إلى الوعي والقدرة على المشاركة الوجدانية الحقيقية.

ولكن، وعلى الرغم من أهمية هذا العمل، ترصد بوج تحولاً خطيراً ومفارقة مؤلمة في المؤسسات الحديثة. فبينما يزداد احتياجنا لهذا التواصل الإنساني، تقوم الأنظمة الاقتصادية والإدارية المعاصرة بسحق الظروف التي تسمح بازدهاره. تشرح الكاتبة كيف أن هوس “الكفاءة” والقياسات الكمية (Metrics) قد تسلل إلى أكثر القطاعات إنسانية. في المستشفيات والمدارس، يُجبر المهنيون على العمل وفق جداول زمنية صارمة وبروتوكولات موحدة تحول اللقاء البشري إلى مجرد إدخال بيانات.

تجادل بوج بأن التهديد الأكبر للعمل التواصلي ليس الروبوتات التي ستحل محل البشر فجأة، بل هو تحويل البشر أنفسهم إلى روبوتات قبل وصول الآلة. عندما يُجبر الطبيب على قضاء وقت أطول في التحديق في الشاشة لملء السجلات الطبية بدلاً من النظر في عيني مريضه، وعندما يُقيم المعلم بناءً على درجات الاختبارات المعيارية فقط وليس بناءً على قدرته على احتواء طالب مضطرب، فإننا نقوم بتجريف التربة التي ينمو فيها العمل التواصلي. هذا ما تسميه “أتمتة العمل قبل الأتمتة التكنولوجية”. المؤسسات تحاول تفكيك العلاقات الإنسانية المعقدة إلى “مهام” صغيرة قابلة للقياس، وهو ما يمهد الطريق لاستبدال هذه المهام بالخوارزميات، متجاهلين أن السحر يكمن في العلاقة الكلية لا في أجزائها المنفصلة.

تتعمق بوج في تحليل كيفية محاولة التكنولوجيا سد هذه الفجوة التي خلقتها الرأسمالية الحديثة. نحن نرى صعود تطبيقات الصحة العقلية، وروبوتات المحادثة العلاجية، وأنظمة التعليم الشخصية. ورغم أن هذه الأدوات قد توفر راحة مؤقتة أو حلاً لمشاكل الوصول إلى الخدمة، إلا أنها تقدم ما تصفه الكاتبة بـ “التواصل المصطنع”. الذكاء الاصطناعي يمكنه محاكاة التعاطف، لكنه لا يستطيع ممارسته. التعاطف الحقيقي يتطلب “المخاطرة” والمشاركة؛ يتطلب وجود شخص آخر لديه ما يخسره، شخص حاضر بكيانه. عندما “تتعاطف” الآلة، فهي تنفذ كوداً برمجياً، وعندما يتعاطف الإنسان، فهو يمنح جزءاً من طاقته ووقته وحقيقته. هذا الفرق الجوهري هو ما يجعل العمل التواصلي غير قابل للاستبدال كلياً.

تصل بوج في نهاية طرحها إلى رؤية استشرافية وتوجيه أخلاقي للمستقبل. إن الدفاع عن “آخر وظيفة بشرية” لا يعني رفض التكنولوجيا، بل يعني إعادة تقييم جذرية لما نعتبره “عملاً” ذو قيمة. المجتمع الحديث يميل إلى التقليل من شأن العمل التواصلي، وغالباً ما يوكل إلى النساء أو الفئات المهمشة، ويمنح أجوراً متدنية مقارنة بالوظائف التقنية أو المالية.

تخلص الكاتبة إلى أن النجاة في عصر الأتمتة تتطلب منا استثماراً اجتماعياً ضخماً في البنية التحتية للعلاقات الإنسانية. يجب أن نعيد تصميم مؤسساتنا -الطبية، والتعليمية، والاجتماعية- لتمنح المهنيين “الوقت” و”المساحة” اللازمين لممارسة “رؤية الآخر”. بدلاً من استخدام التكنولوجيا لاستبدال البشر، يجب استخدامها لإزالة الأعباء الإدارية والبيروقراطية عن كاهلهم، ليتمكنوا من التفرغ للمهمة التي لا يتقنها سواهم: التواصل.

إن كتاب “آخر وظيفة بشرية” هو صرخة تحذير ودعوة للأمل في آن واحد. هو يخبرنا أن المستقبل ليس حكراً على المبرمجين والمهندسين فحسب، بل هو أيضاً، وبشكل جوهري، لأولئك الذين يملكون الشجاعة والمهارة للجلوس مع شخص آخر، والاستماع إليه، وجعله يشعر بأنه موجود. في عالم يزداد برودة واغتراباً رقمياً، قد تكون القدرة على “رؤية بعضنا البعض” هي المهارة الأكثر ندرة، والأعلى قيمة، والحصن الأخير لإنسانيتنا.

وبالغوص أعمق في طيات هذا التحليل الاجتماعي الدقيق، تأخذنا بوج إلى ما وراء السطح الرومانسي للعلاقات الإنسانية، لتكشف عن التكلفة الباهظة وغير المرئية لهذا “العمل التواصلي”. فهي لا تكتفي بمدح هذا النوع من العمل، بل تُشرّح ببراعة كيف يتم استنزافه منهجيًا. تشير الكاتبة إلى أن القدرة على “رؤية” الآخر ليست هبة فطرية فحسب، بل هي مهارة مكتسبة وشاقة تتطلب تدريباً عاطفياً وذهنياً هائلاً. إن الطبيب الذي يقرر التوقف عن الكتابة لبرهة لينصت إلى مخاوف مريض يحتضر، أو المعلم الذي يلاحظ انطفاء بريق العين لدى طالب موهوب، يمارسون نوعاً من “الترجمة الفورية” للمشاعر الإنسانية، وهي عملية تستهلك طاقة نفسية لا تملك الآلات أي مخزون منها ولا تفهم كُنهها.

وهنا تبرز إحدى أخطر القضايا التي يطرحها الكتاب، وهي قضية “اللا مساواة في الرعاية”. تحذر بوج من مستقبل ديستوبي قد يصبح فيه التواصل البشري الحقيقي “سلعة فاخرة” (Luxury Good). فمع تطور أنظمة الذكاء الاصطناعي، تتجه المؤسسات لتوفير “الرعاية المؤتمتة” للفقراء وعامة الناس—تطبيقات علاج نفسي، برامج تعليمية موجهة بالخوارزميات، وروبوتات رعاية للمسنين—بينما يحتفظ الأثرياء والنخبة بامتياز الوصول إلى البشر الحقيقيين. إنها رؤية قاتمة حيث يُقاس الثراء بمدى قدرتك على التعامل مع إنسان آخر وليس مع شاشة، مما يحول “اللمسة الإنسانية” من حق أساسي في التعليم والصحة إلى رمز للمكانة الاجتماعية.

تضرب الكاتبة أمثلة حية ومؤلمة من واقع العمل الميداني، خاصة في مهنة مثل “الرعاية الروحية” أو القساوسة في المستشفيات. في هذه اللحظات الحدية، لا يحتاج الإنسان إلى “حل” لمشكلته—فالموت أو الفقد لا حل لهما تقنياً—بل يحتاج إلى “المرافقة” (Accompaniment). الذكاء الاصطناعي مصمم “لحل المشاكل” وتقديم الإجابات، لكن العمل التواصلي غالباً ما يدور حول “احتمال الغموض” والبقاء مع الشخص في منطقة الألم دون تقديم إجابات زائفة. الآلة قد تقدم لك آيات تعزية أو إحصاءات طبية بدقة متناهية، لكنها لا تستطيع أن تشاركك “هشاشة الموقف”، لأنها ببساطة غير قابلة للموت أو الألم. هذا “التشارك في الضعف” هو الجسر الوحيد الذي يجعل المواساة حقيقية، وهو ما يجعل العمل التواصلي فريداً؛ فهو لا يستمد قوته من كمال المؤدي (الآلة المثالية)، بل من إنسانيته المشتركة مع المتلقي.

كما تسلط بوج الضوء على فكرة “الاحتكاك المثمر” في العلاقات البشرية. تميل التكنولوجيا بطبعها إلى إزالة العقبات وتسهيل الأمور (Frictionless)، لكن العلاقات الإنسانية العميقة وتعديل السلوك والتعلم الحقيقي تتطلب نوعاً من الاحتكاك والصعوبة والتفاوض المستمر بين طرفين. عندما يقوم الذكاء الاصطناعي بتبسيط التفاعلات وتوقع رغباتنا قبل أن ننطق بها، فإنه يحرمنا من عملية النمو التي تحدث خلال محاولة فهم الآخر وسو التفاهم ثم التصحيح. إن هذا “العمل القذر” وغير المرتب للعلاقات هو بالضبط ما يبني الثقة، ومحاولة تنظيفه وأتمتته تعني تجريده من جوهره.

بذلك، تضعنا بوج أمام حقيقة أن ما نسميه “كفاءة” في عالم الأتمتة قد يكون هو العدو الأول “للجودة” في عالم البشر. فالنظام الذي يعتبر قضاء الممرضة لعشر دقائق إضافية في الحديث مع مريض “هدراً للوقت”، هو نظام أعمى لا يرى أن هذه الدقائق هي التي قد تمنح المريض الإرادة للشفاء. الكتاب هنا يتجاوز كونه دفاعاً عن الوظائف، ليصبح دفاعاً عن “كرامة التجربة البشرية” التي لا يمكن اختزالها في نقاط بيانات، مؤكدة أن محاولة استبدال هذا العمل بالتكنولوجيا ليست مجرد خطوة اقتصادية، بل هي عملية بتر لجزء أساسي من نسيجنا الاجتماعي.

وفي الختام، تصل أليسون بوج إلى جوهر مرافعتها الأخلاقية والسياسية؛ فالمسألة ليست مجرد تفضيل “لللمسة البشرية” على برودة الدوائر الإلكترونية، بل هي معركة حول “سلطة المعرفة”. في العمل التواصلي، يمتلك المهني البشري القدرة على رؤية ما وراء البيانات؛ فهو يدرك الصمت المريب، ويقرأ التردد في نبرة الصوت، ويستشعر السياق الثقافي والاجتماعي الذي لا يظهر في استمارات الفحص. إن التخلي عن هذا الدور لصالح الأتمتة يعني تسليم السلطة التقديرية لخوارزميات “الصندوق الأسود” التي تفتقر إلى المسؤولية الأخلاقية والقدرة على تبرير قراراتها في سياق إنساني فريد.

تؤكد بوج أن استعادة مكانة “آخر وظيفة بشرية” تتطلب شجاعة جماعية لمقاومة سحر “الحلول التكنولوجية السهلة”. إن الركون إلى الذكاء الاصطناعي كبديل عن البشر في مجالات الرعاية والتعليم هو في الحقيقة اعتراف ضمني بهزيمتنا في تنظيم مجتمعاتنا بشكل عادل. فبدلاً من أن نطالب بتخفيض أعداد الطلاب في الفصول الدراسية ليتمكن المعلم من “رؤية” تلاميذه، نهرب نحو الأجهزة اللوحية. وبدلاً من تحسين ظروف عمل الممرضات، نبحث عن روبوتات مؤنسة. بوج تطالبنا بعكس المسار؛ أن نجعل التكنولوجيا خادمة لهذه اللحظة التواصلية، لا سيداً عليها، بحيث تزيح عن كاهل البشر المهام التكرارية لتترك لهم الوقت الأثمن: وقت اللقاء.

إن الرسالة النهائية التي يتركها هذا الكتاب في وعي القارئ هي أن “رؤية الآخر” هي بمثابة الصمغ الذي يربط أجزاء المجتمع ببعضها البعض. إذا استمررنا في تفكيك هذا العمل التواصلي وتحويله إلى برمجيات، فإننا لا نخاطر بخسارة وظائفنا فحسب، بل نخاطر بخسارة قدرتنا على التعاطف والنمو المشترك. إن الدفاع عن العمل التواصلي هو، في جوهره، دفاع عن “المجال العام” وعن قدرتنا على الاعتراف المتبادل بإنسانيتنا في أقصى تجلياتها ضعفاً وقوة.

بهذا المعنى، يصبح كتاب “آخر وظيفة بشرية” مرجعاً لا غنى عنه ليس فقط للمهتمين بمستقبل العمل والتكنولوجيا، بل لكل من يتساءل عن هوية الإنسان في القرن الحادي والعشرين. إنه يدعونا إلى الاحتفاء بما هو “ناقص” و”بطيء” و”معقد” فينا، لأن هذه الصفات هي التي تجعلنا غير قابلين للاستبدال، وهي التي تضمن أن تظل الوظيفة الأهم في العالم—وظيفة أن نكون بشراً لبعضنا البعض—آمنة من خطر الأتمتة.

The Last Human Job: Seeing Each Other in an Age of Automation

Allison J. Pugh

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى