ثقافة وفنون

ما هي الدولة

ترويض اللوياثان: قراءة جمهورية في هندسة الدولة عند فيليب بيتيت

في عصر تترنح فيه المؤسسات السياسية التقليدية بين مطرقة الشعبوية وسندان العولمة، يعود السؤال القديم الجديد ليحتل واجهة الفلسفة السياسية: ما هي الدولة؟ وكيف يمكن لهذا الكيان الهائل، الذي يمتلك حق احتكار العنف، أن يكون ضامناً للحرية لا قبرها؟ يقدم فيليب بيتيت، أحد أبرز منظري “الجمهورية الجديدة” (Neo-republicanism) المعاصرين، في كتابه “الدولة” مشروعاً طموحاً لا يكتفي بإعادة تعريف الدولة من منظور قانوني جاف، بل يسعى لتشريح “أنطولوجيا” الدولة كفاعل اعتباري، ومن ثم بناء نظرية معيارية تبرر وجودها وتقيد سلطتها في آن واحد. إن رحلة بيتيت في هذا العمل ليست مجرد تمرين أكاديمي في التعريفات، بل هي محاولة جادة لإنقاذ المفهوم السياسي للدولة من براثن النظريات الليبرالية التي ترتكز فقط على “التعاقد”، والنظريات الواقعية التي لا ترى فيها سوى أداة للقهر.

يبدأ بيتيت مشروعه التأسيسي من نقطة تبدو للوهلة الأولى بديهية، لكنها محفوفة بالمخاطر الفلسفية، وهي محاولة القبض على “ماهية” الدولة قبل الحديث عن عدالتها. إنه يرفض الانجرار المباشر إلى الأسئلة المعيارية حول ما “يجب” أن تكون عليه الدولة قبل أن يحدد بدقة ما الذي يجعل كياناً ما دولة في المقام الأول. ومن هنا، يطرح بيتيت مقاربته الوظيفية (Functionalist approach). فالدولة، برأيه، ليست مجرد تجلي لإرادة الحاكم، ولا هي مجرد مجموع الأفراد القاطنين في رقعة جغرافية، بل هي “فاعل مؤسسي” (Corporate Agent). هذا المفهوم هو حجر الزاوية في بناء بيتيت النظري؛ حيث يتعامل مع الدولة كشخصية اعتبارية لها “عقل” ولها “قصدية” تختلف عن مجموع نوايا الأفراد المكونين لها. لكي نفهم الدولة، يجب أن نراها ككيان قادر على تشكيل أحكام، واتخاذ قرارات، والالتزام بوعود بطريقة تحاكي الفاعل البشري العاقل، ولكن بآليات مختلفة جذرياً تعتمد على الدستور والقوانين والإجراءات البيروقراطية.

إن هذا الفهم للدولة كفاعل جماعي يقودنا إلى استكشاف الوظيفة الأساسية التي تبرر نشوء هذا الكيان. يعود بيتيت إلى الجذور الهوبزية (نسبة إلى توماس هوبز)، ولكنه يقرأها بنظارة جمهورية مختلفة. فإذا كان هوبز يرى أن الدولة ضرورية لإنهاء “حرب الكل ضد الكل”، فإن بيتيت يرى أن الوظيفة الوجودية للدولة هي توفير “الأمان” ضد الهيمنة الخاصة. في غياب الدولة، لا يعيش الناس بالضرورة في فوضى دموية مستمرة، لكنهم يعيشون في حالة من عدم اليقين والخوف من تعدي الأقوياء. إن “حالة الطبيعة” ليست بالضرورة حالة حرب، بل هي حالة “هيمنة” (Domination)، حيث يقع الفرد تحت رحمة إرادة تعسفية لآخرين أقوى منه. هنا تبرز وظيفة الدولة: إنها الكيان الوحيد القادر على حشد القوة الكافية لردع المعتدين المحتملين، وتوفير نظام من الحماية المتبادلة. ولكن، وهنا تكمن المعضلة الكبرى، كيف يمكن خلق كيان قوي بما يكفي لحمايتنا من بعضنا البعض، دون أن يتحول هذا الكيان نفسه إلى وحش يفترسنا جميعاً؟

ينتقل التحليل هنا بانسيابية من “فيزياء” السلطة إلى “أخلاقيات” الحرية. فبمجرد أن نرسخ فكرة أن الدولة فاعل جماعي وظيفته الحماية، يظهر شبح “الإمبريوم” (Imperium) أو السلطة المطلقة للدولة في مواجهة “الدومينيوم” (Dominium) أو الهيمنة الخاصة. يجادل بيتيت بأن الفهم الليبرالي التقليدي للحرية باعتبارها “عدم التدخل” (Non-interference) هو فهم قاصر وخطير عند تطبيقه على الدولة. فإذا كانت الحرية تعني فقط أن لا يتدخل أحد في شؤوني، فإن القانون بحد ذاته يصبح اعتداءً على الحرية لأنه يتدخل ويمنع ويعاقب. هذا الفهم يجعل علاقة المواطن بالدولة علاقة صفرية؛ فكلما زادت الدولة (وقوانينها)، نقصت الحرية. يرفض بيتيت هذه النظرة السلبية ويستبدلها بالمفهوم الجمهوري للحرية باعتبارها “عدم الهيمنة” (Non-domination). الحرية لا تعني أن لا يتدخل أحد في أفعالك، بل تعني أن لا يملك أحد القدرة على التدخل التعسفي في حياتك. الفرق دقيق ولكنه جوهري: السيد الطيب الذي لا يضرب عبيده يتركهم “غير ملموسين” (بدون تدخل)، لكنهم ليسوا أحراراً لأنهم ما زالوا تحت رحمته. الدولة، إذن، يجب ألا تقاس بمقدار تدخلها، بل بطبيعة هذا التدخل.

في هذا السياق المتصل، يطور بيتيت حجته ليؤكد أن الدولة الشرعية هي تلك التي تتدخل في حياة الناس ليس لتقييد حرياتهم، بل لإنشاء البنية التحتية لتلك الحرية. القانون العادل لا يصادر الحرية بل “يشكلها”. تماماً كما أن قواعد اللغة لا تقيد قدرتي على الكلام بل تمكنني من التواصل، فإن القوانين العادلة تخلق مساحة آمنة يمكن للأفراد فيها التخطيط لحياتهم دون خوف من نزوات الآخرين أو تعسف السلطة. لكي تكون الدولة حارساً للحرية لا سجاناً لها، يجب أن يكون تدخلها “غير تعسفي”. وهذا يعني أن قرارات الدولة لا يجب أن تنبع من الإرادة المزاجية للحكام، بل يجب أن تكون خاضعة لسيطرة ونفوذ أولئك الذين تطبق عليهم. هنا نلج إلى قلب النظرية الديمقراطية عند بيتيت، التي لا ترتكز على “الموافقة” السلبية (Consent) كما في العقد الاجتماعي التقليدي، بل ترتكز على “الرقابة” أو “التحكم” (Control).

إن الانتقال من فكرة الحماية إلى فكرة الرقابة الشعبية يمثل الجسر الذي يعبر عليه بيتيت من الدولة كـ “حقيقة واقعة” إلى الدولة كـ “مثل أعلى”. الدولة لا تكتسب شرعيتها بمجرد فرض النظام، فهذا ما تفعله العصابات المنظمة أيضاً. الشرعية تنبع من قدرة المواطنين على فرض رقابة فعالة على هذا الفاعل العملاق. وهنا يميز بيتيت ببراعة بين نوعين من الرقابة: الرقابة النشطة المباشرة، والرقابة الافتراضية أو الاحتياطية. لا يُتوقع من المواطنين أن يشاركوا في كل قرار صغير وكبير (وهذا مستحيل عملياً)، لكن يجب أن يمتلكوا “حق النقض” والقدرة على الاعتراض والمحاسبة. النظام الديمقراطي ليس مجرد صندوق اقتراع كل أربع سنوات، بل هو نظام معقد من “المعارضة والاعتراض” (Contestatory Democracy). يجب أن تكون الدولة مصممة بحيث يسهل على المواطن العادي الطعن في قراراتها، ومساءلة مسؤوليها، وإجبارها على تبرير أفعالها بناءً على المصلحة العامة، لا المصالح الفئوية.

يتعمق الطرح ليلامس البنية المؤسسية للدولة الجمهورية، حيث يشدد بيتيت على أهمية “الدستور المختلط” وفصل السلطات، ليس فقط لمنع الاستبداد، بل لإجبار الدولة على العمل بعقلانية. بما أن الدولة “فاعل اعتباري”، فيجب تصميم عقلها الداخلي بحيث لا يمكن لأي جزء منه أن ينفرد بالقرار. الإجراءات البيروقراطية، والمحاكم المستقلة، والهيئات الرقابية، والصحافة الحرة، كلها تعمل كأجزاء من هذا “العقل المؤسسي” الذي يهدف لترشيد القوة الخام للدولة وتحويلها إلى سلطة شرعية. الفكرة هنا هي تحويل الدولة من وحش منفلت إلى “أداة” بيد المواطنين. ولكنها أداة ذات طبيعة خاصة؛ فهي لا تستجيب لرغباتهم الفورية المتقلبة (الشعبوية)، بل تستجيب لمصالحهم طويلة الأمد المتمثلة في العيش دون خضوع. إنها استجابة للمصلحة العامة التي يمكن تبريرها للجميع، وليس لمجموع المصالح الخاصة.

وفي تمديد لهذا المنطق الداخلي نحو الخارج، لا يغفل بيتيت عن موقع الدولة في النظام العالمي. فإذا كانت الدولة ضرورية لحماية الأفراد من الهيمنة الداخلية، فإنها ضرورية أيضاً لحمايتهم من الهيمنة الخارجية، سواء كانت من دول أخرى أو من كيانات عابرة للحدود كالشركات المتوحشة. الدولة هي الدرع الذي يحتمي خلفه المواطنون في عالم فوضوي. ومع ذلك، يحذر بيتيت من أن السيادة الوطنية لا ينبغي أن تكون ذريعة للدولة لتمارس الطغيان في الداخل. يجب أن يكون النظام الدولي مؤسساً على نفس مبادئ “عدم الهيمنة”، حيث تتعاون الدول الجمهورية لخلق بيئة عالمية تحترم استقلالية الشعوب وتمنع استقواء الدول الكبرى على الصغرى. الدولة هنا ليست جزيرة منعزلة، بل هي عقدة في شبكة معقدة من العلاقات، ووظيفتها هي تمثيل مواطنيها وحماية مصالحهم “المشتركة” في هذا المعترك الدولي، بشرط ألا تتحول هي نفسها إلى قوة استعمارية تمارس الهيمنة على شعوب أخرى، لأن الجمهورية التي تستعبد الآخرين تفقد روحها وتفتح الباب لعودة الاستبداد إلى عقر دارها.

في الختام المتصل لهذا البناء النظري المحكم، يضعنا بيتيت أمام حقيقة ناصعة وصعبة في آن واحد: الدولة شر لا بد منه، لكنها أيضاً خير يمكن تحقيقه. إنها “شر” لأنها تمتلك إمكانية هائلة للقمع، وهي “خير” لأنها الوسيلة الوحيدة المتاحة للبشر للعيش معاً في مجتمعات معقدة دون أن يستعبد بعضهم بعضاً. الرهان كله يكمن في التصميم المؤسسي. الدولة ليست صندوقاً أسود، بل هي آلة يمكن هندستها. وإذا تمكنا من هندستها بحيث تخضع لرقابة الشعب الدائمة، وبحيث تلتزم بتعزيز “الحرية كعدم هيمنة”، فإننا نحول هذا اللوياثان المخيف إلى حارس أمين. رؤية بيتيت ليست يوتوبيا خيالية، بل هي “واقعية معيارية”؛ تعترف بطبيعة القوة البشرية ومخاطرها، وتسعى لترويضها بقوة القانون والمؤسسات. إن “الدولة” في نظر بيتيت هي المشروع البشري المستمر لتحويل القوة العمياء إلى سلطة مبصرة، ولتحويل الرعايا الخائفين إلى مواطنين أحرار، يسيرون “مرفوعي الرأس”، قادرين على النظر في عيون بعضهم البعض، وفي عين الدولة نفسها، دون خوف أو وجل.

يغوص بيتيت أعمق في تشريح “أحشاء” الدولة، متجاوزاً الواجهة الخارجية البراقة للسلطة ليفحص ميكانيكا العمل الداخلي التي تجعل من الدولة إما ضامناً للحرية أو تهديداً وجودياً لها، إذ لا يكفي القول بأن الدولة “فاعل اعتباري” يهدف للحماية، بل يجب التساؤل عن نوعية “العقل” الذي يحرك هذا الفاعل، وكيف يمكن ضمان أن تكون قراراته نابعة من مصلحة عامة حقيقية لا من مجموع أهواء خاصة تتقنع بقناع الدولة؛ ففي هذا الفصل الأوسط من البنيان النظري للكتاب، ينتقل التركيز بمهارة من “وجود الدولة” إلى “عدالة الدولة”، وتحديداً تلك العدالة التي لا تُقاس بمخرجات الرفاه الاقتصادي فحسب، بل بمدى قدرة المواطن على النظر إلى قوانين دولته لا كأوامر سيد، بل كحقائق طبيعية محايدة، وهنا يطرح بيتيت مفهومه المثير للجدل والعميق حول “اختبار سوء الطالع” (The Tough Luck Test).

يُعد هذا المفهوم حجر الزاوية في التمييز النفسي والسياسي بين “الحرية” و”العبودية” داخل الدولة الحديثة، فالمواطن في الجمهورية التي ينشدها بيتيت قد يجد نفسه محاصراً بقوانين تحد من حركته، أو تفرض عليه ضرائب باهظة، أو تمنعه من البناء في أرضه، ومع ذلك، يظل حراً، كيف ذلك؟ يكمن السر في طبيعة هذا القيد؛ فإذا كانت القرارات التي قيدته نابعة من عملية ديمقراطية شفافة، خاضعة للمساءلة، ومبررة بمصلحة عامة مشتركة، فإن أثرها عليه يشبه أثر العاصفة الطبيعية التي تمنعه من الخروج للنزهة، إنه “سوء طالع” وليس “قهراً”، فالعاصفة لا تستهدفه شخصياً ولا تحاول إذلاله، وهكذا يجب أن تكون الدولة: قوة محايدة، يمكن التنبؤ بها، وتعمل وفق قواعد عامة لا تستثني أحداً ولا تستهدف أحداً بعينه، مما يحول العلاقة مع القانون من علاقة خضوع لإرادة شخص آخر، إلى علاقة تكيف مع واقع موضوعي شارك المواطن -ولو نظرياً- في صياغته أو يملك القدرة على الاعتراض عليه.

هذا التحول في فهم العلاقة بين المواطن والدولة يقودنا لزاماً إلى إعادة النظر في الهيكل الدستوري للدولة، حيث يشن بيتيت هجوماً ناعماً ولكن حازماً على فكرة “السيادة الشعبية المطلقة” التي تروج لها الديمقراطيات الشعبوية، ففكرة أن “الشعب هو السيد” قد تكون المدخل الخلفي الأكثر خطورة للاستبداد، إذ يمكن للأغلبية (التي تدعي تمثيل الشعب) أن تمارس أبشع أنواع “الهيمنة” على الأقلية باسم الديمقراطية، ومن هنا، يعيد بيتيت الاعتبار للمؤسسات “غير المنتخبة” أو ما يسمى بالمؤسسات المضادة للأغلبية (Counter-majoritarian institutions)، كالمحاكم الدستورية، والبنوك المركزية المستقلة، وهيئات الرقابة الإدارية، فهذه الكيانات ليست “أعداء للديمقراطية” كما يصورها الشعبويون، بل هي “صمامات أمان” ضرورية في عقل الدولة الاعتباري، وظيفتها حماية المواطنين من نزواتهم الجماعية اللحظية، وضمان أن تظل الدولة ملتزمة بخططها طويلة الأمد وبالحقوق الأساسية التي لا يجوز التصويت عليها؛ إنها الآلية التي يربط بها “أوديسيوس” نفسه إلى الصارية كي لا ينجرف وراء غناء الحوريات المهلك، فالدولة الجمهورية تحتاج إلى أن تُقيِّد نفسها بنفسها لكي تكون جديرة بالثقة.

وفي تضاعيف هذا التحليل المؤسسي، يبرز مفهوم “البرهنة العامة” (Public Reasoning) كأداة رئيسية لعمل الدولة، فبما أن الدولة فاعل مصطنع، فإن لغتها الوحيدة المقبولة هي لغة التبرير العقلاني، لا يمكن للدولة أن تقول “لأنني أريد ذلك”، بل يجب أن تقول “لأن هذا يخدم المصلحة المشتركة بالطريقة الفلانية”، وهذا يفرض عبئاً ثقيلاً على كاهل الدولة ومسؤوليها، وهو عبء الشرح والتفسير الدائمين، فكل قرار إداري، وكل قانون، يجب أن يكون قابلاً للدفاع عنه بلغة يفهمها الجميع ويقبلونها كمنطلق للنقاش، حتى لو اختلفوا مع النتيجة، وهذا ما يخلق بيئة سياسية صحية، حيث لا يكون الصراع بين “هويات” قاتلة، بل بين “حجج” متنافسة حول أفضل السبل لتحقيق الصالح العام، وهنا تتجلى عبقرية بيتيت في ربط الفلسفة التحليلية بالواقع السياسي؛ إذ يجعل من “الخطاب” (Discourse) بنية تحتية للدولة لا تقل أهمية عن الطرق والجسور، فالدولة التي تصمت وتنفذ هي دولة استبدادية بالضرورة، بينما الدولة التي تتكلم وتبرر هي دولة تفتح باباً للحرية، لأن التبرير يستدعي النقد، والنقد هو روح المواطنة الجمهورية.

غير أن الهندسة الدستورية وحدها، مهما بلغت دقتها، تظل هيكلاً عظمياً بارداً ما لم تكسها لحمة “الفضيلة المدنية”، لكن بيتيت، بحذره المعهود من المثاليات المفرطة، لا يطالب بمواطنين ملائكيين يضحون بمصالحهم الخاصة ليل نهار من أجل الوطن، بل يطالب بنوع أكثر واقعية من الفضيلة: “اليقظة” (Vigilance)، فالدولة الجمهورية تتطلب مواطنين متشككين، لا يمنحون ثقتهم للسلطة مجاناً، بل يراقبون أداءها بعين الصقر، مستعدين دائماً لتفعيل آليات الاعتراض والطعن، إن الثقة العمياء في الحاكم، في نظر بيتيت، هي رذيلة سياسية وليست فضيلة، لأنها تغري الدولة بالتمدد وتجاوز حدودها، لذا فإن النظام السياسي الأمثل هو الذي يقلل من تكلفة الاعتراض السياسي، ويجعل صوت المعارضة مسموعاً ومؤثراً، ليس فقط في أوقات الانتخابات، بل في الدورة اليومية لصنع القرار، وهذا ما ينقلنا من ديمقراطية “الاختيار” (أن تختار من يحكمك) إلى ديمقراطية “التحكم” (أن تتحكم في كيفية حكمك).

وتنساب أفكار الكتاب لتلامس إشكالية شائكة تتعلق بحدود تدخل الدولة في المجالين الاقتصادي والاجتماعي، فبينما يخشى الليبراليون الكلاسيكيون من “الدولة المربية” التي تتدخل في خيارات الأفراد، يرى بيتيت أن الدولة ملزمة بالتدخل لضمان “شروط عدم الهيمنة”، فالفقر المدقع، والجهل، والمرض، واحتكار الأسواق من قبل الشركات العملاقة، كلها صور من “الهيمنة” التي تجعل الفرد عبداً للظروف أو لأصحاب النفوذ المالي، وبالتالي، فإن تدخل الدولة لتوفير شبكات الأمان الاجتماعي، والتعليم العام، وتنظيم الأسواق، ليس “منة” أو عملاً خيرياً، بل هو واجب تأسيسي لتمكين المواطن من التمتع بحريته كـ “عدم هيمنة”، فكيف يمكن لإنسان لا يملك قوت يومه أن ينظر في عين صاحب العمل ويرفض الإذلال؟ الحرية الجمهورية إذن ذات طابع مادي صلب، تتطلب بنية تحتية اقتصادية واجتماعية تحرر الفرد من التبعية المهينة للآخرين، مما يجعل الدولة مسؤولة عن حماية المواطن من طغيان “السوق” بقدر مسؤوليتها عن حمايته من طغيان “السياسة”.

هذا التوازن الدقيق بين الدولة القوية القادرة على لجم قوى الهيمنة المجتمعية والاقتصادية، وبين الدولة المقيدة العاجزة عن ممارسة الهيمنة السياسية، هو “الكأس المقدسة” التي يبحث عنها بيتيت، إنه يدرك أن هذا التوازن قلق وغير مستقر بطبيعته، وأنه عرضة للانهيار في أي لحظة تحت وطأة الأزمات أو الطموحات الشخصية للقادة، ولذلك، يشدد في هذا الجزء من الكتاب على أن بناء الدولة ليس عملية هندسية تتم مرة واحدة وللأبد، بل هو عملية مستمرة من “التشذيب” و”التعديل” و”الإصلاح”، فالدولة كائن حي يتطور، وتتطور معه أساليب الهيمنة، مما يستدعي تطوراً موازياً في أدوات الرقابة والمحاسبة، وهنا يظهر البعد الزمني في نظرية الدولة؛ فهي مشروع عابر للأجيال، يحمل فيه كل جيل عبء الحفاظ على المكتسبات الجمهورية وتطويرها، في معركة لا تنتهي ضد نزعات التسلط الكامنة في الطبيعة البشرية والمؤسسية على حد سواء، ليتركنا بيتيت على أعتاب الثلث الأخير من كتابه، متشوّقين لمعرفة كيف يمكن لهذا النموذج النظري المحكم أن يصمد في وجه رياح العولمة العاتية وتحديات السيادة في عالم لم يعد يعترف بالحدود التقليدية.

وفي هذا المنعطف الحاسم من التحليل، حيث أقام هيكل الدولة الجمهورية على أساس “عدم الهيمنة” وأحاطه بأسوار “الرقابة الافتراضية” و”البرهنة العامة”، ينتقل بيتيت ببراعة تحذيرية إلى فحص صلابة هذا الهيكل في مواجهة “العاصفة المثالية” التي تهدد كيان الدولة في القرن الواحد والعشرين: تحديات العولمة، وتآكل السيادة الوطنية، وظهور فواعل غير دولية تمتلك قدرات تفوق قدرات بعض الدول، إذ لم يعد كافياً أن تكون الدولة جمهورية في إدارتها الداخلية إذا كانت عاجزة عن حماية مواطنيها من رياح الهيمنة القادمة من الخارج، سواء كانت هذه الرياح في شكل أزمات مالية عالمية عابرة للحدود، أو تدفقات معلوماتية تعيد تشكيل الوعي الجمعي، أو حتى تهديدات أمنية لا تعترف بالخرائط السياسية التقليدية، وهنا يوسع بيتيت مفهومه للجمهورية، ليجعله مشروعاً عالمياً لا محلياً فحسب، داعياً إلى إعادة هندسة النظام الدولي على أسس جمهورية.

إن حجة بيتيت في هذا السياق تتجاوز السذاجة المثالية لـ “حكومة عالمية” موحدة، لتطرح بدلاً من ذلك نموذج “الجمهورية الدولية” (International Republicanism)، حيث لا تُقاس شرعية النظام الدولي بقدرته على فرض السلام فحسب، بل بقدرته على منع الهيمنة بين الدول، وبين الدول والشركات العابرة للقارات؛ ففي نظر بيتيت، الدولة التي تخضع لقرارات مؤسسات مالية دولية غير خاضعة للمساءلة الديمقراطية هي دولة فقدت حريتها كـ “عدم هيمنة”، تماماً كما يفقد الفرد حريته تحت رحمة سيد مستبد، لذا فإن المعركة من أجل الحرية الجمهورية اليوم يجب أن تخاض على جبهتين متوازيتين: جبهة محلية لضبط “عقل الدولة” داخلياً، وجبهة دولية لضبط “عقل النظام العالمي” خارجياً، من خلال إنشاء مؤسسات دولية تلتزم بنفس معايير “البرهنة العامة” و”الرقابة” التي طالب بها في السياق المحلي، مما يجعل القانون الدولي أداة لتمكين الدول الضعيفة لا لإخضاعها.

وهذا ما يقود التحليل إلى عمق جوهري يتعلق بهوية الدولة نفسها في عالم سيال، حيث يفكك بيتيت المفاهيم الكلاسيكية للسيادة، ويقدم بدلاً منها مفهوماً “وظيفياً”؛ فالسيادة ليست حقاً مطلقاً في التصرف، بل هي “مسؤولية” تكتسب شرعيتها من قدرة الدولة على توفير الحماية من الهيمنة، فالدولة التي تعجز عن حماية مواطنيها من الأوبئة العالمية، أو التغير المناخي، أو الاستغلال الاقتصادي، هي دولة سيادتها صورية، ولذا، فإن الدولة الجمهورية المعاصرة هي تلك التي تفوض جزءاً من سلطتها لمؤسسات دولية لكي تكتسب قدرة أكبر على “التحكم” في مصيرها المشترك، وهذا التفويض، إذا تم ضمن أطر ديمقراطية جمهورية، لا يعد تنازلاً عن السيادة بل تعزيزاً لها، لأنه السبيل الوحيد لاستعادة القدرة على الفعل في عالم مترابط.

وفيما ينساب الكتاب نحو خواتيمه، يعود بيتيت ليؤكد أن هذا البنيان المعرفي والسياسي الشامخ، رغم صلابته المنطقية، يظل معلقاً على خيط رفيع هو “التزام المواطنين”؛ فالدولة الجمهورية ليست آلة تعمل ذاتياً، بل هي كائن حي يحتاج إلى ضخ دائم من الطاقة السياسية التي تأتي من مشاركة المواطنين الواعين، والذين لا يكتفون بممارسة حق التصويت، بل يمارسون “فن الاعتراض”، فالخطر الحقيقي ليس في وجود أعداء للدولة، بل في وجود مواطنين غير مبالين يتركون الدولة لتعمل كعقل مطلق دون رقابة، وبذلك يختم بيتيت عمله برسالة تحذيرية وأملية في آن واحد: الدولة يمكن أن تكون أعظم أداة لتحرير البشرية، أو أشد أدوات استعبادها، والفرق بين الحالتين لا يكمن في قوتها المادية، بل في كيفية هندستها وامتثالها لمبادئ “عدم الهيمنة” في سياق محلي ودولي مترابط، تاركاً القارئ أمام مسؤولية جسيمة، وهي أن الحفاظ على الحرية يتطلب “دولة” قوية ومقيدة، ومواطنين واعين ونشطين.

The State ،Philip Pettit

t

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى