Uncategorized

بينما تحل ذكرى رحيله في فبراير، يستذكر السودانيون الفريق أول ركن الزبير محمد صالح، ليس فقط كقائد عسكري، بل كأحد أبرز مهندسي السلام الذين آمنوا بأن الحوار هو الطريق الأقصر لوقف نزيف الدم. لقد كان الزبير يحمل “بندقية الدفاع” في يد، و”غصن الزيتون” في اليد الأخرى، متبنياً استراتيجية فريدة عُرفت بـ (السلام من الداخل).

فلسفة السلام من الداخل

في وقت كانت فيه المنابر الخارجية تضج بالمفاوضات، كان الزبير يرى أن الحل يبدأ من الأرض السودانية. قاد بنفسه مبادرات جريئة للتحاور مع القادة الميدانيين في جنوب السودان آنذاك، مؤمناً بأن الجلوس مع “إخوة الوطن” بعيداً عن التدخلات الأجنبية هو الضمان الوحيد لاستدامة الاستقرار.

إنجازات محورية في ملف السلام:

1. اتفاقية الخرطوم للسلام (1997): كان الفريق الزبير المحرك الأساسي لهذه الاتفاقية التاريخية التي وُقعت مع عدة فصائل جنوبية (أبرزها مجموعة الدكتور رياك مشار والدكتور لام أكول). هذه الاتفاقية لم تكن مجرد وقف لإطلاق النار، بل أرست مبدأ “حق تقرير المصير” وشاركت القادة الجنوبيين في السلطة.

2. تحويل “الخصوم” إلى “شركاء”: تميز الزبير بقدرة فائقة على كسب ثقة المعارضين. بفضل صدقه وبساطته، نجح في إقناع العديد من المقاتلين بوضع السلاح والعودة للمساهمة في بناء الوطن من الداخل، مما أدى إلى استقرار أجزاء واسعة من مناطق التماس.

3. تنمية مناطق النزاع: كان يؤمن بأن الفقر هو وقود الحرب. لذلك، ربط السلام بالتنمية، فكان يشرف شخصياً على إيصال القوافل الغذائية والطبية وافتتاح المدارس في المناطق التي توقفت فيها العمليات العسكرية، لتثبيت دعائم الاستقرار الاجتماعي.

رحلة السلام الأخيرة

لم يكن من قبيل المصادفة أن تكون محطته الأخيرة في مدينة “الناصر” بأعالي النيل. لقد ذهب الزبير إلى هناك في مهمة “سلام” وتفقدٍ لأحوال المواطنين والقوات، ساعياً لتعزيز الروابط الاجتماعية وتأكيد حضور الدولة الراعية لا القامعة. هناك، وسط أجواء السعي للوئام، سقطت طائرته في نهر السوباط، ليرحل بجسده وتبقى رؤيته للسلام حية.

خاتمة: إرث من التسامح

ترك الزبير مدرسة في “دبلوماسية الميدان”، حيث أثبت أن القائد العسكري القوي هو الأكثر قدرة على اتخاذ قرارات السلام الشجاعة. واليوم، والسودان يمر بمنعطفات حاسمة، تظل سيرة الزبير محمد صالح تذكر الجميع بأن السلام الحقيقي هو الذي ينبع من إرادة وطنية خالصة، وتواضع في الجلوس مع الآخر، وتغليب لمصلحة الوطن على كراسي السلطة.

رحم الله الفريق الزبير محمد صالح، الذي عاش يبحث عن وطن آمن ومستقر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى