
قامت أعمدة الحكم في السودان على هدي وقواعد الإدارة البريطانية.. فقد كان مامور المركز يمثل السلطة التشريعية والقضائية والتنفيذية فهو الذي يحدد الضرائب والرسوم ويضع القانون ويحاسب المخالفين ويشرف على تنفيذ سياساته التي وضعها ..وكانت شخصية الإنجليزي التي تميل للعدل في الحكم والقسط بين الناس تخفف من لأواء هذه المركزية القابضة
وقد رثت خدمتنا المدنية وزعاماتنا الحزبية وحكامنا المبجلون هذه المركزية القابضة مع سلوكنا البدوي العنجهي وحب التسلط والذي يفتقد لروح العدل الذي يميز الشخصية البريطانية ويعصمها من الزلل ..
ونريد للسودان في مرحلة ما بعد حرب الكرامة أن يعاد بناؤه بناءاً مادياً بإعمار ما خرّبته المليشيا المجرمة ومعنوياً وقيمياً بإشاعة قيم المساواة أمام القانون والانضباط وتنفيذ القانون على الجميع وبرقابة الرأي العام ..
وهنالك مؤشرات إيجابية على أن روح معركة الكرامة وقيمها بدأت تبزغ فوق أرض السودان ولديّ هنا شاهدان مبشرّان من الأحداث الجارية كلاهما ينبضان بروح جديدة لم نرها من قبل في أعراف دولتنا الموروثة استعمارياًً
أولاهما الضجة التي أثيرت حول الدكتورة سلمى عبد الجبار المبارك عضو مجلس السيادة عن الإقليم الأوسط .. وسلمى بنت رجل مبارك فاح عرف طيبه وضاع في سودان السبعينات والثمانينات من القرن الماضي .. فالشيخ عبد الجبار المبارك الصوفي السماني من طابت الشيخ عبد المحمود حاضرة السادة السمانية والتي دنستها مليشيا اللصوص مثل غيرها من حواضر النور والقرآن في ولاية الجزيرة المعطاءة. الأستاذ عبد الجبار المبارك كان أستاذاً لمادة الفنون بالمدارس الثانوية ولكنه اشتهر بأسلوبه الجذّاب في نشر الدعوة وتحبيب الشباب في الإسلام .. وترك إرثاً مركزاً دعوياً ثارت حوله الضجة لأن ابنته سلمى استخدمت نفوذها لاستثنائه من إجراءات وضعتها الدولة لحماية تداول العقارات من التغوّل عليها في خلال فترة حرب الكرامة حفظاً للأعيان العقارية من التلاعب بها وبسجلاتها القضائية ..
انجلى غبار تلك المعركة باستقالاتة دكتورة سلمى بعد أن تناولها الإعلام الحرّ .. والاستقالة في عينها بعد ضغط الرأي العام هذا فعل إيجابي لم تعرفه دولتنا الموروثة من المستعمر ..
أما الحدث الثاني فهو تصريحات الفريق إبراهيم جابر رئبس لجنة تحسين بيئة ولاية الخرطوم وتهيئتها لعودة المواطنين حيث ذكر أن بعض الوزارات الاتحادية العائدة للعاصمة والتي ما زالت تعيش في المرحلة البورسودانية للدولة قد قامت باستئجار عقارات بالدولار .. وهو في رأيي تصرف أخرق يقلل من قيمة الدولة وحاكميتها وهو تقليد أتبعته هذه الوزارت في مدينة بورتسودان عندما كانت الدولة تعاني من نصف إغماءة وهي مشغولة بمستجدات الحرب خضمها والشعب وحل مشغول عنهم .. فعاثوا في الدولة وقوانينها يلوونها لمصالح ضيقة بلا حسيب ولا رقيب .. والمسيّرات تولول في سماء المدينة .. وذكر المدافعون عن القرار وبراءة الأطفال في عيونهم أن العقد ليس بالدولار ولكن قيمة العقد تدفع بقيمة الدولار في السوق .. وليس بالدولار الحي .. وهو نفس الشيء ..
وذكر الفريق إبراهيم جابر أنّ لجنته قد حوّلت
هذا الأمر للمراجع العام للبتّ فيه .. وهذه سنة حميدة لم تكن مألوفة في الدولة الموروثة من المستعمر وأيضاً إثارته كقضية رأي عام ه ونرجو أن نسمع ردّاً من المراجع العام حول هذه القضية وألّا يتم التعامل معها بفقه السترة الذي كان سائداً فيما مضى .. ولكننا مسرورون بأننا نسير في الطريق الصحيح ..
وأرجو أن أشيد بلجنة إبراهيم جابر ولا أدعو لحلها بعد عودة الحكومة والمواطنين إلى الخرطوم ولكن أدعو لتحويلها إلى لجنة قومية تشرف على إعادة إعمار السودان عمرانياً ولائحياًوثقافياً واجتماعياً وتعمل كذلك لعادة بعث القيم السمحة وروح القانون وهيبة الدولة ولتخلف سيئة الذكر لجنة تفكيك التمكين ..
https://whatsapp.com/channel/0029Vb53Ivk5fM5bikGrw32k/214