أفريقيا وصراع استعادة الروح:
قراءة معمقة في كتاب "كفاح أفريقيا من أجل فنها: تاريخ هزيمة ما بعد كولونيالية" لبينيدكت سافوي

وهم الصحوة الأوروبية المتأخرة
في خريف عام 2017، وقف الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون في جامعة واغادوغو ببوركينا فاسو، ليعلن في خطاب وُصف حينها بالتاريخي، أن إعادة التراث الأفريقي المنهوب إلى القارة السمراء لم يعد أمراً قابلاً للتأجيل. صفق العالم، واحتفت الصحافة الغربية بهذه “الصحوة” الأخلاقية المتأخرة، وبدا وكأن أوروبا قد استيقظت فجأة من سبات عميق لتدرك حجم المظالم الثقافية التي ارتكبتها في حقبة الاستعمار. في تلك اللحظة، تشكلت سردية جديدة ومريحة للضمير الغربي: نحن جيل التنوير الجديد الذي بادر من تلقاء نفسه لتصحيح أخطاء الأجداد، بينما كانت أفريقيا صامتة تنتظر مبادرتنا.
ولكن، في خضم هذا الاحتفاء الذاتي، وقفت المؤرخة الفنية الفرنسية البارزة “بينيدكت سافوي” (Bénédicte Savoy) لتوجه صفعة قوية وموثقة لهذه السردية المريحة. من خلال كتابها الصادم والمهم “كفاح أفريقيا من أجل فنها: تاريخ هزيمة ما بعد كولونيالية” (Africa’s Struggle for Its Art: History of a Postcolonial Defeat)، لا تقوم سافوي بمجرد سرد تاريخ القطع الفنية، بل تنبش في قبور الذاكرة المؤسسية الأوروبية، وتفضح حالة من “فقدان الذاكرة المتعمد” (Amnesia) التي أصابت المتاحف الغربية.
يأتي هذا الكتاب كوثيقة اتهام دامغة، ومرافعة تاريخية محكمة، ليثبت أن أفريقيا لم تكن يوماً صامتة، وأن مطلب استعادة التراث ليس صيحة وليدة القرن الحادي والعشرين، بل هو كفاح مرير وشرس بدأ مع تباشير استقلال الدول الأفريقية في الستينيات والسبعينيات من القرن الماضي. كفاحٌ واجهته أوروبا – وتحديداً مؤسساتها الثقافية والسياسية – بتواطؤ بيروقراطي، ومراوغات خبيثة، وجدار من الصد المتعمد، مما أسفر عن ما تصفه المؤلفة بـ “هزيمة ما بعد كولونيالية”.
بينيدكت سافوي: المؤرخة في مواجهة النسيان المؤسسي
لا يمكن قراءة هذا الكتاب بمعزل عن شخصية مؤلفته. بينيدكت سافوي ليست مجرد باحثة أكاديمية منعزلة في برجها العاجي؛ بل هي فاعلة رئيسية في النقاش العالمي الدائر حول استرداد الآثار. شاركت مع الاقتصادي والكاتب السنغالي فيلوين سار (Felwine Sarr) في صياغة التقرير الشهير الذي كلفهما به ماكرون عام 2018 حول استرداد التراث الثقافي الأفريقي.
أثناء جولات سافوي المكوكية بين المتاحف الأوروبية، لاحظت ظاهرة غريبة ومستفزة: كان مديرو المتاحف الأوروبية العريقة (في ألمانيا، وفرنسا، وبريطانيا) يكررون ببرود وثقة تامة نفس العبارة: “لم يطلب منا الأفارقة شيئاً من قبل.. نحن من بادر بفتح هذا الملف الآن”. أثارت هذه الادعاءات حفيظة سافوي؛ فمن غير المنطقي أن تستقل شعوب بأكملها، وتستعيد سيادتها السياسية والاقتصادية، ثم تتنازل طواعية أو تنسى استعادة سيادتها الروحية والثقافية المتمثلة في فنونها وتراثها.
هذا الشك المنهجي قاد سافوي نحو قبو الأرشيف. وبما أنها أستاذة في جامعة برلين التقنية (إلى جانب الكوليج دو فرانس)، فقد وجهت بوصلتها نحو الأرشيفات الألمانية غير المستغلة، والتي تتميز بتوثيقها البيروقراطي الدقيق والمفصل لكل شاردة وواردة. وما اكتشفته هناك لم يكن مجرد غبار متراكم على أوراق صفراء، بل كان “مسرح جريمة” ثقافية مكتملة الأركان. لقد وجدت آلاف الرسائل، والتقارير السرية، ومحاضر الاجتماعات التي تثبت أن الدول الأفريقية خاضت حرباً دبلوماسية وثقافية طاحنة منذ أكثر من نصف قرن لاستعادة فنها، وأن المتاحف الأوروبية تكاتفت في حلف غير مقدس لإجهاض هذا الحلم.
الستينيات والسبعينيات: فجر الاستقلال ومطلب استعادة “الروح”
يأخذنا الكتاب في رحلة سلسة ومتدفقة إلى حقبة الستينيات، تلك السنوات التي شهدت موجة التحرر الوطني في أفريقيا. لم يكن الاستقلال بالنسبة للزعماء والمفكرين الأفارقة مجرد رفع لعلم جديد وإنشاد لنشيد وطني؛ بل كان مشروعاً شاملاً لإعادة بناء الهوية الممزقة. كيف يمكن لأمة أن تبني مستقبلها إذا كانت ذاكرتها البصرية والروحية حبيسة في فاترينات العرض الزجاجية الباردة في برلين وباريس ولندن؟
تقتبس سافوي من مفكرين وزعماء أفارقة في تلك الحقبة لتبين كيف أن الفن الأفريقي لم يكن يُنظر إليه كـ “تحف فنية جمالية” بالمعنى الغربي البارد، بل كان بمثابة “أوعية للروح”، وتجسيداً للأجداد، وسجلات تاريخية غير مكتوبة. عندما نُهبت تماثيل برونزيات بنين، أو الأقنعة النيجيرية، أو الكنوز الكاميرونية، لم تُسرق مجرد أشياء، بل سُلب جزء من الروح الجمعية للقارة.
ترصد سافوي في كتابها كيف تحولت منابر الأمم المتحدة ومنظمة اليونسكو في السبعينيات إلى ساحات معارك حقيقية. ففي عام 1973، أطلق رئيس زائير (جمهورية الكونغو الديمقراطية حالياً)، موبوتو سيسي سيكو، من على منبر الأمم المتحدة نداءً مدوياً طالب فيه بإعادة التراث الفني الأفريقي، معتبراً إياه شرطاً أساسياً لكرامة الشعوب المستقلة حديثاً. تبنى ممثلو الدول الأفريقية الأخرى هذا الموقف بقوة، وتوالت قرارات الجمعية العامة للأمم المتحدة التي تؤكد على حق الشعوب في استعادة تراثها المنهوب.
ولكن، وهنا تكمن المفارقة المأساوية التي يبرزها الكتاب ببراعة صحفية استقصائية، كلما زاد الصوت الأفريقي ارتفاعاً ومنطقية، كلما ازداد الجدار الأوروبي سماكة وعناداً.
أرشيف الخداع: صناعة “حجج الرفض” في الغرف المغلقة
تصل حبكة الكتاب إلى ذروتها عندما تشرع سافوي في تشريح “آلية الرفض” الأوروبية. من خلال الغوص في المراسلات الداخلية لمديري المتاحف الألمانية، والمسؤولين في وزارة الخارجية، وإدارات الثقافة، تكشف المؤلفة عن كيفية تشكيل “لوبي” خفي مهمته الأساسية: إبقاء القطع الأفريقية في أوروبا بأي ثمن.
لم يكن الرفض الأوروبي فجاً أو علنياً في بدايته؛ بل تستر خلف أقنعة من الحجج الواهية والمبررات التي تبدو في ظاهرها تقنية وعلمية، بينما هي في جوهرها استمرار للعقلية الاستعمارية الأبوية. توثق سافوي كيف ابتكرت المتاحف الغربية “دليل إرشادات” غير مكتوب لرفض الطلبات الأفريقية، اعتمد على عدة ركائز:
حجة المناخ والحفظ (The Conservation Argument): كانت هذه هي الورقة الرابحة والأكثر استخداماً. تذرع مديرو المتاحف الغربية بأن أفريقيا تفتقر إلى المتاحف المؤهلة، وأن درجات الحرارة والرطوبة هناك ستؤدي إلى تلف القطع الأثرية. المفارقة اللاذعة التي تسلط سافوي الضوء عليها هي أن هذه القطع نجت لقرون طويلة في بيئتها الأصلية بأفريقيا دون أجهزة تكييف، قبل أن يتم نهبها! بل إن بعض التقارير الأرشيفية التي كشفتها سافوي أظهرت أن بعض القطع كانت مخزنة في أقبية رطبة ومزرية داخل المتاحف الألمانية نفسها، في نفس الوقت الذي كان فيه الألمان يحاضرون الأفارقة حول “معايير الحفظ المتحفي”.
حجة التراث الإنساني العالمي (Universal Heritage): ببراعة بيروقراطية، تم اختطاف المفهوم النبيل للتراث العالمي وتحويله إلى سلاح ضد أصحابه الأصليين. جادلت المؤسسات الأوروبية بأن هذه القطع الفنية لم تعد ملكاً لقبيلة أو لدولة، بل أصبحت “ملكاً للإنسانية جمعاء”، وأن وجودها في لندن أو برلين (حيث يزورها ملايين السياح من الدول الغنية) يخدم الإنسانية بشكل أفضل من وجودها في لاغوس أو داكار. هذا المنطق المتعالي افترض ضمناً أن المواطن الأفريقي ليس جزءاً من هذه “الإنسانية الجمعاء” التي يحق لها التمتع بتراثها.
المماطلة البيروقراطية (Bureaucratic Stonewalling): عندما كانت الحجج التقنية تسقط، كان يتم اللجوء إلى التكتيك الأقدم في كتاب البيروقراطية: إضاعة الطلبات في أروقة اللجان، وتأجيل البت فيها لسنوات، وتشكيل “لجان دراسة” لا تنتهي أعمالها أبداً، وإرسال ردود غامضة ترهق المطالبين الأفارقة وتدفعهم لليأس.
سيكولوجية الإنكار المؤسسي
لا تكتفي سافوي بسرد الأحداث، بل تغوص ببراعة المحلل النفسي في عقول أولئك الموظفين ومديري المتاحف الأوروبيين في السبعينيات. لم يكونوا مجرد بيروقراطيين أشرار بالمعنى الهوليودي للكلمة؛ بل كانوا رجالاً (وكانوا جميعهم تقريباً من الرجال البيض) مقتنعين تماماً بتفوقهم الثقافي. كانوا ينظرون إلى أنفسهم كحراس أوصياء على ثقافة العالم، متجاهلين تماماً العنف الدموي الذي مكنهم من الحصول على هذه المقتنيات في المقام الأول، كالحملات العقابية البريطانية الاستعمارية المروعة ضد مملكة بنين عام 1897.
هذا الإنكار الجماعي هو ما شكل الجرح الأعمق الذي تسميه سافوي “الهزيمة”. لقد كانت هزيمة ليس لأن الأفارقة لم يحاولوا، بل لأن محاولاتهم، التي كانت تستند إلى أسس أخلاقية وقانونية متينة، اصطدمت بآلة مؤسسية ضخمة لا ترحم، آلة صُممت خصيصاً لتحويل الاستعمار العسكري المنتهي إلى استعمار ثقافي دائم.
مهرجان “فيستاك 77”: عندما طلبت أفريقيا أيقونتها
تأخذنا بينيدكت سافوي في كتابها إلى عام 1977، وتحديداً إلى مدينة لاغوس في نيجيريا، حيث أُقيم “المهرجان العالمي الثاني للفنون والثقافة الأفريقية” المعروف بـ (FESTAC 77). لم يكن هذا مجرد مهرجان فني، بل كان أضخم تجمع ثقافي في تاريخ القارة، صُمم ليكون تظاهرة للوحدة الأفريقية ولإظهار عظمة الحضارة السوداء للعالم أجمع.
كانت نيجيريا، الدولة المضيفة والثرية بفضل طفرة النفط آنذاك، بحاجة إلى “أيقونة” ترمز لهذا الحدث. وقع الاختيار على قناع الملكة إيديا (Queen Idia)، وهو قناع عاجي رائع يعود للقرن السادس عشر من مملكة بنين (جنوب نيجيريا الحالية). كان هذا القناع يمثل ذروة الفن الأفريقي، لكن كانت هناك مشكلة واحدة: القناع لم يكن في نيجيريا، بل كان يقبع خلف زجاج بارد في المتحف البريطاني بلندن، بعد أن نهبه الجنود البريطانيون خلال “الحملة العقابية” الدموية عام 1897.
المراوغة البريطانية: “القناع هش للغاية للسفر”
توثق سافوي بدقة “المسرحية الهزلية” التي تلت طلب نيجيريا استعارة (وليس استعادة) القناع ليكون رمزاً للمهرجان. رفض المتحف البريطاني الطلب بحجة تقنية مثيرة للسخرية: “القناع هش للغاية ولا يمكنه تحمل رحلة الطيران إلى لاغوس”.
تُحلل سافوي هذا الرد بعين ناقدة؛ فالمتحف الذي “خاف” على القناع من رحلة طيران حديثة ومؤمنة، هو نفسه الذي نقله في صناديق خشبية خشنة عبر السفن في ظروف سيئة قبل عقود عند نهبه. بل إن نيجيريا عرضت إرسال طائرة خاصة وتوفير تأمين بمليارات الدولارات، لكن التعنت البريطاني كان سياسياً بامتياز. كان الخوف الأوروبي يكمن في “السابقة”: إذا أُعير القناع لنيجيريا، فكيف يمكن للمتحف البريطاني المطالبة به مرة أخرى؟ وكيف سيقنع العالم بأن الأفارقة “غير قادرين” على رعاية تراثهم إذا نجحوا في عرض القناع وحمايته خلال المهرجان؟
انتهى الأمر بنحت نسخة مقلدة من القناع واستخدامها في المهرجان، وهو ما وصفته الصحافة الأفريقية آنذاك بأنه “إهانة كبرى لكرامة القارة”. تبرز سافوي هذه الواقعة لتؤكد أن الهزيمة لم تكن لقلة الإمكانيات، بل بسبب إصرار القوى الاستعمارية السابقة على الاحتفاظ بـ “حق الوصاية” على الذاكرة الأفريقية.
حرب الأشباح: دور الحرب الباردة في وأد المطالب
تكشف سافوي في فصل مذهل من كتابها كيف لعبت الحرب الباردة دوراً قذراً في إفشال مساعي استعادة الآثار. ففي السبعينيات، كان يُنظر إلى أي دولة أفريقية تطالب باستعادة تراثها بقوة (مثل نيجيريا، غانا، أو الكونغو) على أنها تتبنى خطاباً “معادياً للغرب” أو تقترب من المعسكر السوفيتي.
تتبعت المؤلفة مراسلات سرية بين وزارات الخارجية في ألمانيا الغربية وفرنسا وبريطانيا، حيث كان هناك تنسيق عالي المستوى لـ “تسييس” المطالب الثقافية. كان المنطق الأوروبي يقول: إذا استجبنا لمطالب استعادة الآثار، فإننا نضعف نفوذنا الثقافي في القارة لصالح المد الشيوعي. وهكذا، تحولت تماثيل الأسلاف وأقنعة الرقص الأفريقية إلى قطع شطرنج في صراع جيوسياسي عالمي لم تكن لأفريقيا يد فيه.
تواطؤ “الخبراء”: الأكاديميا في خدمة الاستعمار
من أكثر النقاط إثارة للجدل في كتاب سافوي هي فضحها لدور علماء الأنثروبولوجيا ومنظمي المتاحف الأوروبيين. هؤلاء “الخبراء” الذين ادعوا الموضوعية العلمية، كانوا في الواقع يشكلون خط الدفاع الأول عن بقاء المنهوبات في أوروبا.
تنقل سافوي تقارير من “خبراء” ألمان زاروا متاحف في أفريقيا في السبعينيات، ليعودوا بكتب وتقارير “سوداوية” تصف تلك المتاحف بأنها “مقابر للآثار” تفتقر للنظام والنظافة. كانت هذه التقارير تُستخدم كذريعة رسمية لرفض أي طلب استرداد. لكن سافوي تكتشف من خلال الأرشيف أن هؤلاء الخبراء أنفسهم كانوا يمدحون في مذكراتهم الشخصية شغف الموظفين الأفارقة وذكاءهم، لكنهم كانوا يغيرون لهجتهم في التقارير الرسمية لإرضاء رؤسائهم السياسيين والحفاظ على “كنوزهم” في أوروبا.
إيكهارد شليفر: الرجل الذي عرف الكثير
في وسط هذا الجدار من الإنكار، تسلط سافوي الضوء على شخصيات استثنائية حاولت قول الحقيقة، مثل إيكهارد شليفر، مدير متحف الإثنوغرافيا في برلين في ذلك الوقت. كان شليفر يدرك أن المطالب الأفريقية عادلة، وحاول فتح قناة للحوار الصادق. لكنه سرعان ما وجد نفسه محاصراً من قبل البيروقراطية الألمانية التي وبخته بشدة، وأمرته بالتوقف عن تقديم أي وعود للأفارقة.
تستخدم سافوي قصة شليفر لتثبت أن الهزيمة لم تكن بسبب “غياب الوعي”، بل كانت عملية “قمع ممنهج” للوعي والضمير داخل المؤسسات الثقافية الغربية.
نحو الهزيمة الكاملة: نهاية السبعينيات
مع نهاية السبعينيات، بدأت الضغوط الاقتصادية (أزمة النفط والديون المتراكمة) تنهك الدول الأفريقية المستقلة حديثاً. ومع تزايد التعنت الأوروبي، بدأ ملف استعادة الآثار يتراجع في قائمة الأولويات السياسية لصالح لقمة العيش والاستقرار الأمني.
تختتم سافوي هذا الجزء من رحلتها بالقول إن أوروبا لم “تربح” المعركة بالمنطق أو العدالة، بل ربحتها بـ “سياسة النفس الطويل” والمماطلة، حتى نسي العالم (أو هكذا ظنوا) أن هناك حقاً مسلوباً.
الثمانينيات والتسعينيات: عصر “النسيان العظيم”
تصف سافوي في كتابها مفارقة مذهلة؛ فبينما كانت السبعينيات تضج بالمطالبات الأفريقية والقرارات الأممية، خيّم صمت مريب على الملف في العقدين التاليين. تتساءل المؤلفة: هل استسلم الأفارقة؟ هل نسي الورثة حقوق أجدادهم؟
الإجابة التي يقدمها الكتاب ليست “النسيان”، بل “الإرهاق المخطط له”. دخلت أفريقيا في الثمانينيات دوامة من الأزمات الاقتصادية، والانقلابات العسكرية، وبرامج التصحيح الهيكلي التي فرضها البنك الدولي. في تلك اللحظة، استغلت المتاحف الأوروبية هذا “الإنهاك” لتفعل شيئاً أخطر من الرفض: لقد قامت بمسح سجلات المطالبة من الذاكرة العامة.
تؤكد سافوي، من خلال بحثها في الأرشيف، أن الموظفين الجدد في المتاحف الأوروبية الذين تم تعيينهم في التسعينيات، لم يجدوا في “الملفات النشطة” أي ذكر للمراسلات الأفريقية السابقة. تم نقل تلك الرسائل إلى “الأرشيفات الميتة” أو الأقبية، مما خلق انطباعاً زائفاً بأن الملف قد أُغلق للأبد، أو أن “الأفارقة لم يعودوا مهتمين”. هذا ما تسميه سافوي “الصمت المؤسسي الممنهج”، وهو تكتيك فعال جعل الجيل الجديد من الأوروبيين يعتقد بصدق أن وجود الآثار الأفريقية في بلادهم هو أمر طبيعي وتاريخي ولا جدال فيه.
إعلان “المتحف العالمي”: الدرع الأخير ضد العدالة
تتوقف سافوي عند محطة مفصلية في عام 2002، عندما شعرت المتاحف الكبرى في العالم (من لويفر باريس إلى ميتروبوليتان نيويورك، ومن المتحف البريطاني إلى متاحف برلين) ببدء عودة النقاش حول الأخلاقيات الاستعمارية. حينها، وقعت 18 مؤسسة متحفية كبرى “إعلاناً تاريخياً” حول “قيمة المتاحف العالمية” (The Declaration on the Importance and Value of Universal Museums).
تفكك سافوي هذا الإعلان ببراعة صحفية لاذعة، وتكشف كيف أن مصطلح “عالمي” (Universal) لم يكن سوى كلمة حق أُريد بها باطل. كان الهدف من الإعلان هو القول بأن هذه المتاحف هي “أمانة” فوق القوميات، وأنها تمثل الإنسانية جمعاء، وبالتالي فإن فكرة “إعادة” القطع إلى دولها الأصلية هي فكرة “ضيقة الأفق” وتضر بالمعرفة الإنسانية.
تنتقد سافوي هذا المنطق “الأبوي المتغطرس”؛ فالمتحف العالمي يقع دائماً في عواصم القوى الاستعمارية السابقة، والوصول إليه يتطلب تأشيرة “شنغن” صعبة المنال لمعظم الأفارقة، وتذكرة طيران تفوق دخلهم السنوي. تتساءل سافوي: أي عالمية هذه التي تمنع صاحب الحق من رؤية إرثه إلا خلف حاجز زجاجي في قارة أخرى؟ لقد كان هذا الإعلان، بحسب الكتاب، هو الرصاصة الأخيرة التي أُطلقت على المطالب الأفريقية في مطلع القرن الحادي والعشرين.
الهزيمة كفراغ روحي: ما وراء الأرقام
في أحد أعمق فصول الكتاب، تبتعد سافوي قليلاً عن الأوراق الرسمية لترصد الأثر الإنساني لهذه الهزيمة. تذكرنا المؤلفة برقم صادم: من 90% إلى 95% من التراث الثقافي لأفريقيا جنوب الصحراء موجود حالياً خارج القارة.
تُحلل سافوي ما يعنيه هذا الرقم بالنسبة لشاب نشأ في نيجيريا أو السنغال أو الكاميرون. إنه يعني “الفراغ الروحي”. هؤلاء الشباب يدرسون تاريخ فنهم في الكتب المدرسية عبر صور باهتة لقطع موجودة في لندن أو باريس. لقد حُرمت أفريقيا من “مختبرات خيالها”.
تستخدم سافوي تعبيراً مؤثراً: “فقر الذاكرة البصرية”. عندما يتم نهب الفن، لا تُنهب الأشياء فقط، بل تُنهب “القدرة على الإلهام”. الفن الأفريقي الذي ألهم بيكاسو وماتيس لتثوير الفن الغربي، ظلت القارة الأم محرومة من أثره التحويلي على أجيالها الصاعدة. هذه هي “الهزيمة الحقيقية” التي يتحدث عنها الكتاب؛ هزيمة الوعي الذي جُففت منابعه عمداً.
منهجية سافوي: عندما ينطق الأرشيف وجعاً
لا بد من التوقف عند أسلوب سافوي في الكتابة. رغم أنها مؤرخة، إلا أنها تبتعد عن الجفاف الأكاديمي. أسلوبها في الكتاب “سردي بوليسي” بامتياز. هي لا تقول لك “الأوروبيون رفضوا”، بل تنشر لك محضر اجتماع سرياً لمدير متحف برلين وهو يكتب بخط يده ملاحظة هامشية تقول: “يجب ألا نعطيهم شبراً واحداً وإلا فسيأخذون كل شيء”.
هذه المنهجية التي تعتمد على “فضح الوثيقة” هي ما جعل الكتاب زلزالاً في الأوساط الثقافية الأوروبية. لقد حوّلت سافوي الأرقام الجافة (ألف قطعة هنا، وعشرة آلاف هناك) إلى مرثية إنسانية عن ضياع الهوية. الكتاب يتدفق بسلاسة بين التحليل السياسي، والنقد الفني، والشهادة التاريخية، مما يجعله وثيقة لا غنى عنها لأي مهتم بصراع القوى والذاكرة.
2018: العام الذي استيقظ فيه الأرشيف
تنتقل سافوي في فصولها الأخيرة من “المؤرخة” التي تنبش القبور إلى “الفاعلة” التي تصنع التاريخ. عندما كلفها الرئيس الفرنسي ماكرون بإعداد تقرير حول التراث الأفريقي، لم تكن المتاحف الأوروبية تتوقع أن النتيجة ستكون “قنبلة موقوتة”. طالبت سافوي وسار بإعادة “دائمة وفورية” لكل القطع التي أُخذت دون رضا أصحابها خلال الحقبة الاستعمارية.
تصف سافوي في الكتاب رد الفعل الأوروبي بـ “الذعر الأخلاقي”. فجأة، وجد مديرو المتاحف في برلين ولندن وباريس أن الحجج القديمة (التي استعرضناها في الأجزاء السابقة) لم تعد صالحة للاستهلاك. “حجة المناخ” سقطت أمام تطور المتاحف الأفريقية الحديثة، و”حجة التراث العالمي” ظهرت كغطاء للأنانية القومية الأوروبية.
المتاحف كـ “غنائم حرب”: نزع القناع الجمالي
من أهم إسهامات سافوي في هذا الكتاب هو نجاحها في “نزع القناع الجمالي” عن المقتنيات الأفريقية. هي تجبر القارئ الأوروبي (والعالمي) على التوقف عن رؤية “برونزيات بنين” كتحف فنية جميلة متراصة في قاعات مضاءة جيداً، وتدعوه لرؤيتها كـ “غنائم حرب”.
توثق سافوي بالصور والوثائق أن خلف كل قناع عاجي أو تمثال خشبي قصة دماء، وقرى محروقة، وملوكاً نُفيوا من ديارهم. هذا “التأطير الأخلاقي” هو ما جعل كتابها مزعجاً للغاية للمؤسسة التقليدية. هي تقول ببساطة: “لا يمكنك الاستمتاع بجمال قطعة فنية وأنت تتجاهل الجريمة التي أتت بها إليك”. هذا التوجه هو ما أدى إلى بدء تحركات حقيقية، مثل قرار ألمانيا مؤخراً بإعادة مئات البرونزيات إلى نيجيريا، وهو نصر تأخر أكثر من نصف قرن.
معركة “المصطلحات”: الاستعادة أم الاستعارة؟
تتوقف سافوي عند معركة لغوية خبيثة لا تزال تدور رحاها. ترفض المتاحف الغربية غالباً مصطلح “الإعادة” (Restitution) لأنه يتضمن اعترافاً بالخطأ القانوني والأخلاقي، وتفضل مصطلحات مثل “التعاون الثقافي” أو “الإعارة طويلة الأمد”.
تنتقد سافوي هذا الالتفاف اللغوي بشدة؛ ففي نظرها، “الإعارة” تعني أن السارق لا يزال يمتلك الشيء، وأنه يتكرم على المالك الأصلي برؤيته لفترة محددة. تصر سافوي في كتابها على أن العدالة لا تتحقق إلا بـ “نقل الملكية القانونية”. القوة في طرح سافوي تكمن في أنها لا تتحدث من منطلق العاطفة فقط، بل من منطلق “القانون الدولي للكرامة الإنسانية”.
أفريقيا الجديدة: جيل يرفض الهزيمة
تنهي سافوي كتابها بنبرة من الأمل المشوب بالحذر. هي ترى أن “الهزيمة” التي تتحدث عنها في العنوان كانت هزيمة جيل الاستقلال الأول الذي واجه جدار الصمت الأوروبي وحيداً. أما اليوم، فإن الوضع قد تغير.
تشير سافوي إلى أن الجيل الجديد من الفنانين والمثقفين والناشطين الأفارقة (داخل القارة وفي الشتات) لم يعد يطلب الإذن من أوروبا. هؤلاء يستخدمون التكنولوجيا الرقمية، والفن المعاصر، والضغط السياسي الدولي لفرض واقع جديد. الكتاب يحيي ذكرى أولئك الذين صرخوا في السبعينيات ولم يسمعهم أحد، ويقول لهم: “صرختكم لم تذهب سدى، لقد حفظها الأرشيف لتكون وقوداً لمعركة اليوم”.




