عاصفة تقترب: هل يعيد التاريخ كارثة 1914 في عالمنا المتعدد الأقطاب؟
قراءة تحليلية في كتاب "العاصفة القادمة: القوة، الصراع، وتحذيرات من التاريخ" للمؤرخ أود آرني ويستاد.

في قرية تيبفال الفرنسية الصغيرة، يقف نصب تذكاري مهيب يرتفع لأكثر من خمسين متراً فوق ضفاف نهر أنكر، ليخلد ذكرى أكثر من 72 ألف جندي بريطاني فُقدوا في معركة السوم خلال الحرب العالمية الأولى ولم يتم التعرف على جثثهم قط. تلك المعركة وحدها حصدت أكثر من مليون ضحية بين شهري يوليو ونوفمبر من عام 1916، في مجزرة بشرية ضمت جنوداً من شتى بقاع الأرض. يتخذ المؤرخ أود آرني ويستاد من هذا النصب التذكاري، ومن فظائع الحرب الكبرى التي خلفت نحو 40 مليون ضحية بين عسكري ومدني، نقطة انطلاق مروعة لكتابه “العاصفة القادمة”. يطرح ويستاد تساؤلاً مرعباً يظلل عصرنا الحالي: هل ينزلق عالمنا المعاصر نحو حرب قوى عظمى جديدة بسبب نفس المزيج القاتل من الشوفينية، والخوف، والاستسلام للقدر، والغباء المحض الذي أشعل شرارة الصراع العالمي في مطلع القرن العشرين؟
نهاية الأحادية القطبية وعودة أشباح الماضي
يجادل ويستاد بأن العالم قد شهد خلال العقد الماضي تحولاً جذرياً في موازين القوى الدولية، مبتعداً عن الهيمنة الأمريكية المطلقة ليتجه بخطى متسارعة نحو عالم متعدد الأقطاب. وفي حين لا تزال الولايات المتحدة الأمريكية القوة العظمى الأبرز، خاصة من حيث قدراتها العسكرية، إلا أن قوتها النسبية تتآكل بسرعة فائقة من الداخل والخارج، وقدرتها على توجيه مسار الشؤون الدولية انحسرت بشكل كبير.
يبدو النظام العالمي الذي يتشكل أمام أعيننا اليوم شبيهاً إلى حد مخيف بعالم ما قبل عام 1914، أكثر من أي فترة تاريخية أخرى عشناها منذ ذلك الحين. ففي أواخر القرن التاسع عشر وحتى اندلاع الحرب العالمية الأولى، كان العالم يغص بقوى عظمى متعددة تتصارع وتتزاحم لفرض هيمنتها الإقليمية. واليوم، نرى النمط ذاته يتكرر؛ حيث تتصارع القوى الكبرى في ساحات جديدة ومعقدة مثل التكنولوجيا النووية، والذكاء الاصطناعي، واستكشاف الفضاء. كما أن القومية والشعبوية تعودان للواجهة، وتتزايد النزعات الحمائية والحروب التجارية، وبات الكثيرون يلومون مواطني الدول الأخرى على مشاكلهم الداخلية، تماماً كما جرى قبل قرن مضى.
متلازمة القوة الصاعدة والقوة المهيمنة: الصين والولايات المتحدة
يعقد الكتاب مقارنة تاريخية عميقة وذكية بين صعود الإمبراطورية الألمانية قبل عام 1914 وصعود الصين السريع اليوم. فبين عامي 1870 و1914، برزت ألمانيا من شبه العدم لتصبح إحدى القوى الرائدة عالمياً، وهو ما أحدث ارتباكاً واسعاً في الحسابات الدولية. هذا الصعود السريع خلق حالة من القلق المزمن لدى بريطانيا، التي كانت تهيمن بلا منازع على عالم منتصف القرن التاسع عشر صناعياً وتقنياً ومالياً.
اليوم، تتبوأ الصين هذا الموقع المستفز للنظام القديم؛ حيث تحولت من دولة فقيرة ومتخلفة إلى قوة عالمية تنافس الولايات المتحدة بشراسة. لقد تجاوز الناتج المحلي الإجمالي للصين، مقاساً بتعادل القوة الشرائية، نظيره الأمريكي بقيمة 33 تريليون دولار مقابل 28 تريليون دولار. وباتت الصين أكبر اقتصاد تجاري في العالم والمُصدِّر الأول، فضلاً عن كونها القوة الصناعية المهيمنة التي تستحوذ على حوالي 31 بالمائة من ناتج التصنيع العالمي، وهو رقم يفوق ما تنتجه القوى الأربع التي تليها مجتمعة. هذا التحول السريع والدرامي في موازين القوة الاقتصادية يثير مخاوف عميقة ومبررة في واشنطن، وهي مخاوف تتطابق مع التوجس البريطاني والفرنسي من التفوق الصناعي الألماني قبل اندلاع الحرب العالمية الأولى.
وكما كانت بريطانيا تتهم ألمانيا في مطلع القرن العشرين باستخدام أساليب غير عادلة لاختراق أسواقها وإمبراطوريتها، تواجه الصين اليوم اتهامات مستمرة باستخدام الدعم الحكومي، والحواجز غير الجمركية، وعمليات نقل التكنولوجيا القسرية، بل وحتى التجسس الصناعي الشامل، لتعزيز تفوق شركاتها. إن هذه المظالم الاقتصادية المتبادلة لا تقف عند حدود المكاتب التجارية، بل تندمج بشكل خطير لتتحول إلى دليل -في نظر كل عاصمة- على النوايا العدوانية للطرف الآخر، وهو تماماً الاندماج الذي كان من الأسباب الرئيسية لاندلاع حرب 1914.
صعود قوى المراجعة: روسيا والهند كفاعلين جدد
لا يقتصر تحليل ويستاد على الثنائي الصيني-الأمريكي، بل يمتد ليشمل قوى أخرى تزيد من تعقيد المشهد المتعدد الأقطاب. يسلط الكتاب الضوء على التحدي السافر والمكشوف الذي تمثله روسيا، والحزم الاستراتيجي المتزايد للهند.
الهند، التي تمتلك اليوم أكبر عدد من السكان عالمياً، يشهد اقتصادها نمواً أسرع من أي قوة كبرى أخرى، بمعدل يقدر بنحو 7 بالمائة سنوياً، أي أكثر من ضعف معدل النمو الحالي في الصين. ورغم أن اقتصادها لا يزال يمثل خُمس الاقتصاد الصيني، إلا أنها تتمتع بمزايا هائلة، أبرزها التركيبة السكانية الشابة، والقوة العاملة المتعلمة المتحدثة بالإنجليزية، والتدفق المتزايد للاستثمارات الأجنبية.
أما روسيا، ففي ظل قيادة فلاديمير بوتين، تتبنى نوعاً من القومية الإمبراطورية التي تسعى بشراسة لاستعادة السيطرة على أكبر قدر ممكن من أراضي الإمبراطورية الروسية السابقة. يرى بوتين أن روسيا لا يمكن أن تكون مجرد دولة أوروبية عادية، بل يجب أن تكون إمبراطورية تعترف لها الدول الأخرى بمناطق نفوذ واسعة، وهذا التوجه هو الذي قاده لخوض حروب مدمرة في جورجيا وأوكرانيا.
القوميات المتطرفة: وقود الصراعات وهوس الهوية
لا تقتصر المقاربة التاريخية التي يطرحها ويستاد على التحولات الاقتصادية فحسب، بل تغوص عميقاً في الديناميكيات النفسية والسياسية، وعلى رأسها تصاعد المد القومي. يشير الكتاب إلى أن القوميات بمختلف أشكالها تلعب دوراً متزايداً في سياسات اليوم، تماماً كما كان الحال في عالم ما قبل عام 1914. ففي الصين، عمل الحزب الشيوعي الحاكم بنشاط على استبدال الأيديولوجية الماركسية بقومية صينية حازمة وموجهة من قبل الدولة. هذه القومية الجديدة تعتمد بشكل كبير على دمج ثقافة وتاريخ ورموز عرقية الـ “هان”، أو على الأقل الأجزاء التي يتماهى معها الحزب الشيوعي من هذا التاريخ. وقد أدى ذلك إلى إعادة تعريف “الشعب الصيني” ليضم فعلياً كل من يعيش داخل الحدود الحالية لجمهورية الصين الشعبية، متوحدين تحت لغة واحدة، وحزب واحد، وزعيم أساسي واحد هو شي جين بينغ.
على الضفة الأخرى، لا تبدو الولايات المتحدة محصنة ضد هذه الحمى القومية. يشير ويستاد إلى تنامي المواقف الشعبوية المعادية للأجانب في الولايات المتحدة وبريطانيا وألمانيا وفرنسا، حيث تشكل الرؤى السلبية تجاه الآخرين أساساً للعديد من الصراعات في عالم اليوم. في أمريكا تحديداً، تتجلى هذه القومية في خطاب “أمريكا أولاً” الذي تبناه الرئيس دونالد ترامب، والذي يرى أن الحروب الخارجية كانت أخطاء كلفت الشعب الأمريكي غالياً، مؤكداً على ضرورة التركيز على التنمية الداخلية. لكن هذا الخطاب يحمل في طياته عداءً صريحاً تجاه الصين؛ حيث يقتبس الكتاب تصريحاً حاداً لترامب عام 2016 يقول فيه: “لا يمكننا الاستمرار في السماح للصين باغتصاب بلادنا”. هذا التوجه القومي لا يقتصر على اليمين السياسي، بل يمتد بظلاله ليشمل خصوم ترامب أيضاً، مما يخلق إجماعاً سياسياً أمريكياً على ضرورة مواجهة الصين، وهو ما يعقد مهمة نزع فتيل الأزمات.
هذه التعبئة القومية المتبادلة تخلق بيئة سامة تجعل اندلاع حرب كبرى أمراً وارداً بقوة؛ لأنها تضيق الخناق على القادة السياسيين العقلانيين وتمنعهم من التحذير من العواقب الكارثية للصراع الدولي خوفاً على مستقبلهم السياسي.
سباق التسلح التكنولوجي: وهم الانتصار السريع والآلات الذكية
في مطلع القرن العشرين، أدت التغيرات التكنولوجية السريعة إلى انتشار حالة من عدم اليقين بشأن المستقبل، وشعرت القوى العظمى بقلق بالغ من التخلف في سباق التسلح التكنولوجي. يستدعي ويستاد سباق التسلح البحري بين بريطانيا وألمانيا كأحد أبرز ملامح تلك الحقبة، خاصة بعد أن أطلقت البحرية الملكية فئة جديدة من البوارج الحربية (Dreadnought) عام 1906، مما دفع ألمانيا للمسارعة في بناء بوارجها الخاصة. هذا التطور السريع رسخ وهماً عسكرياً خطيراً: “وهم الانتصار السريع” من خلال خطط هجومية خاطفة كخطة شليفن الألمانية.
اليوم، يتكرر المشهد ولكن بأسلحة أشد فتكاً وذكاءً. يحذر ويستاد من أن التطور السريع للتكنولوجيا العسكرية، خاصة الذكاء الاصطناعي والأنظمة ذاتية التشغيل، يقلص الوقت المتاح أمام القادة لاتخاذ قرارات مصيرية. الأنظمة المدمجة التي توفر للقادة وعياً شاملاً بساحة المعركة، وقدرات أسراب الطائرات بدون طيار المتقدمة، والأنظمة المعززة بالكمية، ستكون حكراً على القوى العظمى الأكثر تقدماً في البداية. يطرح هذا التطور أسئلة مقلقة حول كيفية اتخاذ القرارات التكتيكية والاستراتيجية، ويزيد من مخاوف الخبراء العسكريين من أن تؤدي المستويات الجديدة من التكنولوجيا إلى مستويات غير مرغوب فيها من التصعيد وانتشار الصراع دون سيطرة بشرية كاملة. وكما فشلت أسلحة الدمار الشامل في عام 1914 في ردع القوى الكبرى عن خوض الحرب، يشير الكتاب إلى أن التهديد بالدمار النووي المتبادل اليوم قد لا يمتلك قوة الردع المطلقة التي تمتع بها في حقبة الحرب الباردة.
بؤر التوتر المشتعلة: تايوان كبرميل بارود القرن الحادي والعشرين
إذا كانت شرارة الحرب العالمية الأولى قد انطلقت من البلقان، فإن ويستاد يرى أن تايوان تمثل “برميل البارود” الأكثر خطورة في عصرنا. يصف الكتاب أزمة تايوان بأنها تشبه مزيجاً معقداً من أزمات الألزاس، والبوسنة، وبلجيكا مجتمعة. بالنسبة للحزب الشيوعي الصيني، تُعد المطالبة بضم تايوان جزءاً لا يتجزأ من هويته السياسية، بل إن الرواية الرسمية تدعي أن السبب الوحيد لعدم خضوع تايوان للبر الرئيسي اليوم هو التدخل العسكري الأمريكي بعد ثورة 1949.
في المقابل، تتبنى الولايات المتحدة سياسة “الغموض الاستراتيجي” بشأن ما إذا كانت ستتدخل عسكرياً للدفاع عن تايوان في حال تعرضها لهجوم من جمهورية الصين الشعبية. هذا الوضع المتأزم يجعل الحرب احتمالاً قائماً، لا عن طريق الصدفة البحتة، بل ربما نتيجة لشرارة محددة: عمل إرهابي، أو إعلان استقلال بحكم الأمر الواقع من قبل تايوان، أو حتى خطأ عسكري خلال الاستفزازات الجوية والبحرية المتكررة لجيش التحرير الشعبي الصيني. العقيدة العسكرية الصينية تؤكد على ضرب قواعد الخصم ومراكزه اللوجستية مبكراً، مما قد يدفع بكين، إذا أيقنت بالتدخل الأمريكي، إلى توجيه ضربة استباقية للقواعد الأمريكية في اليابان وجوام، وهو ما سيؤدي حتماً إلى اندلاع حرب إقليمية وعالمية واسعة النطاق.
الشرق الأوسط: لعنة الموارد واللادولة وفخ التشابك
لا يُغفل ويستاد منطقة الشرق الأوسط في تحليله، مشيراً إلى أنها عانت طوال القرن الماضي من لعنتين رئيسيتين: النفط واللادولة. لقد استُخدم النفط، الذي يُعد شريان حياة المجتمع الصناعي الحديث، لتكريس أنظمة قمعية تستغل شعوبها، كما جلب تدخلات متكررة من القوى العظمى -بدءاً ببريطانيا ثم الولايات المتحدة- لتأمين الإمدادات وإسقاط الأنظمة التي تهدد مصالحها.
أما اللادولة، فتتجلى في مآسي شعوب فقدت حقها في تقرير المصير. يبرز الكتاب الصراع الفلسطيني كأكثر المشاكل الدولية تعقيداً واستدامة، حيث فُقدت أراضٍ واسعة إثر قيام دولة إسرائيل عام 1948، وتوزع الفلسطينيون بين الضفة الغربية وغزة والشتات، بالإضافة إلى من يعيشون كمواطنين داخل إسرائيل دون مساواة كاملة. هذا الصراع، إلى جانب قضية الأكراد، خلق بؤراً دائمة للحروب والنزاعات المستمرة منذ سبعين عاماً.
تكمن الخطورة الكبرى اليوم في أن يتشابك الصراع الفلسطيني-الإسرائيلي، أو التوترات بين إيران وجيرانها، مع تنافس القوى العظمى. وفي ظل تنامي اعتماد الصين الشديد على الشرق الأوسط للحصول على أكثر من نصف وارداتها النفطية، فمن المرجح أن تحاول بكين وموسكو التأثير على توازنات المنطقة والعمل مع دول مثل إيران والمملكة العربية السعودية، مما قد يجر القوى الكبرى إلى أتون صراعات إقليمية لا يمكن السيطرة عليها بسهولة.
فخ “أزمة يوليو”: حينما تفقد العواصم السيطرة على المصير
ينتقل أود آرني ويستاد في الفصل الثالث من كتابه إلى لحظة تاريخية مفصلية، وهي “أزمة يوليو 1914”. لا يهدف ويستاد من سرد تفاصيل اغتيال الأرشيدوك فرانس فرديناند في سراييفو إلى مجرد التأريخ، بل إلى استخلاص “نموذج الأزمة” التي تخرج عن السيطرة. يجادل الكتاب بأن الحرب العالمية الأولى لم تكن قدراً محتوماً، بل كانت نتيجة لسلسلة من القرارات الصغيرة، الخاطئة، والمتراكمة التي اتخذها رجال اعتقدوا أنهم “يتحكمون” في الموقف.
يشرح ويستاد كيف أن “المنطق العسكري” غلب “المنطق السياسي” في تلك اللحظة. فبمجرد أن بدأت الجداول الزمنية للتعبئة العسكرية (Mobilization) بالتحرك، لم يعد بإمكان القادة السياسيين في برلين، بطرسبرغ، أو باريس التراجع خوفاً من أن يسبقهم الخصم بخطوة. اليوم، يرى ويستاد أننا نعيش في ظل “تعبئة تكنولوجية ورقمية” أسرع بمراحل. إذا نشبت أزمة في بحر الصين الجنوبي، فإن الأنظمة الآلية والذكاء الاصطناعي قد تفرض “حقائق على الأرض” تجعل القادة في واشنطن وبكين أسرى لقرارات اتخذتها الخوارزميات في أجزاء من الثانية، مما يعيد إنتاج “فخ يوليو” ولكن بنسخة رقمية لا ترحم.
سيكولوجية الخوف والضغينة: المحرك الخفي للصراع
يخصص ويستاد مساحة واسعة لتحليل ما يسميه “المظالم التاريخية” (Resentments). يرى الكاتب أن القوى العظمى لا تتحرك فقط بناءً على حسابات الربح والخسارة المادية، بل تحركها “العواطف القومية” والجروح الكبريائية. في الحالة الروسية، يحلل ويستاد كيف أن بوتين لا يرى في غزو أوكرانيا مجرد توسع جغرافي، بل هو محاولة “لتصحيح” ما يعتبره أكبر كارثة جيوسياسية في القرن العشرين (انهيار الاتحاد السوفيتي). هذا الشعور بالمهانة والضغينة تجاه الغرب يجعل التفاوض العقلاني أمراً بالغ الصعوبة.
وبالمثل، يحلل “حلم التجديد العظيم للأمة الصينية” الذي يتبناه شي جين بينغ. إن الصعود الصيني محكوم برغبة عارمة في إنهاء ما تصفه الأدبيات الصينية بـ “قرن الإذلال” على يد القوى الاستعمارية. يحذر ويستاد من أن القوى التي تشعر بأنها “ظُلمت تاريخياً” هي الأكثر ميلاً للمخاطرة العسكرية لاستعادة مكانتها المتخيلة، وهذا بالضبط ما جعل ألمانيا القيصرية قوة مزعزعة للاستقرار في عام 1914، وهو ما يجعل الصين وروسيا اليوم قوى “مراجعة” (Revisionist Powers) تسعى لتغيير النظام الدولي القائم.
وهم “الانفصال” الاقتصادي: هل التجارة تحمي من الحرب؟
من أهم الأفكار التي يدحضها ويستاد في كتابه هي “أسطورة السلام التجاري”. كان هناك اعتقاد سائد قبل عام 1914 (جسده نورمان أنجل في كتابه “الوهم الكبير”) بأن الاعتماد الاقتصادي المتبادل بين القوى الكبرى سيجعل الحرب انتحاراً اقتصادياً وبالتالي مستحيلة. لكن التاريخ أثبت خطأ هذا التصور؛ فقد كانت ألمانيا وبريطانيا أكبر شريكين تجاريين لبعضهما البعض عشية الحرب.
اليوم، يرى ويستاد أننا نرتكب نفس الخطأ. فرغم أن الاقتصادين الأمريكي والصيني متشابكان لدرجة “الاندماج”، إلا أن هذا التشابك بحد ذاته بات يُنظر إليه كـ “سلاح”. واشنطن تحاول “تقليل المخاطر” (De-risking) أو “الانفصال” (Decoupling) في قطاع الرقائق الإلكترونية والتكنولوجيا الفائقة، وبكين تسعى للاكتفاء الذاتي وتقليل الاعتماد على الدولار. يجادل ويستاد بأن “سلاح الاعتماد المتبادل” لا يمنع الحرب، بل قد يكون سبباً فيها؛ فعندما تشعر دولة ما أن شريكها التجاري يستخدم قوته الاقتصادية لخنقها استراتيجياً، فقد تختار المواجهة العسكرية كمهرب أخير.
الدروس المستفادة: كيف يمكن تجنب العاصفة؟
في الجزء الختامي من هذا التحليل العميق، يطرح ويستاد ما يشبه “خارطة طريق” للعقلانية في زمن الجنون. لا يقدم حلولاً طوباوية، بل دعوات للبراغماتية:
-
استعادة الدبلوماسية المباشرة: يحذر ويستاد من أن غياب قنوات اتصال فعالة وصريحة بين القوى العظمى هو أكبر خطر يواجهنا. “أزمة الصواريخ الكوبية” تم نزع فتيلها عبر رسائل سرية وتفاهمات لم تُعلن إلا بعد عقود؛ اليوم، التواصل بين واشنطن وبكين يسوده الصراخ الإعلامي وغياب الثقة التام.
-
التواضع الاستراتيجي: يدعو ويستاد القادة إلى إدراك حدود قوتهم. إن الغطرسة (Hubris) التي جعلت القادة في 1914 يعتقدون أن جنودهم سيعودون “قبل سقوط أوراق الشجر” هي نفسها التي قد تقود لصراع نووي كارثي اليوم.
-
إدارة التعددية القطبية: يجب على الولايات المتحدة أن تقبل حقيقة أنها لم تعد القطب الوحيد، ويجب على الصين أن تدرك أن صعودها لا يعني بالضرورة إزاحة الآخرين. العالم المتعدد الأقطاب يتطلب “توازناً” وليس “سيادة”.
من “الدريدنوت” إلى الذكاء الاصطناعي: سباق التسلح المتسارع
يرسم أود آرني ويستاد رابطاً مذهلاً بين القلق التكنولوجي الذي ساد في مطلع القرن العشرين والذعر المعاصر من التفوق التقني. في الماضي، كانت السفينة الحربية “دريدنوت” (Dreadnought) هي المعيار الذهبي للقوة؛ فبمجرد ظهورها في عام 1906، جعلت كل البوارج السابقة لها “عفا عليها الزمن” بين عشية وضحاها، مما أشعل سباق تسلح بحرياً محموماً بين بريطانيا وألمانيا. واليوم، يجادل ويستاد بأن الذكاء الاصطناعي، والقدرات السيبرانية، وتكنولوجيا الفضاء، هي “دريدنوت” عصرنا الحالي.
يشير الكتاب إلى أن التحول التكنولوجي في الصين جعل منها “منافساً هائلاً” والمثال الأول على كيفية تغيير التطور التقني لقدرات خوض الحروب. إن حالة عدم اليقين بشأن المزايا التكنولوجية النسبية -من يمتلك الخوارزمية الأسرع أو القدرة على شل شبكة الخصم أولاً- تعد عاملاً مزعزعاً للاستقرار بشكل خطير. هذا القلق يدفع القوى العظمى للدخول في “سباقات تسلح تكنولوجية” مكلفة ومرهقة، حيث يخشى الجميع من التخلف عن الركب، تماماً كما كانت القوى في عام 1870 تترجم كل اختراع جديد فوراً إلى استخدام عسكري.
أوهام النصر السريع والسيطرة الرقمية
يحذر ويستاد من وقوع القادة المعاصرين في “فخ الأوهام” الذي سقط فيه أسلافهم في عام 1914. كان هناك وهمان قاتلان يوجهان التخطيط العسكري آنذاك: وهم “النصر السريع” ووهم القدرة على الحصول على “ميزة عسكرية حاسمة” في وقت السلم. اليوم، يتكرر هذا الوهم من خلال الاعتقاد بأن الهجمات السيبرانية أو الضربات الدقيقة باستخدام الذكاء الاصطناعي يمكن أن تنهي الصراعات في غضون أيام.
يرى ويستاد أن الاعتماد المتزايد على “سرعة التعبئة الرقمية” يقلص الوقت المتاح للدبلوماسية في لحظات الأزمات. وفي ظل عالم تتنافس فيه قوى متعددة على السيادة في مجالات معقدة مثل استكشاف الفضاء والتقنيات النووية، تصبح الحسابات العسكرية أكثر تعقيداً وأقل قابلية للتنبؤ. إن غياب قنوات اتصال واضحة، إلى جانب تعاظم دور “الخبراء العسكريين” الذين يطالبون بعدم تدخل المدنيين في “الخطط العلمية” للعمليات، يعيد إنتاج البيئة التي أدت إلى انزلاق العالم نحو الحرب العظمى.
مرآة أوكرانيا: عودة الجغرافيا السياسية الخام
تمثل الحرب في أوكرانيا، بالنسبة لويستاد، نقطة تحول جوهرية في فهمنا للصراعات الحديثة. يصف ويستاد الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بأنه الزعيم الذي يمتلك عقلية هي “الأكثر تشابهاً” مع عقليات ما قبل عام 1914؛ حيث يؤمن بأن “الأرض هي الأمن” وأن القوة لا تظهر إلا من خلال “الاستعداد لاستخدام القوة”
بالنسبة لويستاد، لم تعد الحرب في أوكرانيا مجرد صراع إقليمي، بل تحولت إلى “صراع حضاري” في نظر ثلثي الروس. يحلل الكتاب كيف أن التحدي الروسي الصارخ، إلى جانب الصعود الصيني والحزم الهندي، هو بمثابة “البشائر الأولى” لنظام عالمي جديد متعدد الأقطاب يبتعد عن الهيمنة الأمريكية. كما يشير إلى أن هذه الحرب كشفت عن “العجز” في المؤسسات الدولية؛ فالأمم المتحدة التي أُنشئت “لإنقاذ الأجيال القادمة من ويلات الحرب” فشلت في كبح جماح القوى العظمى عندما تتصادم مصالحها الحيوية.
-
الردع النووي: هل فقد سحره القديم؟
- من أكثر أفكار ويستاد إثارة للقلق هي تساؤله حول فاعلية الردع النووي في القرن الحادي والعشرين. خلال الحرب الباردة، ساهمت عقيدة “الدمار المتبادل المؤكد” في الحفاظ على استقرار هش بين القطبين. لكن ويستاد يخشى أن هذا الردع لم يعد يمتلك “القوة المطلقة” في عالم متعدد الأقطاب يضم عدداً متزايداً من القوى النووية.
- يستشهد الكتاب بـ “أزمة يوليو 1914” ليثبت أن الأسلحة الأكثر فتكاً في ذلك الزمان (مثل الأسلحة الكيميائية والمدفعية الثقيلة) لم تكن كافية لردع القوى العظمى عن خوض الحرب. واليوم، فإن احتمالية حدوث “تصعيد غير مقصود” أو سوء تقدير في لحظة أزمة حادة تظل قائمة، خاصة وأن بعض القادة يظهرون مستويات من “النزق وعدم القدرة على التنبؤ” تشبه ما كان عليه القيصر الألماني فيلهلم الثاني.
-
تصدعات القلعة: أزمة الهوية الأمريكية وأثرها العالمي
- ينتقل أود آرني ويستاد في هذا الفصل من كتابه إلى تحليل أعمق لمصدر القوة (والضعف) في النظام العالمي الحالي: الولايات المتحدة الأمريكية. يرى ويستاد أن الخطر الأكبر الذي يواجه الاستقرار العالمي لا يكمن فقط في القوة الصاعدة للصين، بل في “التآكل الداخلي” للولايات المتحدة. يصف الكتاب أمريكا اليوم بأنها دولة تعاني من “انفصام في الشخصية السياسية”، حيث يواجه المجتمع استقطاباً حاداً لم يشهد له مثيلاً منذ الحرب الأهلية في القرن التاسع عشر.
يجادل ويستاد بأن هذا الانقسام الداخلي يجعل السياسة الخارجية الأمريكية “غير قابلة للتنبؤ” ومتقلبة بشكل خطير. فبينما يتمسك تيار “العولمة الليبرالية” بضرورة الحفاظ على التحالفات التقليدية مثل الناتو، يضغط تيار “القومية الانعزالية” (أمريكا أولاً) نحو التخلي عن الأعباء الدولية. هذا التذبذب يخلق “فراغاً في القيادة” يغري القوى المنافسة بالمخاطرة، تماماً كما أغرى تراجع النفوذ البريطاني في مطلع القرن العشرين ألمانيا القيصرية لتحدي النظام القائم. بالنسبة لويستاد، فإن القوة العظمى التي تفقد إجماعها الداخلي تصبح قوة “مزعزعة للاستقرار”، لأن أصدقاءها لا يمكنهم الوثوق بها، وأعداءها يسيئون تقدير خطوطها الحمراء.
العملاق الهندي: قومية “هيندوتفا” وإعادة رسم الخريطة
لا يكتمل تحليل ويستاد للقوى العظمى دون التوقف طويلاً عند الهند. يرى الكاتب أن الهند تحت قيادة ناريندرا مودي تمر بتحول جذري يتجاوز مجرد النمو الاقتصادي. إن صعود القومية الهندوسية (هيندوتفا) يعيد تعريف الهند كـ “دولة حضارة” وليس مجرد “دولة قومية” بالمعنى الغربي.
يشير ويستاد إلى أن الهند، بتركيبتها السكانية الشابة واقتصادها المتسارع، تطالب الآن بمكانة دولية تتناسب مع حجمها التاريخي. لكن هذه المطالبة محفوفة بالمخاطر؛ فالقومية المتصاعدة في الداخل تترجم إلى سياسة خارجية أكثر حزماً، خاصة تجاه الصين وباكستان. يحذر الكتاب من أن “غرور القوة الناشئة” في نيودلهي، إذا التقى مع “هواجس الأمن” في بكين، قد يحول جبال الهيمالايا إلى جبهة حرب كبرى جديدة. الهند في رؤية ويستاد هي “اللاعب المرجح” (Swing State) في القرن الحادي والعشرين؛ فتوجهاتها ستحسم ما إذا كان العالم سيبقى في مدار التعددية القطبية المستقرة أم سينزلق نحو مواجهة المعسكرات.
“سياسة الإلهاء”: حينما تصبح الحرب مهرباً من الداخل
من أعمق الدروس التاريخية التي يسلط ويستاد الضوء عليها هي ما يسميه المؤرخون “حرب الإلهاء” (Diversionary War). قبل عام 1914، كانت النخب الحاكمة في أوروبا (خاصة في روسيا والنمسا-المجر) تعاني من اضطرابات اجتماعية وحركات ثورية تطالب بالديمقراطية. رأى هؤلاء القادة في الحرب وسيلة “لصهر” الشعب في بوتقة القومية وتأجيل المطالب الداخلية.
يرى ويستاد ملامح هذا النمط تتكرر اليوم. ففي روسيا، يستخدم بوتين “العملية العسكرية الخاصة” لقمع المعارضة وتعزيز قبضة الدولة الأمنية تحت شعار “حماية الوطن من الغرب”. وفي الصين، يرى ويستاد أن التباطؤ الاقتصادي المحتمل قد يدفع الحزب الشيوعي إلى تصعيد النبرة القومية بشأن تايوان للحفاظ على شرعيته. يحذر الكتاب من أن القادة الذين يشعرون بالتهديد في عواصمهم هم الأكثر ميلاً لإشعال الحرائق في الخارج، مما يجعل الاستقرار الداخلي للدول الكبرى قضية أمن عالمي لا تقل أهمية عن توازن الرؤوس النووية.
المجتمعات المفتوحة في مهب الريح
يختتم ويستاد هذا الجزء من تحليله بالدفاع عن “التماسك الاجتماعي” كخط دفاع أول ضد الحرب. يرى أن المجتمعات التي تعاني من فجوات اقتصادية هائلة وتفكك في النسيج الثقافي تكون أكثر عرضة للدعاية القومية المتطرفة. العاصفة القادمة، كما يراها ويستاد، لا تأتي فقط من خلف الحدود، بل تولد في غرف المعيشة، وفي خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي التي تعزز الكراهية، وفي شعور الملايين بأن النظام العالمي الحالي لا يعمل لصالحهم.
إن تحذير ويستاد هنا صارخ: إذا لم تستطع القوى العظمى إصلاح “بيوتها من الداخل”، فإنها ستستمر في تصدير أزماتها إلى الخارج، مما يجعل الانفجار العالمي مجرد مسألة وقت.
“عدوى الحرب”: لماذا يجب أن نخشى اعتلال الروح الوطنية؟
يختتم أود آرني ويستاد كتابه بفصل محوري تحت عنوان “قضية السلام”، لكنه يقلب الطاولة في البداية ليجعلها “قضية ضد الحرب”. يرى ويستاد أن أكبر خطر للحرب العالمية ليس مجرد الدمار المادي الفوري والمدن التي ستُمحى من الخريطة ، بل هو ما يسميه “عدوى الحرب” التي تصيب الأجيال القادمة.
يشرح الكاتب كيف أن تجربة الحروب الكبرى تجعل الحرب تبدو هي “الحالة الطبيعية” للمجتمع وللشؤون الدولية. لقد أدت الحرب العالمية الأولى إلى الحرب العالمية الثانية لأنها زرعت في عقول المهزومين، وحتى المنتصرين، فكرة أن القوة هي الأداة الوحيدة لاستعادة ما فُقد أو حمايته. ويحذر ويستاد من أننا نعيش اليوم لحظة مشابهة؛ حيث بدأ البعض ينظر إلى الصراع المسلح كخيار “منطقي” لتصفية الحسابات التاريخية أو الجيوسياسية، متناسين أن الحرب “تسمم” المستقبل قبل أن تدمر الحاضر.
الردع الموثوق: كبح جماح المغامرة العسكرية
من أهم الدروس التي يستخلصها ويستاد من عام 1914 هي أهمية “الردع الموثوق” (Believable Deterrence). يجادل الكتاب بأنه لو كان القادة في برلين على قناعة تامة بأن بريطانيا ستدخل الحرب ضدهم في يوليو 1914، لربما ترددوا كثيراً قبل إعلان الحرب على روسيا وفرنسا.
بالإسقاط على واقعنا المعاصر، يرى ويستاد أن تجنب الحرب في بؤر التوتر المشتعلة يعتمد بشكل أساسي على وضوح الالتزامات. إذا اقتنعت القيادة في بكين بأن الولايات المتحدة ستدافع فعلياً عن تايوان، فإن احتمال الهجوم سيتضاءل. وبالمثل، فإن وجود القوات الأمريكية في كوريا الجنوبية يجعل أي هجوم من الشمال أقل احتمالاً. الرسالة هنا واضحة: الغموض الاستراتيجي قد يكون أحياناً دعوة للانتحار، بينما الوضوح في الردع هو ما يحافظ على السلام الهش.
فن “تسوية القوى العظمى”: البديل عن الحروب الصفرية
لا يدعو ويستاد إلى اتفاقيات سلام خيالية أو “تقارب” أيديولوجي بين القوى المتنافسة، بل يدعو إلى ما يسميه “تسوية القوى العظمى” (Great Power Compromise). يرى الكاتب أن العالم فشل في مطلع القرن العشرين في إنتاج هذه التسويات، مما جعل الحرب حتمية.
المطلوب اليوم، وفقاً للكتاب، ليس “التطابق” في الرؤى، بل عقد “صفقات مؤقتة” وتفاهمات واقعية (Tentative Deals) حول القضايا الأكثر اشتعالاً. يطرح ويستاد مثالاً جريئاً حول الحرب في أوكرانيا: يرى أن الحل المستدام قد يكمن في انسحاب روسي من بعض المواقع مقابل “إعلان حياد أوكراني” مدعوم بضمانات أمنية دولية، مع تسريع انضمام أوكرانيا للاتحاد الأوروبي اقتصادياً. هذه النوعية من “الحلول الوسطى” هي التي تمنح الجميع مخرجاً يحفظ ماء الوجه ويمنع الانزلاق إلى حرب عالمية شاملة.
بروتوكولات الأزمة: التواصل في زمن الجنون الرقمي
في عالم يتميز بسرعة اتصالات مذهلة وأسلحة ذكاء اصطناعي، يرى ويستاد أن “الوقت المتاح لصناعة القرار” قد تقلص لدرجة خطيرة. ويحذر من أن غياب بروتوكولات واضحة للتشاور رفيع المستوى في لحظات الأزمات هو ثغرة قاتلة في نظامنا الدولي الحالي.
يشير الكتاب بأسى إلى أن التفاهمات بين القوى العظمى، سواء على المستوى الثنائي أو داخل الأمم المتحدة، أصبحت أضعف من أي وقت مضى منذ عام 1945. نحن ندخل حقبة “التعددية القطبية” دون أن نملك الخبرة الكافية لإدارتها، مما يجعل السنوات القادمة محفوفة بالمخاطر. إن بناء “قنوات اتصال خلفية” ومراكز لإدارة الأزمات بين واشنطن وبكين وموسكو ليس ترفاً ديبلوماسياً، بل هو صمام أمان ضروري لمنع “سوء التقدير” الذي أحرق العالم في 1914.
خاتمة التحليل: هل العاصفة قدر؟
ينهي أود آرني ويستاد كتابه “العاصفة القادمة” برسالة توازن بين التشاؤم التحذيري والأمل العملي. التاريخ بالنسبة له ليس “قضيباً حديدياً” يسير عليه البشر نحو الكارثة، بل هو “مجموعة من الدروس” التي يمكن أن تنقذنا إذا امتلكنا الشجاعة لقراءتها بصدق
العاصفة التي تلوح في الأفق اليوم، بملامحها القومية والتكنولوجية والاقتصادية، يمكن ترويضها عبر الدبلوماسية الواقعية والردع الواضح والتواضع الاستراتيجي. إن “التحذيرات من التاريخ” التي صاغها ويستاد في هذا العمل الضخم هي صرخة تنبيه للقادة والشعوب على حد سواء: الحرب العالمية ليست قدراً محتوماً، لكن تجنبها يتطلب جهداً يومياً ومنظماً، لأن السير نياماً نحو الهاوية هو أسهل الطرق وأكثرها كلفة على البشرية.




