مقالات الرأي

أنس الإمام يكتب : دنقلا.. حين كان لرمضان طعم الحياة والبساطة

في دنقلا، لا يحل رمضان كشهر عابر، بل يأتي كحالة شعورية تغسل وجه المدينة القديمة؛ تلك التي كانت تبدأ من مقابر “منصور” وتمتد حتى مباني “المديرية”. بسيطة، وادعة، وكأنها قرية كبيرة يلفها الدفء. قبل الرؤية بشهر، تعلن البيوت حالة الطوارئ “الجميلة”، فتفوح رائحة “الحلومر” في الأزقة، معلنةً اقتراب الضيف العزيز.

ما إن يعلن التلفاز ثبوت الرؤية، حتى تدب الحياة في ميكروفونات المساجد، ولا يزال صوت المرحوم “عبد المنعم”، مؤذن الجامع الكبير، يتردد في مسمعي بحنانه المعهود وهو ينادي: “باكر صيام يامسلمين.. كل عام وأنتم بخير يا مسلمين”. كلمات كانت كفيلة بأن تطلق سيقاننا نحو السوق، نقصد بقالة “عبد الله عبد الغني البرهاني”، حيث يستقبلك عم عبد الله بابتسامته العريضة محيياً بصوته الجهوري: “عودة الأيام.. رمضان كريم ياود اخووووي”.

كان السوق في رمضان امتداداً لبيوتنا؛ الوجوه تطفح بالمحنة، والأصوات لا تشبه إلا أهل دنقلا برطانتهم المميزة ومصطلحاتهم التي لن تسمعها في مكان آخر، مثل: “اصك وين يا حزين؟” و “عاوزني إددلالك عشان انت تركب؟”. هناك، تلتقي بشخصيات هي جزء من “هوية” المكان؛ “جعفرون” ملك الفول بجلابيته البيضاء وقفشاته، وجاره “سعيد بلال”، والوسيلة، ومكتبات التنوير كـ “الخليل والأفندي”. وفي جزارة “كلشيرة”، تجد الصديق محمد سعيد “يحلف بالطلاق” لكل زبون أنه أعطاه أفضل قطعة لحم، بينما يمر عمنا “محمود السيسي” بهدوئه المعهود.

أما نهار رمضان في دنقلا، فله قصة أخرى مع “سخانة اللحام” التي تجعل الناس تتجرس وتلجأ للزير والرش بالخراطيش. كان “الثلج” عزيزاً يُحمل في شوالات الخيش والنشارة كأنه كنزٌ. ومع اقتراب المغرب، تُرص “الجكاكة” وحافظات المياه المزينة بالورود الحمراء في الشوارع، والكل يترقب الآذان. وما إن يرتفع الصوت حتى تبدأ معركة “الكداد بالقراصة” والفسيخ الشهير عند “فتحي عبد الرؤوف”، وفطير “أبو أسد” من يد المرحومة “عائشة كردي”. وبعد الشبع، يتردد صدى عبارة العم صابر أمين المأثورة: “الحمد لله يا مشبع الافيااااال”.

تأتي صلاة التراويح في الجامع الكبير لتمسح تعب النهار برائحة البخور وزقزقة العصافير في شجرة الجميز، وصوت الإمام المرحوم “أمين علي اسماعيل” وهو يتلو قصار السور بحنين جارف. وبعد الصلاة، ينفض السامر نحو دكان “عمك السني” لأرشفة أجمل كوب شاي، وتبادل الأخبار عن مقالب “الخال سمير محي الدين” الذي قد يحجز لأربعة أشخاص في مقعد واحد داخل البص!

تنتهي الليلة في دنقلا باكراً، لتستيقظ على وقع طبول “المسحراتي”؛ “التيمان حسن وحسين” وهما يطوفان على ظهر الحمار، يناديان الناس بأسمائهم: “يا حاج عبدو.. يا صايم قوم اتسحر”. لينتهي اليوم بوجبة “الرقاق باللبن” التي نأكلها بعين مفتوحة وأخرى مغمضة، في انتظار فجر جديد لمدينة لا تعرف إلا المحبة.

خاتمة وفاء:

رحم الله كل من تم ذكره في هذا المقال، ورحم الله أمي الغالية “نعمات ساتي”، التي كانت تمسح عنّا تعب الصيام بوجباتها التي أعدتها بحب، وتسهر على سحورنا بحنانها الذي لا ينضب. ورحم الله كل القلوب الطيبة التي كانت بيننا وانتقلت إلى الدار الآخرة.. فاقدتكم في رمضان، لكن ذكراكم ستبقى حية فينا ما حيينا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى