ثقافة وفنونأبرز المواضيع

“الخرطوم ليلاً.. عندما كانت شوارع العاصمة المثلثة منصة عالمية للموضة والوعي السياسي.”

من صفحات كتاب " الخرطوم ليلاً " للكاتبة البريطانية ماري جريس براون

في بدايات القرن العشرين، التقط رجل يُدعى دي. كليفتون صورة لامرأة سودانية تقف بثقة ووقار، وكتب تحتها بخط يده عبارة مقتضبة: “إحدى جاراتي، الخرطوم”. لم تكن تلك المرأة، التي يكسو وجهها تقاسيم الزمن مع تلميح طفيف بابتسامة، تبدو خائفة من الكاميرا ولا من الرجل الأجنبي الذي يقف خلفها، بل كانت نظرتها تعكس ثقة واعترافاً متبادلاً يتجاوز الحواجز الاستعمارية الصارمة. من هذه اللقطة الحميمة والمجهولة تاريخياً، تنطلق الباحثة والمؤرخة ماري جريس براون في كتابها الرائد “الخرطوم ليلاً: الموضة وسياسات الجسد في السودان الإمبراطوري” (Khartoum at Night: Fashion and Body Politics in Imperial Sudan)، الصادر عن مطبعة جامعة ستانفورد.

يتجاوز هذا الكتاب السرديات السياسية التقليدية التي تهيمن عادة على دراسات وادي النيل، ليقدم قراءة استثنائية لتاريخ السودان تحت الحكم الثنائي (البريطاني-المصري). بدلاً من البحث الحصري في الأرشيفات الدبلوماسية والمعاهدات، تتجه براون نحو مساحة أكثر حميمية وتعقيداً: جسد المرأة السودانية وحركتها وأزيائها. في هذا السياق، يصبح الجسد النسائي خريطة تُقرأ عبرها التحولات الاجتماعية والسياسية، وتصبح الشوارع والمدارس وعيادات الولادة مسارح لـ “مفاوضات وصراعات استعمارية”، تتداخل فيها السياسة مع أدق تفاصيل الحياة اليومية.

تجادل براون بأن التجربة الإمبراطورية لم تكن مجرد نظام سياسي يُدار من مكاتب بعيدة، بل كانت واقعاً ملموساً وحاضراً، يُعاش ويُعبّر عنه بشكل وثيق على أجساد النساء السودانيات ومن خلالها. لقد قاطع الاستعمار حياة النساء ووجّه مساراتها ضمن مشروعه “المدني”، تماماً كما أوقف كليفتون جارته ليلتقط صورتها. وهنا تبرز أهمية الكتاب في قدرته على الربط بين الهياكل العالمية المعقدة والسلوكيات الحميمة المجهرية، مما يعيد تشكيل المقاييس التاريخية المعتادة، حيث تتقاطع “السياسات العالمية” مع “المتع الشخصية” المليئة بالدلالات. فالسلطة الاستعمارية لم تكتفِ بالهيمنة الاقتصادية والعسكرية، بل سعت عبر خطاب التحضّر إلى التدخل في أدق تفاصيل الجسد المستعمر: كيف يُتغذى، كيف يُكسى، وما إذا كان يُعتبر نظيفاً وصحياً أم قذراً ومريضاً.

بيد أن السلطة لا تتحرك في اتجاه واحد أبداً. وكما نظرت جارة كليفتون إلى عدسته بثبات، تفاعلت النساء السودانيات مع الإمبراطورية؛ استجبن لتغيراتها، وقاومنها، وتكيفن معها. وفي ظل مساحات جيوسياسية تتبدل تحت أقدامهن، استعانت النساء المبعدات عن قنوات المشاركة السياسية التقليدية بتصميم دقيق لحركة الأجساد والسلوكيات والأزياء للتعبير عن فهمهن المعقد للسياق المتغير، ولتحديد مواقعهن داخل أنظمة متداخلة من الحماية المنزلية، والاستعمار، والقومية، والتحديث.

يمثل “الثوب” (Tobe) السوداني محوراً أساسياً في هذا التحليل السردي، البصري والسياسي. هذا الزي الذي يتكون من قطعة قماش مستطيلة يبلغ طولها من أربعة إلى سبعة أمتار، ويُلف حول الجسد والرأس ليغطي المرأة عند خروجها إلى الفضاء العام، لم يكن مجرد لباس تقليدي عابر. ترجع جذور الثوب إلى أواخر القرن الثامن عشر حين كان تجار دارفور الأثرياء يكسون زوجاتهم وبناتهم بأقمشة فاخرة مستوردة من الحرير والموسلين كدليل قاطع على الثروة والمكانة الاجتماعية. ومع التطورات الاقتصادية والتجارية، وتوسع الأسواق لتشمل واردات من مصر والهند وإنجلترا واليابان، أصبح الثوب لباساً يومياً لجميع الطبقات؛ حيث لجأت النساء الأقل حظاً إلى صنف يُصنع من القطن المحلي الخشن يُعرف بـ “الدمورية”. هذا الثوب المنسوج من خيوط التجارة العابرة للحدود، ارتبط ارتباطاً وثيقاً بمسؤوليات النوع الاجتماعي؛ فالفتاة تتلقى ثوبها الأول عند البلوغ، والزوجة كهدية زفاف، وتُكافأ به الأمهات عند ولادة كل طفل دلالةً على الخصوبة وإعادة الإنتاج.

لكن براون تأخذنا في دراستها الأكاديمية الصارمة إلى بُعد أعمق من مجرد استعراض لتاريخ المنسوجات؛ فهي توضح كيف أصبح الثوب في النصف الأول من القرن العشرين شاشة عرض للوعي السياسي والديناميكيات العالمية. فعلى عكس أجزاء أخرى من الإمبراطورية البريطانية حيث تم احتقار الأزياء “الأصلية” ووصمها بالتخلف، رأى الإداريون البريطانيون في الثوب السوداني لباساً محتشماً ووقوراً يخدم سياساتهم المحافظة. ونتيجة لذلك، أُدمج هذا الرداء بذكاء في مشاريع التحديث، مثل برامج تعليم الفتيات والتدريب الطبي، ليصبح الزي الرسمي للمعلمات والقابلات، مما سمح للمرأة المهنية الجديدة بصياغة صورة متوازنة تجمع بين التقدم المهني والالتزام العميق بالتقاليد.

الأكثر إثارة للدهشة، والذي يُعد اكتشافاً بحثياً مذهلاً يضفي على الكتاب قيمته الكبيرة، هو أن كل طراز ولون جديد من الثياب كان يحمل اسماً فريداً ومبتكراً. اختار التجار والزبونات أسماء تسلط الضوء على الأحداث السياسية الكبرى، والشخصيات المؤثرة، والزيجات الشهيرة، والإنجازات الوطنية. عنوان الكتاب نفسه، “الخرطوم ليلاً”، مُستلهم من اسم أحد أشهر تصميمات الثياب في خمسينيات القرن العشرين، والذي استخدم ليعبر عن أجواء الزخم والانفتاح والمخاطرة التي رافقت تحول العاصمة تدريجياً من مجرد أنقاض ترابية إلى مركز حضري كوزموبوليتاني يعج بدور السينما والمقاهي والجامعات والحركات السياسية النابضة بالحياة. وفي مجتمع كانت تسوده معدلات أمية عالية، شكلت أسماء الثياب الرنانة “سجلاً استثنائياً وغير معترف به إلى حد كبير” لحياة النساء السودانيات، وأرشيفاً حياً يعكس تطلعاتهن وتجاربهن اليومية وقدرتهن على قراءة المشهد السياسي الإقليمي والدولي.

تواجه محاولة استكشاف أجساد النساء وإيماءاتهن في الأرشيفات التقليدية تحديات منهجية هائلة ومربكة للمؤرخين. فدور الجسد في بناء الهوية الفردية والمجتمعية أكبر من أن يسهل حصره في وثائق إدارية، وما يتوفر من أدلة غالباً ما يُهمّش بوصفه تفاصيل روائية عابرة تقع خارج نطاق التاريخ الحقيقي. ومن هنا، تستشهد براون برؤى الباحثة أنطوانيت بيرتون التي تحذر من التوجه الأكاديمي الشائع المتمثل في “عزل ذكريات النساء” في خانة التذكارات، وتدعو بدلاً من ذلك إلى اعتبار المساحات الحميمة والممارسات الجسدية أرشيفاً موازياً تستخدمه النساء لتسجيل تناقضات الحياة اليومية وتأسيس تاريخهن الخاص. بناءً على هذا التأسيس النظري الصلب، تتنقل براون ببراعة لغوية ومنهجية بين النصوص الإدارية الصارمة والمنسوجات الحريرية والقطنية، لتستخرج الوعي السياسي للمرأة السودانية؛ ذلك الوعي الذي أكدت الناشطة السودانية البارزة نفيسة أحمد الأمين (في لقاء مع الكاتبة) أنه “كان أعلى بكثير من تعليمهن”. لم تُكتب مفاهيم هؤلاء النساء عن قسوة الاستعمار وتغيرات المجتمع بحروف مصفوفة، بل تجسدت بوضوح في الطريقة التي تحركن بها في شوارع الخرطوم المتربة، وفي خياراتهن الفردية للملابس، وفي استجابتهن للتغيرات المفروضة عليهن.

غوردون والمهدية: إرث الصراع وتشكيل الهوية البصرية

قبل أن تشرع ماري جريس براون في تفكيك سياسات التعليم والطب الحديث في القرن العشرين، تعود بنا في الفصل الأول، الذي يحمل عنوان “قلم مكتب البريد”، إلى الجذور التاريخية والسياسية التي مهدت لهذا الصدام الثقافي، متتبعةً خيوط الصراع بدءاً من الثورة المهدية. ففي أواخر القرن التاسع عشر، تمكن محمد أحمد المهدي من توحيد فئات سودانية متنوعة تحت راية التجديد الديني، ونجح في الإطاحة بالحكم العثماني-المصري، وهو الانتصار الذي توج بمقتل الجنرال البريطاني تشارلز غوردون وسقوط الخرطوم في عام 1885.

أحدثت الدولة المهدية، بقيادة خليفة المهدي عبد الله التعايشي، زلزالاً ديموغرافياً واجتماعياً؛ إذ نقلت العاصمة إلى أم درمان التي تضخم عدد سكانها بشكل هائل، حيث شكلت النساء ثلاثة أرباع هذا التعداد السكاني الجديد. ولمواجهة تحديات إدارة هذا التجمع الحضري الهائل، فرضت المهدية قوانين صارمة استهدفت المظهر والسلوك العام؛ فمُنع الرجال من التشبه بـ “الأتراك الكفار”، واستعاضوا عن ذلك بارتداء “الجبة” المرقعة التي ترمز إلى التواضع والزهد. أما بالنسبة للمرأة، فقد صدرت أوامر مشددة بضرورة تغطية الرأس والجسد، وفُرضت عقوبات قاسية على المخالفين. والمفارقة هنا، كما تلتقطها براون بذكاء، هي أن “الثوب” السوداني، رغم كونه في الأصل منتجاً مستورداً، نجا من حظر المهدي للسلع الأجنبية؛ فقد اكتسب عبر عقود من الاستخدام طابعاً من الأصالة المحلية، والأهم من ذلك، أنه لبّى تماماً حاجة الدولة لفرض لباس محتشم وصارم.

صدمة المستعمر: الأجساد “القذرة” وأسوار “الحريم” المنيعة

لم يدم حكم المهدية طويلاً؛ ففي عام 1898، قاد اللورد هربرت كتشنر قوات إنجليزية-مصرية مسلحة بآلة حربية حديثة وسحق قوات الأنصار في معركة أم درمان، ليؤسس بعدها نظام “الحكم الثنائي” (الكوندومينيوم) في عام 1899. ولإدارة هذه المستعمرة الشاسعة، اختارت بريطانيا نخبة من الإداريين الشبان، معظمهن من خريجي جامعتي أكسفورد وكامبريدج، ممن عُرفوا بتفوقهم الرياضي والأكاديمي، ليصبحوا عصب “الخدمة السياسية في السودان” (SPS).

لكن اللقاء الأول بين هؤلاء الإداريين النخبويين والجسد السوداني كان محكوماً بسوء الفهم والتحيزات الاستعمارية العميقة. فقد دوّن الإنجليز الأوائل ملاحظات متعالية تصف شوارع أم درمان بالقذارة، وتصم أجساد النساء بالقبح والتخلف. هنا، تفكك براون هذه النظرة الاستعمارية (المركزية-الأوروبية)، مشيرة إلى أن “القذارة” في الخطاب الإمبراطوري لم تكن مجرد وصف مادي، بل كانت استعارة مجازية تمثل الاختلاف والدونية.

الأهم من ذلك، توضح براون أن هؤلاء الإداريين كانوا مصابين بالعمى الطبقي؛ فما كانوا يرونه في الأسواق والطرقات لم يكن سوى جزء محدد من النساء، وهن النساء الكادحات من الطبقات العاملة أو المستعبدات اللاتي كن يرتدين ثياباً زرقاء أو سوداء من القطن الخشن (الدمورية) تترك أجزاءً من أجسادهن مكشوفة لتسهيل الحركة والعمل. أما نساء الطبقتين الوسطى والعليا، اللاتي كن يتسربلن بثياب بيضاء ناصعة متعددة الطيات تعكس مكانتهن، فقد كُنّ محتجبات تماماً خلف أسوار “الحريم” العالية. هذا الاختفاء بالذات، بالإضافة إلى صدمة الإنجليز من ممارسة الطهارة الفرعونية (الختان التخييطي)، ولّد لدى الإداريين البريطانيين شعوراً بالقلق والرهبة من أنهم لن يتمكنوا أبداً من “الوصول إلى قلب” المجتمع الذي يحكمونه، وأن هذه الندوب الحميمة تقف كجدار ثقافي وعر بين المستعمِر والمُستعمَر.

اختراق الحريم: تجربة رفاعة وصناعة “الزوجة المناسبة”

من رحم هذا التوجس المتبادل، بدأت محاولات بطيئة ومحسوبة لاختراق مساحات النساء عبر أداة استعمارية كلاسيكية: “التعليم”. في البداية، ترددت الإدارة البريطانية بشدة في دعم تعليم الفتيات، خوفاً من إثارة غضب الزعامات الدينية والقبلية المحافظة التي أُبرمت معها تفاهمات ضمنية بعدم التدخل في شؤون الأسرة والدين.

لكن المبادرة جاءت من الداخل عبر شخصية استثنائية؛ الشيخ بابكر بدري، الجندي السابق في جيش المهدي، الذي افتتح في عام 1907 أول مدرسة للفتيات في مدينة رفاعة بتمويله الخاص، وتضمنت الدفعة الأولى سبع عشرة فتاة، معظمهن من عائلته. أدرك بدري بوعي اجتماعي مبكر أن إنشاء طبقة جديدة من الرجال المتعلمين في المدارس الحكومية يتطلب وجود زوجات متعلمات، وإلا سيبحث هؤلاء الرجال عن أجنبيات، مما يهدد النسيج الاجتماعي.

في هذه المدارس المبكرة، وفي مراكز التطريز التي أدارتها نساء مصريات وسوريات، تشكلت هوية أنثوية مركبة تدمج بين مقررات الحداثة وموروثات الجسد. فبجانب دروس القراءة والكتابة والحساب، وُضعت برامج للتدبير المنزلي، بل وتلقت الفتيات دروساً في إتقان “رقصة الحمامة”، وهي رقصة تقليدية تؤديها العروس في حفل زفافها. أصبح الجسد المتعلم حديثاً، والقادر على أداء الرقصات التقليدية ببراعة في آن واحد، هو النموذج المجتمعي الأمثل الذي تُدفع مقابله المهور بالذهب.

في ظل هذه التحولات الدقيقة، التقطت النساء السودانيات نبض العصر. وفي عام 1915، ظهر في الأسواق ثوب جديد سُمي “قلم مكتب البريد” (The Post Office Pen). لم يكن هذا الاسم محض صدفة تسويقية؛ فبينما كانت المرأة محتجزة لا تزور مكتب البريد بنفسها، كان تبنيها لثوب يحمل هذا الاسم بمثابة إعلان جسدي عن ارتباطها بنظام إمبراطوري يربط الخرطوم بالعالم الخارجي، وتأكيداً على قدرتها على القراءة أو امتلاكها لصلات عائلية تمتد خارج حدود مدينتها. من خلال ثوب “قلم مكتب البريد”، حجزت المرأة السودانية لنفسها مقعداً في مشهد الحداثة الإمبراطورية الصاخب.

مدرسة القابلات: حين يصبح “الثوب الأبيض” رداءً للسلطة والطب

في عام 1921، شهدت مدينة أم درمان افتتاح مؤسسة لم يكن غرضها مجرد تقديم الرعاية الطبية، بل كانت تهدف إلى إعادة صياغة العلاقة بين الدولة الاستعمارية وأكثر المساحات خصوصية في حياة السودانيين: غرف الولادة. كانت “مدرسة تدريب القابلات” (MTS) بقيادة الشقيقتين مابل وجيرترود ولف -اللتين عُرفتا محلياً بلقب “الذئاب” (The Wolves)- تمثل رأس الرمح في مشروع بريطاني طموح للسيطرة على “البيولوجيا السودانية” تحت شعار خفض معدلات وفيات الأمهات والرضع.

تنتقل ماري جريس براون في هذا القسم من كتابها إلى تحليل أعمق لسياسات الجسد، موضحةً أن القابلات لم يكنّ مجرد ممرضات، بل كُنّ “وكيلات للحداثة” مرخصات من قِبل الإمبراطورية. ولإنجاح هذه المهمة الحساسة في مجتمع يفرض سياجاً منيعاً حول النساء، أدركت الأخوات ولف أن الأداة الأكثر فعالية ليست المشرط أو المطهرات الفيكتورية، بل هي “الثوب” السوداني نفسه. لقد فُرِض على القابلات ارتداء ثياب قطنية بيضاء ناصعة كزي رسمي، مما خلق صورة بصرية فورية تجمع بين النقاء الطبي والوقار التقليدي. هذا الثوب الأبيض لم يكن مجرد قطعة قماش، بل كان “درعاً معنوياً” يسمح للمرأة بالتنقل بحرية بين الأحياء، ويدفع الرجال في الشوارع إلى غض البصر احتراماً لهذه الهيبة المهنية الجديدة.

المعركة حول “الندوب الحميمية”: الصدام مع التقاليد

لكن خلف هذا البياض الناصع، كان يدور صراع شرس حول ما تسميه براون “التعديلات الجسدية”. دخلت الإدارة البريطانية في مواجهة مباشرة مع ممارسة “الختان الفرعوني” (الختان التخييطي)، التي اعتبرها المسؤولون الإنجليز ممارسة “بربرية” تعيق مشروعهم التحديثي. حاولت الأخوات ولف استبدالها بما أسمينه “الختان السني” (الأخف وطأة)، وهو ما خلق حالة من التوجس المجتمعي.

تجادل براون بأن بريطانيا لم تكن تهدف فقط إلى الإصلاح الصحي، بل كانت تسعى لفرض نوع من “الرقابة الإمبراطورية” على أجساد النساء. وفي المقابل، لم تكن استجابة النساء السودانيات سلبية دوماً؛ فقد استخدمت القابلات السودانيات مهاراتهن الطبية الجديدة لتعزيز مكانتهن الاجتماعية، وأصبحن وسيطات يمتلكن القدرة على التفاوض بين تعليمات “الذئاب” البريطانية ورغبات الأمهات والجدات داخل البيوت. لقد أصبح الجسد هنا مساحة لـ “السيادة المتنازع عليها”؛ حيث تحاول الدولة الاستعمارية تقنينه، وتصر التقاليد على وسمه بهويتها الخاصة.

القابلة كأيقونة وطنية عابرة للحدود

ما يلفت النظر في تحليل براون هو كيفية تحول “الداية” (القابلة) من امرأة منبوذة اجتماعياً في بعض الأحيان إلى شخصية محورية في الدولة السودانية الناشئة. فبحلول الثلاثينيات، أصبحت صور القابلات بزيّهن الأبيض وسلالهن الطبية المعدنية رمزاً للتقدم في التقارير السنوية للحكومة. ولم يقتصر دورهن على الطب؛ بل كُنّ أول من كسر العزلة المكانية، حيث سافرن في القوارب والقطارات وعلى ظهور الخيول إلى أقصى قرى السودان لنشر “بشارة الحداثة”.

هذا التحرك المادي في الفضاء العام، والمدعوم بسلطة الدولة، مهد الطريق لظهور “المرأة السودانية الجديدة”. إن قدرة القابلة على الحفاظ على “ثوبها” مرتباً ونظيفاً وسط غبار السفر وطقوس الولادة الدامية كانت بحد ذاتها رسالة سياسية: أن المرأة السودانية قادرة على استيعاب أدوات العصر دون أن تفقد “سودانويتها”.

الثوب الأبيض: من الزي الطبي إلى الرمز القومي

تختتم براون هذا الفصل بتوضيح كيف انتقل الثوب الأبيض من كونه زياً مفروضاً في مدرسة القابلات والتمريض ليصبح “الزي القومي” للمرأة المتعلمة في السودان. فبينما كان الرجال السودانيون يرتدون “البدلة” الإفرنجية في مكاتبهم ليظهروا بمظهر الموظف العصري، اختارت النساء المسار الأصعب والأكثر ذكاءً: الاحتفاظ بالثوب مع تغيير دلالاته. أصبح الثوب الأبيض مرادفاً للمعلمة، والممرضة، والناشطة السياسية لاحقاً. لقد كان “تكنولوجيا بصرية” سمحت للمرأة السودانية بالخروج من “الحريم” إلى “المجال العام” دون أن تثير صدمة ثقافية قد تؤدي إلى تراجع حقوقها.

بهذا المعنى، لم يكن الثوب مجرد موضة، بل كان استراتيجية نجاة وتمكين. وفي حين كان الاستعمار يظن أنه يستخدم الثوب لترويض النساء، كانت النساء السودانيات يستخدمن الثوب لاختراق بنية المجتمع الاستعماري والوطني على حد سواء، واضعات اللبنات الأولى لما سيصبح لاحقاً حركة نسوية سودانية فريدة في قوتها واستقلاليتها.

أزقة الخرطوم كمنصات للسياسة: حين ارتدت النساء أخبار العالم

مع دخول الأربعينيات والخمسينيات من القرن العشرين، لم تعد الخرطوم مجرد مقر إداري جامد للحكم الثنائي، بل تحولت إلى مدينة كوزموبوليتانية تضج بالحياة، والتناقضات، والتطلعات السياسية. في هذا المناخ المتفجر، تأخذنا ماري جريس براون إلى مشهد فريد من نوعه: شوارع العاصمة المثلثة التي تحولت إلى “رادارات” بصرية ترصد تحولات العالم. فبينما كان الرجال يجلسون في المقاهي يتناقشون حول تقرير المصير ومستقبل وادي النيل، كانت النساء السودانيات يمارسن نوعاً آخر من “الصحافة الجسدية” عبر ابتكار أسماء للثياب تعكس أدق تفاصيل المشهد العالمي والمحلي.

الحرب العالمية الثانية: الموضة في زمن الندرة

توضح براون كيف أثرت الحرب العالمية الثانية على “خزانة ملابس” المرأة السودانية. لم تكن الحرب مجرد أخبار بعيدة، بل كانت واقعاً ملموساً تجسد في انقطاع إمدادات الأقمشة الفاخرة من اليابان ومانشستر. في تلك الفترة، ظهر ثوب “الكرْب” الأسود ليعبر عن حالة من التقشف الوقور، لكنه سرعان ما تحول إلى مساحة للتعبير عن التضامن والوعي السياسي.

تستعرض الكاتبة ببراعة كيف أطلقت النساء أسماءً حربية على ثيابهن؛ فظهر ثوب “مونتغمري” (تيمناً بالجنرال البريطاني الشهير)، وثوب “الأسطول”، وحتى ثوب “ميثاق الأطلسي”. إن إطلاق هذه الأسماء لم يكن مجرد استهلاك لمصطلحات رنانة، بل كان إعلاناً صريحاً بأن المرأة السودانية، حتى وإن كانت تقبع خلف جدران المنازل، فهي مرتبطة عضوياً بمصير العالم، تتابع زحف الجيوش وتعي دلالات التحالفات الدولية.

الثوب كـ “راديو” ومنصة للوعي السيادي

من أكثر الفصول إثارة في الكتاب هو ذلك الذي يتناول “راديو أم درمان”؛ فمع تأسيس الإذاعة في عام 1940، أصبح الصوت العابر للحدود رفيقاً يومياً للنساء. وبدلاً من أن يظل الراديو مجرد جهاز تقني، سارعت النساء لتسمية طراز معين من الثياب باسم “راديو أم درمان”. تجادل براون بأن هذه التسمية كانت تمثل “تجسيداً مادياً للحداثة”؛ فالمرأة التي ترتدي هذا الثوب تقول للعالم إنها “موصولة” بمصادر المعرفة، وأنها لم تعد معزولة عن الحراك الفكري والسياسي الذي تبثه الموجات الإذاعية.

ومع تصاعد الحركة الوطنية والمطالبة بالاستقلال، أصبح الثوب “منشوراً سياسياً” متنقلاً. ظهرت ثياب تحمل أسماء الأحزاب الناشئة مثل “الأشقاء” و”الأمة”، وثياب تُخلد ذكرى مؤتمر الخريجين. وهنا تبرز عبقرية “سياسات الجسد” التي تحللها براون؛ ففي مجتمع كانت تضيق فيه المساحات المتاحة للمرأة للتظاهر أو الخطابة، كان اختيار لون الثوب أو اسمه بمثابة “تصويت سياسي” غير منطوق، يمرر الرسائل بذكاء تحت أنظار الرقابة الإمبراطورية التي لم تكن تفهم دلالات هذه “الشفرات الحريرية”.

الخرطوم ليلاً: ثقافة “المتعة” كفعل مقاوم

يأتي عنوان الكتاب “الخرطوم ليلاً” ليتوج هذه المرحلة من التحول. ففي الخمسينيات، بدأت العاصمة السودانية تعيش لياليها بين أضواء دور السينما (مثل سينما كلوزيوم) والحفلات الغنائية الصاخبة. في هذا السياق، ظهر ثوب “الخرطوم ليلاً” بألوانه الداكنة المتداخلة مع خيوط لامعة تشبه أضواء المدينة في العتمة.

تجادل براون بأن خروج النساء للمشاركة في هذه المساحات الترفيهية لم يكن مجرد بحث عن المتعة، بل كان “استيلاءً على المجال العام”. فالحركة الجسدية للمرأة المتوشحة بثوبها في السينما أو المتنزهات كانت تمثل تحدياً صارماً للتقاليد التي كانت تحصر المرأة في “الخرطوم نهاراً” (أي في ساعات العمل المنزلي فقط). لقد أعادت النساء تعريف المدينة بوصفها مكاناً للاستمتاع والظهور، وليس فقط مكاناً للتبعية.

المرأة الحضرية: صياغة الذات الجديدة

تختتم براون هذا القسم بتحليل صورة “السودانية الحضرية” التي تشكلت ملامحها في هذه العقود. هذه المرأة لم تعد “التابعة” للمستعمر أو “الحبيسة” للتقاليد، بل أصبحت شخصية مستقلة تدير اقتصادها المنزلي، وتختار ثيابها بناءً على وعي جمالي وسياسي معقد. إن “أناقة” المرأة السودانية في الخمسينيات، كما يصفها الكتاب، كانت أداة للمطالبة بـ “المواطنة”؛ فالمظهر المرتب والحديث كان وسيلة لإثبات أن السودانيين -نساءً ورجالاً- مستعدون وقادرون على حكم أنفسهم بأنفسهم.

من “الأناقة” إلى “النضال المؤسسي”: ولادة الحركة النسائية السودانية وخاتمة المسيرة

لم تكن تلك الرحلة الطويلة التي خاضتها المرأة السودانية في شوارع الخرطوم، متسلحة بثيابها وأسمائها المبتكرة، مجرد تراكم عفوي للموضة، بل كانت “تمهيداً أرضياً” صلباً لظهور واحدة من أقوى الحركات النسائية المنظمة في أفريقيا والعالم العربي. في الفصول الختامية من كتاب “الخرطوم ليلاً”، ترصد ماري جريس براون التحول الدراماتيكي من “السياسة الجسدية الفردية” إلى “العمل السياسي الجماعي”، وهو التحول الذي أثمر عن تأسيس الاتحاد النسائي السوداني في عام 1952.

خالدة زاهر وفاطمة طالب: الأجساد التي قادت التغيير

تستعرض براون مسيرة رائدات مثل خالدة زاهر، أول طبيبة سودانية، وفاطمة طالب، اللاتي لم يكنّ يكتفين بنيل التعليم العالي، بل عملن على تحويل “الوعي الجسدي” إلى “حقوق مدنية”. تشير الكاتبة إلى مفارقة تاريخية مذهلة؛ فبينما كان الاستعمار البريطاني يراهن على أن التعليم سيخلق طبقة نسائية “مدجنة” تخدم المشروع الإمبراطوري، انقلب السحر على الساحر. فالمعلمات والقابلات، اللاتي كُنّ يرتدين الثوب الأبيض الوقور الذي صممه المستعمر، كُنّ هنّ أنفسهنّ من نظمن التظاهرات الأولى ضد الوجود البريطاني.

لقد أصبح “الثوب” في هذه المرحلة بمثابة “زي نضالي”. فعندما خرجت النساء في تظاهرات الخمسينيات للمطالبة بالاستقلال وحق التصويت، كان مشهد مئات النساء المتشحات بالبياض وهنّ يهتفن في شوارع العاصمة يمثل “كابوساً بصرياً” للإدارة البريطانية؛ إذ لم يعد بإمكانهم وصم هؤلاء النساء بـ “الجهل” أو “التخلف”، فقد كانت أجسادهنّ تعكس تماماً قيم الحداثة والتنظيم والتحضر التي زعم الاستعمار أنه جاء لغرسها.

الثوب كأرشيف وطني: إعادة تعريف “التاريخ” في تحليلها الختامي، تقدم ماري جريس براون مساهمة منهجية كبرى لمؤرخي ما بعد الاستعمار. فهي تجادل بأن “الموضة” في السودان لم تكن يوماً أمراً هامشياً أو تافهاً، بل كانت “نظاماً معرفياً” (Epistemology) متكاملاً. من خلال تتبع أسماء الثياب مثل “أسبوع المرأة” أو “تأميم القناة”، توضح براون كيف استطاعت النساء السودانيات “أرشفة” التاريخ القومي على أجسادهنّ.

إن الثوب السوداني، بحسب براون، هو “وثيقة تاريخية” لا تقل أهمية عن الأوراق الرسمية المحفوظة في دار الوثائق القومية بالخرطوم. فبينما سجلت الوثائق الرسمية قرارات الرجال والمعاهدات الدولية، سجلت أجساد النساء ردود الفعل المجتمعية، والأحلام الفردية، والتحولات الثقافية العميقة. هذا النوع من “التاريخ المتجسد” يكسر احتكار النخبة المتعلمة لكتابة التاريخ، ويجعل من كل امرأة سودانية “مؤرخة” بطريقتها الخاصة.

الخلاصة النقدية: لماذا “الخرطوم ليلاً” كتاب لا غنى عنه؟

يُعد كتاب “الخرطوم ليلاً” بمثابة ثورة هادئة في دراسات وادي النيل والشرق الأوسط. تكمن قوته في قدرة ماري جريس براون على الجمع بين “صرامة البحث الأكاديمي” و”سلاسة السرد الروائي”. لقد استطاعت الكاتبة أن تعيد للمرأة السودانية “فاعليتها” (Agency) التاريخية، مظهرةً إياها كطرف أصيل في صياغة الحداثة، وليس مجرد مفعول به في صراع القوى الكبرى.

من الناحية المنهجية، يفتح الكتاب آفاقاً جديدة للباحثين في العلوم السياسية والتاريخ الاجتماعي؛ فهو يعلمنا كيف نقرأ “الصمت”، وكيف نبحث عن السياسة في ثنايا القماش، وفي إيماءات الجسد، وفي الأماكن التي ظن المؤرخون التقليديون أنها خالية من الفعل السياسي. كما يتجاوز الكتاب الثنائيات التقليدية (شرق وغرب، تقليد وحداثة)، ليقدم صورة معقدة لـ “الحداثة السودانية” بوصفها نتاجاً لتفاعل خلاق ومقاوم في آن واحد.

 إرث البياض المستم

تنتهي ماري جريس براون بتأكيد أن قصة السودان الإمبراطوري لا تنتهي برحيل آخر جندي بريطاني في عام 1956، بل تظل حية في الطريقة التي لا تزال بها المرأة السودانية اليوم تعبر عن هويتها. إن “الثوب” الذي بدأ كرمز للمكانة الاجتماعية، ثم تحول إلى زي مهني للقابلات، ثم إلى منشور سياسي، لا يزال يمثل حتى اليوم رمزاً للصمود والسيادة.

“الخرطوم ليلاً” ليس مجرد كتاب عن الملابس؛ إنه كتاب عن “الكرامة الجسدية” وعن قدرة الروح البشرية على صياغة الحرية من أدوات القمع نفسها. إن جارة كليفتون التي بدأت بها براون كتابها، والتي نظرت إلى الكاميرا بثبات، قد وجدت أخيراً من يكتب تاريخها ليس كـ “جارة مجهولة”، بل كمهندسة حقيقية للمجال العام في السودان.

بهذا الكتاب، وضعت ماري جريس براون مرجعاً كلاسيكياً سيبقى طويلاً في مكتبات الباحثين، وسيبقى ملهماً لكل من يسعى لفهم كيف تصنع الشعوب تاريخها من خلال “أبسط” و”أعمق” تفاصيل حياتها اليومية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى