ثقافة وفنون

“رائحة الأرض”: حين يكتب “القانوني” سيرة الوطن بخيال الروائي

ليس من السهل على رجلٍ نذر حياته لـ “منصة القضاء” وصرامة النصوص القانونية، أن يشرع أبواب خياله ليقف في باحة الأدب، لكن الدكتور عمر علي عبد الرحمن فعلها بيقين المبدع. هذا النابغة السوداني الذي عُرف بتفوقه منذ الصغر، محققاً أعظم الدرجات العلمية وصولاً لدرجة الدكتوراه من بريطانيا، قرر أخيراً وبعد “تريثٍ ونقاشٍ طويل مع النفس” أن يمنحنا “رائحة الأرض”؛ العمل الذي يزاوج فيه بين وضع حدود القانون وفتح آفاق الخيال.

ميثاقٌ مع القارئ: الرواية هي الرواية

في مقدمةٍ تنمُّ عن رقيٍ وفكرٍ عالٍ، يضعنا المؤلف أمام ميثاقٍ أدبيٍ فريد؛ فهو لا يكتب تاريخاً جامداً، بل يكتب “رواية”. يهمس في أذن قارئه بوعيٍ قانوني يحترم حرية الرأي:

“عزيزي القارئ.. ما أودُّه منك أن تتذكَّر دائماً أنَّ ما بين دفتي هذا الكتاب ما هو إلَّا رِوِايَة.. فإذا اتفقتَ أو اختلفتَ مع أي شيء، فاتفاقُك أو اختلافُك يكونُ مع شخصيةٍ من شَخصياتِ الرِوَايَة أو مع الراوي، وليسَ معي شَخصِيَّاً.” بهذا التواضع المعرفي، يفتح الدكتور عمر جسور المودة مع قارئه، معتبراً أن “اختلاف الرأي لا يفسد للود قضية”.

خمسة أجيال.. وطنٌ يولد من رحم الوجع

عبر صفحات الرواية (إصدار دار المصورات)، نرتجل رحلة مهيبة تمتد عبر خمسة أجيال من شجرة عائلة واحدة. هي ليست مجرد قصة أسرية، بل هي ملحمة ترتبط بوجدان السودان وتاريخه الممتد لقرنين من الزمان. يأخذنا المؤلف من نهايات سلطنة سنار، مروراً بفترة المهدية والاستعمار، وصولاً إلى الاستقلال وفترة الإنقاذ، موثقاً ما أغفله المؤرخون وسكت عنه الرواة.

يربط الدكتور عمر ببراعة بين وجعنا الحالي وبين “تاريخ الخراب” المتكرر؛ من خراب سوبا وسنار، وصولاً إلى إخلاء الخرطوم وتحويلها لمدينة أشباح في فترات سابقة. إنها صرخة أدبية ضد “عدم التوثيق” الذي جعلنا نكرر خطايانا وندفع ثمنها اليوم دماً وحسرة.

الأسلوب الأدبي: جسرٌ بين العالمين

يتميز أسلوب الدكتور عمر بمزيج مدهش بين “دقة القانوني” و “سيولة الروائي”:

  • الدقة والتدفق: يمتلك قدرة فائقة على صياغة جمل متماسكة، خالية من الحشو، لكنها مشحونة بالعاطفة.

  • الواقعية التاريخية: لا يسرد الأحداث كوقائع صماء، بل يتبع أسلوب “أنسنة التاريخ”، فتشم في حروفه رائحة النيل وتسمع ضجيج المعارك القديمة.

  • التلوين الصوتي: برع في منح كل جيل لغته الخاصة، فالحوارات تعكس بذكاء الفوارق الزمنية والفكرية بين الأجيال الخمسة.

  • النفس التحليلي: خلف كل مشهد، هناك “عقل قانوني” يحلل الأسباب والنتائج، مما يجعل الرواية مصدراً للوعي السياسي بقدر ما هي مصدر للمتعة الأدبية.

كلمة أخيرة

لقد نجح الدكتور عمر علي عبد الرحمن في أن يفتح حدود “القانون” ليتدفق منها سيلٌ من الخيال المبدع، موثقاً لأجيالٍ قادمة سيرة الأرض والناس. “رائحة الأرض” ليست مجرد كتاب، بل هي رحلة للبحث عن الجذور في ترابٍ أدمنّا عشقه رغم جراحه.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى