الشريف محمد علي الحسني يكتب : حين تجلس النبوءة إلى طاولة القرار
الإنجيليون وصناعة السياسة الأمريكية في الشرق الأوسط

بقلم: الشريف محمد بن علي الحسني
مفكر مؤرخ رئيس الرابطة العلمية العالمية للأنساب الهاشمية.
المشهد الذي يظهر فيه رئيس الولايات المتحدة داخل المكتب البيضاوي محاطًا بقساوسة يضعون أيديهم عليه ويقرؤون الصلوات ليس مجرد لحظة روحانية عابرة كما قد يتخيله البعض، بل هو نافذة لفهم بنية عميقة في الثقافة السياسية الأمريكية، حيث يتقاطع اللاهوت مع القرار الاستراتيجي، وتلتقي النبوءة مع الجغرافيا السياسية. ففي الولايات المتحدة، وخصوصًا داخل التيار الإنجيلي المحافظ، لا يُنظر إلى الشرق الأوسط باعتباره مجرد ساحة مصالح نفطية أو تحالفات أمنية، بل يُنظر إليه بوصفه المسرح التاريخي الذي ستتحقق فيه – بحسب قراءاتهم – النبوءات التوراتية والإنجيلية المتعلقة بنهاية التاريخ.
هذا التيار الإنجيلي، الذي يضم عشرات الملايين من الأمريكيين ويملك تأثيرًا انتخابيًا هائلًا، يرى في قيام دولة إسرائيل وتمدّدها جزءًا من الخطة الإلهية لعودة المسيح في نهاية الزمان. ومن هنا نشأ ما يعرف في الأدبيات السياسية الغربية بـ “الصهيونية المسيحية”، وهي عقيدة سياسية دينية ترى أن دعم إسرائيل ليس مجرد خيار دبلوماسي بل واجب ديني. لذلك لا يتعامل كثير من الساسة الأمريكيين مع إسرائيل كحليف استراتيجي فحسب، بل ككيان يحمل معنى دينيًا في المخيال العقدي لقطاع واسع من الناخبين.
ومنذ سبعينيات القرن العشرين أخذ هذا التيار يزداد نفوذًا داخل الحزب الجمهوري، خصوصًا بعد صعود ما سُمّي آنذاك بـ “الأغلبية الأخلاقية” التي قادها قساوسة إنجيليون مثل جيري فالويل. ومع مرور الوقت أصبح الصوت الإنجيلي عنصرًا حاسمًا في الانتخابات الأمريكية، إلى درجة أن أي مرشح رئاسي يحتاج إلى كسب دعمه كي يضمن قاعدة انتخابية ضخمة ومنظمة.
لكن الأهم من ذلك هو أن هذه الرؤية اللاهوتية لم تبق في حدود الوعظ الديني، بل تسللت إلى صياغة السياسات الخارجية. فوفق القراءة الإنجيلية للنصوص المقدسة، يجب أن تبقى إسرائيل قوية ومهيمنة في المنطقة، وأن تُحاط بدعم أمريكي غير مشروط، لأن ذلك – في تصورهم – يمهّد للأحداث الكبرى التي ستسبق “العودة الثانية للمسيح”. ولهذا السبب نجد أن كثيرًا من القادة الإنجيليين يربطون صراحة بين السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط وبين تحقيق النبوءات الدينية.
في هذا السياق يمكن فهم مشاهد الصلاة الجماعية داخل البيت الأبيض قبل اتخاذ قرارات كبرى. فهذه الطقوس ليست مجرد مظهر إيماني شخصي، بل تعبير عن قناعة راسخة لدى بعض النخب السياسية بأن القرارات التي تُتخذ في واشنطن ليست فقط قرارات دولة عظمى، بل خطوات داخل سردية تاريخية كبرى يرون أنفسهم جزءًا منها.
وهنا يكمن الفرق الجوهري بين المقاربة الأمريكية وبعض المقاربات السياسية الأخرى في العالم. ففي حين تحاول معظم الدول تقديم قراراتها الخارجية بوصفها نتاجًا للحسابات الاستراتيجية والاقتصادية، نجد أن جزءًا من المؤسسة السياسية الأمريكية لا يخفي تأثره العميق بالتصورات الدينية التي تشكلت داخل المجتمع الإنجيلي. ولهذا تبدو بعض السياسات الأمريكية في الشرق الأوسط – في نظر كثير من المراقبين – وكأنها تتجاوز منطق البراغماتية البحتة.
غير أن فهم هذه الخلفية الفكرية يفسر كثيرًا من المواقف التي بدت لسنوات طويلة غير مفهومة في المنطقة. فالدعم الأمريكي غير المحدود لإسرائيل، واللغة الدينية التي تظهر أحيانًا في خطابات بعض الساسة، والاندفاع نحو إعادة رسم خرائط النفوذ في الشرق الأوسط، كلها عناصر يمكن قراءتها في ضوء هذا التداخل بين اللاهوت والسياسة.
إن إدراك هذا البعد العقدي لا يعني أن السياسة الأمريكية تحكمها النبوءات وحدها، فالمصالح الاقتصادية والعسكرية تظل حاضرة بقوة في صناعة القرار. لكن ما لا يمكن تجاهله هو أن العامل الديني – خصوصًا في البيئة السياسية الأمريكية – يظل عنصرًا مؤثرًا في تشكيل الرؤية الاستراتيجية تجاه المنطقة.
ولهذا فإن قراءة ما يجري في الشرق الأوسط لا تكتمل دون فهم هذا البعد الثقافي والفكري العميق داخل المجتمع الأمريكي. فحين تجتمع القوة العسكرية مع قناعة دينية بأن التاريخ يسير وفق خطة إلهية محددة، يصبح القرار السياسي أكثر تعقيدًا، لأن أصحابه يرونه جزءًا من مسار تاريخي أكبر من الحسابات التقليدية.
ومن هنا فإن المشهد الذي بدا لكثيرين مجرد لحظة دعاء داخل المكتب البيضاوي قد يكون في الحقيقة صورة مكثفة لعلاقة قديمة بين الدين والسلطة في الغرب الحديث؛ علاقة تذكرنا بأن السياسة الدولية، مهما بدت عقلانية، لا تنفصل تمامًا عن التصورات الدينية التي يحملها صناع القرار.
وهكذا، فإن فهم الشرق الأوسط في القرن الحادي والعشرين لا يقتصر على قراءة خرائط الطاقة أو موازين القوة العسكرية، بل يتطلب أيضًا قراءة النصوص التي يعيش داخلها الخيال السياسي لبعض القوى المؤثرة في العالم. ففي بعض الأحيان، لا تُصنع القرارات الكبرى في غرف العمليات العسكرية وحدها، بل أيضًا في العقول التي ترى التاريخ نفسه مسرحًا لتحقيق نبوءة