أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

بريق الدم: كيف تحول الذهب إلى وقود لحرب السودان وملعب للتدخلات الإقليمية؟

مراجعة تحليلية شاملة لورقة بحثية صادرة عن المعهد الملكي للشؤون الدولية (تشاتام هاوس)

في قلب القارة السمراء، حيث يتقاطع النيل مع الصحراء، لا تُراق الدماء في السودان اليوم من أجل الشعارات السياسية فحسب، بل تسيل بغزارة فوق عروق المعدن الأصفر النفيس. في هذه المراجعة الصحفية الشاملة والمفصلة، نغوص في أعماق الورقة البحثية الصادرة في مارس 2025 عن برنامج إفريقيا في المعهد الملكي للشؤون الدولية “تشاتام هاوس” (Chatham House). الورقة التي تحمل عنوان “الذهب والحرب في السودان: كيف يمكن للحلول الإقليمية أن تدعم إنهاء الصراع” ، من إعداد الباحثين البارزين أحمد سليمان وسليمان بلدو.

الذهب.. لعنة الموارد في مهد النيلين

يفتتح الباحثان دراستهما بتأكيد حقيقة قاطعة: الذهب ليس مجرد مورد اقتصادي في السودان، بل هو عدسة مكبرة يمكن من خلالها فهم خريطة الصراع المعقدة والمحركات الإقليمية لهذه الحرب المدمرة. لقد مثلت السيطرة على هذا المعدن، والمنافسة الشرسة عليه، عاملاً حاسماً في أكبر حدثين شهدهما تاريخ السودان الحديث: انقلاب أكتوبر 2021، والحرب الأهلية الطاحنة المستمرة منذ أبريل 2023.

يُعد الذهب المصدر الأهم والأكبر للدخل لكلا الطرفين المتحاربين: القوات المسلحة السودانية (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF). ومن خلال هذا المعدن، لا تقتصر الحرب على جنرالين يتصارعان في الخرطوم، بل تتسع لتشمل شبكة عابرة للحدود من الميليشيات المسلحة، المنتجين، التجار، المهربين، وحتى الحكومات الإقليمية والخارجية.

جذور المأساة: “التمكين” وعسكرة الاقتصاد السوداني

لفهم الانفجار الحالي، تعود بنا الدراسة إلى الجذور الهيكلية للأزمة. فقد سيطر الجيش على مقاليد الحكم في السودان طوال 56 عاماً من أصل 69 عاماً منذ الاستقلال. وقد استفادت كل من القوات المسلحة، ولاحقاً قوات الدعم السريع، من الخلط التاريخي المتعمد بين المصالح الأمنية والتجارية، مما أدى إلى ظهور مجمع عسكري-صناعي على مدى 30 عاماً يسيطر على معظم مفاصل الاقتصاد السوداني، بما في ذلك قطاع الذهب، ويحول الموارد بعيداً عن الميزانية الوطنية ومؤسسات الدولة.

في عهد نظام عمر البشير (1989-2019)، تواطأت النخب العسكرية والأمنية مع حزب المؤتمر الوطني الحاكم للاستيلاء على أصول الدولة. بُنيت القوة السياسية والاقتصادية على سياسة “التمكين”، حيث سيطر الموالون للنظام على الشركات في القطاعات الحيوية لإثراء أعضاء الحزب الحاكم والحفاظ على السلطة. ومُنح كبار ضباط الجيش السوداني والضباط المتقاعدون امتيازات اقتصادية في الشركات المملوكة للدولة للوصول إلى الأراضي ومجالس الإدارات.

صدمة انفصال الجنوب واللجوء إلى بريق الصحراء

تشير الدراسة إلى نقطة تحول مفصلية؛ فبعد انفصال جنوب السودان في عام 2011، فقدت الخرطوم ثلثي عائداتها النفطية. هذا الانهيار الاقتصادي دفع النظام للبحث عن طوق نجاة، ووجده في الطفرة الهائلة في تعدين الذهب، مدعوماً بارتفاع الأسعار العالمية للمعدن في العقد الأول من القرن الحادي والعشرين.

بحلول عام 2012، غيّر قطاع الذهب طبيعة الاقتصاد السياسي في السودان، ليحل محل النفط كمصدر رئيسي للعملات الأجنبية. ولكن، على عكس النفط الذي كانت الدولة تسيطر عليه من الإنتاج إلى التصدير، شكلت الطبيعة العشوائية (الحرفية) لقطاع الذهب تحدياً هائلاً؛ حيث استحوذ التعدين الحرفي الصغير على نسبة تصل إلى 80% من الإنتاج. ولفرض سيطرتها على مناطق إنتاج الذهب النائية، لجأت حكومة البشير إلى العنف والقمع، مستخدمة عدداً لا يحصى من الوكالات الأمنية والجماعات المسلحة التي انخرطت هي نفسها لاحقاً في تجارة الذهب.

لعبة التوازنات المميتة: صعود أباطرة الذهب

يكشف التقرير كيف أرسى البشير قواعد اللعبة التي أدت في النهاية إلى تدمير نظامه وتدمير البلاد. فقد منح النظام امتيازات تعدين الذهب لوكالات الأمن والدفاع، بما في ذلك الميليشيات شبه العسكرية والحركات المسلحة السابقة الموالية له. سمح النظام للقوات المسلحة، وجهاز المخابرات والأمن الوطني، وقوات الدعم السريع بالمشاركة في أنشطة تصدير الذهب غير الرسمية من خلال شركاتهم الخاصة؛ فالشركات المملوكة اسمياً للدولة تتبع للجيش، بينما الشركات المملوكة للقطاع الخاص تتبع لقادة قوات الدعم السريع.

كان نظام البشير يدير التنافس بين القوات المسلحة والدعم السريع بمهارة، حيث شارك الفرص المربحة بينهما لإبقاء كل طرف تحت السيطرة. على سبيل المثال، بينما نمت إمبراطورية عائلة “دقلو” (قادة الدعم السريع) عبر السيطرة على جبل عامر في دارفور من خلال شركة “الجنيد” ، كانت منظومة الصناعات الدفاعية التابعة للجيش تعقد صفقات غامضة ومربحة مع شركات أجنبية، أبرزها شركة “ميروي جولد” التابعة لشبكة “فاغنر” الروسية.

الشرارة التي أشعلت الخرطوم

مع سقوط البشير في 2019، حاولت الحكومة المدنية الانتقالية بقيادة رئيس الوزراء عبد الله حمدوك تفكيك نظام “التمكين”. طالبت الحكومة المدنية بإخضاع الشركات المملوكة للدولة -بما فيها التابعة للجيش وقطاع الذهب- للتدقيق المستقل وإشراف وزارة المالية. هذا التحرك هدد الإمبراطوريات الاقتصادية للقوات الأمنية ونخب النظام السابق، وكان دافعاً رئيسياً لانقلاب أكتوبر 2021.

بعد الانقلاب، تصاعدت المنافسة الاقتصادية بين الدعم السريع والجيش، خاصة في قطاع الذهب. أثار التوسع السريع لقوات الدعم السريع في هذا القطاع قلق قادة الجيش، الذين شعروا بالحاجة إلى تكثيف إنتاجهم، مما أدى بهم إلى السماح باستخدام مادة “السيانيد” السامة في مقرات عسكرية تابعة للجيش لاستخراج الذهب، رغم المخاطر البيئية الكارثية. هذا التنافس المحموم على الثروة والنفوذ عبّد الطريق حتمياً نحو المواجهة العسكرية الشاملة التي اندلعت في 15 أبريل 2023.

جغرافيا الدم والذهب: انقسام قسري على الأرض

أدت الحرب إلى صدمة فورية لقطاع الذهب، حيث تعطلت عمليات الاستخراج والتجارة في كل من مناطق سيطرة القوات المسلحة (SAF) وقوات الدعم السريع (RSF). وتعود هذه الصدمة إلى التدهور السريع في الظروف الأمنية، ومغادرة العمال الأجانب، وانقطاع واردات المعالجة الأساسية مثل الزئبق والسيانيد والوقود.

لكن سرعان ما أعاد أمراء الحرب ترتيب أوراقهم، لتكرس الحرب انقساماً فعلياً في مناطق تعدين الذهب في السودان. احتفظت القوات المسلحة السودانية (الجيش) بالسيطرة على المناجم في ولايات البحر الأحمر، والشمالية، ونهر النيل، وجنوب كردفان. في المقابل، أحكمت قوات الدعم السريع قبضتها على مناطق التعدين الشاسعة في دارفور وغرب كردفان. هذا التقسيم الجغرافي لم يكن مجرد خطوط تماس عسكرية، بل كان بمنزلة تقسيم لكعكة الذهب التي تمول آلة القتل اليومية.

مملكة الشمال: القوات المسلحة والشريان المصري

في المناطق التي تسيطر عليها القوات المسلحة، وتحديداً ولايات نهر النيل والشمالية والبحر الأحمر التي تُعد أكبر مناطق إنتاج الذهب في السودان، سعت سلطات الأمر الواقع في بورتسودان إلى تعظيم إنتاجها بأي ثمن لتمويل المجهود الحربي. وتُظهر البيانات الرسمية أن الإنتاج في مناطق سيطرة الجيش قفز مرة أخرى ليصل إلى 64.36 طناً في عام 2024، مع إعلان سلطات بورتسودان تصدير 27.96 طناً بقيمة تقارب 1.6 مليار دولار.

ولكن المثير للاهتمام والمفزع في آن واحد، والذي يكشفه تقرير تشاتام هاوس بجلاء، هو الوجهة الحقيقية لمعظم هذا الذهب. تشير التقديرات إلى أن نحو 60% من الذهب المنتج في الولايات الشمالية ونهر النيل والبحر الأحمر يتم تهريبه وتصديره بشكل غير رسمي إلى مصر. وتُقدر الأبحاث أن الكميات المهربة إلى مصر تصل إلى أكثر من 100 كيلوغرام يومياً، وهو ما يعادل أكثر من 60 طناً منذ بدء الحرب (خلال عامي 2023 و2024).

لماذا مصر؟

يجيب التقرير بأن القوات المسلحة السودانية سعت منذ بداية الحرب إلى تحويل الذهب عبر مصر لمنع وصوله مباشرة إلى الإمارات العربية المتحدة، التي يتهمها الجيش بدعم قوات الدعم السريع. بالإضافة إلى ذلك، لعبت السياسات الاقتصادية المصرية دوراً مغرياً؛ ففي مايو 2023، أصدرت الحكومة المصرية قراراً بإعفاء واردات الذهب من أي رسوم جمركية أو ضرائب، بغض النظر عن الكميات. هذا الفارق الضريبي، بالإضافة إلى الفروق في أسعار الذهب بين السوقين المصري والسوداني، جعل هوامش ربح المهربين تتراوح بين 60% إلى 80%.

هذه الديناميكية خلقت اقتصاد ظل متكامل. فالأموال التي يتلقاها التجار السودانيون من بيع الذهب في مصر تُستخدم لشراء سلع غذائية ووقود ومدخلات التعدين (كالسيانيد) وإعادة تصديرها للسودان، فضلاً عن إعالة الأسر النازحة. وقد أدى هذا إلى تقاطع مأساوي بين تهريب الذهب وتهريب البشر؛ حيث بات اللاجئون السودانيون، هرباً من جحيم الحرب وبسبب القيود الصارمة على التأشيرات، يدفعون للمهربين ما بين 2 إلى 15 غراماً من الذهب (أو 300-500 دولار) للشخص الواحد للعبور إلى مصر. وفي رحلة العودة، تُحمل شاحنات التهريب بالسيانيد والوقود لتغذية المناجم مجدداً.

إمبراطورية الصحراء: الدعم السريع وخط الإمداد الإماراتي

على الجانب الآخر من خريطة الدم، تعتمد قوات الدعم السريع على التعدين الحرفي بشكل شبه كامل في مناطق سيطرتها. فقد عززت هذه القوات وجودها كقوة حماية لأنشطتها الخاصة في تعدين وتجارة الذهب عبر شركة “الجنيد” (التي يترأسها عبد الرحيم دقلو)، وفرضت إتاوات الحماية على المعدنين الحرفيين المستقلين لضمان مرور تجارتهم عبر قنوات الدعم السريع.

تشير أرقام لجنة خبراء الأمم المتحدة (رغم وجود شكوك حول دقتها من قبل باحثي تشاتام هاوس) إلى أن الدعم السريع استخرج نحو 10 أطنان من الذهب بقيمة 860 مليار دولار في عام 2024 من مناطق سيطرته، خاصة في جبل عامر وسونقو. ومع تراجع إنتاج “جبل عامر” الشهير، تحولت مناجم “هشابة” في شمال دارفور ومناجم “سونقو” في جنوب دارفور لتصبح الشرايين الرئيسية لتمويل قوات الدعم السريع.

لضمان تحويل هذا الذهب إلى سلاح وعتاد، أقامت قوات الدعم السريع شبكة تهريب معقدة وعابرة للحدود. يتم تهريب الكثير من ذهب شمال دارفور إلى تشاد لإرساله لاحقاً إلى الإمارات العربية المتحدة. كما تم استخدام مطارات محلية، مثل مطار نيالا، وكذلك مهابط طائرات في “أم جرس” التشادية (حيث أقامت الإمارات مستشفى ميدانياً) لاستقبال الإمدادات العسكرية وإخراج الذهب. ولا تقتصر مسارات التهريب على تشاد، بل تمتد عبر جنوب السودان، وجمهورية أفريقيا الوسطى (بالشراكة مع فيلق أفريقيا الروسي “فاغنر سابقاً”)، وحتى عبر المثلث الحدودي مع ليبيا.

نظام بيئي للصراع: ديناميكيات الداخل والخارج

يُشخص تقرير تشاتام هاوس هذه الحالة المعقدة من خلال مفهوم “النظام البيئي للصراع الإقليمي”. ويقسم الباحثان هذه التدخلات إلى نوعين:

  1. ديناميكيات من الداخل إلى الخارج (Inside-out): حيث يدفع تداعي الاقتصاد الرسمي الفصائل السودانية إلى الاعتماد على تهريب الذهب للخارج، مما يورط دول الجوار (تشاد، ليبيا، جنوب السودان، ومصر) في اقتصاد الحرب السوداني، وينقل الصراع والخبرات الفنية والأزمات الإنسانية إلى أراضيها.

  2. ديناميكيات من الخارج إلى الداخل (Outside-in): وهي التدخلات المباشرة للقوى الخارجية (الإمارات، السعودية، مصر، وغيرها) التي تؤثر على الصراع من خلال دعم أحد الأطراف لتحقيق مصالحها الجيوسياسية والاقتصادية.

في هذا السياق، يرى التقرير أن الذهب أصبح “عنصراً رئيسياً في تشكيل وتوجيه أفعال اللاعبين الخارجيين في الخارجيين في الصراع السوداني”. فالدعم المصري القوي للجيش السوداني لا ينفصل عن المكاسب الاقتصادية الضخمة التي تجنيها القاهرة من تدفق الذهب السوداني، والذي ساعدها في دعم احتياطياتها وتخفيف أزمة العملات الأجنبية. في المقابل، تُعد الإمارات العربية المتحدة الوجهة المهيمنة للذهب الأفريقي والسوداني على حد سواء، حيث كشفت البيانات أن الإمارات استوردت في عام 2023 حوالي 17 طناً من الذهب من السودان بقيمة تجاوزت المليار دولار، وظلت السوق الأكبر للصادرات السودانية في عام 2024 (بنسبة 53% من إجمالي الصادرات، 91% منها ذهب).

هذا التداخل الخطر بين التجارة الدولية والإقليمية، وتمويل الميليشيات، وشراء الطائرات المسيرة والأسلحة، يجعل من إيقاف حرب السودان مهمة شبه مستحيلة دون معالجة “اقتصاد الذهب” الذي يغذيها.

صراع العمالقة: الإمارات والسعودية في ساحة البحر الأحمر

تذهب دراسة “تشاتام هاوس” إلى أن الحرب في السودان ليست مجرد نزاع محلي، بل هي انعكاس وتجسيد للمنافسة المتصاعدة على الهيمنة الإقليمية بين دولة الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية. وبينما تشترك الدولتان في الرغبة في تأمين استثماراتهما الزراعية الضخمة لضمان أمنهما الغذائي، إلا أن مساراتهما في السودان قد افترقت بشكل حاد.

1. الطموح الإماراتي والذهب الأفريقي: تبرز الإمارات كلاعب محوري ليس فقط كداعم لقوات الدعم السريع، بل كمركز عالمي للذهب لا يمكن الاستغناء عنه. وتكشف الدراسة رقماً مذهلاً: الذهب الأفريقي وحده شكل ما يقرب من 7% من الناتج المحلي الإجمالي للإمارات في عام 2022، حيث استوردت البلاد نحو 609 أطنان من الذهب من القارة السمراء في ذلك العام. إن رغبة الإمارات في ترسيخ مكانتها كقوة متوسطة ومركز مالي ولوجستي عالمي يربط آسيا بإفريقيا جعلت من السيطرة على تدفقات الذهب السوداني وتأمين موانئ البحر الأحمر ضرورة استراتيجية.

2. المقاربة السعودية و”رؤية 2030″: في المقابل، تتبنى السعودية، القوة التقليدية المهيمنة في المنطقة، نهجاً أكثر دبلوماسية وتقليدية. فبينما تدعم الرياض ضمنياً السلطات التابعة للجيش في بورتسودان، فإنها سعت لتموضع نفسها كوسيط رئيسي عبر “منبر جدة”. وترتبط الرؤية السعودية للسودان بمشروع “رؤية 2030″، الذي يتضمن تطوير البنية التحتية العابرة للحدود وتأمين البحر الأحمر كشريان تجاري حيوي بعيداً عن الاضطرابات العسكرية.

هذا التنافس الإماراتي-السعودي، بحسب التقرير، يجعل من الوصول إلى تسوية سياسية أمراً بالغ الصعوبة؛ إذ إن أي تقدم في مسار السلام يتطلب أولاً “أرضية مشتركة” وتفاهمات بين هاتين القوتين الإقليميتين حول مصالحهما المتعارضة في السودان.

الموقف الغربي: عقوبات خجولة ومعضلات جيوسياسية

تنتقد الورقة البحثية المقاربة الدولية -والغربية تحديداً- تجاه الأزمة السودانية. فرغم إدراك القوى الكبرى (الولايات المتحدة، المملكة المتحدة، والاتحاد الأوروبي) للدور التدميري لتجارة الذهب غير المشروعة، إلا أن تحركاتها ظلت محدودة بضغوط جيوسياسية أوسع.

– معضلة واشنطن: تجد الولايات المتحدة نفسها في موقف حرج؛ فهي بحاجة إلى شراكة قوية مع دول الخليج ومصر لحل قضايا إقليمية ملحة أخرى، مثل الحرب في غزة أو توسيع “اتفاقيات أبراهام”. هذا الاعتماد المتبادل يقلل من رغبة واشنطن في الضغط بقوة على حلفائها الإقليميين (خاصة الإمارات) بشأن دورهم في تمويل الحرب السودانية عبر الذهب.

قصور العقوبات الفردية: يؤكد الباحثان “سليمان وبلدو” أن استهداف شركات معينة أو أفراد من قادة الجيش أو الدعم السريع بالعقوبات لن يؤدي إلى إصلاح جوهري في سلسلة التوريد. فالذهب يتحرك عبر “نظام بيئي” متكامل وشبكات عابرة للحدود تتجاوز الأفراد، وأي عقوبة لا تستهدف النظام ككل وتفرض عواقب حقيقية على الدول التي تستفيد من “ذهب الصراع” ستظل حبراً على ورق.

خارطة الطريق: نحو حل إقليمي وتفكيك اقتصاد الحرب

تختتم دراسة “تشاتام هاوس” بتقديم توصيات استراتيجية موجهة لصناع القرار، ترتكز على ضرورة النظر إلى السودان كجزء من نظام إقليمي متداخل.

  1. الضغط على مراكز التداول: يجب على الشركاء الدوليين (المملكة المتحدة، أمريكا، والاتحاد الأوروبي) اتخاذ إجراءات أكثر صرامة لاستهداف تجارة الذهب السوداني غير المشروعة، عبر وضع “عواقب رادعة” للدول التي تستفيد من هذا المعدن، وفي مقدمتها الإمارات. كما يجب إلزام دبي بتطبيق معايير العناية الواجبة (Due Diligence) بشكل ملزم وليس اختيارياً.

  2. الوساطة الإقليمية المشتركة: تشجيع مصر والإمارات على إيجاد لغة مشتركة، حيث يمكن لمصر، نظراً لعلاقتها القوية بالجيش، أن تلعب دوراً في تلطيف العداء بين القوات المسلحة السودانية والإمارات، مما يمهد الطريق لوقف إطلاق نار مستدام.

  3. مؤتمر لندن 2025: يشير التقرير إلى أن المؤتمر رفيع المستوى الذي ستستضيفه المملكة المتحدة في 15 أبريل 2025 (في الذكرى الثانية للحرب) يمثل فرصة ذهبية لبناء ائتلاف دولي قوي يضغط باتجاه الحل.

  4. تأسيس قطاع ذهب مسؤول: على المدى الطويل، وبعد وقف العدائيات، يجب العمل مع السلطات السودانية على تطوير قطاع ذهب مستدام وشفاف، يضمن عودة العوائد للميزانية الوطنية ويحمي حياة المعدنين الحرفيين، ليكون الذهب محركاً للإعمار بدلاً من أن يكون وقوداً للدمار.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى