
ما وراء السابع من أكتوبر وسوء الفهم الغربي
في السابع من أكتوبر عام 2023، شنت حركة حماس هجوماً مباغتاً على إسرائيل، وهو الهجوم الذي لم يهز تل أبيب فحسب، بل أعاد صياغة المشهد الجيوسياسي في الشرق الأوسط بأكمله. وبينما وقفت العواصم الغربية مذهولة أمام حجم الهجوم وتداعياته، وتنامي شبح حرب إقليمية واسعة تشمل إسرائيل وحزب الله، ومن ثم إسرائيل وإيران، تجلى للعالم بوضوح صعود ما يُعرف بـ “محور المقاومة”. هذا المحور، الذي يمتد من لبنان وسوريا إلى الأراضي الفلسطينية والعراق واليمن، لم يكن وليد اللحظة، بل هو ثمرة استراتيجية دقيقة ومدروسة بعناية، صاغتها وطبقتها طهران على مدار عقود لمواجهة الولايات المتحدة وإسرائيل.
هنا يتدخل الباحث والمفكر البارز “فالي نصر” في كتابه المرجعي الأحدث “استراتيجية إيران الكبرى: تاريخ سياسي” (Iran’s Grand Strategy: A Political History)، ليقدم لنا تشريحاً معمارياً دقيقاً للعقل الاستراتيجي الإيراني. النقطة الجوهرية التي ينطلق منها نصر هي أن الغرب لا يزال أسير رؤية نمطية قديمة؛ فهو ينظر إلى إيران عبر عدسة ثورة 1979 الأيديولوجية، ويرى فيها مجرد “ثيوقراطية دينية” تسعى لتصدير ثورتها. لكن الحقيقة، كما يبرهن الكتاب هي أن الجمهورية الإسلامية قد تجاوزت بداياتها الثورية منذ زمن بعيد، لتتحول إلى “دولة قومية” كلاسيكية تعمل وفق حسابات براغماتية بحتة. الإسلام بالنسبة لصناع القرار في طهران اليوم هو لغة الخطاب السياسي وأداة للتعبئة، لكن الأهداف النهائية هي أهداف علمانية الطابع: الأمن القومي، البقاء، الاستقلال، وتأمين النفوذ الإقليمي لمنع أي نفوذ أمريكي من محاصرة إيران.
نول التاريخ: متلازمة “العزلة الاستراتيجية”
لفهم سلوك إيران المعاصر، يغوص بنا فالي نصر في عبق التاريخ، مستعيناً بمفهوم “العزلة الاستراتيجية” الذي صاغه المؤرخ الإيراني محمد علي إسلامي ندوشن. يرى ندوشن أن الشعور بـ “الفرادة” (التفرد الحضاري والديني واللغوي) هو حجر الزاوية في الوعي القومي الإيراني. لكن هذه الفرادة جعلت إيران تقف وحيدة: الدولة الشيعية والفارسية الوحيدة في محيط يهيمن عليه العرب والترك السُنة. هذه العزلة خلقت لدى الإيرانيين مزيجاً معقداً من الطموحات الإمبراطورية الكبرى والمخاوف العميقة من المحيط.
بدأت هذه العزلة كخيار استراتيجي في عهد الدولة الصفوية (1501-1722). فقد اختار الشاه إسماعيل الأول تشييع إيران ليس لورع ديني نقي، بل كقرار استراتيجي لتمييز دولته عن الإمبراطورية العثمانية التوسعية في الغرب. هذا القرار الجريء ربط الهوية الفارسية بالمذهب الشيعي للأبد، وخلق تحالفاً تاريخياً بين المؤسسة الملكية ورجال الدين الشيعة لحماية “الوطن” باعتباره داراً للإيمان الصحيح.
لكن مجد الصفويين انهار، ودخلت إيران حقبة الإمبريالية في القرن التاسع عشر وهي دولة ضعيفة ومفككة تحت حكم الأسرة القاجارية. واجهت إيران التوسع الروسي الشرس والجشع البريطاني. وما زالت معاهدتا “كلستان” و”تركمانجاي” (اللتان فقدت إيران بموجبهما حوالي 10% من أراضيها لصالح روسيا) تمثلان جرحاً غائراً ورمزاً للإذلال الوطني في الذاكرة الإيرانية حتى اليوم. نجت إيران من الاستعمار المباشر بفضل استراتيجية “التوازن السلبي” واللعب على التناقضات بين روسيا وبريطانيا، لكنها دفعت ثمن ذلك فوضى داخلية وتآكلاً في سيادة الدولة.
من الفوضى إلى الدولة القوية: صدمات الغزو والحرب الباردة
مع فجر القرن العشرين، أدرك الإيرانيون أن الدستور وحده (ثورة 1906) لا يكفي لحماية البلاد، بل هم بحاجة إلى “دولة قوية”. جاء رضا شاه بهلوي في عام 1921 بانقلاب عسكري ليؤسس دولة حديثة مركزية، وينهي الفوضى، ويبني جيشاً وطنياً. كانت استراتيجية رضا شاه هي “استراتيجية البقاء الوطني” والتحديث القسري لمواجهة النفوذ الأجنبي الخبيث.
ومع ذلك، فإن هذا الجيش الحديث لم يصمد سوى أيام معدودة عندما اجتاحت القوات البريطانية والسوفيتية إيران في أغسطس 1941 إبان الحرب العالمية الثانية لتأمين خطوط الإمداد، فتم عزل رضا شاه ونفيه، وجرى تنصيب ابنه الشاب محمد رضا بهلوي. كانت سنوات الاحتلال مهينة وكارثية للإيرانيين، حيث انتشر الفقر والمجاعة، وعادت الفوضى لتضرب أطناب البلاد.
الصدمة الاستراتيجية التالية التي شكلت وعي الشاه الشاب ونخبته السياسية والعسكرية حدثت عام 1946، عندما رفض جوزيف ستالين سحب القوات السوفيتية من شمال إيران، بل ودعم جمهوريات انفصالية شيوعية في أذربيجان وكردستان. بفضل الضغط الأمريكي (عبر مبدأ ترومان) والمناورات الدبلوماسية الإيرانية، انسحب السوفييت، لكن الدرس كان قاسياً وواضحاً: لن تنجو إيران من “الدب الروسي” إلا بالتحالف الوثيق مع الغرب، والولايات المتحدة تحديداً. أصبح هذا التحالف بمثابة عقيدة سياسية لمحمد رضا شاه، الذي صرّح لاحقاً أن هدفه الأسمى كان ألا تتحول بلاده إلى “إيرانستان” (أي جمهورية سوفيتية أخرى).
النفط والقومية: جرح انقلاب 1953 المفتوح
بينما كان الشاه يرى في الشيوعية التهديد الوجودي الأول، برز تيار قومي آخر بقيادة رئيس الوزراء محمد مصدق، يرى في الإمبريالية البريطانية وسيطرتها على النفط الإيراني الخطر الأكبر على السيادة الوطنية. أدى تأميم النفط الإيراني عام 1951 إلى أزمة طاحنة مع بريطانيا، سرعان ما تحولت إلى حصار اقتصادي خانق.
يطرح فالي نصر قراءة تحليلية بالغة الدقة لهذه الحقبة. فهو يرى أن الصدام بين مصدق والشاه لم يكن مجرد صراع بين “الديمقراطية والاستبداد”، بل كان صراعاً حول “تحديد التهديد الأكبر للأمن القومي”: هل هو الاستعمار البريطاني أم التمدد الشيوعي السوفيتي؟. فشل مصدق في صياغة استراتيجية كبرى تضمن تحقيق أهدافه دون تعريض البلاد للخراب الاقتصادي وخطر الانقلاب الشيوعي. أدى تعنته ورفضه للتسويات التي اقترحتها واشنطن إلى دفع إدارة أيزنهاور –المهووسة باحتواء الشيوعية– للانقلاب عليه بالتعاون مع المخابرات البريطانية والمعارضة الإيرانية الداخلية والجيش ورجال الدين في أغسطس 1953.
في الذاكرة الجمعية الإيرانية، تحول انقلاب 1953 إلى مأساة وطنية كبرى، وحدثٍ صادم قضى على الديمقراطية الإيرانية الوليدة وسحق الحقوق الوطنية تحت أحذية الإمبريالية الأمريكية والبريطانية. إذا كانت أحداث 1946 قد شكلت استراتيجية الشاه بالاعتماد على أمريكا، فإن انقلاب 1953 شكل الوعي الاستراتيجي لرجال الثورة الذين سيحكمون إيران لاحقاً. بالنسبة لهؤلاء، الاستراتيجية الكبرى يجب أن تُبنى على “حماية إيران من الغرب وتدخله”. واليوم، نجد أصداء صرخة مصدق ضد الاستعمار تتردد بوضوح في خطاب آية الله خامنئي ورؤيته لـ “المقاومة” وتحمل العقوبات الاقتصادية القصوى في سبيل البرنامج النووي، تماماً كما تحملت إيران حصار النفط في الخمسينيات.
طموحات الشاه وتأسيس النفوذ الإقليمي
بعد إسقاط مصدق، ركز الشاه على تعزيز سلطته الاستبدادية، ودفع عجلة التنمية الاقتصادية، وتوطيد تحالفه مع أمريكا. بحلول أواخر الستينيات، ومع النمو الاقتصادي الهائل الذي شهدته إيران، بدأ الشاه يخطط لتحويل إيران إلى القوة الإقليمية المهيمنة في الشرق الأوسط كجزء من رؤيته لـ “الحضارة العظيمة”.
استغل الشاه مبدأ “نيكسون”، الذي اعتمد على تسليح حلفاء أمريكا لحماية المصالح الغربية بدلاً من التدخل العسكري المباشر، لتنصيب إيران كـ “شرطي الخليج”. تدخل عسكرياً بنجاح لقمع التمرد الماركسي في عُمان عام 1973، وقام بتسليح الأكراد لإجبار صدام حسين على توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975، وطبع العلاقات مع مصر السادات، وبدأ برنامجاً نووياً طموحاً. لقد تذوق الشاه طعم القوة الإقليمية الفائقة، لكن عيبه القاتل تمثل في حكمه الاستبدادي الذي عزل شعبه عنه، مما مهد الطريق لعاصفة عام 1979.
استغل الشاه مبدأ “نيكسون”، الذي اعتمد على تسليح حلفاء أمريكا لحماية المصالح الغربية بدلاً من التدخل العسكري المباشر، لتنصيب إيران كـ “شرطي الخليج”. تدخل عسكرياً بنجاح لقمع التمرد الماركسي في عُمان عام 1973، وقام بتسليح الأكراد لإجبار صدام حسين على توقيع اتفاقية الجزائر عام 1975، وطبع العلاقات مع مصر السادات، وبدأ برنامجاً نووياً طموحاً. لقد تذوق الشاه طعم القوة الإقليمية الفائقة، لكن عيبه القاتل تمثل في حكمه الاستبدادي الذي عزل شعبه عنه، مما مهد الطريق لعاصفة عام 1979.
هذا الإرث التاريخي المثقل بالصدمات، والانكسارات، والتدخلات الأجنبية، وأحلام القوة الإقليمية التي أُجهضت مراراً، هو الطين الذي نُسجت منه لاحقاً استراتيجية الجمهورية الإسلامية. فالقادة الجدد الذين سيسقطون الشاه سيحملون معهم هذا العبء التاريخي، وسينظرون إلى العالم من خلال عدسة الخوف المستدام من الأجنبي، ممزوجاً بالرغبة العارمة في فرض الاستقلال وإثبات القوة.
ثورة 1979: الاستقلال قبل الديمقراطية ومخاض “الجمهورية”
كانت الثورة الإيرانية عام 1979 زلزالاً بكل المقاييس، زلزالاً أطاح بنظام ملكي عتيد وأسس نظاماً ثيوقراطياً غير مسبوق. لكن الباحث “فالي نصر” يلفت انتباهنا إلى تفصيل جوهري في كواليس تلك الثورة؛ ففي أكتوبر 1978، التقى زعيما المعارضة، العلماني كريم سنجابي ورجل الدين آية الله روح الله خميني، في باريس لصياغة إعلان أهداف الثورة. جاء سنجابي بمسودة تنص على مبدأين لحكومة المستقبل: أن تكون “ديمقراطية” و”إسلامية”. لكن الخميني أضاف بخط يده مبدأً ثالثاً يسبقهما: “الاستقلال” (استقلال).
هذا المبدأ لم يكن مجرد شعار، بل كان البوصلة التي وجهت الجمهورية الإسلامية الوليدة. لقد جمعت الثورة أطيافاً متناقضة من اليسار الماركسي والتيار الليبرالي والقوى الدينية، وكان القاسم المشترك الوحيد بينهم هو كراهية الشاه والاعتقاد الراسخ بأنه مجرد صنيعة للغرب، وتحديداً الولايات المتحدة، التي سلبته استقلاله منذ انقلاب 1953. بالنسبة لليسار، كانت “الحرية” تعني التخلص من الإمبريالية وتحقيق العدالة الاقتصادية، أما بالنسبة للخميني والتيار الديني، فقد كان الهدف هو “الاستقلال” الشامل سياسياً وثقافياً. كان الخميني يرى أن الإسلام وحده هو القادر على منح إيران القوة والأمن الحقيقيين، وأن الدولة الإسلامية ستكون الدرع الذي يحمي الإيرانيين من الاعتداءات الغربية المتكررة.
أزمة الرهائن: “الثورة الثانية” واختطاف الدولة
مع نجاح الثورة، برز صراع دموي وشرس على السلطة بين التيارات التي أسقطت الشاه. كانت الحكومة المؤقتة برئاسة مهدي بازركان تمثل الجناح الليبرالي الديمقراطي المعتدل، الذي كان يطمح لإعادة إيران إلى النظام الدولي وتطبيع العلاقات مع واشنطن، باعتبار أن الخطر الأكبر يأتي من الاتحاد السوفيتي. في الجهة المقابلة، كان اليسار المسلح يتسابق مع التيار الديني على إثبات من هو الأكثر راديكالية ومعاداة للإمبريالية الأمريكية.
هنا يقدم الكتاب تحليلاً عميقاً لما يُعرف بـ “أزمة الرهائن” (اقتحام السفارة الأمريكية في نوفمبر 1979). يجادل “فالي نصر” بأن هذه الأزمة لم تكن مجرد رد فعل غاضب على استقبال أمريكا للشاه المخلوع للعلاج، بل كانت خطوة استراتيجية محسوبة بدقة. فقد شعر الخميني ورجال الدين الراديكاليون بقلق بالغ إزاء اللقاء الذي جمع بازركان بمستشار الأمن القومي الأمريكي زبيغنيو بريجينسكي في الجزائر. كانوا يخشون من تكرار سيناريو 1953، وكانوا بحاجة ماسة لقطع أي طريق للتواصل مع أمريكا.
بتأييده الضمني لاحتجاز الدبلوماسيين الأمريكيين كرهائن، ضرب الخميني عدة عصافير بحجر واحد: لقد أسقط حكومة بازركان وأقصى الليبراليين إلى الأبد ، وسحب بساط “معاداة الإمبريالية” من تحت أقدام اليسار، وحشّد الجماهير وراء قيادته الدينية في حالة طوارئ وطنية. أطلق الخميني على هذا الحدث اسم “الثورة الثانية”، ومنذ تلك اللحظة، تحولت “معاداة أمريكا” (أمريكا ستيزي) من مجرد شعار أيديولوجي إلى ركيزة أساسية للأمن القومي الإيراني، ومبرر لتطهير خصوم التيار الديني في الداخل. لقد رسخت تلك الأيام الـ 444 قناعة لدى قادة طهران بأن أمريكا “نمر من ورق” يمكن إخضاعه وإذلاله إذا ما توفرت الإرادة، وهي قناعة ستطبع السياسة الخارجية الإيرانية لعقود تالية.
صدمة الغزو العراقي وبوتقة “الدفاع المقدس”
في خضم هذه الفوضى الداخلية والعزلة الدولية الخانقة التي تسببت بها أزمة الرهائن، استغل الرئيس العراقي صدام حسين الفرصة الذهبية وانقض بجيشه على إيران في سبتمبر 1980. كان صدام يخشى من تأثير الثورة الإيرانية على الأغلبية الشيعية في العراق، وكان يعتقد أن تفكك الجيش الإيراني جراء الإعدامات وحملات التطهير الثورية سيجعل من غزو المقاطعة الغنية بالنفط (خوزستان) نزهة عسكرية سريعة تطيح بنظام الخميني الهش.
لكن الغزو العراقي حقق عكس مبتغاه تماماً؛ فقد وحد الإيرانيين بجميع أطيافهم خلف القيادة الثورية للدفاع عن وطنهم. أطلق الخميني على هذه الحرب اسم “الدفاع المقدس” (دفاع مقدس)، حيث جرى دمج الروح الوطنية الإيرانية بحماس الاستشهاد الديني المستلهم من تضحيات الإمام الحسين في كربلاء. لم تكن هذه الحرب مجرد نزاع حدودي، بل تحولت إلى حرب استنزاف خندقية طاحنة استمرت ثماني سنوات، وشهدت أضخم معارك الدبابات منذ الحرب العالمية الثانية، واستخداماً مكثفاً للأسلحة الكيميائية من قبل العراق.
كانت الحرب، كما يصفها نصر، الحدث التأسيسي الحقيقي للجمهورية الإسلامية؛ فهي التي “صنعت الدولة” وصاغت عقيدتها العسكرية والأمنية. ففي مواجهة جيش عراقي مدجج بأحدث الأسلحة ويحظى بدعم مالي وتسليحي من الغرب والدول العربية، وجدت إيران نفسها وحيدة ومعزولة تماماً. هذا الواقع فرض عليها تبني استراتيجيات غير تقليدية. ولأن الجيش النظامي كان مكبلاً بنقص قطع الغيار والعقوبات، صعد نجم “حرس الثورة الإسلامية” (الحرس الثوري) وميليشيات “الباسيج” التطوعية.
صعود الحرس الثوري وتكتيك “الأمواج البشرية”
أثبت الحرس الثوري قدرته على تعبئة مئات الآلاف من المتطوعين المتحمسين أيديولوجياً. اعتمد الحرس استراتيجية “حرب الشعب” والاعتماد على تكتيك “الأمواج البشرية”، حيث كان المتطوعون، بمن فيهم فتية صغار وشيوخ، يندفعون عبر حقول الألغام لاختراق التحصينات العراقية معتمدين على “الإيمان” كبديل عن التفوق النيراني المفقود. ورغم التكلفة البشرية الباهظة، نجحت هذه التكتيكات في صد الهجوم العراقي وتحرير مدينة “خرمشهر” الاستراتيجية في مايو 1982.
كان تحرير خرمشهر نقطة تحول مفصلية. هنا، طرحت بغداد مبادرات لوقف إطلاق النار، وانقسمت القيادة الإيرانية: هل تكتفي إيران بطرد المعتدي وتأمين الحدود، أم تواصل الزحف لإسقاط صدام حسين؟. بناءً على نصيحة قادة الحرس الثوري الذين كانوا يخشون من أن أي سلام مع صدام سيكون مجرد هدنة مؤقتة لالتقاط الأنفاس ومعاودة الهجوم، حسم الخميني النقاش بقرار استراتيجي مصيري: الحرب ستستمر داخل الأراضي العراقية حتى يتم “معاقبة المعتدي” وإسقاط نظامه، باعتبار أن ذلك هو الضمانة الوحيدة لأمن إيران.
هذا القرار، الذي كلف إيران مئات الآلاف من القتلى والخراب الاقتصادي، رسخ فكرة خطيرة في العقيدة الأمنية الإيرانية: إن أمن إيران لا يتحقق بالدفاع عند الحدود، بل بتأمين “العمق الاستراتيجي” وإسقاط الأنظمة المعادية. لقد شكلت حرب الثماني سنوات هذه “الثقافة الاستراتيجية” للجمهورية الإسلامية، وهي ثقافة تقوم على الارتياب المطلق في النظام الدولي (الذي صمت عن استخدام صدام للأسلحة الكيميائية)، والاعتماد على النفس، وتقديس “المقاومة” كخيار وجودي، وتغليب دور الحرس الثوري والميليشيات العقائدية على الدبلوماسية والجيوش النظامية الكلاسيكية.
لقد خرجت إيران من الحرب منهكة اقتصادياً ومحطمة، لكن قيادتها خرجت بقناعة لا تتزحزح: لقد صمدنا وحدنا ضد العالم بفضل الأيديولوجيا وروح المقاومة. وهذا الاستنتاج هو الذي سيحكم تصرفات طهران الإقليمية لعقود قادمة.
مرحلة ما بعد الحرب: مخاض “الجمهورية الثانية” والبحث عن العقلانية
انتهت الحرب العراقية الإيرانية عام 1988 بجرعة “السم” التي تجرعها الخميني بقبول وقف إطلاق النار، تاركةً إيران في حالة إنهاك تام. ومع وفاة الخميني عام 1989، دخلت البلاد ما يسميه فالي نصر مرحلة “الجمهورية الثانية”. كان السؤال الوجودي المطروح: هل تستمر إيران كـ “ثورة” عابرة للحدود، أم تتحول إلى “دولة” طبيعية تركز على الإعمار؟
برز “علي أكبر هاشمي رفسنجاني” كمهندس لهذه المرحلة. كان رفسنجاني يؤمن بـ “الحكومة العقلانية” (حكومت عقلاني) التي تضع المصلحة الوطنية فوق الحماس الأيديولوجي. بالنسبة له، الأمن القومي لا يتحقق فقط بالبنادق، بل بالاقتصاد القوي والتحديث التقني. بدأ رفسنجاني سياسة “الاعتدال” والانفتاح الحذر على الغرب (باستثناء أمريكا في البداية)، محاولاً جذب الاستثمارات لإعادة بناء ما دمرته الحرب.
خامنئي والحرص الثوري: حراس “اليقظة الأيديولوجية” في المقابل، كان المرشد الجديد “علي خامنئي” يرى المشهد من زاوية مختلفة. فرغم تحالفه الأولي مع رفسنجاني، إلا أنه كان يخشى من أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي إلى “غزو ثقافي” يفكك ركائز النظام. بالنسبة لخامنئي، لم تُنقذ إيران في الحرب بفضل التكنوقراط، بل بفضل “الأيديولوجيا الإسلامية” وروح التضحية.
هنا بدأت ملامح “الدولة العميقة” في التبلور. وجد الحرس الثوري في رؤية خامنئي غطاءً سياسياً للحفاظ على نفوذه الذي اكتسبه في الجبهات. وبينما كان رفسنجاني يدفع باتجاه “الوضع الطبيعي”، كان الحرس الثوري والمؤسسات التابعة للمرشد يرسخون “عقيدة الأمن القومي المستدامة”، والتي ترى في أي تقارب مع الغرب فخاً يستهدف تغيير النظام. تحول هذا الصراع إلى “إيرانيين”: إيران التنمية والبحث عن الشرعية الدولية، وإيران المقاومة والتحصن خلف الأيديولوجيا.
تأسيس “العمق الاستراتيجي”: تجربة حزب الله في لبنان
خلال سنوات الحرب والإنهاك، لم تغفل طهران عن بناء أوراق ضغط إقليمية. كانت التجربة الأنجح والأهم هي تأسيس “حزب الله” في لبنان في أوائل الثمانينيات. يحلل نصر هذا التمدد ليس كمجرد تصدير للثورة، بل كضرورة استراتيجية. فمن خلال حزب الله، نقلت إيران خط دفاعها الأول من حدودها الجغرافية إلى حدود إسرائيل الشمالية.
أدركت طهران أن امتلاك “قوة بالوكالة” قادرة على إيلام الخصوم (إسرائيل وأمريكا) دون تورط مباشر للدولة الإيرانية هو سلاح ردع فائق الفعالية. في التسعينيات، وبينما كان رفسنجاني يحاول تطبيع العلاقات مع السعودية وأوروبا، كانت الأجهزة الأمنية الإيرانية وحزب الله ينفذون عمليات أكدت أن “عقلية الدفاع المقدس” لا تزال هي المحرك الفعلي للسياسة الخارجية، كما ظهر في تفجيرات الأرجنتين (1992 و1994) التي جاءت كرادع لضربات إسرائيلية ضد الحرس الثوري في لبنان.
حقبة خاتمي: “حوار الحضارات” في مواجهة الجدار الأمني
في عام 1997، فجر “محمد خاتمي” مفاجأة كبرى بفوزه بالرئاسة، حاملاً شعار “سيادة القانون” و”حوار الحضارات”. حاول خاتمي الذهاب أبعد مما ذهب إليه رفسنجاني، ساعياً لإنهاء عزلة إيران الدولية بشكل كامل، وتخفيف القبضة الأمنية في الداخل.
لكن نصر يوضح أن هذه الحقبة شهدت ذروة الصدام بين “الدبلوماسية” و”الميدان”. فكلما حقق خاتمي اختراقاً ديبلوماسياً، ردت الدولة العميقة (الحرس الثوري والاستخبارات) بعمليات أمنية أو قمعية لإحراجه وإفشال التقارب مع الغرب. كان الحرس الثوري يرى أن الانفتاح السياسي والاجتماعي الذي يقوده خاتمي يمثل تهديداً وجودياً “للقيم الثورية” وللدور المركزي للجيش العقائدي في حماية الدولة. ومع نهاية ولاية خاتمي، كان الحرس قد أحكم قبضته على مفاصل الاقتصاد والسياسة الخارجية، مستعداً للانتقال من دور “الحامي” إلى دور “اللاعب القائد”.
الخلاصة: انتصار “المقاومة” على “الإعمار”
بنهاية التسعينيات، حُسم الصراع الداخلي لصالح رؤية خامنئي والحرس الثوري. لقد أصبحت “الاستراتيجية الكبرى” تقوم على مبدأ: لا يمكن الوثوق بالغرب، والاستقرار الداخلي يأتي من القمع المنظم، والأمن القومي يتحقق بالردع عبر “محور المقاومة” والبرامج العسكرية المتقدمة، وليس عبر الاندماج في النظام العالمي.
اللحظة الأمريكية: من فك المفترس إلى “الهدية” الكبرى
جاءت أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 لتمثل واحدة من أعظم المفارقات في التاريخ الإيراني المعاصر. فجأة، وجدت طهران نفسها في قلب “اللحظة الأمريكية”؛ الولايات المتحدة غاضبة، جريحاً، ومصممة على تغيير وجه الشرق الأوسط. بالنسبة للرئيس الإصلاحي محمد خاتمي، كانت هذه فرصة ذهبية لكسر الجليد مع واشنطن، فقدمت إيران مساعدة استخباراتية ولوجستية حاسمة للقوات الأمريكية لإسقاط نظام طالبان في أفغانستان، عدو إيران اللدود.
لكن الرد الأمريكي جاء صاعقاً للعقل الاستراتيجي الإيراني. ففي خطاب “حالة الاتحاد” عام 2002، وضع الرئيس جورج بوش الابن إيران ضمن “محور الشر” إلى جانب العراق وكوريا الشمالية. يحلل فالي نصر هذا المنعطف باعتباره “الخطيئة الكبرى” في السياسة الأمريكية تجاه إيران؛ فقد أثبت هذا التصنيف للمتشددين في طهران أن التعاون مع أمريكا لا يجلب إلا التهديد بتغيير النظام، مما أدى إلى انهيار مشروع خاتمي الإصلاحي وصعود تيار “المقاومة الهجومية”.
غزو العراق: كيف حولت طهران التهديد إلى نفوذ؟
عندما غزت الولايات المتحدة العراق عام 2003، ساد الرعب في طهران من أن تكون هي “الهدف التالي”. لكن بمرور الوقت، تحول هذا التهديد الوجودي إلى أكبر فرصة جيوسياسية لإيران منذ قرون. فبضربة واحدة، أزالت أمريكا عدوي إيران اللدودين: طالبان شرقاً وصدام حسين غرباً.
يوضح نصر ببراعة كيف طبقت إيران استراتيجية “المستنقع”؛ فلكي تمنع أمريكا من غزوها، كان عليها أن تجعل بقاء القوات الأمريكية في العراق مكلفاً ونازفاً. وعبر “فيلق القدس” بقيادة قاسم سليماني، بدأت إيران في بناء شبكة معقدة من الميليشيات الشيعية العراقية التي مارست ضغطاً عسكرياً على القوات الأمريكية، وفي الوقت نفسه، دعمت حلفاءها السياسيين للسيطرة على الدولة العراقية الجديدة عبر صناديق الاقتراع. لقد نجحت إيران في جعل العراق “عمقاً استراتيجياً” لها، محولةً الجار العدو إلى شريك أمني واقتصادي، وواضعةً حداً نهائياً لخطر الغزو من الجبهة الغربية.
صعود أحمدي نجاد: الواجهة الشعبوية لسياسة “الدفاع الهجومي”
في عام 2005، وصل محمود أحمدي نجاد إلى الرئاسة، ليمثل صعود جيل جديد من السياسيين المرتبطين عضوياً بالحرس الثوري، والذين صقلتهم تجربة “الدفاع المقدس” في الثمانينيات. لم يكن نجاد مجرد رئيس، بل كان صوتاً صارخاً لاستراتيجية “الدفاع الهجومي”.
بينما كان خاتمي يتحدث عن “حوار الحضارات”، كان نجاد يتحدث عن “محو إسرائيل” والتشكيك في المحرقة، ويتحدى القوى الكبرى في الملف النووي. يرى فالي نصر أن خطاب نجاد الراديكالي لم يكن مجرد جنون أيديولوجي، بل كان أداة استراتيجية مدروسة لتحقيق أهداف محددة:
-
التعبئة الداخلية: حشد الطبقات الفقيرة والمتدينة خلف النظام عبر خطاب قومي وديني ملتهب.
-
كسب “الشارع العربي”: محاولة القفز فوق الانقسام السني-الشيعي عبر تبني القضية الفلسطينية بشكل راديكالي، مما يمنح إيران شرعية إقليمية تتجاوز هويتها الفارسية.
-
رفع سقف التفاوض: إشعار الغرب بأن كلفة أي مواجهة مع إيران ستكون باهظة وشاملة.
المقامرة النووية: السلاح كدرع سيادي
في هذه الحقبة، أصبح البرنامج النووي حجر الزاوية في الاستراتيجية الكبرى. يجادل نصر بأن إيران لم تكن تسعى بالضرورة لامتلاك “القنبلة” فوراً، بل كانت تسعى لامتلاك “التكنولوجيا والقدرة” (العتبة النووية). بالنسبة للقيادة الإيرانية، النووي ليس مجرد مسألة طاقة، بل هو “بوليصة تأمين” ضد تغيير النظام، ورمز للمكانة الدولية، وأداة إجبار لإرغام الغرب على الاعتراف بإيران كقوة إقليمية كبرى لا يمكن تجاوزها.
كلما زادت العقوبات الدولية، زادت إيران من عدد أجهزة الطرد المركزي ورفعت نسب التخصيب، في دورة من “التصعيد من أجل التفاوض”. كانت الاستراتيجية هي: “سنستمر في تطوير قدراتنا حتى تدركوا أن العقوبات لن توقفنا، وعندها فقط ستأتون إلى طاولة المفاوضات بشروطنا”.
قاسم سليماني وهندسة “محور المقاومة”
لا يمكن الحديث عن هذه المرحلة دون التوقف عند ظاهرة قاسم سليماني. يصفه الكتاب بأنه كان “المهندس الميداني” للاستراتيجية الإيرانية. استطاع سليماني تحويل “حزب الله” من ميليشيا لبنانية إلى قوة إقليمية ضاربة، ونسخ هذا النموذج في العراق واليمن وسوريا.
أصبحت الاستراتيجية الإيرانية تقوم على “تعدد الساحات”؛ فإذا تعرضت إيران لهجوم، يمكنها الرد من جنوب لبنان، أو عبر الصواريخ في العراق، أو عبر تهديد الملاحة في باب المندب. هذا النظام من “الردع بالوكالة” سمح لطهران بالبقاء في حالة هجوم دائم دون أن تطلق رصاصة واحدة من أراضيها، مما وفر لها حماية غير مسبوقة ضد أي هجوم مباشر من إسرائيل أو الولايات المتحدة.
الخلاصة: إيران كـ “قوة عظمى إقليمية”
مع نهاية عقد الألفية الأول، كانت إيران قد نجحت فيما فشل فيه الشاه؛ لقد أصبحت القوة الأكثر نفوذاً في الهلال الخصيب، واستطاعت الصمود أمام أقسى نظام عقوبات في التاريخ، وطورت برنامجاً نووياً متقدماً، وفرضت نفسها كلاعب لا يمكن استقراره في المنطقة بدونه. لقد انتقلت إيران من مجرد دولة تحاول البقاء، إلى دولة تطمح لهندسة النظام الإقليمي برمته.
زلزال “الربيع العربي”: من التهديد إلى هندسة “محور المقاومة”
لم يكن “الربيع العربي” بالنسبة لطهران مجرد سلسلة من الثورات، بل كان اختباراً وجودياً لاستراتيجية “الدفاع الأمامي”. فبينما رحبت إيران في البداية بالثورات التي أطاحت بخصومها (مثل مبارك في مصر)، إلا أنها رأت في الثورة السورية خطاً أحمر يهدد بقطع شريان نفوذها إلى البحر المتوسط.
يوضح فالي نصر أن تدخل إيران في سوريا لم يكن مجرد دعم لحليف، بل كان عملية لترسيخ ما بات يُعرف بـ “محور المقاومة” (Axis of Resistance). تحت إشراف “فيلق القدس”، تحول الدعم الإيراني إلى مظلة تجمع ميليشيات عابرة للحدود (من لبنان والعراق وأفغانستان وباكستان)، لتعمل كجيش إقليمي موحد. ورغم التكلفة الأخلاقية والسمعة التي تضررت في “الشارع العربي” بسبب دعم نظام الأسد، إلا أن العقل الاستراتيجي الإيراني رأى أن الحفاظ على “الجسر البري” من طهران إلى بيروت هو مصلحة عليا تبرر كل الأثمان.
الاتفاق النووي (2015): هدنة تكتيكية وسط بحر من الشكوك
في عام 2013، ومع وصول حسن روحاني إلى الرئاسة، حاولت إيران تجربة “الدبلوماسية” كأداة لتخفيف الخناق الاقتصادي. أدى ذلك إلى توقيع الاتفاق النووي (JCPOA) في 2015. يحلل نصر هذا الاتفاق ليس كتحول نحو الغرب، بل كـ “مقامرة” من قبل التيار البراغماتي لإثبات أن “التعامل” يمكن أن يخدم الأمن القومي.
لكن “الدولة العميقة” في طهران بقيت متوجسة؛ فقد كان الحرس الثوري يخشى أن يؤدي الانفتاح الاقتصادي إلى إضعاف “اليقظة الثورية”. ومع انسحاب دونالد ترامب من الاتفاق في 2018 وفرض سياسة “الضغوط القصوى”، انتصرت وجهة نظر المتشددين تماماً؛ فقد أثبتت التجربة لديهم أن أمريكا “ناقضة للعهود” ولا يمكن الوثوق بها أبداً، مما عزز من هيمنة “الميدان” (Meydan) على الدبلوماسية بشكل نهائي.
الاتجاه شرقاً: التحالف مع روسيا والصين كخيار استراتيجي
أدت سياسة “الضغوط القصوى” الأمريكية إلى دفع إيران نحو قرار استراتيجي مصيري: “الاستدارة شرقاً”. لم تعد طهران تبحث عن حلول لمشاكلها في واشنطن أو بروكسل، بل في موسكو وبكين. يرى نصر أن الحرب في سوريا كانت بوتقة صهرت التحالف العسكري مع روسيا، والذي تطور لاحقاً إلى شراكة استراتيجية ظهرت آثارها بوضوح في الحرب الأوكرانية.
هذا التحالف منح إيران:
غطاءً دولياً: في مجلس الأمن عبر الفيتو الروسي والصيني.
رئة اقتصادية: عبر اتفاقيات تجارية طويلة الأمد مع الصين للالتفاف على العقوبات.
شرعية إقليمية: عبر الانضمام لمنظمة شنغهاي للتعاون ومجموعة “بريكس”.
ما بعد السابع من أكتوبر: حلم “القمة” وتحديات “الداخل”
في مقدمة كتابه، يحلل نصر أحداث السابع من أكتوبر 2023 كلحظة “إعلان انتصار” لاستراتيجية إيران الكبرى. بالنسبة للمرشد علي خامنئي، فإن ما حدث لم يكن مجرد هجوم لحماس، بل هو دليل على أن إيران تقترب من “قمة الجبل”؛ حيث أصبحت القوة التي لا يمكن تجاوزها، والتي استطاعت إنهاء أسطورة “الردع الإسرائيلي” ووضع أمريكا في موقف دفاعي في المنطقة.
لكن هذا النجاح الإقليمي يقابله شرخ داخلي عميق. يشير نصر إلى أن احتجاجات “امرأة، حياة، حرية” في 2022 مثلت تحدياً غير مسبوق للأسس الأيديولوجية للنظام. ورغم أن السلطة تعاملت معها كـ “مؤامرة خارجية” بسبب نجاحاتها الخارجية، إلا أن الفجوة بين طموحات “الإمبراطورية الإقليمية” واحتياجات “المواطن الإيراني” المنهك اقتصادياً لا تزال تمثل التهديد الأكبر لاستقرار هذه الاستراتيجية على المدى الطويل.
خاتمة: إيران.. “قضية” أم “دولة”؟
يختم فالي نصر كتابه بتأمل في سؤال هنري كيسنجر الشهير: متى ستتوقف إيران عن كونها “قضية” وتصبح “دولة”؟ الجواب الذي يقدمه الكتاب هو أن إيران أصبحت بالفعل “دولة” تسعى لمصالحها الوطنية، لكنها ترى أن مصلحتها تكمن في أن تظل “قضية” تقاوم الهيمنة الغربية.
إن “الاستراتيجية الكبرى” لإيران ليست مجرد جنون أيديولوجي، بل هي نتاج قراءة عميقة للتاريخ الإيراني المثقل بالتدخلات الخارجية، وقناعة راسخة بأن “الاستقلال” لا يُوهب بل يُؤخذ بـ “المقاومة” وبناء شبكات النفوذ العابرة للحدود. وسواء اتفقنا مع هذه الاستراتيجية أو اختلفنا معها، فإن كتاب نصر يفرض علينا فهمها كما يراها أصحابها في طهران، إذا ما أراد العالم تجنب مواجهة شاملة لا أحد يعرف منتهاها.




