قراءة في عمق القارة
في اتجاه آخر الآن".. نافيد كيرماني يعيد اكتشاف شرق أفريقيا في زمن التحولات الكبرى

نادراً ما ينجو أدب الرحلات الغربي من فخ الاستشراق أو النظرة الفوقية حين يتوجه شطر القارة السمراء. فغالباً ما تتأرجح السرديات بين طرفي نقيض: إما رومانسية ساذجة تبحث عن “الطبيعة البكر” وحيوانات السفاري، أو نظرة تشاؤمية قاتمة لا ترى سوى الفقر والأوبئة والحروب. لكن الكاتب والمفكر الألماني البارز، نافيد كيرماني، في كتابه الأحدث “في اتجاه آخر الآن: رحلة عبر شرق أفريقيا” (In die andere Richtung jetzt. Eine Reise durch Ostafrika)، يكسر هذه القوالب الجاهزة ببراعة استثنائية. إنه يقدم لنا عملاً يرسم جدارية معقدة عن قارة تعيش في قلب التحولات الجيوسياسية والتاريخية، وليست على هامشها.
البداية من حافة النسيان: مدغشقر وجرح المناخ
يختار كيرماني نقطة انطلاق غير تقليدية. لا يبدأ من العواصم الصاخبة أو الموانئ التاريخية المألوفة، بل يستهل رحلته من جنوب مدغشقر، تلك الجزيرة الشاسعة التي تبدو وكأنها قارة قائمة بذاتها، والتي سقطت سهواً من خرائط الاهتمام الدولي. بأسلوب صحفي يمزج بين دقة المراقب وعاطفة الإنساني، يضعنا المؤلف مباشرة أمام واحدة من أقسى المآسي الصامتة في عصرنا الحديث: الجفاف والمجاعة التي لا تحظى بتغطية إعلامية تذكر.
في مدغشقر، لا يستخدم كيرماني لغة الأرقام الجافة التي تعتمدها تقارير المنظمات الدولية، بل يجسد الأزمة في وجوه البشر. ينقل لنا المشهد بتفاصيله المروعة؛ حيث تتشقق الأرض، وتضمر الأجساد، وتصبح ندرة المياه حقيقة يومية تبتلع أحلام أجيال بأكملها. وهنا يبرز البعد التحليلي العميق في نص كيرماني؛ فهو لا يكتفي بوصف المعاناة كحدث طبيعي، بل يربطها ربطاً محكماً بالتغير المناخي العالمي. إنها مأساة صُنعت في دول الشمال الصناعي، لكن فاتورتها تُدفع في أقصى جنوب الكرة الأرضية.
يتدفق السرد ليطرح تساؤلات قاسية حول “العدالة المناخية” وهشاشة النظام الدولي في الاستجابة لأزمات لا تقع ضمن دوائر الاهتمام الاستراتيجي المباشر للقوى العظمى. في مدغشقر، يوثق كيرماني كيف تتراجع المؤسسات الدولية وتترك فراغاً هائلاً، وهو فراغ لا يلبث أن يمتلئ بفاعلين جدد، أو يترك السكان المحليين لابتكار آليات بقاء بدائية تعكس صلابة مذهلة في مواجهة الفناء.
عين الصحفي ومبضع الباحث
ما يميز أسلوب كيرماني في هذا الجزء من الكتاب هو قدرته على المزج بين الوصف الأدبي المرهف للطبيعة الاستثنائية لمدغشقر – بأشجار الباوباب العملاقة وتنوعها البيولوجي الفريد – وبين النقد السياسي اللاذع. إنه يكتب بروح الصحفي الاستقصائي الذي يبحث ما وراء الخبر، وبعقل الباحث الذي يفهم أن ما يراه اليوم هو تراكم لعقود من الاستغلال الكولونيالي، وما تلاه من إهمال في حقبة ما بعد الاستعمار.
في هذه المحطة الأولى من الرحلة، يضع كيرماني حجر الأساس للمنظور الذي سيرافقنا طوال الكتاب: أفريقيا ليست مختبراً لسياسات التنمية الغربية الفاشلة، بل هي مسرح نشط تتشكل فيه ملامح المستقبل. من خلال التحدث مع القساوسة المحليين، وعمال الإغاثة المنهكين، والمواطنين العاديين، ينسج الكاتب شبكة من الأصوات المتعددة التي تكسر احتكار “صوت الراوي الغربي العليم”.
التحضير للقفزة نحو البر الرئيسي
مع اقتراب نهاية الجزء المخصص لمدغشقر، يبدأ كيرماني في توجيه بوصلة السرد نحو البر الأفريقي الرئيسي. يمهد ببراعة للانتقال نحو الساحل الشرقي لأفريقيا، حيث تتعقد المشهدية بدخول عوامل جديدة: التنافس الجيوسياسي المحموم، الاستثمارات الصينية الضخمة في البنية التحتية، التقاطعات الثقافية والدينية بين الإسلام والمسيحية، وصراع الموانئ والممرات البحرية الذي يعيد تعريف القيمة الاستراتيجية للقرن الأفريقي وما حوله.
إن سرد كيرماني هنا ليس مجرد توثيق لرحلة، بل هو تفكيك منهجي لجهلنا بالجنوب العالمي. إنه يدعونا، كما يوحي عنوان كتابه، للنظر “في اتجاه آخر الآن”، بعيداً عن المركزية الأوروبية، لفهم الديناميكيات التي ستلعب دوراً حاسماً في صياغة توازنات القوى في العقود القادمة.
صراع النفوذ على الساحل الشرقي وهندسة النظام الدولي الجديد
بمجرد أن يغادر نافيد كيرماني عزلة مدغشقر المنسية ويطأ بقدميه البر الرئيسي لشرق أفريقيا، يتغير إيقاع السرد في كتابه “في اتجاه آخر الآن” (In die andere Richtung jetzt). تتحول العدسة من الرصد الهادئ والمفجع للكوارث البيئية، إلى عدسة بانورامية ترصد حركة صاخبة ومحمومة تعيد تشكيل وجه القارة. هنا، على الساحل الممتد من تنزانيا وكينيا وصولاً إلى تخوم القرن الأفريقي، لا يرى كيرماني مجرد دول نامية تكافح من أجل البقاء، بل يرى رقعة شطرنج جيواستراتيجية تُحسم عليها مآلات التنافس بين القوى العظمى، وتُكتب فيها فصول جديدة من مستقبل النظام الدولي.
بصمة التنين: البنية التحتية كأداة للهيمنة الناعمة
يواصل كيرماني ببراعة وهو يصف المشهد البصري الجديد لشرق أفريقيا؛ مشهد لم يعد تهيمن عليه الكنائس الاستعمارية القديمة أو مباني الإدارة البريطانية المتهالكة، بل الجسور الخرسانية العملاقة، والسكك الحديدية المكهربة، والموانئ العميقة التي تبنيها وتمولها بكين. يضعنا الكتاب أمام مفارقة حادة: بينما يستمر الغرب في تقديم خطابات حول حقوق الإنسان والمشروطية السياسية لتقديم المساعدات، تتقدم الصين بخطى حثيثة لملء الفراغ الهيكلي، محولة شرق أفريقيا إلى عقدة محورية في مبادرة “الحزام والطريق”.
لا يقع كيرماني في فخ الإدانة السطحية أو المديح المجاني لهذا الوجود الصيني، بل يقدم تحليلاً واقعياً بنيوياً. إنه يرصد كيف يتلقى المواطن الأفريقي العادي هذه التحولات. بالنسبة للكثيرين، الطرق المعبدة والقطارات السريعة تعني وظائف، وتجارة، وتواصلاً لم يكن متاحاً من قبل. يُبرز النص كيف أن هذا التمدد الاقتصادي يمثل تحدياً صريحاً لنظرية الاستقرار المهيمن التي قادتها الولايات المتحدة والغرب لعقود. إن الصين، كما يعكسها واقع الحال في شرق أفريقيا، لا تفرض نموذجها السياسي بقوة السلاح، بل تعتمد مقاربة شبكية تقترب في جوهرها من المفهوم الفلسفي القديم “تيانشيا” (كل ما تحت السماء)؛ حيث يتم دمج الأطراف في المركز طوعياً عبر شبكات المصالح الاقتصادية والبنية التحتية المشتركة، وليس عبر الإخضاع الأيديولوجي.
القرن الأفريقي وحوض النيل: تقاطع الاستراتيجيات
يتجلى العمق التحليلي الذي ينسجه كيرماني حين يربط بين الجغرافيا والاقتصاد. فالسكك الحديدية التي تخترق كينيا وتنزانيا ليست مجرد خطوط نقل محلية، بل هي شرايين حيوية تهدف إلى ربط الموارد الداخلية للقارة الأفريقية (بما في ذلك المعادن الأرضية النادرة الحيوية لصناعة أشباه الموصلات والتكنولوجيا المتقدمة) بالموانئ المطلة على المحيط الهندي والبحر الأحمر.
هنا، يلامس الكتاب العصب الحساس للأمن الإقليمي. فالتنافس لا يقتصر على واشنطن وبكين فحسب، بل يمتد ليشمل قوى إقليمية ودولية تتصارع على تأمين موطئ قدم في القرن الأفريقي ومداخل البحر الأحمر. يلاحظ كيرماني بذكاء كيف أن تدفق رأس المال الأجنبي يترافق مع عسكرة متزايدة للممرات المائية، مما يجعل أمن حوض النيل والقرن الأفريقي جزءاً لا يتجزأ من أمن سلاسل التوريد العالمية. في إحدى تأملاته حول هذا التغير المتسارع، يشير المؤلف إلى تراجع النفوذ الأوروبي التقليدي، موضحاً أن أوروبا تبدو غالباً “كقوة أخلاقية متعبة في قارة تبحث عن حلول براغماتية سريعة” .
ما بعد الاستعمار: سردية جديدة للسيادة
من خلال لقاءاته المتعددة مع المثقفين، والعمال، والسياسيين المحليين، ينسج كيرماني صورة معقدة لـ “السيادة” في أفريقيا المعاصرة. الأفارقة اليوم ليسوا مجرد متلقين سلبيين أو ضحايا لـ “استعمار جديد” كما يحلو لبعض الأدبيات الغربية أن تصف الوجود الصيني، بل هم فاعلون يحاولون المناورة وتعظيم مكاسبهم في ظل نظام دولي متعدد الأقطاب.
يتميز سرد كيرماني هنا بالتدفق السلس بين المشاهدات اليومية البسيطة في الأسواق المكتظة، وبين التحليل الماكرو-سياسي. ينقلنا من ضجيج رافعات البناء في ميناء ممباسا، إلى النقاشات الحادة في مقاهي نيروبي ودار السلام حول فخ الديون والسيادة الوطنية. هذا المزج المتقن يجعل من الكتاب وثيقة صحفية شديدة الحيوية، تتجاوز التنظير الأكاديمي الجاف لترينا كيف تُعاش العلاقات الدولية على أرض الواقع، وكيف تترجم الاستراتيجيات الكبرى إلى تفاصيل يومية تغير حيوات الملايين.
موزاييك الأرواح.. التعددية الدينية والسيولة الثقافية في قلب أفريقيا
ينتقل بنا نافيد كيرماني في هذا المنعطف من كتابه إلى مستوى أكثر عمقاً وحميمية. إنه يغوص في “روح” شرق أفريقيا، مستكشفاً التداخل المذهل بين الأديان، والأعراق، والتقاليد التي لا تعترف بالحدود السياسية الهشة التي رسمها الاستعمار. هنا، يبرز كيرماني ليس فقط كصحفي محترف، بل كمفكر إسلامي وأديب يعرف كيف يقرأ الرموز الدينية والاجتماعية خارج الأطر التقليدية للصدام أو الانغلاق.
الإسلام السواحلي: نموذج للتعايش المنسي
يصل كيرماني لوصف تجواله في أزقة “زنجبار” التاريخية وبلدات الساحل الكيني. بالنسبة لمراقب قادم من بيئة أوروبية مشحونة بالنقاشات حول “صراع الحضارات”، يجد كيرماني في شرق أفريقيا نموذجاً مغايراً تماماً. يصف ما يسميه “الإسلام السواحلي”؛ ذلك المزيج الفريد الذي استوعب الثقافات العربية، والهندية، والأفريقية المحلية على مدار قرون.
لا يكتفي المؤلف بالوصف الجمالي للمساجد الخشبية أو طقوس الصوفية، بل يقدم تحليلاً نقدياً لكيفية صمود هذا النسيج المتسامح أمام موجات التشدد العابرة للحدود. يشير كيرماني ببراعة إلى أن “الدين في شرق أفريقيا ليس جداراً عازلاً، بل هو مساحة للقاء والتفاوض اليومي” (Kermani, 2024, p. 189). يوثق الكاتب لحظات لافتة حيث يشارك المسيحيون والمسلمون في الأعياد ذاتها، وحيث يمتزج الإيمان بالخالق بالارتباط العميق بالأرض والأسلاف، مما يخلق هوية مركبة يصعب اختزالها في شعارات سياسية ضيقة.
الانفجار الديموغرافي: شباب القارة وصراع الهويات
في هذا الجزء يتناول واحدة من أهم القضايا التي تشغل بال الباحثين في الشأن الأفريقي: “الكتلة الشبابية”. يصور كيرماني المدن الأفريقية الكبرى مثل نيروبي وأديس أبابا كمراكز طاقة متفجرة؛ حيث يتدفق الملايين من الشباب نحو المراكز الحضرية بحثاً عن فرص في ظل اقتصاد رقمي متنامٍ.
يلحظ كيرماني مفارقة مدهشة؛ فبينما يصارع هؤلاء الشباب من أجل لقمة العيش، فإنهم يمثلون القوة الدافعة للتغيير الثقافي. إنهم “جيل التكنولوجيا” الذي يستهلك الثقافة العالمية عبر هواتفهم الذكية، لكنه في الوقت ذاته متمسك بجذوره المحلية بطرق مبتكرة. يحلل كيرماني كيف يعيد هؤلاء الشباب صياغة مفاهيم “الوطنية” و”الانتماء”، بعيداً عن الولاءات القبلية التقليدية، وهو ما يراه المؤلف بارقة أمل لمستقبل الدولة الوطنية في أفريقيا، رغم التحديات الهيكلية الهائلة.
نحو حوض النيل: الجغرافيا كمصير مشترك
مع توجه رحلة كيرماني نحو الداخل، تبرز أهمية “حوض النيل” كشريان حياة وتوتر في آن واحد. يبدأ السرد في اكتساب مسحة أكثر جدية وجدلية. النيل بالنسبة لكيرماني ليس مجرد نهر، بل هو “نظام إيكولوجي واجتماعي متكامل” يربط مصائر عشرات الملايين من تنزانيا وصولاً إلى البحر المتوسط.
في هذا السياق، يتطرق الكتاب إلى التوترات المائية والسياسية، لكن من منظور إنساني. يتحدث مع المزارعين على ضفاف البحيرات العظمى، ومع الصيادين الذين يرون بيئتهم تتغير. ينجح كيرماني في تصوير النهر كخيط ناظم يربط بين التاريخ القديم والطموحات القومية الحديثة. إن انتقال السرد من الساحل إلى منابع النيل يمثل انتقالاً من “أفريقيا المنفتحة على المحيط” إلى “أفريقيا العميقة”، حيث الصراعات على الموارد تصبح أكثر حدة، وحيث التاريخ يلقي بظلال ثقيلة على الحاضر.
جبال النوبة: أيقونة الصمود والتنوع
تصل الرحلة في هذا الجزء إلى ذروة درامية حين يقترب كيرماني من جبال النوبة في السودان. يصف الكاتب هذه المنطقة بوصف مفعم بالاحترام، معتبراً إياها “قلب أفريقيا النابض بالتمرد والجمال”. في جبال النوبة، يجد كيرماني تجسيداً لكل ما بحث عنه في رحلته: تنوع ديني ولغوي مذهل، وصمود أسطوري في وجه محاولات التنميط القسري.
يصف كيرماني جبال النوبة بأنها “مختبر للتعايش”؛ حيث تجد في الأسرة الواحدة المسلم والمسيحي وصاحب المعتقدات المحلية، يعيشون جميعاً في انسجام مدهش رغم عقود من التهميش والحروب. يكتب كيرماني بحس إنساني رفيع عن كبرياء هؤلاء الناس، وعن تمسكهم بهويتهم الفريدة التي ترفض الانصياع للقوالب الأيديولوجية الجاهزة. هذا الجزء من الكتاب يعد من أقوى الفصول، لأنه يضع القارئ أمام حقيقة أن أفريقيا ليست مجرد ضحية، بل هي خزان للقيم الإنسانية والقدرة على التجدد.
تضاريس الصراع.. السودان والقرن الأفريقي في مهب الرياح الجيوسياسية
يصل نافيد كيرماني في هذا الجزء من رحلته إلى المنطقة الأكثر تعقيداً والتهاباً في شرق أفريقيا، حيث الجغرافيا ليست مجرد مسرح للأحداث، بل هي فاعل أساسي في صياغة الأزمات. في السودان وتخوم القرن الأفريقي، يخلع كيرماني عباءة السائح الثقافي ليرتدي سترة المراسل الحربي والمحلل الاستراتيجي بامتياز. بأسلوب صحفي يتدفق بقوة، يفكك الكتاب طلاسم الصراعات التي تبدو للناظر من بعيد كفوضى عبثية، ليرسم لها سياقاً تاريخياً يربط المحلي بالإقليمي والدولي.
السودان: انكسار الحلم وتشظي الدولة
ينتقل السرد إلى الخرطوم ومدن السودان الأخرى، واصفاً بلداً يمتلك كل مقومات النهوض ولكنه يرزح تحت وطأة صراع إرادات لا ينتهي. يحلل كيرماني ببراعة جذور الأزمة السودانية، متجاوزاً التفسيرات السطحية التي تختزل الصراع في “خلاف جنرالات”. إنه يغوص في بنية “الدولة العميقة” وتاريخ التهميش الذي عانت منه الأطراف لصالح المركز، موضحاً كيف تحول الجيش والميليشيات إلى كيانات اقتصادية موازية تبتلع مقدرات الدولة.
يرصد كيرماني في لقاءاته مع الناشطين الشباب والمثقفين السودانيين حيوية “الشارع” الذي أبهر العالم بسلميته، لكنه يواجه واقعاً إقليمياً ودولياً يفضل “الاستقرار الهش” على “الديمقراطية المتوثبة”. يكتب كيرماني بحس نقدي لاذع عن كيفية تحول السودان إلى ساحة لتصفية الحسابات بين المحاور الإقليمية، حيث تتدفق الأموال والسلاح لدعم أطراف بعينها، مما يحول الصراع الداخلي إلى “حرب بالوكالة” بامتياز، تضيع فيها تطلعات الشعب السوداني في الحرية والكرامة.
القرن الأفريقي: الجوع إلى السيادة وصراع الموانئ
يتسع أفق التحليل عند كيرماني ليشمل القرن الأفريقي، تلك المنطقة التي يصفها بأنها “الرئة التي يتنفس منها العالم” نظراً لإشرافها على مضيق باب المندب. يلاحظ الكاتب أن التنافس الدولي هنا قد اتخذ طابعاً “نيوكولونيالياً” (استعمارياً جديداً) ولكن بوجوه متعددة. فإلى جانب الصين والولايات المتحدة، تبرز قوى إقليمية صاعدة (تركيا، دول الخليج، وإيران) تتسابق لإنشاء القواعد العسكرية والاستحواذ على عقود إدارة الموانئ في الصومال، وجيبوتي، وإريتريا.
يقدم كيرماني رؤية ثاقبة حول كيفية استخدام هذه القوى لـ “الدبلوماسية الاقتصادية” و”المساعدات الإنسانية” كأدوات لتعزيز النفوذ السياسي. يحلل بذكاء كيف أصبحت إثيوبيا، كقوة إقليمية كبرى بلا سواحل، تسعى جاهدة لتأمين منفذ على البحر، مما يخلق ديناميكيات توتر مع جيرانها. هذا “الجوع إلى السيادة” والوصول إلى المياه الدافئة يعيد صياغة التحالفات في المنطقة بشكل مستمر، مما يجعل الاستقرار هناك حالة استثنائية والاضطراب هو القاعدة.
الأمن القومي والمياه: معضلة حوض النيل
لا يغيب عن عين كيرماني الثاقبة أن الصراع في هذه المنطقة مرتبط بوشائج وثيقة بالأمن المائي. يتطرق الكتاب إلى التوترات حول “سد النهضة” ليس كمجرد خلاف فني، بل كرمز للصراع على “الريادة الإقليمية” وإعادة تعريف توازنات القوى في حوض النيل. يربط كيرماني ببراعة بين طموحات إثيوبيا التنموية وبين المخاوف الوجودية لدول المصب، معتبراً أن غياب إطار تعاوني شامل يحترم الحقوق التاريخية والمتطلبات المستقبلية سيجعل من المياه “بارود الحروب القادمة” في المنطقة.
بأسلوبه السلس، يصور كيرماني كيف تتشابك قضية المياه مع قضايا الهوية والسيادة الوطنية، حيث يصبح الدفاع عن “الحق في الماء” جزءاً لا يتجزأ من الخطاب القومي لكل دولة. يرى الكاتب أن الحل لا يكمن في الوساطات الدولية العابرة، بل في ضرورة خلق “إدراك مشترك” للمصير الواحد لشعوب النيل، وهو ما يبدو بعيد المنال في ظل حالة الاستقطاب السياسي الحاد.
أفريقيا كمرآة للعالم
ينهي كيرماني هذا الجزء من تحليله بخلاصة قاسية ومهمة: ما يحدث في السودان والقرن الأفريقي ليس استثناءً أفريقياً، بل هو انعكاس لأزمة “النظام الدولي” ككل. إن عجز المجتمع الدولي عن فرض السلام أو حماية المدنيين في هذه المناطق هو دليل على تآكل القوانين والأعراف الدولية أمام منطق القوة والمصالح الضيقة.
إن شرق أفريقيا، في نظر كيرماني، هي المختبر الذي تظهر فيه ملامح “العالم المتعدد الأقطاب” بكل فوضاه وصراعاته على الموارد. إنها منطقة ترفض أن تكون مجرد تابع، وتحاول شق طريقها في غابة من الاستراتيجيات الكبرى، مما يجعل فهم ديناميكياتها ضرورة لا غنى عنها لأي باحث يرغب في استشراف مستقبل العلاقات الدولية في القرن الحادي والعشرين.
مآلات “الاتجاه الآخر”.. أفريقيا كبوصلة للنظام العالمي الجديد
في ختام رحلته الملحمية التي وثقها في كتابه “في اتجاه آخر الآن” (In die andere Richtung jetzt)، لا يكتفي نافيد كيرماني بتقديم انطباعات عابرة، بل يبلور رؤية فلسفية وسياسية متكاملة تضع القارة الأفريقية في قلب النقاش حول “نهاية التاريخ” بصيغته الغربية، وبداية تاريخ جديد تُكتب فصوله بمداد التعددية القطبية. يضعنا كيرماني أمام الحقيقة التي طالما حاول “الشمال العالمي” تجاهلها: أن مستقبل الاستقرار العالمي يُصنع الآن في أزقة نيروبي، وموانئ جيبوتي، ومناجم الكونغو.
التنافس الصيني-الأمريكي: صراع النماذج لا الأيديولوجيات
يصل كيرماني في هذا الجزء الختامي إلى صلب القضية الجيوسياسية المعاصرة. يحلل بذكاء الفارق الجوهري بين النفوذ الأمريكي المتراجع والنفوذ الصيني المتصاعد في شرق أفريقيا. يرى المؤلف أن واشنطن لا تزال متمسكة بنموذج “المشروطية السياسية”؛ حيث تربط مساعداتها واستثماراتها بمعايير ديمقراطية وإصلاحات حقوقية، وهي لغة تبدو “متعبة” وغير فعالة في مواجهة البراغماتية الصينية الفائقة.
في المقابل، يصور كيرماني النموذج الصيني كقوة صامتة. الصين لا تعظ، بل تبني. إنها تطبق مفهوماً يقترب من فلسفة “تيانشيا” (Tianxia)؛ حيث يتم بناء شبكة عالمية من الاعتماد المتبادل عبر البنية التحتية الصلبة. يلاحظ كيرماني أن هذا التمدد لا يسعى بالضرورة إلى استبدال الثقافات المحلية، بل إلى دمجها في نظام اقتصادي مركزه بكين. هذا “النظام الشبكي” هو ما يمنح الصين ميزة استراتيجية في أفريقيا، حيث تصبح الشريك الذي يوفر الحلول التقنية والتمويلية دون التدخل في الشؤون السياسية الداخلية، وهو ما يروق للنخب الحاكمة وللأجيال الطموحة على حد سواء.
أفريقيا والسيادة في عالم متعدد الأقطاب
من أهم الخلاصات التي يخرج بها كيرماني هي تحطم أسطورة “أفريقيا الضحية”. يوثق الكتاب نشوء وعي سيادي جديد لدى القادة والمجتمعات الأفريقية. الأفارقة اليوم، كما يراهم كيرماني، يمارسون “سياسة المناورة” ببراعة؛ فهم يوازنون بين القوى العظمى، ويستفيدون من التنافس الدولي لتعظيم مكاسبهم الوطنية. لم تعد أفريقيا ساحة مغلقة للنفوذ الأوروبي أو الأمريكي، بل أصبحت “سوقاً للأفكار والاستراتيجيات” حيث يختار الفاعل الأفريقي ما يناسب احتياجاته التنموية.
يشير كيرماني إلى أن هذا الوعي السيادي يترافق مع “نهضة فكرية” ترفض المركزية الأوروبية. إن عنوان الكتاب “في اتجاه آخر الآن” هو في جوهره دعوة لتغيير “زاوية النظر”. فبدلاً من رؤية أفريقيا كقارة متأخرة تحاول اللحاق بالغرب، يدعونا كيرماني لرؤيتها كقارة تسبق العالم في اختبار العيش ضمن “فوضى منظمة” متعددة الأقطاب، وفي ابتكار حلول للبقاء خارج الأطر المؤسسية التقليدية التي بدأت تتآكل في الغرب نفسه.
الخاتمة: لماذا يجب أن نقرأ كيرماني اليوم؟
ينهي نافيد كيرماني كتابه بنبرة تجمع بين التحذير والأمل. التحذير من استمرار تجاهل الغرب للديناميكيات العميقة في الجنوب العالمي، مما قد يؤدي إلى عزلة استراتيجية وأخلاقية لأوروبا. والأمل النابع من حيوية الشعوب الأفريقية وقدرتها على التجدد والتعايش رغم الأزمات الطاحنة.
كتاب “في اتجاه آخر الآن” ليس مجرد أدب رحلات، بل هو “مانيفستو” جيوسياسي يدعو لإعادة قراءة الخريطة العالمية.، اذا الولايات المتحدة نجح كيرماني في جعل القارئ يشعر بنبض القارة، ويفهم أن الصراعات على المياه، والمعادن، والموانئ في شرق أفريقيا هي صراعات ستحدد شكل القرن الحادي والعشرين.
لقد استطاع كيرماني أن يثبت أن “الذكاء الجغرافي” لا يقل أهمية عن “الذكاء السياسي”؛ فمن يفهم تضاريس شرق أفريقيا، سيفهم بالضرورة أين يتجه العالم. إنها رحلة تبدأ بالوصف وتنتهي بالرؤية، تاركة القارئ أمام سؤال وجودي: هل نحن مستعدون حقاً للنظر “في اتجاه آخر” قبل أن يفوت الأوان؟




