الاقتصاد الكامن: الزراعة عماد الاقتصاد السوداني وإمكانات “سلة غذاء العالم” د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب

الاقتصاد الكامن: الزراعة عماد الاقتصاد السوداني وإمكانات “سلة غذاء العالم”
د. ميمونة سعيد آدم أبورقاب
يُعد السودان من الدول التي تمتلك اقتصادًا كامنًا غير مستغل بالشكل الأمثل، حيث تتصدر الزراعة قائمة القطاعات القادرة على تحويله من دولة تعتمد على الاستيراد والدعم الخارجي إلى دولة منتجة ومصدّرة للغذاء. فالسودان، من حيث الموارد الطبيعية، ليس مجرد دولة زراعية تقليدية، بل هو مشروع اقتصادي ضخم مؤجل التنفيذ، يمتلك مقومات تؤهله ليكون سلة غذاء إقليمية وربما عالمية إذا ما أُحسن استغلاله.
لقد ظل السودان لسنوات طويلة محل اهتمام من المنظمات الدولية، بما في ذلك منظمة الأغذية والزراعة التابعة للأمم المتحدة منظمة الأغذية والزراعة للأمم المتحدة (FAO)، التي أشارت في تقارير متعددة إلى الإمكانات الزراعية الكبيرة التي يتمتع بها البلد، من حيث وفرة الأراضي الصالحة للزراعة وتنوع المناخ وتوفر الموارد المائية. هذه العوامل مجتمعة جعلت السودان يُوصف في الأدبيات الاقتصادية والسياسية بأنه “سلة غذاء العالم”، وهو وصف يعكس الإمكانات أكثر مما يعكس الواقع الحالي.
يمتلك السودان ملايين الأفدنة من الأراضي الخصبة غير المستغلة، إلى جانب مصادر مائية هائلة يأتي في مقدمتها نهر النيل وروافده، إضافة إلى الأمطار الموسمية التي تغطي مساحات واسعة من البلاد. هذا التنوع البيئي يسمح بإنتاج محاصيل استراتيجية مثل القمح، والذرة، والقطن، والسمسم، والفول السوداني، وغيرها من المحاصيل النقدية والغذائية. وبذلك، فإن السودان لا يملك فقط القدرة على تحقيق الاكتفاء الذاتي، بل يمتد طموحه ليصبح مصدرًا رئيسيًا لتغذية أسواق إقليمية تعاني من العجز الغذائي.
ورغم هذه الإمكانات الهائلة، لا يزال الاقتصاد السوداني يعاني من اعتماد كبير على الاستيراد الغذائي، وهو ما يعكس فجوة واضحة بين الموارد المتاحة وحسن استغلالها. فبدلًا من أن يكون السودان مصدرًا للغذاء، أصبح في كثير من الأحيان مستوردًا له، نتيجة ضعف التخطيط الزراعي، وتراجع الاستثمارات في البنية التحتية، وغياب التقنيات الحديثة في الزراعة والإنتاج والتخزين.
إن أحد أهم التحديات التي تعيق تحول السودان إلى قوة زراعية عالمية هو غياب الاستقرار السياسي والأمني، الذي أدى إلى تعطيل مساحات واسعة من الأراضي الزراعية، وهجرة المزارعين، وتدمير شبكات الإنتاج والتوزيع. كما أن ضعف التمويل الزراعي وارتفاع تكلفة المدخلات مثل البذور والأسمدة والوقود، جعل من الزراعة نشاطًا محفوفًا بالمخاطر بدلًا من أن تكون قطاعًا استثماريًا جاذبًا.
إضافة إلى ذلك، يعاني القطاع الزراعي من ضعف في سلاسل القيمة المضافة، حيث يظل الإنتاج في صورته الأولية دون تصنيع أو تطوير، مما يقلل من العائد الاقتصادي ويحد من فرص التصدير. فلو تم الاستثمار في الصناعات الغذائية التحويلية، لكان بالإمكان مضاعفة قيمة الإنتاج الزراعي وخلق فرص عمل واسعة.
ومن الناحية الاستراتيجية، فإن تحقيق الاكتفاء الذاتي الغذائي في السودان ليس هدفًا بعيد المنال، بل هو خيار واقعي إذا ما توفرت الإرادة السياسية والإدارة الرشيدة. فامتلاك الموارد وحده لا يكفي، بل يتطلب الأمر رؤية وطنية شاملة تعيد ترتيب أولويات الاقتصاد نحو الزراعة كقطاع قاعدي.
كما أن موقع السودان الجغرافي يمنحه ميزة إضافية، حيث يمكنه أن يكون مركزًا لتصدير الغذاء إلى دول الجوار في إفريقيا والشرق الأوسط، مما يعزز دوره الاقتصادي والإقليمي. وهذا ما يجعل فكرة “سلة غذاء العالم” ليست مجرد شعار، بل مشروعًا اقتصاديًا قابلًا للتحقيق على المدى المتوسط والطويل.
في الختام، يمكن القول إن الزراعة في السودان ليست مجرد قطاع اقتصادي، بل هي العمود الفقري لأي نهضة تنموية مستقبلية. فالسودان يمتلك كل المقومات الطبيعية التي تؤهله ليكون قوة غذائية كبرى، لكن تحويل هذا الإمكان إلى واقع يتطلب إصلاحًا جذريًا في السياسات، واستقرارًا سياسيًا، واستثمارًا حقيقيًا في الإنسان والبنية التحتية. حينها فقط يمكن للسودان أن يتحول من دولة تعاني من العجز الغذائي إلى دولة تُطعم نفسها وجيرانها، وربما العالم.




