السودان وترقيع الثوب المهترئ .. الفجوة السلوكية ومعضلة الاندماج المستحيل محمد بلال كوداوي

السودان وترقيع الثوب المهترئ .. الفجوة السلوكية ومعضلة الاندماج المستحيل
محمد بلال كوداوي
بينما تنشغل النخب السياسية بتوزيع الحقائب الوزارية تظل هناك حقيقة مسكوت عنها تمثل جوهر الأزمة السودانية:
وهو التنافر الثقافي والسلوكي الحاد.
إن محاولات ترقيع الوحدة الوطنية عبر شعارات النسيج الاجتماعي هي محاولات تتبنى سياسة النعامة التي تدفن رأسها في الرمال متجاهلةً أن الهوة بين المكونات السودانية المسالمة وبين أنماط السلوك العنيفة الوافدة أو المتجذرة في مناطق دارفور قد أصبحت عصية على الردم.
يبرز التنافر الثقافي في أوضح صوره عند المقارنة بين المكونات السودانية التي قامت تاريخياً على ثقافة الاستقرار والزراعة واحترام ملكية الآخر في الشمال والوسط والشرق وبين الأنماط السلوكية التي برزت بوضوح في أحداث الحرب الأخيرة من منسوبي دارفور
ما شهده السودان من عنف مفرط واستباحة للممتلكات وسلوكيات الشتات الوافدة من وراء الحدود عن طريق دارفور يعكس عقلية لا تؤمن بـالدولة كإطار قانوني بل تؤمن بالنهب والسرقة واعتبارها غنيمة .
إن دخول عناصر من دول غرب أفريقيا تحت مسميات إثنية جلب معه ثقافة وسلوكيات لا تعترف بحدود الوطن أو بوجدان الشعب السوداني الأصيل.
هذا المكون بسلوكه العنيف والصدامي وثقافتهم المبنية على استباحة حق الآخرين خلق فجوة اجتماعية كبرى مع المكونات السودانية التي اتسمت تاريخياً بالمسالمة والتعايش المدني.
هنا لا نتحدث عن صراع سياسي بل عن اجتياح ثقافي يهدد السلم المجتمعي ويفرض واقعاً غريباً عن شيم السودانيين.
لقد دأب حكام السودان على دفن الرؤوس في الرمال أمام هذه الحقائق المريرة فبدلاً من مواجهة هذا العنف السلوكي بالقانون والمحاسبة وتحديد الهوية الوطنية بصرامة لجأت السلطات إلى حلول الترضيات والجوديات التي لم تزد الأمر إلا سوءاً.
هذا الترقيع المستمر أدى إلى تمدد خطاب الكراهية والمظلومية لأن المظلوم يرى الجاني يفلت بفعلته تحت غطاء الوحدة الكاذبة .
الواقع السوداني اليوم يكذب أي ادعاء بالانسجام فالمكونات التي تمارس النهب والسلب كأداة سياسية أو اجتماعية وضعت نفسها في تضاد تام مع بقية الشعب الذي ينشد الاستقرار.
إن هذا التنافر ليس مجرد خلاف في وجهات النظر بل هو انقسام في المنظومة الأخلاقية فمن يرى في منزل جاره ميداناً للنهب لا يمكن أن يشاركه بناء وطن .
إن الاستمرار في سياسة الترقيع هو استمرار في النزيف .
السودان بحاجة إلى مواجهة شجاعة:
إما الاعتراف بهذا التنافر والعمل على وضع حدود قانونية وثقافية صارمة تحمي المكونات المسالمة من ثقافة العنف وهذا مستحيل أو الاستعداد لمزيد من التشظي وهذا ما سيحدث .
فالدولة التي تخاف من تسمية الأشياء بمسمياتها وتخشى مواجهة السلوك المنحرف لمكونات بعينها هي دولة تحكم على نفسها بالانهيار تحت وطأة الفوضى.



