انسحاب هادئ… وزلزال صامت في قلب النظام العربي ..! د مصعب بريــر

انسحاب هادئ… وزلزال صامت في قلب النظام العربي ..!
د مصعب بريــر
هل يمكن لدولةٍ أن تعيد رسم موقعها في الإقليم دون أن تُربك الإقليم نفسه؟ هذا السؤال يطفو بقوة مع الحديث عن مراجعة الإمارات لمستوى مشاركتها في تكتلات عربية وخليجية، في توقيت حساس تمر فيه المنطقة بقدر كبير من السيولة وعدم اليقين.
القضية هنا ليست خبرًا عابرًا، بل إشارة إلى احتمال تحوّل في طريقة تفكير دولة مؤثرة تجاه محيطها المباشر “سلبا أو ايجاباً”. عندما تتحدث تقارير عن مراجعة العلاقة مع أطر مثل مجلس التعاون وجامعة الدول العربية، فإن المعنى يتجاوز الإجراءات الشكلية إلى إعادة ترتيب للأولويات: ما الذي يُقدَّم أولًا—الالتزامات الجماعية أم الحسابات الوطنية الضيقة؟ ولماذا الآن تحديدًا؟
لفهم الصورة، لا بد من العودة خطوة إلى الخلف. انسحاب أبوظبي من “أوبك” لم يكن مجرد قرار اقتصادي؛ كان رسالة بأن السياسة النفطية لم تعد هي المحور الوحيد لصياغة الدور. هذا يفتح الباب أمام تفسير أوسع: تنويع التحالفات، البحث عن مرونة أكبر في الحركة، وربما تقليل كلفة الالتزامات الإقليمية التي لا تعود بعائد مباشر. في عالم تتزايد فيه المنافسة على النفوذ، تميل بعض الدول إلى تقليص القيود التي تفرضها التكتلات، حتى لو كانت تاريخيًا جزءًا من هويتها السياسية.
لكن هذه الحسابات لا تجري في فراغ. أي تراجع في الانخراط داخل منظومات جماعية ينعكس على تماسكها وقدرتها على الفعل. مجلس التعاون، على سبيل المثال، بُني على فكرة التنسيق الأمني والاقتصادي. فإذا ضعفت إحدى حلقاته، يتأثر الإيقاع كله. الأمر ذاته ينطبق على العمل العربي المشترك، الذي يعاني أصلًا من هشاشة مزمنة. هنا تظهر العلاقة الخفية بين قرار يبدو سياديًا بحتًا، ونتيجة إقليمية أوسع قد تمس التوازنات القائمة.
على مستوى الناس، قد تبدو هذه التحولات بعيدة، لكنها في الحقيقة قريبة. أي تغيّر في شكل التحالفات ينعكس على الاستقرار الاقتصادي، حركة التجارة، وحتى فرص العمل. حين تهتز الأطر التي تنظم العلاقات بين الدول، يصبح المشهد أقل قابلية للتنبؤ، وهذا أول ما يشعر به المواطن العادي، حتى لو لم يتابع التفاصيل السياسية.
في المقابل، هناك زاوية أخرى لا يمكن تجاهلها. بعض المراقبين يقرأ هذه الخطوات كتصحيح لمسار، أو محاولة للخروج من أعباء سياسات سابقة كانت مكلفة سياسيًا وإنسانيًا. هذا الطرح يضعنا أمام سؤال أعمق: هل نحن أمام إعادة تموضع براغماتية، أم مراجعة حقيقية للخيارات؟
بعد اخير :
خلاصة القول، أن ما يجري ليس مجرد “انسحاب محتمل”، بل اختبار لفكرة العمل الجماعي نفسها في المنطقة. فإذا كانت الدول تعيد حساباتها بهذا الشكل، فذلك يعني أن الصيغة القديمة لم تعد كافية أو مقنعة.
وأخيرًا، قبل أن نصل إلى استنتاج نهائي، يبقى السؤال الأهم: هل نحن أمام بداية مرحلة تعيد فيها الدول تعريف مصالحها بشكل فردي، أم أمام لحظة تدفع الجميع لإصلاح ما تبقى من العمل المشترك؟
لأن الحقيقة البسيطة التي لا يمكن تجاوزها هي أن الفراغ في السياسة لا يبقى فراغًا… بل يملؤه طرف آخر.
﴿لَيْسَ لَهَا مِن دُونِ اللَّهِ كَاشِفَةٌ﴾.
ونواصل إن كان في الحبر بقية، بمشيئة الله تعالى.
#البُعد_الآخر | مصعب بريــر
الخميس | 30 أبريل 2026م
musapbrear@gmail.com





