دكتور صلاح البدر يكتب: إعلان برلين وفرض الحل السياسي

ليست «مبادئ برلين» Berlin Principles for Sudanالصادرة وثيقةً تفسيرية هامشية لما جرى في 15 أبريل 2026، بل هي نصٌّ مقصودٌ به تثبيت مرجعية سياسية للمسار التالي. فقد نُشرت رسمياً في 30 أبريل 2026 من الخارجية الألمانية، وأُعيد نشرها حكومياً في لندن، بعد مؤتمر برلين الذي جاء امتداداً مباشراً لمساري باريس 2024 ولندن 2025. والنص يعلن صراحة أن المشاركين، من الدول المضيفة المشاركة والمنظمات الإقليمية والدولية ودول الجوار، “أعادوا التأكيد” على مبادئ توجيهية لحل “سلمي ودائم” بما ينسجم مع بيان الرباعية وخارطة طريق الاتحاد الإفريقي وقرارات مجلس الأمن ذات الصلة. هذا وحده يكفي للقول إننا لسنا أمام بيان علاقات عامة، بل أمام محاولة لصناعة مرجعية عليا يُراد إحالة كل مسار لاحق إليها.
وإذا كانت الوثيقة، في ظاهرها، مكتوبة بلغةٍ مطمئنة تبدأ بالسيادة والوحدة وسلامة الأراضي، فإن باطنها أكثر حدّة مما يبدو. فهي لا تكتفي بترديد العموميات، بل ترتب سلّماً سياسياً واضحاً: لا حل عسكرياً، هدنة إنسانية فورية، وقف إطلاق نار مستدام، آليات رصد وتحقق، حوار سوداني–سوداني شامل، انتقال بقيادة مدنية، عدالة ومساءلة، ثم تعافٍ اقتصادي وإعادة إعمار “بقيادة وملكية سودانية”. وهذا الترتيب ليس بريئاً؛ لأنه يسحب ملف السودان من خانة الحرب المفتوحة إلى خانة الهندسة الدولية لشروط الخروج من الحرب.
لكن النص، مهما بدا متماسكاً، يحمل في بنيته التناقض القديم نفسه: وضوحٌ في التشخيص، وغموضٌ في وسائل ومسارات التنفيذ. فهو ينص في البند الثالث على دعم “التنفيذ والرصد والتحقق”، لكنه لا يحدد من يراقب، ومن يسمي الخرق، ومن يفرض الجزاء. وينص في البند الخامس على أن أي دعم خارجي مباشر أو غير مباشر، مالي أو لوجستي أو عسكري، يجب أن ينتهي، لكنه لا يجرؤ على تسمية القوى التي يثار حولها الجدل في الإقليم. بمعنى أدق: الوثيقة تمتلك أنياباً لغوية، لكنها لا تمتلك بعد أدوات عضٍّ سياسي. وهذه ليست ثغرة شكلية؛ بل هي جوهر المأزق كله.
هنا بالضبط تأتي أهمية تصريح المستشار الأمريكي مسعد بولس الذي نشره في حسابه على موقع X. فالتصريح لا يكتفي بتأييد «مبادئ برلين»، بل يرفعها من مستوى “المبادئ التوجيهية” إلى مستوى “الرسالة الواضحة والموحدة” و”الالتزام الجماعي الحازم”. الأخطر من ذلك أنه يضع تفسيراً أميركياً عملياً للنص: هدنة إنسانية فورية، ثم وقف نار، ثم وصول وتمويل، ثم إقرار صريح بأنه لا حل عسكري، ثم إنهاء كل دعم عسكري خارجي، ثم دفعٌ عاجل ومستدام نحو سلام تفاوضي من خلال عملية سياسية شاملة وحوار وطني تقوده قوى المجتمع المدني وينتهي إلى حكومة مدنية. بهذا المعنى، لا يعود بولس مجرد معلّق على الوثيقة؛ بل يصبح مُفسِّرها السياسي، بل ومحاولة واشنطن لمنحها وزناً إلزامياً أكبر من حجمها النظري.
وهذا يغيّر طريقة قراءة الوثيقة كلها. لأن النص الأصلي يستطيع دائماً أن يتخفف من صلابته بالقول إنه مجرد “مبادئ”. أما حين يأتي مسؤول أميركي رفيع، يعمل على ملف أفريقيا وله دور معلن في الملفات العربية/الشرق أوسطية، ليقول إن هذه المبادئ “ليست مجرد كلمات” بل تعكس “التزاماً جماعياً راسخاً” بإنهاء الحرب ودعم مستقبل سلمي للسودان، فإننا نكون أمام محاولة أميركية لإقفال باب التأويل المريح. أي: لم تعد الوثيقة في القراءة الأميركية أرضية أخلاقية عامة، بل صارت سقفاً سياسياً مطلوباً التحرك تحته.
ومن ثم فإن أخطر ما في تصريح بولس ليس عباراته الحماسية، بل الاستحقاقات التي يخلقها. أول هذه الاستحقاقات أنه يرفع التكلفة السياسية على أي خطاب سوداني أو إقليمي ما يزال يراهن على الحسم العسكري بوصفه المخرج الوحيد. فحين تقول وثيقة دولية، ثم يعيد مسؤول أميركي تثبيتها سياسياً، إنه لا حل عسكرياً، فإن معنى ذلك أن أي مشروع لتسويق الغلبة المسلحة سيصطدم بسقف دولي متنامٍ، حتى لو لم يترجم فوراً إلى عقوبات أو ضغوط حاسمة. هنا يجري، بهدوء، نزع الشرعية الدبلوماسية عن منطق الحسم العسكري حتى قبل أن يتغير الواقع الميداني كلياً.
الاستحقاق الثاني يتعلق بالدعم الخارجي. فإذا كان النص الرسمي يقول إن كل دعم خارجي يجب أن يتوقف، وجاء بولس ليضع هذه النقطة ضمن “الإجراء العاجل” الذي يحظى بدعم دولي قوي، فإن ذلك ينقل العبء من خانة الخطاب إلى خانة السؤال المباشر: هل ستتجرأ واشنطن وشركاؤها على تسمية من يمدّ الحرب بأكسجينها المالي والعسكري واللوجستي؟ أم أن الأمر سيبقى عند حدود الشجب الأخلاقي العام؟ هنا يصبح تصريح بولس سيفاً ذا حدين: إما أن يتحول إلى مقدمة مساءلة حقيقية، أو ينقلب إلى شاهد إضافي على اتساع الفجوة بين ما يقوله الغرب عن السودان وما يفعله فعلاً في الإقليم.
الاستحقاق الثالث أخطر من الاثنين معاً، لأنه يتعلق بمن يملك حق الكلام باسم المستقبل. فـ«مبادئ برلين» تعطي وزناً مركزياً للحوار السوداني–السوداني الشامل والشفاف، وتمثيل “كل الأصوات السودانية المتنوعة داخل السودان وخارجه”، فيما أكدت الخماسية قبل مؤتمر برلين أن الندوة المدنية–السياسية ليست نقطة نهاية، وأن المشاركة فيها لا تمنح صفة رسمية نهائية لأحد، وأنها مجرد محطة ضمن سلسلة لقاءات ستتناوب فيها المشاركة. هذا يعني أن هناك عملية منظّمة لإعادة تركيب الحقل المدني السوداني خارج ثنائية الجيش ومليشيا الدعم السريع. ويأتي تصريح مسعد بولس ليمنح هذه العملية دفعة أميركية أوضح، حين يتحدث لا عن حضور مدني فحسب، بل عن “حوار وطني تقوده قوى المجتمع المدني” وعن انتقال إلى حكومة مدنية. هنا لا يعود المدنيون مجرد أصوات ضمن مشهد الإغاثة؛ بل يُدفع بهم ليكونوا حامل الشرعية البديل أو الموازي في مرحلة ما بعد الحرب.
لكن هذا ليس نصراً مدنياً صافياً كما قد يتوهم بعضهم. لأن إدخال المدنيين عبر بوابة الرعاية الدولية شيء، واستعادة السياسة الوطنية عبر ميزان قوى سوداني حقيقي شيء آخر. والفرق بينهما هائل. فالقوى المدنية هنا تُستعاد، نعم، ولكن تحت سقف مصمم خارجياً، وبإيقاع تحدده الخماسية والرعاة والشركاء. وهذا يعني أن الخطر لا يكمن في مشاركة المدنيين، بل في أن يتحولوا إلى واجهة مقبولة دولياً لتسوية تُرسم حدودها في الخارج، ثم يُطلب من السودانيين أن يوقعوا تحتها باسم “الملكية الوطنية”. ولهذا فإن أخطر ما في الوثيقة وتصريح بولس معاً أنهما لا يكتفيان برفض احتكار السلاح للسياسة، بل يفتحان الباب أيضاً أمام إعادة توزيع الوكالة السياسية عن السودان من دون ضمانات كافية لاستقلالها الوطني.
أما الحكومة السودانية، فإن الورقة الجديدة لا تسمح لها باللجوء إلى الرفض الكلي السهل. فالوثيقة تبدأ بالسيادة ووحدة السودان وسلامة أراضيه والحفاظ على مؤسسات الدولة، وتدين البنى الموازية ضمناً عبر تمسكها بوحدة الدولة، وتطالب بإنهاء الدعم الخارجي، وتؤكد العدالة والمساءلة. ولذلك فإن الاعتراض الشامل عليها يجعل الحكومة تبدو، في نظر كثير من العواصم، كأنها تعترض على ما يصعب الاعتراض عليه. لكن القبول الساذج بها أخطر من رفضها، لأنه يفتح الباب أمام تفسيرها الأميركي والدولي بوصفها تفويضاً لإعادة تشكيل المسار السياسي من خارج الدولة. لذلك فالموقف السليم ليس رفض النص ولا ابتلاعه، بل الاستحواذ عليه انتقائياً: التمسك بالسيادة ووحدة السودان وإنهاء الدعم الخارجي والعدالة، مع خوض معركة تفسير ضارية ضد أي تحويل للحكم المدني إلى قنطرة لتجاوز الدولة أو صناعة وكلاء سياسيين في الخارج.
ومن زاوية الاقتصاد السياسي، فإن البند الخاص بالتعافي الاقتصادي وإعادة الإعمار ليس بنداً ختامياً بريئاً. فهو يربط الدعم القادم بملكية سودانية وطنية، لكنه يفتح، في الواقع، الباب أمام مشروطية سياسية مبكرة: من الذي سيُعترف به شريكاً في إعادة الإعمار؟ أي مؤسسات ستُعتبر مشروعة؟ ومن سيقرر أن شروط “الحكم المدني” و”العدالة الانتقالية” و”التمثيل الشامل” قد توفرت بما يكفي لفتح صنابير التمويل؟ حين يضيف بولس إلى الوثيقة نبرة الالتزام السياسي الجماعي، يصبح واضحاً أن «مبادئ برلين» لا ترتب فقط وقف الحرب، بل ترتب أيضاً من يملك مفتاح المال في ما بعدها.
«مبادئ برلين» ليست وثيقة حيادية، وتصريح بولس ليس تغريدة داعمة عابرة. هي انقلاب ناعم على السيادة السودانية، ومحاولة خبيثة لمصادرة القرار الوطني باسم السلام، الوثيقة ترسم سقفاً سياسياً جديداً: لا حل عسكرياً، لا شرعية للدعم الخارجي، نعم لمسار مدني شامل، نعم لعدالة ومساءلة، ونعم لإعادة إعمار مشروطة بمخرج سياسي معين. أما بولس، فقد حاول أن يرفع هذا السقف من مستوى “التوافق الدبلوماسي” إلى مستوى “الالتزام السياسي الأميركي العلني”. ومن هنا فإننا لسنا أمام نص يصف الحرب، بل أمام محاولة لإعادة تعريف من يملك حق إنهائها، وكيف، وبأي صورة للدولة التي ستولد بعدها.
لذلك لا ينبغي للسودان أن يرد على هذه الوثيقة بخطاب غضب مجرد، ولا أن يستقبلها ببراءة المتلقي. المطلوب هو فهمها كأداة لإعادة ترتيب الملف، ثم خوض معركة تفسيرها من داخلها: استعادة السيادة من نصها نفسه، ومطالبة صريحة بتسمية داعمي الحرب استناداً إلى بندها الخامس، ورفض تحويل “المجتمع المدني” إلى قناة لتفويض خارجي مقنع، والتمسك بأن الحكم المدني لا يُستورد في حقائب الوسطاء، بل يُبنى على أساس وطني مستقل. وبجملة واحدة:
الخطر في «مبادئ برلين» ليس ما حدده البيان فقط، بل ما سيُقال ويُفعل باسمها بعد الآن.
كيمبريدج، المملكة المتحدة
1 مايو 2026




