الكرة مستديرة: كيف تحولت ركلة الهواة إلى إمبراطورية تحكم العالم

لم تكن كرة القدم يوماً مجرد اثنين وعشرين لاعباً يركضون خلف كرة من الجلد فوق مستطيل أخضر؛ بل هي مرآة عاكسة للتحولات الاجتماعية، والاقتصادية، والسياسية التي عصفت بالبشرية على مدار القرنين الماضيين. في هذا السياق، يبرز كتاب “الكرة مستديرة: تاريخ عالمي لكرة القدم” (The Ball Is Round: A Global History of Football) للكاتب والمؤرخ الرياضي المرموق “ديفيد جولدبلات” كواحد من أهم وأضخم الأعمال المكتوبة في تاريخ الأدب الرياضي. إنه ليس مجرد سرد لنتائج المباريات أو توثيق لأسماء الأبطال، بل هو موسوعة سوسيولوجية وتاريخية ضخمة تفكك شيفرة اللعبة الشعبية الأولى في العالم، وتشرح كيف تمددت من أزقة بريطانيا الصناعية لتصبح ديانة عالمية توحد شعوب الأرض وتفرقهم في آن واحد.
الصافرة الأولى: من فوضى العصور الوسطى إلى تقنين الفيكتوريين
يبدأ ديفيد جولدبلات رحلته الملحمية من الجذور السحيقة. قبل أن تعرف البشرية الملاعب المضاءة الكاشفة، وعقود الرعاية المليارية، وتقنية الفيديو المساعد (VAR)، كانت هناك نسخ بدائية وعنيفة مما يمكن أن نسميه “كرة القدم”. يأخذنا الكاتب في جولة تاريخية سريعة ليرصد الإرهاصات الأولى للعبة؛ من “الكوجو” في الصين القديمة، إلى طقوس أمريكا الوسطى، وصولاً إلى مباريات الشوارع الفوضوية في إنجلترا خلال العصور الوسطى، حيث كانت قرى بأكملها تتنافس في نقل مثانة خنزير منبوخة من طرف بلدة إلى طرف آخر، في طقس دموي كان ينتهي غالباً بكسور وكدمات، وربما قتلى.
لكن العبقرية الحقيقية لكتاب “الكرة مستديرة” تتجلى عندما يتوقف جولدبلات عند القرن التاسع عشر في بريطانيا، وهو الزمان والمكان اللذان شهدا ولادة اللعبة بشكلها الحديث. بأسلوب صحفي يمزج بين دقة المؤرخ وبراعة الروائي، يصف جولدبلات كيف قررت المدارس العامة الإنجليزية (وهي في الواقع مدارس خاصة بالنخبة الأرستقراطية مثل إيتون وهارو) ترويض تلك اللعبة الفوضوية.
لقد أدرك مديرو تلك المدارس أن اللعب المنظم يمكن أن يكون أداة حيوية لغرس قيم الانضباط، والعمل الجماعي، و”الرجولة الإمبراطورية” في نفوس الصبية الذين سيحكمون الإمبراطورية البريطانية التي لا تغيب عنها الشمس. ومن هنا، بدأت عملية “تقنين” كرة القدم. يوثق الكتاب اللحظة الفارقة في عام 1863 في حانة “فريماسونز” في لندن، حيث اجتمع ممثلو الأندية والمدارس لوضع الق своواعد الموحدة، وهي اللحظة التي شهدت الانشقاق التاريخي بين رياضة الرجبي (التي سمحت بحمل الكرة باليد) وكرة القدم (التي اقتصرت على استخدام الأقدام).
الثورة الصناعية: كيف اختطف العمال كرة القدم من أبناء النخبة؟
من أجمل الفصول وأكثرها عمقاً في الكتاب، ذلك الذي يتناول التحول الطبقي الحاد في مسار كرة القدم. يشير جولدبلات إلى أن كرة القدم ولدت أرستقراطية، لكنها سرعان ما ارتدت ثياب الطبقة العاملة. كيف حدث ذلك؟ الإجابة تكمن في الثورة الصناعية.
يصف الكاتب سماء مدن الشمال الإنجليزي الملبدة بدخان المصانع، حيث كان عمال النسيج والصلب والمناجم يكدحون لستة أيام في الأسبوع في ظروف قاهرة. ومع إقرار قوانين العمل التي منحت العمال نصف يوم عطلة في عصر السبت، وجدت هذه الطبقة المطحونة متنفساً لها في كرة القدم. لم تكن اللعبة بالنسبة لهم مجرد ترفيه، بل كانت منصة للتعبير عن الهوية، وللتنفيس عن الإحباطات اليومية، ومساحة نادرة للانتصار في حياة مليئة بالانكسارات الاقتصادية.
يسرد جولدبلات قصة صعود أندية المصانع والنقابات (مثل أرسنال الذي أسسه عمال مصنع للذخيرة، ومانشستر يونايتد الذي انبثق من عمال السكك الحديدية). وفي تحول تاريخي، بدأت هذه الأندية العمالية في التفوق على أندية النخبة مثل “أولد إيتونيانز”. لقد لعب العمال بأسلوب مختلف؛ فبينما كانت النخبة تعتمد على المراوغة الفردية والهجوم المباشر (لأن التمرير كان يعتبر جبناً في نظر الأرستقراطية!)، ابتكر العمال الاسكتلنديون والإنجليز أسلوب التمرير واللعب الجماعي الذي يتطلب تعاضداً يشبه تعاضد عمال خطوط الإنتاج في المصانع.
ولادة الاحتراف والامتداد الإمبراطوري
مع تزايد شعبية اللعبة واحتشاد عشرات الآلاف من العمال في مدرجات بدائية (التيراسز) لمشاهدة المباريات عصر كل سبت، برزت حتمية الاحتراف. يعرض الكتاب الصراع المرير بين الاتحاد الإنجليزي (الذي كان يسيطر عليه الهواة من النخبة ويرفضون تلقي اللاعبين للأموال) وبين الأندية الشمالية التي كانت تدفع “رواتب خفية” للاعبيها العمال لتعويضهم عن ساعات غيابهم عن المصانع.
ينتصر جولدبلات للتاريخ المادي عندما يؤكد أن قبول الاحتراف في عام 1885 كان الرصاصة الأولى التي أطلقت كرة القدم نحو شكلها التجاري الحديث. لم تعد كرة القدم مجرد لعبة تلعب، بل منتجاً يباع ويشترى، وجمهوراً يدفع تذاكر الحضور.
في ذات الوقت، وبينما كانت اللعبة تترسخ في وجدان الجزر البريطانية، كانت السفن التجارية، والمهندسون، وعمال السكك الحديدية، والبحارة البريطانيون يحملون معهم كرة القدم في حقائبهم إلى موانئ العالم أجمع. يمهد جولدبلات في نهاية هذا الجزء لانتقال عدوى كرة القدم إلى أمريكا الجنوبية، وأوروبا القارية، مبشراً بعولمة اللعبة قبل عقود طويلة من ظهور مصطلح العولمة ذاته. لقد أبحرت الكرة من مانشستر وليفربول ولندن لتصل إلى بوينس آيرس، ومونتيفيديو، وساو باولو، وجنوة، لتبدأ فصلاً جديداً من السحر.
موانئ ريو دي لا بلاتا: حينما رقصت الكرة على إيقاع “الكريولو”
لم يكن وصول كرة القدم إلى أمريكا الجنوبية، وتحديداً إلى موانئ بوينس آيرس ومونتيفيديو، غزواً عسكرياً، بل كان تغلغلاً ثقافياً ناعماً عبر المدارس الإنجليزية والشركات التجارية. في البداية، كانت اللعبة حكراً على الجاليات البريطانية؛ نوادٍ بأسماء إنجليزية صارمة، تلعب بأسلوب بدني يعتمد على الركض الطويل والالتحامات العنيفة، تماماً كما كان يُلعب في أراضي الإمبراطورية الباردة.
لكن جولدبلات، يوثق اللحظة التي “اختطف” فيها السكان المحليون—من أبناء المهاجرين الإيطاليين والإسبان والطبقات الفقيرة—هذه اللعبة. لم تكن شوارع وأزقة بوينس آيرس ومونتيفيديو (الـ “بوتريرو”) تتيح اللعب البدني العنيف أو الكرات الطويلة؛ المساحات ضيقة، والأرضيات غير ممهدة. هنا، وُلد أسلوب “الكريولو” (El Estilo Criollo) أو الأسلوب اللاتيني الأصيل.
يصف الكتاب كيف استبدل اللاتينيون القوة البدنية البريطانية بالمراوغة الفردية (La Gambeta)، وتحولت الكرة بين أقدامهم من مقذوف يُركل بقوة، إلى أداة طيعة تُداعب بخفة تضاهي خطوات رقصة التانغو. لقد خلقوا أسطورة “البيبي” (El Pibe)، ذلك الطفل المتمرد ذو الوجه المتسخ والشعر الأشعث الذي يتلاعب بالخصوم بمهارة فطرية في الأزقة. لم يعد اللعب من أجل الفوز فقط، بل من أجل الإمتاع والاستعراض. وبذلك، حققت أمريكا الجنوبية استقلالها الكروي التام عن بريطانيا، وهو ما تجلى لاحقاً في السيطرة الكاسحة لمنتخب أوروغواي على ذهبيتي الأولمبياد في 1924 و1928، حيث أذهلوا الأوروبيين بسحر لم يروه من قبل.
أوروبا القارية: مقاهي الدانوب والكرة كفعل ثقافي
إذا كانت أمريكا الجنوبية قد أضافت الرقص إلى كرة القدم، فإن أوروبا القارية، وتحديداً في حوض نهر الدانوب (النمسا، المجر، تشيكوسلوفاكيا)، قد أضافت لها الفلسفة والتكتيك. ينقلنا جولدبلات في فصول رائعة إلى مقاهي فيينا وبودابست في عشرينيات وثلاثينيات القرن الماضي. هناك، لم تكن كرة القدم تُناقش في الحانات الصاخبة كما في إنجلترا، بل في المقاهي الثقافية الفخمة بين الكتاب، والصحفيين، والمفكرين البورجوازيين.
في هذا المناخ الفكري الخصب، ظهر “الأسلوب الدانوبي” الذي يعتمد على التمريرات الأرضية القصيرة الذكية، والتحركات التكتيكية المدروسة. ويقف الكاتب طويلاً أمام المدرب الأسطوري النمساوي “هوغو مايسل” ونجمه الأيقوني “ماتياس سينديلار” الملقب بـ “الرجل الورقي” لنحافة جسده وعبقريته في التمرير. لقد حوّل هؤلاء كرة القدم إلى شطرنج متحرك على العشب، وأسسوا لـ “الفريق المعجزة” (Wunderteam) الذي أرعب أوروبا بذكائه الكروي لا بعضلاته.
الفاشية والملعب: استغلال الكرة كأداة للدعاية السياسية
يأخذ السرد منعطفاً أكثر قتامة وعمقاً حين يغوص جولدبلات في استغلال الأنظمة الشمولية لكرة القدم. مع صعود الفاشية في إيطاليا والنازية في ألمانيا، أدرك الطغاة، وعلى رأسهم “بينيتو موسوليني”، أن كرة القدم ليست مجرد رياضة، بل هي أداة سحرية للحشد الجماهيري، وصناعة الهوية القومية، والتخدير المجتمعي.
يكتب جولدبلات بقلم يقطر سخرية تاريخية ومرارة عن كيف حول موسوليني كرة القدم الإيطالية (الكالتشيو) إلى استعراض عسكري. من توحيد البطولات المحلية، إلى بناء ملاعب إسمنتية ضخمة تحمل اسم الحزب الفاشي، وصولاً إلى استضافة كأس العالم عام 1934. في تلك البطولة، لم يكن مسموحاً للمنتخب الإيطالي (الآتزوري) بالخسارة؛ كانت الرسالة المبطنة للمدرب الفذ فيتوريو بوتسو ولاعبيه هي: “الانتصار أو الموت”. تم تسخير الحكام، والجمهور، والآلة الإعلامية لتأكيد تفوق العرق والدولة الفاشية، ونجح موسوليني في حصد لقبين متتاليين لكأس العالم (1934 و1938)، ليثبت للعالم كيف يمكن لـ “دكتاتور” أن يمتطي صهوة كرة القدم لتحقيق غاياته الجيوسياسية.
ولادة الفيفا وكأس العالم: العزلة الإنجليزية الكبرى
في خضم هذا التوسع العالمي، يتناول الكتاب مفارقة تاريخية مذهلة: بينما كان العالم يلتهم كرة القدم بنهم، كانت بريطانيا—مهد اللعبة—تنطوي على ذاتها بكبرياء زائف. عندما تأسس الاتحاد الدولي لكرة القدم (الفيفا) في باريس عام 1904 بجهود سبع دول أوروبية (فرنسا، بلجيكا، الدنمارك، هولندا، إسبانيا، السويد، سويسرا)، غابت بريطانيا، بل وسخرت من الفكرة. كانوا يرون أنهم “أسياد اللعبة” ولا حاجة لهم للانضواء تحت لواء منظمة يقودها أجانب لا يجيدون نطق اسم اللعبة بشكل صحيح!
يشرح جولدبلات كيف أدت هذه الغطرسة إلى تفويت البريطانيين لقطار التاريخ في بداياته. فبفضل رؤية المحامي الفرنسي الشغوف “جول ريميه”، تبلورت فكرة إقامة بطولة عالمية مستقلة عن الأولمبياد. وجاء عام 1930 ليحمل أول نسخة من “كأس العالم” في أوروغواي. لماذا أوروغواي؟ لأنها ببساطة احتفلت بمئوية استقلالها، وكانت الأقوى كروياً، والأهم من ذلك: عرضت تحمل كافة نفقات السفر الباهظة للمنتخبات الأوروبية عبر المحيط الأطلسي.
قاطعت إنجلترا البطولة، ومعظم دول أوروبا استكثرت عناء السفر في سفن تستغرق أسابيع. ومع ذلك، أقيمت البطولة، وتُوجت أوروغواي باللقب الأول، ودخلت كرة القدم رسمياً عصر “كأس العالم”، وهو العصر الذي سيغير وجه الكوكب إلى الأبد.
مأساة “الماراكانازو”: حين بكت البرازيل وفقدت يقينها
ينتقل بنا جولدبلات إلى عام 1950، حيث استضافت البرازيل كأس العالم في محاولة لتقديم نفسها كقوة صاعدة ومنظمة. بنى البرازيليون “الماراكانا”، أضخم ملعب في العالم آنذاك، ليكون مسرحاً لتتويجهم المنتظر. لكن التاريخ كان يخبئ دراما لم يتوقعها أحد. يسلط جولدبلات الضوء على هزيمة البرازيل أمام أوروغواي في المباراة الختامية، وهي اللحظة التي عُرفت بـ “الماراكانازو” (Maracanazo).
يرى جولدبلات أن هذه الهزيمة لم تكن رياضية فحسب، بل كانت “هزة نفسية وطنية” أوقفت نبض البلاد. يحلل الكاتب كيف أدت هذه الخسارة إلى إعادة صياغة الهوية البرازيلية؛ فقد وُجهت اتهامات عنصرية للاعبين السود في الفريق، وساد شعور بالدونية أمام “الانضباط” الغربي. لكن من رحم هذه المأساة، وُلدت أعظم نسخة كروية عرفها التاريخ؛ نسخة 1958 بقيادة الفتى الصغير “بيليه” والعبقري “غارينشيا”، حيث لم يعد البرازيليون يقلدون الأوروبيين، بل فرضوا سحرهم الفطري، وحولوا كرة القدم إلى “جوغا بونيتو” (اللعب الجميل)، وهو الأسلوب الذي هيمن على العالم لعقود.
“معجزة بيرن”: حين ولدت ألمانيا الجديدة من ركلة جزاء
في مقابل السحر البرازيلي، يحلل جولدبلات التحول السياسي في أوروبا عبر نهائي كأس العالم 1954. في تلك البطولة، كان المنتخب المجري (الأرانتشابات) أو “المجريون الرهيبون” بقيادة بوشكاش هم ملوك اللعبة بلا منازع، حيث قدموا كرة قدم “اشتراكية” تعتمد على الجماعية المطلقة والتبادل المستمر للمراكز، وألحقوا بإنجلترا هزيمة تاريخية في عقر دارها (6-3).
لكن فوز ألمانيا الغربية على المجر في النهائي، فيما عُرف بـ “معجزة بيرن”، كان له أبعاد تتجاوز الكأس. يجادل جولدبلات بأن هذا الفوز كان “شهادة ميلاد ألمانيا الاتحادية” بعد دمار النازية. لقد منح الفوز الألمان شعوراً بالاستحقاق والعودة إلى المجتمع الدولي، وأرسى قواعد “الماكينات الألمانية” التي تعتمد على الصرامة، والتنظيم، والإرادة التي لا تلين، وهو النموذج الذي سينافس السحر اللاتيني لسنوات طويلة.
كرة القدم خلف الستار الحديدي: الرياضة كمختبر للأيديولوجيا
يفرد جولدبلات مساحات واسعة لدراسة كرة القدم في الكتلة الشرقية خلال الحرب الباردة. في الاتحاد السوفيتي ودول أوروبا الشرقية، لم تكن كرة القدم نشاطاً ترفيهياً، بل كانت “مشروعاً قومياً” يهدف لإثبات تفوق النظام الاشتراكي. يصف الكاتب كيف تم دمج الأندية في هيكلية الدولة؛ أندية الجيش (سيسكا)، وأندية الشرطة (دينامو)، وأندية السكك الحديدية (لوكوموتيف).
كانت كرة القدم في الشرق تتميز ببحث علمي وتكتيكي صارم. يشرح جولدبلات كيف استثمرت هذه الدول في مراكز التدريب والعلوم الرياضية، مما أنتج فرقاً مرعبة تكتيكياً، لكنها كانت تفتقر أحياناً إلى الحرية الفردية التي تميز الغرب. كانت المواجهات الكروية بين الشرق والغرب بمثابة “حروب بالوكالة”، حيث كانت مباراة بين الاتحاد السوفيتي والولايات المتحدة أو حتى ألمانيا الغربية تحمل شحنات سياسية تفوق بكثير أهمية النتيجة الرياضية.
إنهاء الاستعمار: الكرة كصرخة حرية في أفريقيا وآسيا
من أذكى زوايا كتاب “الكرة مستديرة” هو رصده للعلاقة بين كرة القدم وحركات التحرر الوطني. يروي جولدبلات كيف استخدمت الشعوب المستعمرة في أفريقيا وآسيا كرة القدم كأداة للمقاومة. ففي الجزائر، يشيد الكاتب بـ “فريق جبهة التحرير الوطني” الذي تأسس سراً في فرنسا عام 1958 من لاعبين محترفين هربوا لتمثيل قضيتهم، وطافوا العالم للتعريف بالثورة الجزائرية قبل الاستقلال.
في أفريقيا جنوب الصحراء، تحولت الأندية إلى بؤر للوعي القومي والسياسي ضد القوى الاستعمارية. يحلل جولدبلات كيف كان تأسيس “الاتحاد الأفريقي لكرة القدم” (CAF) في الخمسينيات خطوة سياسية بقدر ما هي رياضية، تهدف لانتزاع الاعتراف بالقارة السمراء على الخارطة الدولية، وهو ما سيؤدي لاحقاً إلى الصراع الطويل لزيادة حصة أفريقيا في كأس العالم، وهو الصراع الذي خاضه “جواو هافيلانج” لاحقاً ضد الهيمنة الأوروبية.
صعود “ريال مدريد” وولادة الهيمنة الأوروبية للأندية
بينما كانت المنتخبات تصنع التاريخ، كانت الأندية الأوروبية تبدأ مساراً جديداً سيغير اقتصاد اللعبة للأبد. يتناول جولدبلات نشأة “كأس الأندية الأوروبية البطلة” (دوري أبطال أوروبا حالياً) في منتصف الخمسينيات. ويركز على صعود “ريال مدريد” بقيادة رئيسه المحنك سانتياغو برنابيو، الذي أدرك قبل غيره أن مستقبل كرة القدم يكمن في “العالمية”.
من خلال استقطاب نجوم من جنسيات مختلفة (دي ستيفانو الأرجنتيني، بوشكاش المجري، كوبا الفرنسي)، صنع ريال مدريد أول “فريق أحلام” عابر للحدود. يرى جولدبلات أن هذه اللحظة كانت بداية تحول كرة القدم من صراع هويات وطنية إلى “صناعة ترفيه عولمية”، حيث لم يعد النادي يمثل مدينة أو حياً، بل أصبح علامة تجارية تطمح لغزو العالم، وهو المسار الذي سيتسارع بشكل جنوني مع دخول عصر التلفزيون.
ثورة الشاشة: 1966 والولادة الثانية لكرة القدم
يرى جولدبلات أن عام 1966 لم يكن مجرد العام الذي فازت فيه إنجلترا بكأس العالم الوحيد في تاريخها، بل كان العام الذي “تلفزت” فيه اللعبة بشكل نهائي. للمرة الأولى، تم بث البطولة مباشرة إلى قارات مختلفة، مما خلق ما يسمى بـ “القرية الكروية العالمية”.
يصف الكاتب كيف غيرت الكاميرا من سيكولوجية اللاعبين والجمهور؛ لم يعد اللاعب يلعب لمن في الملعب فقط، بل يلعبون للملايين خلف الشاشات. هذه اللحظة، بحسب جولدبلات، كانت البداية الحقيقية لتحول اللاعبين إلى “أيقونات بوب” (Pop Icons). لم يعد النجم مجرد رياضي، بل أصبح وجهاً إعلانياً وعلامة تجارية، وهو ما مهد الطريق لاحقاً لظهور إمبراطوريات التسويق الرياضي.
“الكرة الشاملة”: هولندا تعيد اختراع العقل الكروي
في السبعينيات، يأخذنا جولدبلات إلى أمستردام، وتحديداً إلى نادي أياكس والمنتخب الهولندي. هنا يحلل الكاتب الظاهرة التي غيرت وجه التكتيك للأبد: “الكرة الشاملة” (Total Football). تحت قيادة المدرب “رينوس ميتشلز” والعبقري “يوهان كرويف”، تم تحطيم المراكز التقليدية. المدافع يهاجم، والمهاجم يدافع، والكل يتحرك في منظومة هندسية معقدة تعتمد على السيطرة على المساحة.
يربط جولدبلات ببراعة بين هذه الثورة الكروية والتحولات الاجتماعية في هولندا في تلك الفترة؛ حيث كانت أمستردام مركزاً للتحرر الثقافي، والتمرد على القواعد الجامدة، والإبداع الفني. كانت كرة كرويف انعكاساً لهذا التحرر. لم تكن مجرد طريقة لعب، بل كانت بياناً فكرياً يقول إن الإبداع الفردي يمكن أن يزدهر داخل نظام جماعي مرن.
“جواو هافيلانج” وبناء إمبراطورية الفيفا المالية
ينتقل السرد إلى أروقة السياسة والمال. في عام 1974، وصل البرازيلي “جواو هافيلانج” إلى رئاسة الفيفا، وهي اللحظة التي يعتبرها جولدبلات نقطة التحول من “الهواية المنظمة” إلى “البيروقراطية الرأسمالية”.
يكشف الكتاب كيف أدرك هافيلانج أن القوة الحقيقية تكمن في أصوات دول “العالم الثالث” في أفريقيا وآسيا. ومن أجل ضمان ولائهم، قام بتوسيع كأس العالم وزيادة حصصهم، وفي نفس الوقت، عقد تحالفات تاريخية مع شركات عملاقة (مثل كوكا كولا وأديداس). يحلل جولدبلات هذا التحول؛ فبينما ساهم هافيلانج في عولمة اللعبة ونشرها في مناطق منسية، فإنه فتح الباب على مصراعيه للفساد المالي، والمحسوبية السياسية، وتحويل الفيفا إلى منظمة فوق-دولية تضاهي في قوتها وتأثيرها الأمم المتحدة، ولكن دون رقابة حقيقية.
مآسي الثمانينيات: حينما صرخ الملعب ألماً
لا يغفل جولدبلات الجانب المظلم للعبة. يتوقف الكتاب طويلاً عند حقبة الثمانينيات في إنجلترا وأوروبا، وهي الحقبة التي اتسمت بعنف “الهوليغانز” (المشاغبين) وتهالك الملاعب. يسرد الكاتب بتفاصيل مؤلمة مآسي “هيسل” (1985) و”هيلزبره” (1989).
هذه الكوارث لم تكن حوادث عرضية في نظر جولدبلات، بل كانت نتيجة لسنوات من الإهمال الحكومي، والفقر الاقتصادي في عهد مارغريت تاتشر، والنظرة الدونية لمشجعي الطبقة العاملة. لكن المفارقة التي يبرزها الكتاب هي أن هذه المآسي كانت “الشر الذي لابد منه” لإحداث ثورة شاملة في معايير السلامة، وهو ما أدى لاحقاً إلى تحويل الملاعب من “قلاع للفقراء” إلى “مسارح للعائلات والطبقة المتوسطة”، مما مهد الطريق لولادة “الدوري الإنجليزي الممتاز” (Premier League) في عام 1992.
قانون “بوسمان” والانفجار العالمي للصناعة
مع اقتراب نهاية الألفية، يسلط جولدبلات الضوء على قرار قانوني غير مجرى التاريخ: “قانون بوسمان” عام 1995. هذا القرار الذي منح اللاعبين حرية الانتقال بعد نهاية عقودهم، وألغى قيود عدد اللاعبين الأجانب في أوروبا، كان بمثابة “سقوط جدار برلين” في كرة القدم.
يشرح جولدبلات كيف أدى هذا القانون إلى تركيز الثروة والمواهب في حفنة من الأندية الأوروبية الكبرى (النخبة)، مما أضعف البطولات المحلية في أمريكا الجنوبية وأفريقيا وشرق أوروبا، حيث تحولت هذه المناطق إلى “مناجم” لتصدير المواهب الخام إلى “مصانع” أوروبا الفخمة. هنا، يطرح جولدبلات سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل أصبحت كرة القدم أكثر جودة؟ نعم. ولكن هل أصبحت أقل عدالة؟ بالتأكيد.
حقبة التسعينيات: كرة القدم كأداة للعولمة النيوليبرالية
يختتم جولدبلات هذا الجزء بتحليل كيف أصبحت كرة القدم في التسعينيات هي “اللغة العالمية المشتركة” للعولمة. مع سقوط الاتحاد السوفيتي وانفتاح الأسواق، أصبحت الأندية مثل مانشستر يونايتد وريال مدريد تبيع قمصانها في قرى نائية في تايلاند والغابون.
لم تعد كرة القدم مجرد رياضة وطنية، بل أصبحت وسيلة للدول (مثل قطر والإمارات لاحقاً، والصين) وللمليارديرات الروس والأمريكيين للوصول إلى “القوة الناعمة” والتأثير العالمي. إنها الحقبة التي تحول فيها المشجع إلى “مستهلك”، وتحول النادي إلى “شركة مساهمة”، وهي اللحظة التي بدأ فيها جولدبلات يلاحظ اغتراب اللعبة عن جذورها الشعبية الأولى.
“القوة الناعمة” والمال السياسي: اللعبة كأداة للسيادة
يرصد جولدبلات في الفصول الأخيرة التحول الدراماتيكي في ملكية الأندية. فبعد أن كانت الأندية ملكاً لمجتمعاتها المحلية أو لرجال أعمال محليين، أصبحت الآن جزءاً من محافظ استثمارية لدول وصناديق سيادية وميارديرات عابرين للقارات.
يشرح الكاتب كيف دخلت أموال النفط والغاز من الشرق الأوسط، والتمويلات الروسية، والاستثمارات الأمريكية، لتغير موازين القوى. لم يعد شراء نادٍ مثل مانشستر سيتي أو باريس سان جيرمان مجرد “بيزنس”، بل هو استثمار في “القوة الناعمة” (Soft Power). يجادل جولدبلات بأن هذه الدول والكيانات تستخدم كرة القدم لإعادة صياغة صورتها الذهنية أمام العالم، وللحصول على نفوذ سياسي وثقافي يتجاوز حدود الملاعب. أصبحت منصة التتويج في دوري الأبطال تعادل في أهميتها توقيع اتفاقية تجارية كبرى.
الثورة الرقمية و”ثقافة المستهلك”: موت “المشجع” وولادة “العميل”
بأسلوبه النقدي الحاد، يحلل جولدبلات تأثير التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي على تجربة المشاهدة. يرى الكاتب أن المشجع التقليدي الذي يذهب للملعب ليصرخ ويغني ويشعر بالانتماء، بدأ يتوارى لصالح “المستهلك الرقمي” الذي يتابع المباراة عبر هاتفه، ويقيم أداء اللاعبين بناءً على “الإحصائيات” والبيانات الضخمة (Big Data).
يتوقف الكتاب عند ظاهرة “مانيبول” (Moneyball) في كرة القدم، حيث أصبحت الخوارزميات هي من تختار اللاعبين وتحدد التكتيكات. يخشى جولدبلات أن يؤدي هذا “التنميط العلمي” إلى قتل الارتجال والسحر الفطري الذي جعل كرة القدم محبوبة في المقام الأول. عندما تصبح اللعبة مجرد سلسلة من التمريرات المحسوبة والمؤشرات الرقمية، هل يبقى مكان للعبقرية غير المتوقعة؟
معضلة “العدالة” وتحدي التكنولوجيا (VAR)
لا يكتمل الحديث عن كرة القدم الحديثة دون التطرق لتقنية الفيديو (VAR). يحلل جولدبلات هذا الصراع الأزلي بين “الدقة” و”العاطفة”. فبينما تهدف التكنولوجيا إلى تحقيق العدالة المطلقة ومنع الأخطاء البشرية، يرى الكاتب أنها قطعت “تدفق” اللعبة وقتلت لحظة الفرح العفوية. يطرح جولدبلات تساؤلاً فلسفياً: هل جمال كرة القدم يكمن في كمالها أم في بشريتها وأخطائها؟ إن انتظار دقيقتين للتأكد من “تسلل بمقدار ملليمترات” يغير سيكولوجية اللعبة ويحولها من طقس احتفالي إلى إجراء إداري بارد.




