كرة القدم ضد العدو: عندما تخلع الساحرة المستديرة قناع البراءة لتكشف عن وجه السياسة الخشن

لطالما قيل لنا، بسذاجة أو بتعمد، إن كرة القدم مجرد لعبة. مجرد اثني وعشرين لاعباً يركضون خلف كرة من الجلد على عشب أخضر، تحكمهم صافرة حكم وتسعون دقيقة من التنافس الرياضي الشريف. لكن، ماذا لو أخبرك أحدهم أن هذه الكرة هي أداة لبناء الأمم، وسلاح لإسقاط الديكتاتوريات، وشرارة لإشعال الحروب، ومرآة تعكس أعمق الانقسامات العرقية والسياسية في المجتمعات البشرية؟
هنا، في هذه المساحة المعقدة حيث تتقاطع الأيديولوجيا مع الشغف، يقف كتاب “كرة القدم ضد العدو” (Football Against the Enemy) للصحفي والكاتب البريطاني سايمون كوبر، كواحد من أهم الأعمال المكتوبة في تاريخ الصحافة الرياضية والسياسية على حد سواء. هذا ليس مجرد كتاب عن خطط اللعب، أو إحصائيات الأهداف، أو سِيَر النجوم المكتوبة بحروف من ذهب؛ بل هو رحلة أنثروبولوجية عميقة في الروح البشرية، وفي كيفية توظيف الجماهير والأنظمة لهذه الرياضة لتشكيل هوياتها وتصفية حساباتها.
الرحلة تبدأ: حقيبة ظهر، وميزانية ضئيلة، وسؤال يغير التاريخ
في أوائل التسعينيات، وتحديداً في عام 1992، كان العالم يمر بمخاض عسير. جدار برلين قد سقط للتو، والاتحاد السوفيتي تفكك إلى جمهوريات متناثرة تبحث عن هويتها، والأنظمة في أمريكا الجنوبية تحاول التعافي من سنوات القمع العسكري، بينما أفريقيا تتلمس طريقها نحو تحولات ديمقراطية هشة. في هذا التوقيت المضطرب، قرر شاب يبلغ من العمر 22 عاماً، تخرج حديثاً في جامعة أكسفورد، أن يحمل حقيبة ظهره بميزانية لا تتجاوز الخمسة آلاف جنيه إسترليني، ليجوب 22 دولة حول العالم. هدفه؟ إثبات نظرية تبدو للوهلة الأولى مجنونة: “كرة القدم ليست على هامش المجتمع، بل هي في صميمه”.
سايمون كوبر لم يكن يبحث عن الأهداف الجميلة، بل كان يبحث عن “العدو”. في كل مدينة زارها، من بوينس آيرس إلى موسكو، ومن الكاميرون إلى إسكتلندا، كان هناك “عدو” تُخاض ضده الحروب في الملاعب. الكتاب الذي صدر عام 1994، وفاز بجائزة كتاب “ويليام هيل” الرياضي للعام، أسس لأسلوب جديد تماماً في الكتابة. لقد كان كوبر رائداً فيما يمكن أن نطلق عليه “الصحافة الرياضية الجيوسياسية”. لقد كسر القاعدة الذهبية الوهمية التي كان يرددها معلقو كرة القدم المحافظون: “يجب إبعاد السياسة عن الرياضة”. كوبر أثبت، وبشكل قاطع، أن السياسة والرياضة توأمان ملتصقان، وأن محاولة فصلهما ليست سوى عملية جراحية قاتلة لروح اللعبة.
دبلوماسية الملاعب: عندما يكون المنتخب هو “الدولة”
ينطلق كوبر في كتابه من فرضية أساسية: كرة القدم هي التعبير الأكثر وضوحاً عن القومية الحديثة. في غياب الحروب التقليدية الشاملة بين الدول الكبرى، أصبحت مباريات كرة القدم الدولية هي “الحرب بأساليب أخرى”، مستعيراً ومعدلاً مقولة المنظر العسكري كارل فون كلاوزفيتز الشهيرة.
في هذا الجزء من الكتاب، يبرز كوبر كيف أن الدول حديثة الاستقلال، أو تلك التي تبحث عن شرعية دولية، تستخدم منتخباتها الوطنية كـ “سفراء فوق العادة”. الفوز في مباراة كرة قدم ليس مجرد انتصار رياضي، بل هو إعلان عن الوجود على الخريطة العالمية. عندما يلعب منتخب يمثل دولة صغيرة أو مهمشة ضد قوة استعمارية سابقة، فإن كل تمريرة وكل تدخل دفاعي يكون محملاً بثأر تاريخي لا يمكن محوه بمعاهدات السلام.
أسلوب كوبر الصحفي في سرد هذه الحقائق يتسم بإنه يمزج بين المقابلات الحية في المقاهي الشعبية، واللقاءات مع السياسيين والجنرالات، ووصف المباريات من المدرجات المتهالكة، ليخلق نسيجاً سردياً يجعلك تشعر وكأنك تجلس معه في حانة في أوروبا الشرقية، تستمع إلى مشجع عجوز يشرح لك كيف أن انتصار فريقه المحلي هو انتصار للطبقة العاملة ضد النخبة الحاكمة.
عدسة كوبر: لا توجد براءة في المدرجات
ما يميز “كرة القدم ضد العدو” هو رفضه القاطع للرومانسية الزائفة. كوبر يرى بوضوح كيف يتم استغلال الجماهير. الأنظمة الشمولية تجد في كرة القدم أفيوناً ممتازاً للشعوب، يلهيهم عن الأزمات الاقتصادية وانعدام الحريات. وفي الوقت ذاته، المعارضة تجد في المدرجات المساحة الوحيدة التي يمكن أن تتجمع فيها الآلاف لتهتف ضد السلطة تحت غطاء تشجيع الفريق. هذا الشد والجذب يجعل من الملعب الساحة السياسية الأهم في العديد من الدول.
كانت الفكرة المركزية في الاتحاد السوفيتي وتوابعه بسيطة ومرعبة في آن واحد: كل شيء يجب أن يخدم الدولة. ولأن كرة القدم هي الشغف الشعبي الأول، كان لزاماً على أجهزة الاستخبارات والجيش أن تضع يدها عليها. هنا، يأخذنا كوبر في جولة داخل أروقة أندية “دينامو” المنتشرة من موسكو إلى برلين الشرقية وكييف وبخارست. لم تكن تسمية “دينامو” مجرد اسم رياضي، بل كانت علامة تجارية تابعة لوزارة الداخلية وجهاز الشرطة السرية (KGB في الاتحاد السوفيتي، وStasi في ألمانيا الشرقية). يروي كوبر بأسلوبه التحليلي الرصين كيف كان “إريك ميلكه”، رئيس جهاز الشتازي المرعب في ألمانيا الشرقية، مهووساً بنادي “دينامو برلين”، لدرجة التدخل المباشر في تعيين الحكام وترهيب اللاعبين لضمان فوز فريقه المفضل، ليس حباً في الرياضة فحسب، بل لإثبات تفوق الجهاز الأمني الذي يقوده.
في أوكرانيا، يتوقف كوبر طويلاً عند تجربة “دينامو كييف” والمدرب الأسطوري فاليري لوبانوفسكي. هنا تظهر براعة كوبر في الربط بين العلم والسياسة والرياضة. لقد كان لوبانوفسكي يتعامل مع كرة القدم كمعادلة رياضية معقدة، محولاً اللاعبين إلى “تروس” في آلة صناعية ضخمة تعكس طموحات الاتحاد السوفيتي في التفوق العلمي. يصف كوبر كيف كانت انتصارات “دينامو كييف” على الأندية الغربية تُستخدم كدعاية سياسية فجة لإثبات أن “الإنسان السوفيتي الجديد” هو الأقدر بدنيّاً وذهنيّاً. ومع ذلك، يكشف الكتاب الجانب المظلم لهذا النجاح؛ حيث كان اللاعبون يعيشون في معسكرات شبه عسكرية، معزولين عن العالم، ويخضعون لرقابة لصيقة، مما جعل من كرة القدم سجناً ذهبيّاً يخدم البروباجندا الرسمية.
وعلى النقيض من أندية السلطة، يستعرض كوبر حالة “سبارتاك موسكو”، الذي كان يُعرف بـ “فريق الشعب”. يوضح الكتاب كيف أصبح تشجيع سبارتاك نوعاً من المقاومة السلبية الصامتة ضد تغول أجهزة الأمن. في مدرجات سبارتاك، كان المواطن السوفيتي يشعر بنوع من الحرية المفقودة، حيث يناصر فريقاً لا ينتمي للجيش أو الشرطة. هذا الصراع الصامت بين “دينامو” و”سبارتاك” لم يكن مجرد منافسة رياضية، بل كان تجسيداً للصراع بين الدولة والمجتمع، وبين القمع والرغبة في التحرر.
ثم ينتقل بنا كوبر إلى يوغوسلافيا السابقة، في فصول تعد الأقسى والأكثر استشرافاً للمستقبل في كتابه. لقد كتب كوبر هذه الفصول بينما كانت نيران الحرب الأهلية تلتهم البلقان، ورصد بدقة مذهلة كيف تحولت مدرجات كرة القدم إلى مراكز تجنيد للمليشيات العرقية. يروي قصة “أركان”، زعيم المشجعين المتعصبين لنادي “النجم الأحمر” في بلغراد، الذي حول ألتراس النادي إلى فرقة عسكرية ارتكبت فظائع في الحرب. هنا، يتوقف “العدو” عن كونِهِ رمزياً؛ ليصبح عدواً حقيقياً يُقتل في الشوارع بناءً على لون القميص أو الهوية العرقية. يثبت كوبر في هذا الجزء أن كرة القدم في البلقان لم تكن مرآة للأزمة فحسب، بل كانت المحرك والوقود الذي أشعل فتيل الكراهية.
إن عبقرية كوبر في هذا الجزء من المراجعة تكمن في قدرته على الربط بين سقوط الأنظمة وسقوط منظومتها الرياضية. فبمجرد انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفيتي، تهاوت تلك القلاع الرياضية التي بُنيت بتمويل الدولة وأجهزة الاستخبارات، لتبدأ مرحلة جديدة من الفوضى والخصخصة والبحث عن الهوية.
يبدأ كوبر فصله المثير عن أفريقيا بالتركيز على الكاميرون، وتحديداً لحظة مونديال 1990 التي هزت أركان الكرة العالمية. لا يكتفي كوبر بوصف رقصة روجيه ميلا الشهيرة عند راية الزاوية، بل يغوص في الكواليس ليرسم لنا صورة “بول بيا”، الرئيس الذي أدرك بذكاء فطري أن بقاءه في السلطة مرتبط بأقدام لاعبيه. يروي كوبر كيف أن المنتخب الكاميروني، في ظل انعدام البنية التحتية والفساد المستشري، كان يمثل “المؤسسة الوحيدة الناجحة” في الدولة. بالنسبة لكوبر، كانت كرة القدم في الكاميرون هي الخيط الرفيع الذي يمنع انفجار المجتمع؛ فالفوز في الملعب يمنح الشعب “وهماً بالسيادة” ويسكت أصوات المعارضة، بينما الهزيمة قد تعني اندلاع ثورة في الشوارع. هنا، تظهر اللعبة كأداة لإدارة الأزمات، حيث يتحول اللاعبون إلى دبلوماسيين بقمصان رياضية، يحملون على عاتقهم عبء تجميل صورة نظام متهالك.
ينتقل كوبر بعد ذلك إلى القارة اللاتينية، مسرح الأحلام والآلام الكروية، حيث تتحول كرة القدم إلى دين مدني. في الأرجنتين، يتوقف الكتاب طويلاً عند مونديال 1978، وهو الفصل الذي يبرع فيه كوبر في تفكيك مفهوم “البروباجندا الرياضية”. يصف كيف استخدمت الطغمة العسكرية (الجونت) البطولة لغسل سمعتها الدولية وتغطية جرائم “الاختفاء القسري”. بالنسبة لكوبر، كان فوز الأرجنتين باللقب لحظة تراجيدية بامتياز؛ شعب يصرخ فرحاً في المدرجات بينما على بُعد أمتار قليلة كانت السجون السرية تشهد تعذيب المعارضين. يطرح كوبر سؤالاً أخلاقياً عميقاً: هل كان المنتخب الأرجنتيني يلعب من أجل الشعب أم من أجل الجنرالات؟ ومن خلال مقابلاته مع لاعبين سابقين، يكشف لنا أن الكرة في أمريكا الجنوبية كانت دائماً سلاحاً ذا حدين؛ فهي تمنح الفخر القومي، لكنها تُستخدم كستار دخاني لإخفاء وجه السلطة القبيح.
أما في البرازيل، فيقوم كوبر بعملية “تشريح للملحمة”. إنه يكسر الصورة النمطية التي يروج لها الغرب عن البرازيل كبلد للمتعة الفطرية و”السامبا” الكروية. يوضح كوبر أن كرة القدم البرازيلية هي نتاج صراعات عرقية واجتماعية مريرة. لقد كانت اللعبة في بدايتها حكراً على البيض من الطبقة الأرستقراطية، ولم يشق السود طريقهم إليها إلا بعد نضال طويل. يرى كوبر أن عبقرية البرازيل الكروية ليست “هبة من السماء”، بل هي رد فعل على واقع اجتماعي قاصٍ، حيث تمثل الكرة المخرج الوحيد من جحيم الفقر. ومن هنا، يربط كوبر بين أسلوب اللعب البرازيلي المعتمد على المهارة الفردية وبين الشخصية البرازيلية التي تعتمد على “المراوغة” للتحايل على صعوبات الحياة.
وفي رحلته عبر هذه القارات، يلاحظ كوبر ظاهرة جيوسياسية فريدة: كرة القدم هي الساحة الوحيدة التي يمتلك فيها “الجنوب العالمي” فرصة حقيقية لهزيمة “الشمال العالمي” وإذلاله. الانتصار على منتخب أوروبي كبير ليس مجرد ثلاث نقاط، بل هو استعادة للكرامة المفقودة وتصفية حسابات تاريخية مع الاستعمار القديم. هذا الشعور بـ “العداء الجمالي والسياسي” تجاه القوى الكبرى هو ما يجعل من مونديال كرة القدم، في نظر كوبر، أكبر تظاهرة سياسية على وجه الأرض.
يبدأ كوبر رحلته الأوروبية من إسبانيا، وتحديداً من الصراع الأزلي بين ريال مدريد وبرشلونة. بأسلوبه الصحفي الذي يجمع بين التاريخ والتحليل الاجتماعي، يفكك كوبر أسطورة “الكلاسيكو”. بالنسبة له، لم يكن هذا اللقاء يوماً مجرد مباراة في الدوري؛ بل هو تجسيد حي للحرب الأهلية الإسبانية التي لم تنتهِ ذيولها بعد. يصف كوبر نادي برشلونة بأنه “الجيش الرمزي” لإقليم كتالونيا؛ ففي سنوات حكم الدكتاتور فرانكو، كان ملعب “كامب نو” هو المكان الوحيد الذي يُسمح فيه للناس بالتحدث بلغتهم الكتالونية المحظورة والهتاف ضد المركزية المدريدية. هنا، يطرح كوبر رؤية ثاقبة: كرة القدم لم تكن ترفيهاً للكتالونيين، بل كانت “ملاذاً آمناً” للهوية من الانصهار القسري. وفي المقابل، يستعرض كيف ارتبط اسم ريال مدريد بالسلطة والمركزية، ليصبح “العدو” الذي يمثل قمع الدولة في مخيلة الانفصاليين.
ينتقل كوبر بعد ذلك إلى بلده الأصلي، هولندا، ليقدم لنا واحداً من أعمق فصول الكتاب تحليلاً. يتحدث عن “الكرة الشاملة” ليس كخطة تكتيكية، بل كفلسفة تعكس العقلية الهولندية في إدارة المساحات. يربط كوبر بين ضيق مساحة اليابسة في هولندا واضطرار الهولنديين لابتكار حلول هندسية للبقاء، وبين الطريقة التي يتحرك بها اللاعبون الهولنديون في الملعب لخلق المساحات. بالنسبة لكوبر، “يوهان كرويف” لم يكن مجرد لاعب، بل كان فيلسوفاً ومعمارياً أعاد صياغة مفهوم الزمن والمكان في الرياضة. لكن كوبر، لا يغفل الجانب المظلم؛ حيث يتحدث عن العقدة الهولندية تجاه الألمان، وكيف تحولت مباريات المنتخبين إلى وسيلة لتفريغ شحنات الغضب الموروثة من الحرب العالمية الثانية، مؤكداً أن “العدو” التاريخي يظل حاضراً حتى في أكثر المجتمعات ليبرالية وتسامحاً.
وفي إنجلترا، مهد كرة القدم، يرصد كوبر التحول الدراماتيكي الذي طرأ على اللعبة في التسعينيات. يكتب كوبر في وقت كانت فيه إنجلترا تحاول نفض غبار “الهوليجانز” (الشغب الجماهيري) عن ثيابها. يحلل كوبر كيف تحولت كرة القدم الإنجليزية من “لعبة للطبقة العاملة” المليئة بالعنف والتعصب، إلى “منتج استثماري” يستهدف الطبقات الوسطى والسياح. يتحدث عن “خصخصة الشغف”، وكيف أدت الأموال الضخمة وحقوق البث إلى طرد المشجع التقليدي الفقير من المدرجات لصالح “المستهلك” الجديد. هنا، يظهر “العدو” في ثوب جديد؛ إنه ليس الخصم الرياضي، بل هو “الرأسمالية” التي تهدد بسحق الروح الشعبية للعبة وتحويلها إلى مجرد أرقام في بورصة لندن.
ما يبرع فيه سايمون كوبر في هذا الجزء هو قدرته على إقناع القارئ بأن كرة القدم في أوروبا الغربية هي “مرآة المجتمع”؛ فإذا أردت أن تعرف مدى تسامح مجتمع ما مع المهاجرين، فانظر إلى مدرجاته. وإذا أردت أن تفهم التوترات العرقية في فرنسا، فراقب كيف يتم التعامل مع اللاعبين ذوي الأصول الأفريقية عند الخسارة.
ينهي كوبر جولته الأوروبية بخلاصة مريرة ومثيرة للتفكير في آن واحد: حتى في القارة التي تدعي تجاوز صراعات الماضي، تظل كرة القدم هي “المنطقة الرمادية” التي يُسمح فيها للناس بممارسة عنصريتهم وقوميتهم المتطرفة تحت غطاء التشجيع الرياضي. لقد نجح كوبر في جعلنا نرى الملاعب الأوروبية لا كقصور فارهة للرياضة، بل كبرلمانات بديلة تُناقش فيها قضايا الهوية والسيادة والاقتصاد بصوت عالٍ وصاخب.
تطور مفهوم “العدو”: من الخنادق إلى البنوك
في عام 1994، كان “العدو” في كتاب كوبر واضح المعالم: هو الديكتاتور الذي يقمع شعبه، أو الدولة المجاورة التي تثير النزعات العرقية، أو الجهاز الأمني الذي يسيطر على الأندية. لكن، مع مرور العقود، يطرح المحللون اليوم سؤالاً مستلهمًا من روح الكتاب: من هو “العدو” في كرة القدم المعاصرة؟
يرى الكثيرون أن رؤية كوبر استشرفت تحول “العدو” من كيان سياسي مباشر إلى كيان اقتصادي معولم. اليوم، أصبحت الأموال الضخمة، وصناديق الاستثمار السيادية، والشركات العابرة للقارات هي التي ترسم حدود الملاعب. “العدو” الجديد قد يكون “تسلع” اللعبة وفقدانها لروحها الشعبية. ومع ذلك، يظل جوهر أطروحة كوبر ثابتاً: كرة القدم ستظل دائماً ساحة للصراع؛ سواء كان صراعاً على الهوية، أو صراعاً على المال، أو صراعاً على النفوذ العالمي.



