قرارات رئيس الوزراء،، بين نُبل المقصد وتعقيد الواقع.. إسماعيل جبريل تيسو..

قرارات رئيس الوزراء،، بين نُبل المقصد وتعقيد الواقع..
إسماعيل جبريل تيسو..
استوقفتني القرارات التي أصدرها رئيس الوزراء دكتور كامل إدريس على الهواء الطلق، وهو يتفقد المرافق التجارية بسوق السجانة، حين أعلن إعفاء تجار السوق من رسوم الضرائب والزكاة لمدة ثلاث سنوات، وشدد في ذات الوقت على منع التحصيل غير القانوني، مشهدٌ حمل في ظاهره انحيازاً واضحاً لمعاناة المواطنين والتجار، وسعى لإرسال رسالة سياسية مفادها أن الدولة تقف إلى جانب المنتجين في ظرف اقتصادي بالغ التعقيد، غير أن ما وراء هذه القرارات، من حيث طبيعتها وتوقيتها وآليات تنفيذها، يفتح الباب واسعاً أمام حزمة من التساؤلات حول جدوى هذه القرارات؟، وقابليتها للتطبيق؟.
الشاهد أن رئيس الوزراء درج في معظم زياراته التفقدية على إصدار قرارات وتوجيهات مباشرة، تبدو في لحظتها جريئة وشعبية، لكنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى الدراسة المسبقة والتقدير المؤسسي الشامل، وهو ما يجعل تنفيذها لاحقاً يواجه تحديات قانونية وسياسية، بل وحتى فقهية، كما في مسألة الإعفاء من الزكاة، التي لا تُمثل رسماً حكومياً يمكن تعليقه بقرار إداري، بل هي ركنٌ مهم يرتبط في الإسلام بأحكام شرعية وفقهية واضحة، وتضطلع ومؤسسات وجهات قائمة على تنظيمها وتحصيلها.
مثل هذه القرارات، حين تصدر في سياق انفعالي أو تحت ضغط المشهد الميداني، قد تُحدث أثراً إعلامياً سريعاً، لكنها تضع الأجهزة التنفيذية في موقف معقَّد، وربما محرج، بين الالتزام بتوجيهات القيادة من جهة، والتقيد بالقوانين واللوائح المنظمة من جهة أخرى، والنتيجة في الغالب تكون إما تعثراً في التنفيذ، أو تأويلاً للقرارات يفرغها من مضمونها، أو حتى تجاهلاً غير معلن لها، وهو ما ينعكس سلباً على هيبة الدولة ومصداقية مؤسساتها.
إن لسان التجربة والخبرة يحدثنا بأن إدارة الدولة لا تقوم على ردود الأفعال، مهما كانت نواياها حسنة، بل على التخطيط المسبق والرؤية المتكاملة، ومن هنا تبرز الحاجة الملحة لوجود فريق مهني من المستشارين والخبراء، يعمل على إعداد ملفات دقيقة تسبق زيارات رئيس الوزراء لأي مرفق أو مؤسسة، ملفات تُحيط بكل الجوانب: القانونية، الاقتصادية، الاجتماعية، وحتى الدينية، بحيث تكون الصورة مكتملة أمام صانع القرار، فيصدر توجيهاته وهو على بيًِنة من تبعاتها وإمكانات تنفيذها.
فالمؤسسات لا تُدار بالارتجال، والقرارات التي تمس حياة الناس ومعاشهم تحتاج إلى قدر عالٍ من المسؤولية والدقة، كما أن التنسيق بين أجهزة الدولة المختلفة يظل شرطاً أساسياً لنجاح أي مبادرة إصلاحية، حتى لا تتحول القرارات إلى مجرد عناوين جذَّابة بلا أثر حقيقي على الأرض.
وفي المحصلة، فإن النية الطيبة وحدها لا تكفي لصناعة القرار الرشيد، بل لا بد أن تسندها المعرفة والخبرة والعمل المؤسسي المنظم، وقديماً قيل: إذا أردت أن تُطاع، فأمر بما يُستطاع، وهي حكمة تختزل جوهر الإدارة الناجحة؛ أن تُبنى القرارات على الممكن، لا على المرغوب فقط.




