محليات

سرايا” العلم في مهب الريح: حين تُطرد الطالبات من فصولهن إلى الخيام.

في قلب الولاية الشمالية، حيث يقف التاريخ شاهداً على عراقة التعليم، تطل علينا “مدرسة الشهيد كمال علي مختار الثانوية بنات” (السرايا) كمنارة لم تنطفئ شعلتها يوماً. لكن اليوم، وبدلاً من أن تحتضن جدرانها أحلام الطالبات، نجدها تئن تحت وطأة تعدٍ صارخ يهدد بهدم ركن أصيل من أركان تعليم البنات في دنقلا، وذلك تحت مبرر تحويل مبنى المدرسة إلى “متحف” بمناسبة اختيار دنقلا عاصمة للثقافة. ففي الوقت الذي كان من المفترض أن تتهيأ فيه البنات للامتحانات، انتزعت حقوقهن بشكل صادم عبر كسر سور المدرسة وإخراج المقاعد والأدراج وحتى سبورة المعلم وإلقائها في الخلاء، ليجبرن الآن على الجلوس في “خيم” لتأدية امتحاناتهن المصيرية في مشهد وصفته جمعية الخريجات بنحر تعليم البنات.  

إن هذا التغول لم يكن وليد الصدفة، بل هو حلقة في سلسلة طويلة من الاستهداف بدأت منذ عام 2013 عبر محاولات بيع المدرسة وتجفيف داخلياتها، إلا أن وقفة خريجات السرايا واللجنة المفوضة كانت وما زالت هي الصخرة التي تتكسر عليها هذه الأطماع. فقد بذلت الخريجات بقيادة الأستاذة آمنة عثمان واللجنة المفوضة برئاسة د. صابر محمد حسن جهوداً جبارة استردت بموجبها المدرسة سابقاً بقرار رسمي لتعود لوزارة التربية والتعليم. ولم تتوقف الجهود عند ذلك، بل أُنفقت مليارات الجنيهات من أموال الخيرين في الداخل ودول المهجر لإجراء صيانة شاملة للسور والداخليات، مع استمرار توفير الدعم المادي والعيني والغذائي لضمان استقرار الطالبات، خاصة بنات القرى اللاتي يعتمدن كلياً على هذه المؤسسة.  

إن مدرسة السرايا ليست مجرد جدران أثرية، بل هي مؤسسة تعليمية حية وضعت لها لجنة هندسية كفؤة خرائط لبنائها وفق مواصفات عالمية، وما يحدث اليوم من محاولة تحويلها لمتحف يُعد انتهاكاً لأمانة العلم وحقوق الطالبات في بيئة كريمة. ونحن إذ نضع هذه الحقائق أمام الرأي العام، نؤكد أن حق الرد مكفول تماماً للجهات الحكومية المعنية وللمجلس الأعلى للسياحة بالولاية الشمالية لتوضيح موقفهم من هذا التعدي على صرح تعليمي شامخ.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى