نهج العداء ب (أي ثمن).. كيف حوّل (آبي أحمد) “لعنة الجغرافيا” إلى (عداء عقيم) ضد السودان وجيرانه؟ هجو احمد محمد

نهج العداء ب (أي ثمن).. كيف حوّل (آبي أحمد) “لعنة الجغرافيا” إلى (عداء عقيم) ضد السودان وجيرانه؟
هجو احمد محمد
في أحدي خطاباته قال آبي أحمد، رئيس الوزراء الإثيوبي : “فقدان إثيوبيا للسواحل (ظلم تاريخي) وخطأ (غير قانوني)، وأن 120 مليون إثيوبي لا يمكنهم البقاء رهائن في قلب أفريقيا. (المنفذ البحري) ليس ترفاً، بل مسألة (حياة أو موت) ومعركة (وجودية من أجل البقاء). إثيوبيا (سجينة جغرافية) تعاني اختناقاً اقتصادياً، ونحن مستعدون لدفع (أي ثمن) لاسترداد هذا الحق.”
بهذه التصريحات، رسم رئيس الوزراء الإثيوبي ملامح استراتيجية بلاده تجاه جيرانها، القائمة على (منطق العداء)، لا على (الحياد الفاعل) كما في سويسرا، ولا على (التوازن الذكي) كما في منغوليا. يحلل هذا المقال النماذج (الثلاثة) للدول (الحبيسة) انطلاقاً من سؤال جوهري: هل يؤدي دفع (أي ثمن) إلى (ميناء أو منفذ بحري ) أم إلى المزيد من (العزلة والدمار والخراب )؟
عند رصد سياسات الدول الحبيسة عبر القارات، يتضح جلياً أنها لا تشترك سوى في صفة جغرافية واحدة، بينما تتباين في الرؤية والمنهج إلى (ثلاثة نماذج) رئيسية لا رابعة لها أبرزها (الحياد الاستراتيجي) كما في سويسرا وتركمانستان، حيث تتحول (العزلة ) نفسها إلى (ملاذ آمن) سويسرا التي تمسكت بحيادها منذ عام 1815، لم تخض أو تشارك في أي حرب عالمية بل جعلت من جنيف عاصمة للوساطة والتمويل العالمي، وجميع جيرانها ليسوا أعداء، بل شركاء في العبور. وكذلك فعلت تركمانستان بنسختها الآسيوية، بحياد إيجابي اعترفت به الأمم المتحدة، فأصبحت منصة للحوارات الإقليمية حول الطاقة والسلام.
أما النموذج الثاني، فهو (التكيف والتوازن) الذكي كما في حالة منغوليا، الواقعة بين عملاقين هما (روسيا والصين) لم تختر العداء، بل ابتكرت مفهوم (الجار الثالث) لتنويع علاقاتها مع الولايات المتحدة واليابان وكوريا. أما بوتسوانا، فرغم حصارها البري في قلب أفريقيا، أصبحت واحدة من أسرع الاقتصادات نمواً بفضل الاستقرار السياسي والحوكمة الرشيدة باتباع نهج وسياسات (التعاون المشترك) لتحقيق المصالح و هاتان الدولتان تعترفان بواقعهما الجغرافي وتعملان في إطاره لا ضده.
وهنا نصل إلى (النموذج الثالث) ، القائم على العداء والتصعيد وخلق التوترات، وهو الأندر والأكثر تدميراً، وتتصدره (إثيوبيا) بلا منازع. يفترض هذا النموذج أن (الدولة الحبيسة) يمكنها، بالتهديد العسكري واللغة الحادة والصفقات الانفرادية وإدارة المؤامرات الإقليمية، أن ترغم جيرانها على تقديم موانئ وممرات. لكن الحقيقة أن هذه الاستراتيجية لم تمنح أي دولة حبيسة منفذاً بحرياً واحداً في التاريخ الحديث، بينما كلفتها حروباً وعقوبات وانهياراً اقتصادياً.
بعد انفصال إريتريا عام 1993، خسرت إثيوبيا كل متر مربع على البحر الأحمر، وأصبحت فجأة دولة حبيسة بأكثر من 130 مليون نسمة، تعتمد على ميناء (جيبوتي) في 95% من تجارتها. وبدلاً من اتباع نهج التعاون والتوازن الذكي، وأن تتحول إلى (سويسرا القرن الأفريقي)، اختارت أديس أبابا طريق التصعيد الذي أعلنه آبي أحمد صراحةً بـ(أي ثمن). وكان السودان واحداً من أبرز المستهدفين بهذا النهج. منذ أن شيدت إثيوبيا السد وأصرت على سياسة الملء والتشغيل الأحادية، في خرق واضح لكل الاتفاقيات والمواثيق الدولية التي تحكم الأنهار المشتركة. هذا المشروع، الذي كان يمكن أن يكون منصة (للتعاون الإقليمي)، تحول بفعل (النهج العدائي) الإثيوبي إلى (قنبلة جيوسياسية) تُستخدم ضد السودان ومصر، مما عمق الأزمة بدلاً من حلها، وأكد أن أديس أبابا تفضل سلاح الماء على لغة الشراكة. إضافة إلى ملف الحدود، واحتلال أراضي السودان في منطقة الفشقة، وتوغل القوات الإثيوبية داخل الأراضي السودانية والاستيلاء على أراضي المزارعين السودانيين، مما اضطر السودان إلى إعلان منطقة شرق القضارف منطقة عمليات عسكرية، واندلعت اشتباكات استمرت أشهراً حتى اكتمل تحرير كامل مناطق الفشقة بواسطة القوات المسلحة. ويتواصل العداء الإثيوبي عبر هذا النهج في دس المؤامرات وتمرير الأجندات وحروب الوكالة، بدعم المليشيا وفتح الأراضي الإثيوبية لمعسكراتها، وصولاً إلى ضرب مطار الخرطوم بالمسيّرات الإماراتية القادمة من إثيوبيا.
الافتراض الإثيوبي الخاطئ، القائم على أن النهج العدائي تجاه جيرانها سيحقق لها تنازلات ومكاسب جيوسياسية، لكن النتيجة جاءت معكوسة تماماً. وهنا تكمن المفارقة الأكثر إيلاماً: أن (لعنة الجغرافيا) ذاتها، كونها دولة حبيسة، تجعلها الأكثر عرضة للمخاطر الجيوسياسية والاقتصادية مقارنة بأي دولة ساحلية. فالدول الساحلية قد تتحمل نزاعاً حدودياً أو توتراً دبلوماسياً عابراً، أما الدولة الحبيسة فكل خصومة مع جار تعني تهديداً حقيقياً لسلاسل الإمداد والتوريد، وارتفاعاً في التكاليف الاقتصادية، وخللاً في الميزان التجاري. لذلك، حين تختار الدولة الحبيسة العداء على التعاون، فإنما ترتكب فعلاً أشبه بـ(إطلاق النار على قدميها) قبل أن تصيب أي هدف خارجي.
وهذا ما حدث مع إثيوبيا بالضبط. فبدلاً من أن تكسب موانئ وممرات آمنة، وجدت نفسها تواجه تحالفات إقليمية مضادة. فقد دفع العداء الإثيوبي الخرطوم إلى تنسيق أمني وعسكري غير مسبوق مع مصر وإريتريا، مما شكل محوراً مضاداً لأديس أبابا. كما استغل السودان موقعه الجغرافي الحيوي في قلب أفريقيا كورقة ضغط، فأحكم سيطرته من قبل على معابر برية حيوية لإثيوبيا (مثل القلابات) وأغلقها أحياناً، مما سبب ألماً اقتصادياً موجعاً. وبدلاً من أن تتحول إثيوبيا إلى قوة إقليمية صاعدة، تحولت إلى دولة (مزعجة) في ملفات كثيرة، ودفعت ثمناً باهظاً في (حرب تيغراي): عقوبات أمريكية، وتجميد عضوية الاتحاد الأفريقي مؤقتاً.
لكن الأعمق من ذلك كله، أن السودان، في سياق هذا الصراع، لم يعد مجرد طرف متضرر من العداء الإثيوبي، بل يمتلك العديد من الأوراق الجيوسياسية التي يمكن استخدامها ضد إثيوبيا ويمكن أن تحدث أثراً كبيراً. وهنا يبرز القصور الجوهري في الاستراتيجية الإثيوبية، إذ تتعامل أديس أبابا مع الخرطوم وكأنها مجرد (جار عابر)، متناسية أن السودان يمثل ممراً برياً حيوياً يربط إثيوبيا بموانئ البحر الأحمر ويفتح لها نافذة على أسواق الساحل الأفريقي. بل يتعدى الأمر إلى أن الخرطوم تمتلك أوراق ضغط جيوسياسية لا يستهان بها، وقدرة عالية على التأثير في العديد من الملفات والقضايا الحيوية، بل وإعادة توجيه تحالفاتها الإقليمية بما يزيد من عزلة أديس أبابا.
وبدلاً من أن تسعى إثيوبيا إلى تحييد هذه الأوراق عبر الدبلوماسية والتعاون المشترك، تصر على (تجربة المجرّب) الذي فشلت فيه كل مرة، وحولت السودان من شريك عبور متعاون محتمل إلى خصم يمتلك مفاتيح قيد جغرافي مؤلم. وهذا يشير بوضوح إلى أن الاستراتيجية العدائية الإثيوبية تفتقر إلى (الذكاء الجيوسياسي) والفهم العميق لموازين القوى غير المتكافئة التي تصب لصالح الدولة الساحلية (السودان) مقابل الدولة الحبيسة (إثيوبيا) مهما اشتدت بالبلاد حالة الحروب وحالة الهشاشة السياسية
لو أجرينا مقارنة ذهنية بين سويسرا وإثيوبيا، سنرى الفرق شاسعاً. سويسرا محاطة بخمس دول، لكنها لم تخض نزاعاً مسلحاً مع أي منها منذ قرنين، ووقّعت اتفاقيات عبور شفافة ومضمونة مع إيطاليا وفرنسا، وأصبحت جغرافيتها الداخلية ميزة تنافسية (أنفاق آمنة، بنية تحتية محصنة، وبنوك تستوعب أموال العالم) أما إثيوبيا فكل جار لديها إن كان حوارا قريب أو بعيد هو خصم محتمل وفق نموذج نهجها الاستراتيجي فإريتريا عدو منذ حرب (1998-2000)، والصومال قطعت علاقاتها الدبلوماسية بعد صفقة (أرض الصومال)، وجيبوتي، وهي المتنفس البحري الوحيد الان عليها تفرض رسوماً عالية وتشترط مواقف سياسية محددة فإثيوبيا اليوم صارت أكثر عزلة مما كانت عليه قبل ثلاثين عاماً، واقتصادها يئن تحت وطأة التضخم والديون وهروب الاستثمارات، بينما سويسرا ترفل في الرفاه بنصيب فرد يتجاوز 92 ألف دولار سنوياً.
الحقيقة هي أنه لا يمكن لأي دولة أن تختار جيرانها، ولا أن تخلق لنفسها ساحلاً إذا لم تمنحه إياه (الجغرافيا الطبيعية)، لكنها تستطيع أن تختار نهجها. التاريخ والتجارب المعاصرة يقولان بوضوح إن نهج (الحياد) أو (التوازن الذكي) هو الطريق الوحيد ودرب النجاة (للدول الحبيسة). أما نهج العداء والتصعيد الذي أعلنه آبي أحمد صراحة بقوله “نحن مستعدون لدفع أي ثمن”، فلم يمنح أي دولة منفذاً بحرياً واحداً، لكنه منحها أعداءً جدداً ومشاكل لا تنتهي. والأكثر إيلاماً أن (لعنة الجغرافيا) ذاتها تجعل الدولة الحبيسة أكثر تعرضاً للمخاطر، فكل صراع مع جار يعني تهديداً لسلاسل التوريد والامتداد وحركة الاقتصاد والاستثمار. لذلك، حين تختار الدولة الحبيسة العداء، فإنما تطلق النار على قدميها قبل أن تصيب أي هدف. وإثيوبيا، بدلاً من أن تكسب ميناءً أو تحالفاً، خسرت السودان كشريك عبور، وأدارت ظهرها لفرصة ذهبية لتحويله إلى جسر اقتصادي، واستبدلت ذلك بمواجهة مكلفة مع طرف يملك قدرة حقيقية على تعزيز مأزقها الجغرافي.
العبرة إذن لمن يعتب: فسويسرا نجت لأنها لم تهدد أحداً، وإثيوبيا غرقت في صراعاتها لأنها هددت الجميع. الجغرافيا قد تكون قدراً، لكن صناعة السلام أو الحرب هي اختيار. والأمم الحبيسة تدفع ثمناً أكبر من غيرها عندما تختار الاستراتيجية الخطأ.



