تحقيقات وتقارير

وفد برلماني فرنسي وقف على المشهد السوداني،، “باريس”.. محاولة إعادة التموضع.. شهادات الاغتصاب والانتهاكات.. تهزُّ الوفد..   تحوّلات الميدان.. هل تدفع ماكرون إلى مراجعة الموقف؟..

اسماعيل جبريل تيسو

وفد برلماني فرنسي وقف على المشهد السوداني،،

“باريس”.. محاولة إعادة التموضع..

شهادات الاغتصاب والانتهاكات.. تهزُّ الوفد..

تحوّلات الميدان.. هل تدفع ماكرون إلى مراجعة الموقف؟..

استقرار السودان ..ضمن معادلات الأمن الإقليمي والدولي..

 

السفير البخاري: فرنسا يمكنها لعب دور بشرط احترام السيادة..

 

تقرير: إسماعيل جبريل تيسو…

تتواصل هذه الأيام زيارة وفدٍ من البرلمان الفرنسي برئاسة كريستوفر ماريون وعدد من أعضاء الجمعية الوطنية الفرنسية ورابطة الصداقة السودانية الفرنسية، إلى السودان، حيث تحمل الزيارة أبعاداً سياسية وإنسانية ودبلوماسية عميقة، وسط تصاعد الحرب وتفاقم الكارثة الإنسانية في إقليم دارفور، وكان الوفد الفرنسي قد التقى بالسيد رئيس مجلس السيادة والقائد العام للقوات المسلحة عبد الفتاح البرهان، كما تفقد أوضاع النازحين في الولاية الشمالية، والتقى بفندق السلام روتانا بقيادات سياسية وعسكرية من دارفور، واستمع إلى شهادات مؤلمة من مواطنين تعرضوا لانتهاكات واسعة على يد ميليشيا الدعم السريع، شملت القتل والتشريد والنزوح والاغتصاب والإبادة الجماعية.

 

تجاوز البروتوكول:

وبإجماع مراقبين فإن زيارة الوفد الفرنسي تجاوزت البروتكول لتكون أقرب إلى محاولة فرنسية لفهم تعقيدات المشهد السوداني عن قرب، خاصة في ظل التحولات الميدانية الخطيرة التي أعقبت اجتياح ميليشيا الدعم السريع لمدينة الفاشر، وما صاحب ذلك من موجات نزوح ولجوء غير مسبوقة، وانتهاكات ترقى إلى جرائم حرب وجرائم ضد الإنسانية، وتأتي الزيارة في توقيت بالغ الحساسية، حيث يعيش مئات الآلاف من مواطني دارفور أوضاعاً إنسانية مأساوية، بينما تتزايد الضغوط الدولية لإيجاد موقف أكثر صرامة تجاه الانتهاكات المرتكبة بحق المدنيين، ويحمل توقيت الزيارة دلالات استراتيجية مهمة، خاصة أنها جاءت بدعوة من حاكم إقليم دارفور مني أركو مناوي، الذي سبق وأن أجرى جولة أوروبية شملت فرنسا وعدداً من العواصم الأوروبية، في محاولة لحشد الدعم الدولي لقضية دارفور وكشف حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون.

 

عودة إلى الواجهة الأوروبية:

لقد أعادت الصور القادمة من الفاشر ومعسكرات النزوح، وشهادات الضحايا، أعادت الملف السوداني بقوة إلى طاولة النقاش الأوروبي، بعد فترة من التراجع النسبي للاهتمام الدولي بالأزمة السودانية مقارنة بأزمات عالمية أخرى، ويبدو أن فرنسا بدأت تدرك أن استمرار الحرب في السودان لم يعد شأناً داخلياً، بل تحول إلى قضية ترتبط بأمن البحر الأحمر، والهجرة غير الشرعية، ومكافحة الإرهاب، وأمن الطاقة، والتنافس الدولي على النفوذ في إفريقيا، ومن هنا تبرز أهمية فرنسا كواحدة من القوى الفاعلة داخل منظومة الاتحاد الأوروبي وعضواً دائماً في مجلس الأمن الدولي، وهو ما يمنحها قدرة على التأثير في صياغة المواقف الأوروبية والدولية تجاه السودان، خاصة بعد الزخم الذي أحدثته تصريحات رئيس الوفد الفرنسي، الذي أكد أنه تقدم بطلب إلى البرلمان الفرنسي لتصنيف ميليشيا الدعم السريع منظمةً إرهابية، بالنظر إلى ما ارتكبته من جرائم وانتهاكات بحق المدنيين السودانيين.

 

استعادة النفوذ في أفريقيا:

ويرى الخبير في العلاقات الدولية والدبلوماسية السفير دكتور معاوية التوم البخاري أن التحرك الفرنسي يمكن النظر إليه بوصفه محاولة لإعادة التموضع السياسي والدبلوماسي في الملف السوداني، بعد أن أصبحت أدوار إقليمية ودولية أخرى أكثر حضوراً وتأثيراً في مسارات الأزمة، وقال السفير البخاري في إفادته للكرامة إن باريس تدرك أن ترك الساحة بالكامل لقوى أخرى قد يؤدي إلى تآكل نفوذها التقليدي في أفريقيا، خاصة بعد الانتكاسات التي واجهتها فرنسا في منطقة الساحل وغرب القارة خلال السنوات الأخيرة، مبيناً أن السودان يمثل حلقة استراتيجية في معادلة الاستقرار الإقليمي، لذلك فإن فرنسا تبدو معنية بالعودة إلى الملفات الإفريقية ذات الوزن الجيوسياسي، وفي مقدمتها الملف السوداني، مشيراً إلى أن احتفاظ فرنسا بعلاقات تاريخية مع بعض الفاعلين في دارفور، ومن بينهم عبد الواحد محمد نور، يعكس استمرار اهتمام باريس بالتطورات السياسية والأمنية في الإقليم.

 

رسائل البرلمان الفرنسي:

ويمضي السفير معاوية التوم البخاري في إفادته للكرامة ويؤكد أن إرسال وفد برلماني، وليس مجرد تحرك عبر وزارة الخارجية الفرنسية، يحمل دلالات سياسية تتجاوز البعد البروتوكولي، إذ يعكس رغبة فرنسية في بناء قنوات تواصل متعددة مع القوى السودانية، والاطلاع المباشر على تعقيدات الأزمة الإنسانية والسياسية والأمنية، مبيناً أن هذه الخطوة قد تكون تمهيداً لمقاربة أوروبية أوسع تجاه السودان خلال المرحلة المقبلة، خاصة مع تنامي المخاوف الدولية من اتساع دائرة الحرب وتداعياتها الإقليمية، ويعتقد السفير البخاري أن فرنسا قد تسعى إلى تقديم نفسها كفاعل قادر على الجمع بين البعد الإنساني والتحرك السياسي، بما يمنحها مساحة أكبر داخل أي ترتيبات دولية قادمة، مستفيدة من عضويتها الدائمة بمجلس الأمن، لكنه شدد في الوقت ذاته على أن قدرة فرنسا على لعب دور مؤثر ستظل مرتبطة بمدى قدرتها على تبني مقاربة متوازنة تحترم سيادة السودان، والتنسيق مع الفاعلين الإقليميين، والانتقال من مرحلة الرمزية الدبلوماسية إلى المبادرات العملية المؤثرة.

 

خاتمة مهمة:

ومهما يكن من أمر.. تبقى زيارة الوفد البرلماني الفرنسي إلى السودان مهمة من حيث التوقيت والأبعاد لارتباطها بمستقبل الأزمة السودانية وموقعها في الحسابات الدولية، ذلك أن اللقاءات التي أجراها الوفد، وشهادات الضحايا التي استمع إليها، والتصريحات المتعلقة بتصنيف ميليشيا الدعم السريع كمنظمة إرهابية، كلها مؤشرات على تحرك فرنسي وأوروبي محتمل نحو موقف أكثر وضوحاً تجاه ما يجري في السودان.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى