أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

الرق في المجتمع السوداني

قراءة تحليلية في كتاب "علاقات الرق في المجتمع السوداني: النشأة - السمات - الاضمحلال"

مقدمة: النبش في المسكوت عنه تاريخياً

ثمة صفحات في تاريخ الشعوب تُطوى في زوايا النسيان، لا لشيء إلا لأن تصفحها يوقظ ألماً دفيناً، ويطرح أسئلة شائكة حول الهوية، والتكوين الاجتماعي، والجراح التي لم تندمل بعد. في السودان، تبرز ظاهرة “الرق والاسترقاق” كواحدة من أكثر القضايا حساسية وتعقيداً، وهي ظاهرة تشابكت مع جذور التكوين المجتمعي والاقتصادي والسياسي للبلاد عبر قرون طويلة. من هنا، يبرز كتاب “علاقات الرق في المجتمع السوداني: النشأة – السمات – الاضمحلال” للمفكر والسياسي السوداني محمد إبراهيم نقد، والصادر عن دار عزة للنشر والتوزيع، كوثيقة تاريخية استثنائية وجريئة، تتجاوز الانفعال العابر لتغوص في أعماق الوثائق والمخطوطات، محاولةً تفكيك طلاسم هذه المؤسسة التي ألقت بظلالها الكثيفة على مسيرة المجتمع السوداني.

بين وحشة المعتقل وغواية الوثائق: كيف وُلد هذا الكتاب؟

لا يمكن فصل ولادة هذا الكتاب عن الظروف الاستثنائية التي كُتب فيها. فقد تشكلت نواته الأولى كهاجس ورغبة جامحة سيطرت على ذهن المؤلف لعقود، في محاولة لفهم المؤثرات التي أسهمت في تشكيل السودان خلال حقبة التكوين بين عامي 1500 و1900. افترض المؤلف أن كيمياء هذا التكوين تفاعلت عبر أربع مؤسسات رئيسية: علاقات الأرض، علاقات الرق والاسترقاق، الفكر الصوفي، والكيانات الإثنية.

ولكن، كيف السبيل إلى إثبات هذه الفرضية؟ هنا، لعب “الدافع الظرفي” دوراً محورياً؛ إذ وجد المؤلف نفسه في وحشة الاعتقال والإقامة الجبرية، منقطعاً عن الحوار مع المختصين. في هذه العزلة الإجبارية، تحولت “الوثائق” إلى البديل المتاح، وأضحى الحوار معها “نصف المشاهدة ونصف المعايشة لعصرها”.

 

“رغبة جامحة ومقيمة، أشبه بالهاجس، تسكن الخاطر سنوات وعقوداً، لمزيد من المعرفة بسودان 1500 – 1900”.

 

اختار الكاتب التخفف الإجرائي من الاعتماد المفرط على “كتب الرحالة”، والتي غصت بها كتابات تاريخ السودان، ليتجه نحو السند الوثائقي المباشر. فرغم أهمية مدونات الرحالة في غياب الوثائق، إلا أنها تفتقر في كثير من الأحيان إلى الفهم العميق للظواهر المألوفة لدى أهل البلد، وتبقى رهينة الانطباع الأول للوافد الأجنبي. هذا التوجه المنهجي الصارم نحو الأرشفة، والنبش في دار الوثائق القومية، منح الكتاب مصداقية استثنائية، وحوله من مجرد سرد تاريخي إلى محاكمة استقصائية تعتمد على الأدلة الدامغة.

الإطار النظري: الرق في أفريقيا.. استيعاب اجتماعي أم استغلال اقتصادي؟

قبل الغوص في تفاصيل التجربة السودانية، يمهد نقد لكتابه بطرح إشكاليات نظرية حول طبيعة الرق في أفريقيا، مستعرضاً وجهتي نظر متباينتين سادتا بين المؤرخين وعلماء الاجتماع والأنثروبولوجيا.

  • الاستيعاب والانصهار (وجهة النظر الأولى): ترى هذه المقاربة أن مفهوم الرق في أفريقيا يختلف جذرياً عنه في أوروبا؛ فهو يكاد يمَّحي منه الطابع السلعي البحت ليتخذ طابعاً يقترب من علاقات القرابة. في المجتمعات الأفريقية، كان الرقيق يُستوعب تدريجياً ضمن “النسيج العشائري” (Kin-group)، ويصبح جزءاً من الجماعة التي استرقته. في هذا السياق، لم يكن الفرد حراً باستقلاله الفردي، بل بانتمائه للكيان القبلي؛ فالقبيلة هي التي تحميه وتنتصر له.

  • نمط الإنتاج العبودي (وجهة النظر الثانية): على النقيض من ذلك، ترفض وجهة النظر الثانية تجميل ظاهرة الرق بفكرة الاستيعاب العشائري، وتركز على دور الرقيق في النظام الاقتصادي كوسيلة إنتاج في يد الممالك والسلطات، وتأثير امتلاك الرقيق في توزيع الثروة والسلطة. ورغم أن هذا النمط كان موجهاً للاستهلاك الذاتي وليس للسوق التجاري الرأسمالي، إلا أنه أسس لما يمكن تسميته “نمط إنتاج عبودي” في أفريقيا.

يخلص نقد إلى أن المجتمع السوداني عرف كلا النمطين؛ ففي المجتمعات العشائرية البدوية كان الرقيق يتلاشى تدريجياً ضمن نسيج القرابة، بينما في مواقع السلطة والإنتاج الزراعي أو العسكري المكثف، كان الاستغلال الاقتصادي هو السيد.

الجذور العميقة: من أهرامات مروي إلى عهد “البقط”

يغوص الكتاب في أعماق التاريخ، باحثاً عن الجذور الأولى للرق في وادي النيل. وفي محطة “مروي” القديمة، يصطدم الباحث بشح مصادر المعلومات حول التنظيم الاجتماعي وحياة الناس. يتساءل الكاتب بذكاء استقصائي: “أي قوى عاملة في مجتمع مروي شيَّدت الأهرام والمعابد؟ أي قوى عاملة احتطبت الغابات وأشعلت الأتون لصهر الحديد؟”. الإجابة المنطقية، وإن كانت تنقصها الوثيقة المباشرة، توحي بأن إنجازات ضخمة كهذه لا بد أنها استندت إلى قوى عمل مجبرة ومستعبدة، سواء كانوا أسرى حروب، أو أرقاء خضعوا لسيطرة ملوك مروي ومعابدها.

دخول الإسلام ومعاهدة “البقط”: ينتقل الكتاب ببراعة نحو العصر المسيحي والإسلامي المبكر في السودان. وتبرز هنا معاهدة “البقط” الشهيرة كعلامة فارقة في تاريخ تقنين تجارة وتصدير الرقيق من السودان. ففي الوثائق التي يعرضها الكاتب، نجد “عهد عبد الله بن أبي سرح لعظيم النوبة”، والذي نص صراحة على التزام النوبة بتقديم ضريبة سنوية من الرقيق للإمام المسلمين.

“… وعليكم في كل سنة ثلثمائة وستون رأساً تدفعونها إلى إمام المسلمين من أوسط رقيق بلادكم غير المعيب، يكون فيها ذكران وإناث، ليس فيها شيخ هرم ولا عجوز ولا طفل لم يبلغ الحلم…”.

هذه المعاهدة، التي استمرت لقرون، نظمت تدفق القوافل المحملة بالرقيق من الممالك النوبية نحو مصر. ولم يكن هذا التصدير مجرد حادث عرضي، بل كان بنداً اقتصادياً وسياسياً ملزماً، شكل عبئاً ثقيلاً على السكان المحليين بمرور الزمن.

رقيق السودان وأسواق النخاسة في الممالك الإسلامية

لا يكتفي محمد إبراهيم نقد برصد مصدر الرقيق، بل يتتبع مساراتهم نحو الشمال، وتحديداً في مصر والممالك المجاورة. ازدهرت تجارة الرقيق من السودان وشرق أفريقيا، وانتعشت أسواق النخاسة التي ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بآليات الصراع الأموي والعباسي على السلطة.

تضخمت ظاهرة استقدام الأرقاء والموالي لأداء الوظائف الدفاعية والعسكرية، حتى بات الرقيق يرجحون كفة سيدهم القادم على سيده الذي كان. وفي مصر، توسع أحمد بن طولون في استجلاب الرقيق الأسود وخاصة فرق المشاة في الجيش، ونظم غزوات لصيدهم في صعيد مصر وضد النوبة والبجة.

يقدم الكتاب تفصيلاً دقيقاً ومؤلماً لمعايير سوق النخاسة في تلك العصور، مستشهداً بوصف الطبيب البغدادي “ابن بطلان” (ت 1063م) في كتابه حول “شراء الرقيق وتقليب العبيد”. يعكس هذا النص التاريخي كيف تحول الإنسان إلى مجرد سلعة تخضع لتقييمات مادية قاسية بناءً على اللون، والعرق، والصفات الجسدية؛ حيث صُنفت النساء حسب أصولهن (النوبيات، الحبشيات، البجاويات، الزنجيات) لتحديد أيهن تصلح للخدمة الشاقة، وأيهن للذة، وأيهن للمتعة.

  • النوبيات: وُصفن بأن فيهن دين وخير وعفة وإذعان للمولى، وأجسامهن تمتاز برقة اللطف.

  • البجاويات: ناعمات البشرة، جواري متعة، إلا أن الكاتب التاريخي أشار لبعض عيوبهن بأسلوب استشراقي فج في ذلك العصر.

إن هذا التصنيف البارد يعكس وحشية النظام الاقتصادي والاجتماعي الذي ساد، حيث تحول الجسد البشري إلى مضمار للمساومة والربح.

الدخول في نفق الأطلنطي المظلم: الرأسمالية وتجارة البشر

يأخذنا محمد إبراهيم نقد في الفصل الثاني من كتابه في رحلة أوسع وأشمل، متجاوزاً الحدود الجغرافية للسودان ليضع مؤسسة الرق في سياقها العالمي، وتحديداً “رواد الاسترقاق وتجارة الرقيق في أفريقيا”. لا يمكن فهم عمق المأساة السودانية دون النظر إلى المسرح الدولي الذي كانت تديره القوى الاستعمارية الكبرى.

بدأت المأساة الإنسانية الكبرى مع إبحار سفن البرتغال من شواطئ لشبونة، مدفوعة برياح الكشوفات الجغرافية، لتجوب الساحل الغربي لأفريقيا. لم يكن الهدف في البداية سوى “صيد بشري مريع”، وسرعان ما تحول إلى نشاط مؤسسي أقيمت له المرافئ والمراكز التجارية الحصينة على مدى ثلاثين عاماً (1446 – 1476م). كانت البرتغال صاحبة قصب السبق، مخترقة القارة من أنغولا إلى موزمبيق، وعابرة المحيط الأطلنطي نحو البرازيل وجزر الكاريبي.

يُشير الكاتب بأسى إلى أن هذا النشاط الاستنزافي أكسب الجزر المحاذية للساحل الأفريقي اسماً حميماً في ظاهره، وموحشاً في باطنه: “الأم السوداء” (Black Mother)، حيث أصبحت هذه المرافئ محطات ترانزيت (عبور) لتجميع الأرقاء وتوريدهم.

إسبانيا وإنجلترا: من استبدال الضحايا إلى احتكار السوق لم تكن إسبانيا أقل وحشية، بل لعبت دوراً مزدوجاً في مأساة الرق. فبعد أن سحقت حضارات الهنود الحمر في مستعمراتها بالكاريبي وأبادتهم، اقترح الأسقف “بارتلومي دي لاس كاساس” عام 1518 جلب الرقيق من أفريقيا ليحلوا محل الهنود في الزراعة والمناجم. يتساءل الكاتب هنا مستنكراً: “هل يقبل الرب يسوع استبدال تعاسة شعب بتعاسة شعب آخر؟!”.

أما إنجلترا، فقد دخلت الحلبة لتنتزع لنفسها مكانة “الناقل العالمي الأول” للرقيق. وفي ميناء ليفربول، التقت شبكات الخطوط البحرية وعُقدت الصفقات، حتى اكتظت حظائرها بالسلعة السوداء.

يضع الكاتب أمامنا رقماً يبعث على القشعريرة: “ثلاثة قرون غبراء كالحة من تجارة الرقيق عبر الأطلنطي استنزفت أفريقيا بـ 40 مليون إنسان، 90% منهم شباب”. هذا الاستنزاف لم يكن مجرد تجارة، بل كان عاملاً حاسماً في التمهيد للثورة الصناعية وإرساء قواعد النظام الرأسمالي في القارات الأربع.

إلغاء الرق: صحوة الضمير أم براغماتية الآلة البخارية؟

في تحليل مادي وتاريخي عميق، يفكك نقد السردية الرومانسية التي تعزو إلغاء الرق حصرياً إلى الصحوة الأخلاقية والدينية في أوروبا. فرغم إقراره بدور دعاة الإنسانية ورجال الدين، يؤكد الكاتب أن المحرك الأساسي كان اقتصادياً بامتياز.

شهد الربع الأخير من القرن الثامن عشر أحداثاً زلزلت مؤسسة الاسترقاق، أبرزها الثورة الأمريكية، والثورة الفرنسية، والأهم: “اختراع جيمس وات للآلة البخارية”. لقد أحدثت الثورة الصناعية قفزة في إنتاجية “العمل الأجير”، متجاوزة إنتاجية عمل الأرقاء. وبدأت أفكار علم الاقتصاد السياسي، وعلى رأسها أفكار “آدم سميث”، تنتشر لتثبت أن عمل الرقيق هو الأعلى تكلفة والأقل عائداً على المدى البعيد.

هنا، “سقط القناع الأيديولوجي باسم الدين المسيحي” الذي طالما برر الاسترقاق بحجة إنقاذ الأرواح المتوحشة، ليحل محله قانون اقتصادي جديد يرى في الآلة والمصنع بديلاً أنجع من المزرعة والسوط.

تعويض الملاك لا الضحايا: من المفارقات الصارخة التي يوثقها الكتاب، مرسوم عتق الأرقاء الذي أجازه البرلمان البريطاني عام 1833. فبدلاً من تعويض الضحايا الذين سُلبوا حريتهم وأعمارهم، قدمت الحكومة البريطانية 20 مليون جنيه إسترليني “لتعويض الملاك” عن فقدان ممتلكاتهم البشرية. ولم يكتفِ القانون بذلك، بل اشترط أن يبقى الرقيق المعتق عاملاً بأجر لدى مالكه كصبي تحت التدريب لمدة 12 سنة للرقيق العامل في الحقول، و7 سنوات لرقيق الخدمة المنزلية، مع خصم جزء من الأجر لتغطية تعويض المالك!

الرق في مجتمع الفونج: حين تتشابك السبحة مع قيد المسترق

يعود بنا محمد إبراهيم نقد إلى الداخل السوداني، وتحديداً إلى عهد “السلطنة الزرقاء” (الفونج)، ليفتح ملفاً بالغ التعقيد والتشابك: علاقة الطرق الصوفية وزعاماتها بمؤسسة الرق.

يعتمد الكاتب في هذا الفصل على وثيقة تاريخية نادرة تعود لعام 1754م، وهي “حجة شرعية” أصدرها الشيخ خوجلي في نزاع حول ملكية “أمة” (جارية) بين شريكين. هذه الوثيقة اليتيمة، كما يصفها نقد، تفصح عن واقع استقر فيه الرق كمؤسسة شرعية واقتصادية؛ فالشراكة في رأس رقيق كانت تمثل نشاطاً تجارياً مألوفاً، والاحتكام لفض النزاعات لم يكن يتم عبر مؤسسات دولة مركزية، بل عبر فتاوى الشيوخ الذين امتلكوا سلطة روحية وقضائية.

يغوص الكتاب في تحليل هذه الظاهرة بموضوعية شديدة، مبعداً هالة التقديس المطلق عن التاريخ. يوضح كيف أن الطرق الصوفية في عهد الفونج استندت في بنائها الاقتصادي إلى العمالة الرقيقة. فالأراضي الزراعية الواسعة التي أُقطعت للشيوخ (الجاه) كانت بحاجة إلى أيدٍ عاملة كثيفة لزراعتها.

“سادت بين الناس عادات وتقاليد نذر الرقيق لشيوخ الصوفية إن أسهمت بركاتهم الروحية في قضاء متطلباتهم وحوائجهم… واستخدم الرقيق صفاً متواتراً في الهدايا التي يقدمها البسطاء والأعيان والسلاطين للشيوخ”.

لم يكن عمل الرقيق مقتصراً على الزراعة، بل امتد لخدمة “الخلاوي” (مدارس القرآن)، وإعداد الطعام للضيوف والحيران (طلاب العلم)، بل ووصل الأمر إلى استخدامهم كقوة لحفظ النظام وتأمين طرق القوافل. في هذا السياق، تداخلت السلطة الروحية مع الهيكل الاقتصادي العبودي، فأصبحت الجواري والعبيد جزءاً لا يتجزأ من الآلة الإنتاجية التي حافظت على استمرارية ونفوذ هذه الطرق.

كما يتطرق الكتاب بجرأة إلى علاقة “التسري” (اتخاذ الجواري)، وكيف أدت في أحيان كثيرة إلى دمج دماء الأرقاء في العائلات الصوفية والمجتمع بشكل عام، مما خلق تركيبة اجتماعية معقدة ذابت فيها الفروق العرقية الصارمة تدريجياً عبر الأجيال، وإن ظلت الوصمة الاجتماعية قابعة في اللاوعي الجمعي.

سنار.. عاصمة التجارة ومحطة الأحزان

يستعين نقد بمشاهدات الرحالة الغربيين، مثل كراوفورد وجيمس بروس، لرسم صورة حية ومروعة لأسواق النخاسة في مدينة سنار. يصف كراوفورد كيف كان سوق سنار من أكثر المدن المأهولة بالسكان بعد القاهرة، يعج بتجارة دقيقة لسلع متنوعة، كان من بينها البشر.

ينقل الكاتب مشاهد مؤلمة من مذكرات الرحالة: “وفي السوق يباع الرقيق، الذكور والإناث، من كل الأعمار كما تباع الأبقار… ويُساق كل يوم مائتان أو ثلاثمائة منهم للنخاسة”. كانت الفحوصات الجسدية التي يخضع لها الرقيق قبل الشراء مهينة ومجردة من أي إنسانية، حيث تُفحص الأسنان والفم وكل جزء من الجسد بفظاظة، كأي سلعة تُساوم قيمتها.

ولا تتوقف المأساة عند حدود سوق سنار، بل تمتد إلى القوافل المتجهة شمالاً عبر الصحراء إلى مصر. يورد الكاتب وصفاً مؤثراً لقافلة رقيق في طريقها وسط حرارة الشمس اللاهبة؛ حيث يسير الأرقاء مكبلين، لا تغطي أجسادهم سوى خرق بالية، يواجهون الموت عطشاً وجوعاً في هجير اللابة. وإذا سقط أحدهم إعياءً، كان يُترك وحيداً ليموت في صمت وسط الرمال، في مشهد يختزل قسوة هذا النظام المريع.

تستكمل هذه القراءة التحليلية في كتاب محمد إبراهيم نقد رحلتها عبر التاريخ السوداني، لتنتقل من أسواق سنار إلى آفاق سلطنة دارفور، حيث اتخذت مؤسسة الرق هناك طابعاً إدارياً وتنظيمياً فريداً جعل منها جزءاً أصيلاً من هيكل الدولة. ففي دارفور، لم يكن الرقيق مجرد قوة عاملة في الحقول، بل تحولوا إلى “أدوات سلطة” فاعلة، حيث استوعبت السلطنة الأرقاء في مناصب سيادية وعسكرية رفيعة، ومنحتهم ألقاباً مثل “المقدوم” و”المنجل” لضمان ولاءٍ مطلق يتجاوز الانتماءات القبلية المتصارعة. وكان “درب الأربعين” الشهير، الذي يربط الفاشر بأسيوط، يمثل الشريان الاقتصادي الذي تدفقت عبره القوافل، مما جعل من مؤسسة الرق ركيزة أساسية في التبادل التجاري وبناء القوة العسكرية للسلطنة.

ومع مطلع القرن التاسع عشر، دخل السودان نفقاً جديداً مع الغزو التركي المصري عام 1821، وهو العهد الذي يصفه نقد بأنه شهد “تأميم” عملية الاسترقاق وتحويلها إلى سياسة رسمية للدولة. لم يعد صيد البشر نشاطاً عشوائياً، بل أصبح “مهمة عسكرية” منظمة تحت مسمى “الغزوة”، حيث كان الجيش يُساق نحو جبال النوبة وأعالي النيل ليس لجباية الضرائب فحسب، بل لجلب “الرجال” اللازمين لبناء جيش محمد علي باشا الحديث. وفي هذه الحقبة، ظهرت “الزريبات” في بحر الغزال كإقطاعيات تجارية وعسكرية مستقلة تقريباً، قادها أباطرة تجارة الرقيق مثل الزبير باشا، مما خلق واقعاً اقتصادياً واجتماعياً مريراً استنزف طاقات البلاد البشرية.

حين اندلعت الثورة المهدية، حملت معها وعوداً بالانعتاق، وانخرط آلاف الأرقاء (الجهادية) في صفوفها كقوة ضاربة ساهمت في إسقاط الخرطوم. ومع ذلك، يحلل نقد بجرأة كيف اصطدمت طموحات التحرير بضرورات الدولة الناشئة؛ إذ لم تلغِ المهدية الرق كمؤسسة، بل أعادت تأطيره وفق أحكام “الغنائم” (الفيا)، فصار أرقاء الخصوم ملكاً للدولة، بينما احتفظ الأنصار بأرقائهم لضمان استمرار الإنتاج الزراعي في ظل الحروب والمجاعات. لقد كانت المهدية محطة صراع بين نداء الحرية وبين هيكل اجتماعي واقتصادي كان الرق أحد أعمدته التي يصعب هدمها بقرار مفاجئ.

بدأت مرحلة “الاضمحلال” الفعلي مع دخول الحكم الثنائي، ولكن ليس فقط بسبب القوانين البريطانية أو “مكاتب العتق” التي أُنشئت، بل نتيجة تحول اقتصادي بنيوي أعمق. يرى نقد أن ظهور “مشروع الجزيرة” والسكك الحديدية أدى إلى نشوء “سوق العمل الحر”، حيث أثبتت التجربة أن العامل الأجير أكثر إنتاجية وأقل تكلفة من الرقيق الذي يحتاج إلى إعاشة وحراسة. وهكذا، بدأ الرق يتلاشى تدريجياً عندما فقد وظيفته الاقتصادية، وانكسرت القيود تحت وطأة الحداثة القسرية والضغوط الدولية.

يختتم محمد إبراهيم نقد هذا السفر القيم بالتأكيد على أن فهمنا للسودان المعاصر يظل ناقصاً ما لم نستوعب “كيمياء التكوين” التي تفاعلت فيها مؤسسات الأرض، والطرق الصوفية، والكيانات الإثنية، مع مؤسسة الرق. إن اضمحلال الرق كعلاقة قانونية لم يعنِ بالضرورة زوال آثاره النفسية والاجتماعية، وهو ما يجعله يدعو في نهاية كتابه إلى مواجهة هذا التاريخ بشجاعة، ليس لفتح الجراح، بل لتنقية الذاكرة الوطنية وبناء مستقبل يتجاوز تراتبية الماضي نحو أفق المواطنة المتساوية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى