أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

التاريخ اليهودي: من العصور القديمة إلى الحاضر”

يمثل كتاب “التاريخ اليهودي: من العصور القديمة إلى الحاضر” (Jüdische Geschichte: Von der Antike bis zur Gegenwart) للمؤلف ماتياس ب. ليمان، الصادر عن دار النشر الألمانية العريقة (C.H. Beck) في عام 2025، محاولة جادة ومعمقة لتفكيك تعقيدات واحد من أكثر التواريخ الإنسانية تشابكاً وإثارة للجدل. لا يكتفي هذا السفر التاريخي بسرد تسلسلي للأحداث، بل يغوص في البنى السوسيولوجية والفلسفية التي شكلت الهوية اليهودية عبر آلاف السنين، متنقلاً بمرونة بين التحليل الجيوسياسي لمواقع تمركز اليهود، وبين تطور لاهوتهم ونصوصهم المقدسة.

إشكالية التأسيس: بين الدين والقومية

يبدأ ليمان كتابه بطرح سؤال منهجي جوهري يعكس صميم الفلسفة التاريخية: “ما هو التاريخ اليهودي؟ هل هو تاريخ اليهود؟ أم تاريخ اليهودية؟ هل هو تاريخ شعب أم تاريخ دين؟”. يضعنا هذا التساؤل المزدوج أمام المعضلة الأساسية التي ترافق الهوية اليهودية منذ نشأتها وحتى اليوم. يرى المؤلف أن الهوية “القومية” والهوية “الدينية” تتداخلان بشكل لا يمكن فصله، سواء في التاريخ اليهودي قبل الحديث أو في العصر الحديث.

لتفكيك هذه الجدلية، يلجأ ليمان إلى مقارنة فقهية وفلسفية بالغة الدلالة بين اثنين من أبرز مفكري العصور الوسطى اليهودية: موسى بن ميمون (الذي عاش في الأندلس ومصر) وحاخام شمال فرنسا البارز “راشي”. المقارنة تتمحور حول النظرة إلى “التحول الديني” (التحول إلى اليهودية أو الخروج منها) وكيف يؤثر ذلك على الانتماء “القومي” أو العرقي للشعب اليهودي.

بالنسبة لابن ميمون، فإن غير اليهودي الذي يعتنق اليهودية يُصبح “كطفل حديث الولادة”، وتُقطع صلات قرابته الدموية السابقة تماماً، لدرجة أنه نظرياً – وبحسب النص التوراتي – يمكنه الزواج من أمه أو أخته إذا أسلمتا لليهودية أيضاً، لأن حظر زنا المحارم ينتفي بانقطاع شجرة الأنساب السابقة (رغم أن الحاخامات منعوا ذلك عملياً). هذا الرأي الميموني يجعل من التحول الديني تغييراً جذرياً في “القومية” والجينالوجيا. في المقابل، يتخذ الحاخام “راشي” موقفاً معاكساً في فتواه حول رجل يهودي ارتد إلى المسيحية؛ إذ يرى راشي أن الارتداد الديني لا يلغي الانتماء القومي، مستنداً إلى مقولة تلمودية: “رغم أنه أخطأ، إلا أنه يبقى جزءاً من إسرائيل”. هذه المساحة المتوترة بين الانتماء اللاهوتي (الدين) والانتماء الأنطولوجي/العرقي (الشعب) هي المحرك الأساسي للديناميكيات التاريخية التي يطرحها الكتاب.

التوراة، الهيكل، والشتات: التفاعل مع الهيلينية

ينتقل التحليل إلى مرحلة مفصلية تبدأ مع السيطرة الفارسية ثم الهيلينية. يذكر الكتاب كيف سمح الإمبراطور الفارسي قورش العظيم عام 539 قبل الميلاد للمنفيين في بابل بالعودة إلى أورشليم وبناء الهيكل الثاني. لكن الحدث الأهم لم يكن مجرد إعادة بناء الحجر، بل تأسيس سلطة النص. فمع اختتام تدوين القانون الكتابي (التوراة) وكتب الأنبياء، بدأت عملية تفسير مستمرة للنص المقدس، مما سمح لليهودية بالبقاء والتكيف مع التغيرات التاريخية العنيفة.

مع صعود الإسكندر الأكبر ودخول الشرق الأوسط تحت عباءة الثقافة الهيلينية، واجهت اليهودية تحدياً معرفياً وسياسياً هائلاً. يوضح ليمان أن الهيلينية لم تكن مجرد توسع عسكري يوناني، بل كانت عملية اندماج ثقافي أنتجت توليفات جديدة. ظهر هذا التفاعل في تبني مفاهيم فلسفية يونانية لم تكن موجودة في التوراة، مثل فكرة “خلود الروح” الأفلاطونية التي تبنتها مدرسة الفريسيين، ورفضتها مدرسة الصدوقيين الذين تمسكوا بحرفية النص التوراتي المكتوب.

بلغ الصراع الثقافي ذروته عندما حاول الملك السلوقي أنطيوخوس الرابع فرض سياسات هَلْيَنَة قسرية عام 167 قبل الميلاد، مانعاً الممارسات الدينية اليهودية كالختان وحفظ السبت، مما أدى إلى اندلاع ثورة المكابيين. أدت هذه الثورة إلى تأسيس سلالة الحشمونيين ودولة يهودية مستقلة استمرت حتى الغزو الروماني عام 63 قبل الميلاد.

هنا، يبرز ليمان نقطة سوسيولوجية دقيقة ومهمة، مستنداً إلى المؤرخ شاي كوهين؛ ففي العهد الحشموني، وتحت تأثير مفهوم “المواطنة” اليوناني (Politeia)، تحول مصطلح “يهودي” (Ioudaios) تدريجياً من دلالته الإثنية الجغرافية (نسبة إلى منطقة يهوذا) إلى دلالة دينية وثقافية أوسع، تسمح بـ “التحول” لليهودية لأسباب ثقافية ودينية، كما حدث مع دمج الأدوميين بعد هزيمتهم.

بالتوازي مع يهودا، يلقي الكتاب الضوء على الشتات اليهودي المبكر، رافضاً النظرة التبسيطية التي تساوي بين “الشتات” (Diaspora) و”المنفى” (Exile). ففي العصر الهيليني، عاش الكثير من اليهود طوعاً في الإسكندرية وروما وآسيا الصغرى. يهود الإسكندرية، على سبيل المثال، أنتجوا نسخة التوراة اليونانية المعروفة بـ “السبعينية” (Septuaginta) في القرن الثالث قبل الميلاد، وأنجبوا فلاسفة مثل فيلون السكندري الذي قرأ التوراة كقصة رمزية فلسفية. بالنسبة لهؤلاء، لم يكن الشتات أزمة هوية، بل امتداداً جغرافياً وثقافياً يحافظ على ارتباطه الروحي بهيكل أورشليم.

رغم هذا الاندماج العالي، يوثق الكتاب جذور “معاداة اليهودية” في العصور القديمة قبل المسيحية. ففي عام 38 للميلاد، وقع هجوم وحشي من قبل الغوغاء في الإسكندرية ضد جيرانهم اليهود، مدفوعاً بتوترات حول حقوق المواطنة، ومغذى بخطابات معادية مثل تلك التي روج لها الكاتب أبيون، الذي اتهم اليهود بكراهية البشر وممارسة طقوس دموية وهمية، وهي سردية خطيرة ستجد أصداءً مروعة في فترات لاحقة من التاريخ الأوروبي.

صدمة الخراب وصعود اليهودية الحاخامية

شكل تدمير الرومان للهيكل الثاني في القدس عام 70 للميلاد، بعد قمع الثورة اليهودية بوحشية، صدمة وجودية وتاريخية كبرى. كيف يمكن للديانة اليهودية، التي كان الهيكل وتقديم القرابين يشكلان مركز ثقلها، أن تستمر؟.

يجيب ليمان على ذلك من خلال استعراض نشأة “اليهودية الحاخامية”. تروي الأساطير أن الحاخام يوحنان بن زكاي هُرب سراً في تابوت من القدس المحاصرة إلى القائد الروماني فسبازيان، ليطلب منه الإذن بتأسيس مدرسة لاهوتية في بلدة يافني (يبنا). في يافني، بدأت عملية إعادة بناء الحياة اليهودية حول “النص” بدلاً من “المكان”.

الأساس الذي قامت عليه هذه المرحلة هو مفهوم “التوراة الشفوية” (Torah she-be’al peh)، التي يعتقد الحاخامات أنها أُوحيت لموسى في سيناء جنباً إلى جنب مع التوراة المكتوبة. حُفظت هذه التقاليد الشفوية ودُونت في مطلع القرن الثالث الميلادي في نص يُعرف بـ “المشنا” (Mishnah) تحت إشراف الحاخام يهوذا هناسي.

لم تكن المشنا مجرد مدونة قانونية بسيطة، بل كنـزاً من الآراء الفقهية المتعددة. وتوسع هذا العمل لاحقاً ليشمل نقاشات وشروحات مفصلة عُرفت بـ “الجيمارا” (Gemara)، ليشكلا معاً ما يُعرف بـ “التلمود”. يبرز الكاتب هنا أهمية التلمود البابلي (Talmud Bawli)، الذي كُتب أغلبه بالآرامية في بلاد الرافدين، والذي تأثر بشكل مثير للاهتمام بالبيئة المحيطة به في الإمبراطورية الساسانية الفارسية. يشير ليمان إلى دراسات حديثة تُظهر تشابهات هيكلية وأسلوبية بين التلمود البابلي والنصوص الزرادشتية ككتاب الزند، مما يؤكد أن اليهودية الحاخامية تطورت في تفاعل مستمر مع الثقافات الإمبريالية المحيطة بها، ولم تكن معزولة في فراغ.

إن الانتقال من ديانة هيكل مركزية إلى ديانة نصية لا مركزية هو ما مكن المجتمعات اليهودية من تشكيل “شبكات” أفقية صلبة، استطاعت من خلالها الصمود أمام صدمات النفي المتتالية. في التلمود، لا يوجد مكان لحسم عقائدي دوغمائي أحادي، بل هناك مساحة مذهلة للنقاش والتأويل اللانهائي. يورد الكتاب قصة تلمودية بليغة عن الحاخام أليعازر الذي استدعى معجزات إلهية (كتحريك شجرة أو جعل النهر يجري للخلف) وحتى صوتاً من السماء لإثبات صحة رأيه الفقهي، ليرد عليه الحاخامات الآخرون مستندين إلى آية توراتية: “ليست هي في السماء”، مؤكدين أن سلطة التشريع وتفسير النص انتقلت إلى الأرض، إلى الإجماع الحاخامي البشري، ولا رجعة عن ذلك حتى بتدخل إلهي مباشر .

تحت ظلال الهلال: “أهل الذمة” والازدهار الفلسفي

يرى ليمان أن الفتوحات الإسلامية في القرن السابع الميلادي شكلت نقطة تحول جيوسياسي حاسمة للتاريخ اليهودي. فلأول مرة منذ قرون، وقعت الغالبية العظمى من اليهود تحت سلطة سياسية واحدة تمتد من أطراف الهند إلى الأطلسي. هذا “التوحيد الإمبراطوري” تحت راية الخلافة لم يسهل التجارة فحسب، بل أدى إلى توحيد السلطة الدينية اليهودية حول “رؤساء المثبتات” (Geonim) في بابل، الذين أصبحت فتاواهم وقراراتهم نافذة من بغداد إلى القيروان.

يوضح الكتاب أن وضع اليهود كـ “أهل ذمة” أو “محميين” (Dhimmi) ضمن لهم الحماية الجسدية وحرية العبادة مقابل دفع الجزية والاعتراف بسيادة الإسلام. ورغم أن هذا الوضع تضمن قيوداً اجتماعية معينة، إلا أنه وفر لليهود استقراراً قانونياً سمح لهم بالاندماج في الحياة الحضرية. وهنا يبرز ليمان ظاهرة “التعريب” الثقافي؛ حيث لم يقتصر الأمر على تبني اليهود للغة العربية كلسان يومي، بل اعتمدوها كلغة للبحث الفلسفي والعلمي واللاهوتي.

في هذا السياق، يبرز ليمان شخصية “سعديا الفيومي” (Saadia Gaon)، الذي ترجم التوراة إلى العربية وكتب “كتاب الأمانات والاعتقادات”. يرى المؤلف أن سعديا لم يكن مجرد لاهوتي، بل كان “مثقفاً إمبراطورياً” استخدم أدوات علم الكلام الإسلامي والفلسفة اليونانية المترجمة للعربية ليدافع عن العقلانية في اليهودية ضد حركات التشكيك (مثل القراءين). هذا التلاقح الثقافي بلغ ذروته في الأندلس، حيث أنتجت “سفارد” (اليهودية الأندلسية) شعراء وفلاسفة ووزراء، مثل حسداي بن شبروط وموسى بن ميمون. الأخير، الذي كتب “دلالة الحائرين” بالعربية، يمثل في نظر ليمان قمة التوليف بين الوحي التوراتي والأرسطية الإسلامية، وهو عمل لم يكن ليظهر لولا البيئة الفكرية المنفتحة التي وفرتها الحضارة الإسلامية.

عالم “الجنيزا”: نافذة على التاريخ الاجتماعي والشبكات العابرة للحدود

لا يكتفي ليمان بالحديث عن النخب الفكرية، بل يغوص في التاريخ الاجتماعي لليهود من خلال وثائق “جنيزا القاهرة”. والجنيزا هي مخزن في كنيس بن عزرا بفسطاط القاهرة، حيث كان اليهود يودعون أي ورق مكتوب عليه اسم الله بدلاً من إتلافه. اكتشاف هذه الوثائق في أواخر القرن التاسع عشر وفر لعلماء التاريخ (وعلى رأسهم س. د. غويتين الذي يستشهد به ليمان بكثافة) مادة خاماً لا تقدر بثمن.

تكشف وثائق الجنيزا عن “بحر متوسط يهودي” نابض بالحياة. يصف ليمان شبكات التجارة التي ربطت بين القاهرة، القيروان، صقلية، وعدن. لم تكن هذه الشبكات مجرد طرق لتبادل التوابل والمنسوجات، بل كانت قنوات لنقل المعلومات والكتب والأموال والأشخاص. نرى في الكتاب قصصاً لنساء يدرن أعمالاً تجارية، ولأسر مشتتة تتراسل عبر القارات، ولطلبة علم ينتقلون من الأندلس إلى بغداد. إن أهمية “الجنيزا” تكمن في أنها تكسر الصورة النمطية لليهودي “المعزول”؛ فقد أظهرت أن اليهود في دار الإسلام كانوا جزءاً لا يتجزأ من النسيج الاقتصادي والاجتماعي، يتشاركون مع جيرانهم المسلمين والمسيحيين في العقود التجارية، وحتى في الممارسات الثقافية اليومية.

تحت ظلال الصليب: من “عبيد الغرفة” إلى المذابح

ينتقل ليمان بالتحليل إلى القارة الأوروبية، حيث تبلورت هوية “أشكناز” (اليهودية في ألمانيا وشمال فرنسا). هنا، كان المشهد مختلفاً تماماً. ففي غياب إطار قانوني موحد كقانون الذمة الإسلامي، ظل وضع اليهود في أوروبا المسيحية هشاً ومعتمداً على “الامتيازات” التي يمنحها الملوك أو الأباطرة.

يحلل الكتاب المفهوم القانوني المثير للجدل: “عبيد الغرفة الملكية” (Servi camerae regis). وفقاً لهذا المفهوم، كان اليهود يُعتبرون ملكية خاصة للتاج؛ يحميهم الملك لفوائدهم الاقتصادية (خاصة في مجال الإقراض الذي كان محرماً على المسيحيين)، لكنهم في المقابل محرومون من الحقوق السياسية وخاضعون لضرائب باهظة.

يوثق ليمان تحول العصور الوسطى الأوروبية من مرحلة “التعايش الهش” إلى مرحلة “الاضطهاد المنظم”. كانت الحروب الصليبية (التي بدأت عام 1096) نقطة الانفجار؛ حيث تعرضت المجتمعات اليهودية في حوض الراين لمذابح وحشية على يد الغوغاء المتجهين للقدس. يرى ليمان أن هذه اللحظة لم تكن مجرد عنف عابر، بل كانت ولادة لثقافة “الاستشهاد” (Kiddush ha-Shem) في الذاكرة الأشكنازية، حيث فضل الكثيرون الانتحار الجماعي على التحول القسري للمسيحية.

صناعة “الآخر”: فرية الدم والتحولات اللاهوتية

في الفصول المتعلقة بالقرنين الثالث عشر والرابع عشر، يرصد ليمان صعود “معاداة السامية” اللاهوتية والشعبية في أوروبا. لم يعد اليهودي يُرى فقط كـ “كافر” يرفض المسيح، بل تحول في المخيال الجمعي إلى “عدو وجودي” يتآمر ضد المجتمع المسيحي. هنا يحلل الكتاب نشأة “فرية الدم” (الادعاء بأن اليهود يقتلون الأطفال المسيحيين لاستخدام دمائهم في طقوس الفصح) واتهامات “تسميم الآبار” خلال وباء الموت الأسود عام 1348.

يوضح ليمان أن الكنيسة، خاصة بعد مجمع لاتران الرابع (1215)، بدأت بفرض سياسات عزل اجتماعي، مثل إلزام اليهود بارتداء شارات تمييزية أو قبعات خاصة، ومنعهم من تولي مناصب عامة. هذا العزل لم يكن مادياً فقط، بل كان فكرياً أيضاً، حيث بدأت الكنيسة في مهاجمة “التلمود” واعتبرته نصاً يحرض على كراهية المسيحيين، مما أدى إلى حرق آلاف المخطوطات التلمودية في باريس عام 1242.

التطهير والشتات الجديد: عام 1492 وما بعده

 مع سقوط الأندلس وطرد اليهود من إسبانيا عام 1492. يرى ليمان أن هذا الحدث لم يكن مجرد نهاية لوجود مادي، بل كان زلزالاً غير وجه التاريخ اليهودي. فمن رحم هذا الطرد ولدت “الدياسبورا السفاردية” الثانية؛ حيث تشتت يهود إسبانيا في شمال أفريقيا، والشرق الأوسط (تحت كنف الدولة العثمانية الصاعدة)، وحتى في أمريكا اللاتينية وهولندا.

يشدد ليمان على أن تجربة الطرد القسري هذه ولدت ميولاً صوفية ومسيحانية عميقة، تجلت في ظهور مدرسة “قَبَالَة” (Kabbalah) الحاخام إسحاق لوريا في صفد بفلسطين. بدأت الأسئلة الوجودية تسيطر: لماذا هذا النفي الطويل؟ وكيف يمكن إصلاح العالم (Tikkun Olam)؟ هذه الصوفية لم تكن هروباً من الواقع، بل كانت محاولة لإعطاء معنى للألم التاريخي، وهي التي ستمهد الطريق لاحقاً للتحولات الكبرى في العصور الحديثة.

إن ليمان في هذا الجزء من كتابه، ينجح في رسم لوحة بانورامية للتناقضات؛ حيث يظهر اليهود كلاعبين اقتصاديين وفكريين مركزيين في العالم الإسلامي، وكضحايا للتهميش والعنف الهيكلي في العالم المسيحي، مؤكداً أن “التاريخ اليهودي” هو في جوهره قصة التفاعل القلق والحيوي مع “الآخر” الديني والسياسي.

تصدعات الجدران وأنوار الحداثة: من متاهات الصوفية إلى صدمة التنوير

يدلف بنا ماتياس ليمان في هذا الجزء من كتابه إلى الحقبة الحديثة المبكرة، وهي الفترة التي شهدت تحولات زلزالية في بنية المجتمع اليهودي، نقلته من عزلة “الغيتو” العقلية والمادية إلى فضاءات الحداثة الأوروبية الصاخبة. لم تكن هذه الرحلة مفروشة بالورود، بل كانت مساراً محفوفاً بالانقسامات الداخلية العميقة، والأزمات الروحية التي كادت تعصف بالهوية الجماعية. يبرع ليمان في رسم خريطة هذا التحول، رابطاً بين حركة السفن التجارية في موانئ أمستردام وهامبورغ، وبين حلقات الصوفية في القرى المنسية في بولندا وأوكرانيا، ليؤكد أن التاريخ اليهودي في هذه المرحلة لم يكن يسير في اتجاه واحد، بل في مسارات متوازية ومتصادمة أحياناً.

بدأت ملامح هذا العصر الجديد تتشكل من رحم الشتات السفاردي الذي أعقب طرد يهود إسبانيا. يصف ليمان نشأة طبقة “يهود الموانئ” في مدن مثل أمستردام وليفورنو، حيث وجد “المسيحيون الجدد” (اليهود الذين أُجبروا على التنصر ثم عادوا لدينهم الأصلي) مساحة من الحرية الدينية والازدهار الاقتصادي. هؤلاء لم يكونوا يهوداً تقليديين؛ فقد حملوا معهم ثقافة إيبيرية أوروبية، ولغات متعددة، وعقلية تجارية عابرة للحدود. أمستردام، على وجه الخصوص، تحولت في نظر ليمان إلى “أورشليم الجديدة”، حيث اندمجت فيها الأرثوذكسية اليهودية مع روح التسامح التجاري الهولندي. لكن هذا الانفتاح ولد أيضاً أزمات فكرية كبرى، تجسدت في شخصية باروخ سبينوزا، الذي طُرد من المجتمع اليهودي في عام 1656 بسبب أفكاره الفلسفية الراديكالية التي تحدت مفهوم الوحي الإلهي، مما شكل أول إرهاصات الصدام بين الإيمان التقليدي والعقلانية الحديثة.

بالتوازي مع هذا التحول الفكري في الغرب، كان الشرق الأوروبي يغلي بأزمات من نوع آخر. يسلط ليمان الضوء على العام “المشؤوم” 1648، حين اندلعت ثورة “خميلنيتسكي” في بولندا وليتوانيا، والتي تعرض خلالها اليهود لمذابح مروعة أسفرت عن تدمير مئات المجتمعات. يرى المؤلف أن هذا الانكسار المادي ولد حاجة ماسة لتعزية روحية، وهو ما مهد الطريق لظهور “الحركة المسيحانية” الأكثر إثارة للجدل في التاريخ اليهودي، بقيادة شبتاي تسفي. في عام 1666، اجتاحت “حمى شبتاي” المجتمعات اليهودية من غزة إلى لندن، حيث آمن الآلاف بأنه المسيح المنتظر الذي سيعيدهم إلى الأرض المقدسة. ورغم أن الحركة انتهت بنهاية درامية مع اعتناق تسفي للإسلام تحت تهديد السلطان العثماني، إلا أن ليمان يحلل أثر هذه “الصدمة” بعمق؛ فقد تركت ندبة في الوعي الجماعي، وأدت إلى تآكل سلطة الحاخامات التقليدية، مما فتح الباب لاحقاً لتيارات علمانية وتصحيحية.

من رماد الأزمة الشبتية والمآسي في شرق أوروبا، ولدت الحركة “الحسيدية” في القرن الثامن عشر على يد الحاخام إسرائيل بن إليعازر، المعروف بـ “بعل شيم توف”. يقدم ليمان قراءة اجتماعية ذكية لهذه الحركة، مصوراً إياها كثورة “شعبوية” ضد النخبوية الفقهية الجافة. الحسيدية لم تركز على التبحر في التلمود بقدر ما ركزت على “الديفيكوت” (الالتصاق بالله) من خلال الفرح، والرقص، والصلاة العفوية. انتشرت هذه الحركة كالنار في الهشيم بين فقراء اليهود في بولندا وروسيا، وأنتجت نمطاً جديداً من القيادة هو “التساديك” (البار) أو “الريبي”، الذي يُنظر إليه كواسطة بين السماء والأرض. في المقابل، يوثق الكتاب الصراع المرير الذي خاضته النخبة الحاخامية التقليدية، بقيادة “عبقري فيلنا” (Vilna Gaon)، ضد الحسيديين الذين اتُهموا بالهرطقة، وهو انقسام شكّل ملامح اليهودية الأرثوذكسية لقرون قادمة.

بينما كان الشرق يغرق في الصوفية، كان الغرب، وتحديداً برلين، يشهد ولادة “هاسكالا” أو حركة التنوير اليهودية. يتخذ ليمان من موسى مندلسون رمزاً لهذه المرحلة؛ فهو الفيلسوف الذي حاول التوفيق بين اليهودية وقيم العصر التنويري الأوروبي. لم تكن الـ “هاسكالا” تدعو لترك الدين، بل لإصلاحه وتحديثه، من خلال تبني اللغة الألمانية، وتعلم العلوم الحديثة، والاندماج في الثقافة الوطنية. يرى ليمان أن مندلسون وضع حجر الأساس لمفهوم “اليهودي كمواطن”، حيث يكون يهودياً في بيته وإنساناً في الشارع. هذه الرؤية مهدت الطريق لما يُعرف بـ “التحرر” (Emancipation)، الذي بدأ سياسياً مع الثورة الفرنسية عام 1789، حين أعلن البرلمان الفرنسي منح اليهود حقوق المواطنة الكاملة، محطماً بذلك الجدران القانونية التي عزلتهم لألف عام.

يختتم ليمان هذا الفصل المزدحم بالتحولات بالإشارة إلى الثمن الباهظ لهذا التحرر. فدخول اليهود إلى “الدولة القومية” الحديثة تطلب منهم التخلي عن استقلاليتهم القضائية والمجتمعية التي كانت تميز “الكهيلا” (المجتمع اليهودي التقليدي). أصبح الدين مسألة شخصية بدلاً من أن يكون قانوناً مدنياً. هذا التغيير البنيوي أدى إلى تشظي اليهودية إلى مذاهب متعددة: “اليهودية الإصلاحية” التي أرادت تحديث الطقوس لتلائم الذوق الأوروبي، و”الأرثوذكسية الحديثة” التي حاولت التوفيق بين الشريعة والحداثة، و”الأرثوذكسية المتطرفة” (الحريديم) التي اختارت التقوقع ورفض كل مظاهر الحداثة. إن ليمان ينجح في إظهار أن القرن التاسع عشر لم يكن مجرد عصر حرية، بل كان عصر “قلق الهوية”، حيث وجد اليهود أنفسهم لأول مرة أمام سؤال الاختيار: كيف تكون يهودياً في عالم لم يعد فيه الدين هو المرجعية الوحيدة للوجود؟.

القرن العشرين: بين انكسار “أوروبا القديمة” وانبعاث المراكز الجديدة

ينتقل بنا ماتياس ليمان في هذا القسم المفصلي من كتابه نحو القرن العشرين، وهو القرن الذي يصفه بأنه “قرن التناقضات القصوى” في التاريخ اليهودي؛ حيث شهد ذروة الاندماج والنجاح الثقافي في أوروبا، وأعمق دركات الإبادة والدمار الشامل، وصولاً إلى إعادة تشكيل الخارطة الجيوسياسية لليهود عبر العالم. بأسلوبه السردي المتدفق، يحلل ليمان كيف تحولت “المسألة اليهودية” من نقاش قانوني حول الحقوق المدنية في القرن التاسع عشر إلى صراع وجودي حول القومية والبقاء في القرن العشرين، مؤكداً أن الحداثة التي وعدت بالتحرر هي ذاتها التي أنتجت أدوات الفناء والتحول الجذري.

يرصد ليمان في البداية تحولاً جوهرياً في طبيعة العداء لليهود؛ فبينما كان العداء في العصور الوسطى قائماً على أسس دينية يمكن تجاوزها بالتحول للمسيحية، ظهر في أواخر القرن التاسع عشر “معاداة السامية” القائمة على أسس عرقية وبيولوجية زائفة. يرى ليمان أن قضية “دريفوس” في فرنسا عام 1894 كانت الجرس الذي أيقظ الكثيرين، ومن بينهم الصحفي الفييناوي ثيودور هرتزل، من أوهام الاندماج الكامل. هنا، يحلل الكتاب صعود “الصهيونية السياسية” كحركة قومية حديثة تحاكي الحركات القومية الأوروبية في ذلك العصر. لكن ليمان يحرص على توضيح أن الصهيونية لم تكن الاستجابة الوحيدة؛ فقد نافستها حركات أخرى بقوة، أبرزها حركة “البوند” (الاتحاد العام للعمال اليهود) التي آمنت بـ “الـدويكيْت” (Doykayt) أو “الهُناوية”، أي النضال من أجل حقوق اليهود وثقافتهم اليديشية في أماكن تواجدهم في شرق أوروبا ضمن إطار اشتراكي عالمي، رافضين فكرة الهجرة إلى فلسطين.

تأتي الحرب العالمية الأولى، في رؤية ليمان، كزلزال حطم الإمبراطوريات الكبرى (الروسية، النمساوية المجرية، والعثمانية) التي عاش تحت ظلها معظم يهود العالم. أدى انهيار “نطاق الاستيطان” الروسي إلى تشريد الملايين، وفتح الباب أمام هجرات كبرى نحو الولايات المتحدة، التي بدأت تتبلور كمركز ثقل جديد. وفي الوقت نفسه، وضع وعد بلفور عام 1917 فلسطين تحت الانتداب البريطاني، مما حول الحلم الصهيوني من طموح نظري إلى واقع سياسي معقد بدأ يصطدم مبكراً مع القومية العربية الناشئة. ينجح ليمان هنا في رسم لوحة دقيقة لتقاطع المصالح الإمبريالية مع الطموحات القومية، مبيناً كيف بدأت ملامح الصراع في الشرق الأوسط تتشكل في أروقة الدبلوماسية الدولية قبل أن تنتقل إلى الأرض.

ثم يصل السرد إلى اللحظة الأكثر قتامة في التاريخ البشري: “الهولوكوست” أو الشتات (Shoah). لا يكتفي ليمان بسرد وقائع الإبادة النازية، بل يحللها كـ “قطيعة أنطولوجية” حطمت الحضارة اليهودية في أوروبا التي استمرت ألف عام. يوضح الكتاب كيف استخدم النظام النازي أدوات الحداثة – من البيروقراطية الدقيقة إلى التكنولوجيا الصناعية – لتنفيذ “الحل الأخير”. إن ما يركز عليه ليمان ليس فقط أرقام الضحايا، بل ضياع عالم كامل من اللغة (اليديشية) والثقافة والدين والذاكرة التي كانت تشكل قلب “أشكناز”. ويؤكد المؤلف أن الهولوكوست لم يكن مجرد حدث ألماني، بل كان مأساة أوروبية تواطأت فيها أطراف عديدة، وتركت العالم في حالة صدمة أخلاقية وفلسفية أعادت صياغة مفهوم حقوق الإنسان والقانون الدولي.

من رحم هذا الرماد، يستعرض ليمان تأسيس دولة إسرائيل عام 1948 كحدث غيّر مسار التاريخ اليهودي المعاصر. يحلل الكتاب كيف أدت الحرب العربية الإسرائيلية الأولى إلى نشوء قضية اللاجئين الفلسطينيين، وفي الوقت نفسه، أدت إلى نهاية الوجود اليهودي التاريخي في الدول العربية والإسلامية. يخصص ليمان مساحة مهمة لما يُعرف بـ “هجرة المزراحيم” (اليهود الشرقيين)، مبيناً كيف انتقل مئات الآلاف من العراق واليمن والمغرب ومصر إلى الدولة الجديدة، مما خلق تحديات اجتماعية وثقافية ضخمة داخل المجتمع الإسرائيلي نفسه، حيث اصطدمت الثقافة الشرقية بالهيمنة الأشكنازية الغربية، وهو شرخ لا تزال آثاره ملموسة حتى اليوم.

يختتم ليمان برصد صعود “المركزين” الجديدين اللذين هيمنا على العالم اليهودي بعد الحرب العالمية الثانية: دولة إسرائيل والولايات المتحدة. يصف ليمان هذا الوضع بـ “ثنائية القطبية اليهودية”؛ فبينما ركزت إسرائيل على صياغة هوية قومية سيادية ولغة عبرية حديثة، طورت اليهودية الأمريكية نموذجاً فريداً من الاندماج والازدهار الثقافي والديني في مجتمع ديمقراطي تعددي. وبين هذين القطبين، عاش يهود الاتحاد السوفيتي حالة من “الصمت القسري” تحت القمع الستاليني، قبل أن تفجر حركتهم للمطالبة بالهجرة في السبعينيات والثمانينيات ثقباً في الستار الحديدي، معلنةً عن فصل جديد من فصول التحول الديموغرافي الكبرى.

عالم مابعد الحداثة وجدلية المركز والشتات: في مآلات الهوية اليهودية

يصل بنا ماتياس ليمان في المحطة الأخيرة من رحلته التاريخية الطويلة إلى “الآن” و”الهنا”، حيث يواجه التاريخ اليهودي تحديات لم يعهدها من قبل، تتجاوز في طبيعتها الصراعات الجيوسياسية لتصل إلى جوهر الوجود الهوياتي في عصر العولمة الرقمية. في هذا الجزء الختامي من مراجعتنا لكتاب “التاريخ اليهودي: من العصور القديمة إلى الحاضر”، يحلل ليمان كيف أعاد النصف الثاني من القرن العشرين وبدايات القرن الحادي والعشرين صياغة “الذات اليهودية” في ظل وجود مركز سياسي سيادي في إسرائيل، وشتات مزدهر وقوي في أمريكا، وعالم تتلاشى فيه الحدود التقليدية بين الديني والقومي، والخاص والعام.

يرى ليمان أن التحول الكبير الذي أعقب عام 1948 لم يكن مجرد تأسيس دولة، بل كان إعادة تعريف لمفهوم “المنفى”. فمع قيام إسرائيل، لم يعد الشتات (Diaspora) بالضرورة “منفى” قسرياً (Exile)، بل أصبح اختياراً ثقافياً وسياسياً لملايين اليهود، خاصة في الغرب. يحلل الكتاب ببراعة “جدلية العلاقة” بين إسرائيل واليهودية الأمريكية؛ فبينما ترى الصهيونية التقليدية في إسرائيل “نهاية التاريخ” والحل الوحيد للمسألة اليهودية، طورت المجتمعات اليهودية في الولايات المتحدة نموذجاً من “الفخر العرقي” والاندماج المدني الذي يرى في الشتات فضاءً حيوياً للإبداع والتحرر. هذا التوتر، يراه ليمان، ليس علامة ضعف، بل هو المحرك الجديد للهوية اليهودية المعاصرة، حيث يتراوح الانتماء بين “السيادة الوطنية” في الشرق و”التعددية الثقافية” في الغرب.

أحد أعمق الفصول في هذه الخاتمة هو تناول ليمان لمسألة “المزراحيم” (اليهود المنحدرين من بلاد إسلامية وعربية) داخل النسيج الإسرائيلي. يوضح المؤلف أن التاريخ اليهودي “الرسمي” ظل لفترة طويلة “أشكنازياً” (أوروبياً) بامتياز، مما أدى إلى تهميش تجارب يهود الشرق. لكن ليمان يوثق كيف بدأت هذه الهويات المهمشة في استعادة صوتها، ليس فقط من خلال الاحتجاج السياسي، بل من خلال “الموسيقى المزراحية” والأدب والممارسات الدينية التي أعادت ربط اليهودية بجذورها الشرقية والأندلسية. يرى ليمان أن هذا “الانبعاث الشرقي” يمثل تحدياً للهوية الإسرائيلية الصهيونية الأولى التي أرادت صهر الجميع في بوتقة “العبري الجديد” المقطوع عن ماضيه في الشتات.

وفي سياق الحديث عن القرن الحادي والعشرين، لا يغفل ليمان أثر “العولمة الرقمية” على بنية المجتمع اليهودي. يتحدث عن “اليهودية العابرة للحدود” (Transnational Judaism)، حيث تتيح شبكات التواصل الاجتماعي والإنترنت لليهود في أقصى الأرض التواصل والاحتفال ومناقشة النصوص المقدسة في فضاء افتراضي يتجاوز الجغرافيا. هذا التحول الرقمي أدى، في نظر ليمان، إلى سيولة في الهوية؛ حيث يمكن للفرد أن يكون “يهودياً علمانياً”، “يهودياً بوذياً”، أو “يهودياً أرثوذكسياً حديثاً” في آن واحد، مما حطم الاحتكار الحاخامي التقليدي لتعريف “من هو اليهودي”.

أما فيما يخص “الذاكرة”، يحلل ليمان تحول “الهولوكوست” من حدث تاريخي أليم إلى “دين مدني” أو ركيزة أخلاقية عالمية. يحذر المؤلف من مخاطر “تسليع الذاكرة” أو استخدامها كأداة سياسية لتبرير الصراعات المعاصرة، مؤكداً أن القوة الحقيقية للتاريخ تكمن في قدرته على نقد الذات وفهم تعقيدات الآخر، وليس فقط في تخليد المظلومية. وهنا يلمس ليمان نقطة حساسة في الخطاب المعاصر، وهي التوتر المتزايد بين “معاداة السامية” وبين انتقاد سياسات دولة إسرائيل، داعياً إلى تفكيك هذه المفاهيم برصانة أكاديمية تفرق بين الحق في النقد وبين الكراهية العرقية.

في الخاتمة التحليلية للكتاب، يطرح ليمان تقييماً شاملاً لمنهجيته. لقد نجح المؤلف في الهروب من فخ “التاريخ البكائي” (Lachrymose theory) الذي يصور التاريخ اليهودي كسلسلة من المآسي والاضطهادات فقط. بدلاً من ذلك، قدم ليمان تاريخاً من “المرونة” و”التفاعل”؛ تاريخاً يظهر فيه اليهود كلاعبين نشطين في بناء الحضارات الإنسانية، متأثرين ومؤثرين في الثقافات المحيطة بهم. إن الفكرة الجوهرية التي يتركها الكتاب لدى القارئ هي أن “اليهودية” ليست جوهراً ثابتاً عابراً للزمن، بل هي “عملية مستمرة” من إعادة الاختراع والتكيف مع كل منعطف تاريخي.

 

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى