السياسة الإيرانية تجاه دول القرن الإفريقي

في عالم تتسارع فيه التحولات الاستراتيجية وتتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى والإقليمية، تبرز القارة الإفريقية كمسرح حيوي لصياغة التوازنات العالمية الجديدة. إن المتابع الحصيف لمسارات العلاقات الدولية لا يمكنه أن يغفل التحركات الحثيثة التي تقوم بها الجمهورية الإسلامية الإيرانية لترسيخ أقدامها في مناطق ذات أهمية جيوسياسية بالغة، وعلى رأسها منطقة القرن الإفريقي. وفي هذا السياق الجدلي والمعقد، تبرز أمامنا دراسة بحثية رصينة ومهمة تحمل عنوان “السياسة الإيرانية تجاه دول القرن الإفريقي”. هذه الدراسة الأكاديمية، التي أعدتها الباحثة الدكتورة سماح محمد سالم بيومي ، ونُشرت في “مجلة بحوث الشرق الأوسط” الصادرة عن مركز بحوث الشرق الأوسط بجامعة عين شمس في عددها رقم 358 لشهر سبتمبر من عام 2014 ، تقدم تشريحاً دقيقاً وموضوعياً لخيوط هذه السياسة، وتفكك طلاسم التحركات الإيرانية في تلك البقعة الاستراتيجية من العالم.
أفريقيا.. مطمع تاريخي وفرصة ذهبية
تستهل الباحثة مقالها التحليلي بتأصيل تاريخي واقتصادي يضع القارئ في قلب المشهد؛ حيث تؤكد أن القارة الإفريقية لطالما كانت، على مر التاريخ والعصور، مطمعاً استراتيجياً لكثير من الدول، ولا سيما الدول الأوروبية الاستعمارية التي سعت للسيطرة عليها. ويرجع هذا الشغف التاريخي والمستمر بالقارة السمراء إلى ما تزخر به من مخزون هائل وغير محدود من الثروات الطبيعية والموارد الخام، وهو الأمر الذي جعلها مؤهلة بقوة لأن تصبح المورد الأساسي والمغذي الأول لصناعات العالم في المستقبل القريب.
وضمن هذا التكالب الدولي، يرى الخبراء والمحللون الاستراتيجيون أن المحرك الرئيس والدافع الأساسي وراء تزايد الاهتمام الإيراني بدول القارة الإفريقية يكمن في حاجة طهران الماسة إلى المواد الخام التي تتوفر بكثرة في معظم دول القارة، بالإضافة إلى سعيها الدؤوب لخلق أسواق جديدة وواعدة تستوعب الصادرات الإيرانية وتنعش اقتصادها. إن طهران تطمح بكل وضوح إلى ممارسة دور محوري ومؤثر على الصعيد العالمي، وفي سبيل تحقيق هذه الغاية الكبرى، كان للقارة الإفريقية نصيب الأسد من اهتمام الدبلوماسية الإيرانية، حيث تعود الجذور الأولى لهذا الحضور الإيراني في الساحة الإفريقية إلى حقبة الستينيات من القرن العشرين.
استراتيجية القوة الناعمة و”الشراكة المتساوية”
لتحقيق هذه الاختراقات الاستراتيجية، لا تعتمد إيران على الأساليب التقليدية الفجة، بل تلجأ، كما توضح الدراسة، إلى اتباع سياسة براغماتية تعتمد على استراتيجية القوة الناعمة والمقاربات مزدوجة الأهداف تجاه دول القرن الإفريقي. إنها تسعى لمد جسور غير مرئية من النفوذ، وتبذل في هذا الصدد جهوداً مضنية لتقديم حزمة من المغريات الاقتصادية لجذب انتباه هذه الدول واستقطابها إلى فلكها. ولا يقتصر الأمر على الجانب الاقتصادي فحسب، بل يتعداه إلى مجالات أخرى حيوية، حيث تقوم طهران بتقديم مساعدات عسكرية نوعية وعقد دورات تدريبية متخصصة لتوطيد هذا النفوذ.
وما يؤكد هذه الرؤية الاستراتيجية وهذا الحرص الإيراني البالغ على تعميق الروابط مع دول القرن الإفريقي، هو التصريحات العلنية والصريحة للقيادات الإيرانية العليا. فقد عبّر الرئيس الإيراني الأسبق محمود أحمدي نجاد بشفافية تامة عن التطلعات والمطامع الإيرانية الرامية للفوز بنصيب وافر من الثروات الإفريقية الكامنة. وخلال كلمته التي ألقاها أمام القمة الثانية عشرة للاتحاد الإفريقي في العاصمة الإثيوبية أديس أبابا عام 2009، أكد نجاد أن “إفريقيا قارة تعج بالقيم البشرية والثقافية وقدرات كبيرة في مجالات مختلفة، وفي المقابل تتمتع إيران بقدرات هائلة تمكنها من الدخول في تعاون عملي ومربح مع القارة الإفريقية”. وفي مناسبة أخرى، أشار بوضوح إلى أن القارة الإفريقية تُعد الأكثر غنى على مستوى العالم، نظراً لاحتوائها على أفضل أنواع الموارد الطبيعية الاستراتيجية مثل البترول واليورانيوم والغابات الشاسعة، فضلاً عن امتلاكها لأفضل الموارد البشرية والفلاحية.
وتجسيداً لهذه الأهمية، زار نجاد دول غرب إفريقيا خمس مرات منذ توليه مقاليد الحكم، كان من أواخرها زيارته لموريتانيا في عام 2011. وخلال زيارته لجمهورية مالي في يوليو من عام 2010، صرح نجاد بأن مالي توفر مقومات ممتازة للتعاون الثنائي، حيث تمتلك مساحات زراعية خصبة وشاسعة، وأنهاراً، وأيدي عاملة تتسم بالجدية. وتلاحظ الباحثة أن إيران، في خضم مساعيها الحثيثة لإقامة هذه العلاقات الاقتصادية، تحاول الترويج لمفهوم حضاري جديد يتناقض ظاهرياً مع النهج الغربي؛ فهي تدعي أنها لا تسعى لاستغلال دول القارة بحثاً عن مكاسب اقتصادية آنية وقصيرة المدى، بل تطمح إلى بناء شراكة حقيقية ومتساوية تحقق الفائدة والربح للطرفين معاً. وهو ما لخصه وزير الخارجية الإيراني الأسبق منوشهر متكي بقوله: “نحن لا نرغب في نهب إفريقيا، كما يفعل الغربيون والاستعماريون، نحن نسعى إلى بناء علاقات اقتصادية ثنائية مفيدة للطرفين”.
فك طلاسم السياسة الخارجية الإيرانية
لتفكيك هذه الاستراتيجية بموضوعية، وظفت الباحثة اقتراب “تحليل النظم” في علم السياسة، وهو المنهج الذي أسسه المفكر “دافيد ايستون”، لدراسة تفاعلات السياسة الإيرانية واستجابتها لبيئتها. وقبل الغوص في تشعبات القرن الإفريقي، تأخذنا الدراسة في جولة تأصيلية لفهم ماهية “السياسة الخارجية” بشكل عام، ولإيران بشكل خاص.
تشير الدراسة إلى أن السياسة الخارجية هي مجموعة من الأهداف السياسية المصممة لتوضيح آلية تعاطي بلد معين مع البلدان الأخرى في المجتمع الدولي. وتهدف هذه السياسات في المقام الأول إلى حماية المصالح القومية، وضمان الأمن الوطني، وتحقيق الأهداف الأيديولوجية والرخاء الاقتصادي للدولة. وتتحقق هذه الأهداف إما عبر مسارات التعاون السلمي الإيجابي مع الدول الأخرى، أو من خلال اللجوء إلى الاعتداء، أو شن الحروب، وممارسة الاستغلال. كما تتضمن هذه السياسة عدة أبعاد محورية، منها الطابع الأحادي، والطابع الرسمي، والطابع العلني، فضلاً عن الطابع الاختياري والطابع الخارجي.
ولكن عندما نسلط مجهر التحليل على السياسة الخارجية الإيرانية تحديداً، نجد أنفسنا أمام بنية تتسم بطبيعة في غاية التعقيد والتشابك. فكما تلفت الدراسة، يجد الباحث المهتم بمتابعة ورصد هذه السياسة تورية واضحة وإبهامات متجذرة في جوانب عديدة منها. إنها سياسة يختلط ويتداخل فيها البعد الديني بالبعد القومي، وتندمج فيها الروح الثورية بالنزعة البراغماتية النفعية. وقد تميزت هذه السياسة الإيرانية، عبر مراحلها المختلفة، بخصائص ملفتة كالإثارة، والقدرة على المراوغة، وبراعة توزيع الأدوار بين مؤسساتها، بالإضافة إلى إجادة اللعب على عامل الزمن في أروقة المفاوضات والنزاعات.
كسر العزلة وإعادة التموضع
تخلص الباحثة في هذا الجزء إلى أن السياسة الخارجية الإيرانية قد كثفت في الآونة الأخيرة من محاولاتها الجادة لفتح المزيد من دوائر التعاون والشراكة مع كافة التجمعات الإقليمية والدولية، سواء كانت دوائر إفريقية، أو عربية، أو خليجية. إن هذا النشاط الدبلوماسي المحموم لم يأتِ من فراغ، بل يسير في خط متوازٍ تماماً مع تصاعد وتيرة الضغوط الغربية والأمريكية المفروضة على طهران بسبب ملف برنامجها النووي المثير للجدل.
وتهدف الآلة الدبلوماسية الإيرانية من وراء هذه التحركات الإفريقية والدولية إلى تحقيق هدفين رئيسيين: الأول هو حشد وكسب المزيد من الأصوات والتأييد الدولي الداعم لمواقفها في المحافل الأممية، والثاني هو إرسال رسالة سياسية واضحة، للدوائر الغربية على وجه التحديد، مفادها أن إيران تمتلك هوامش مناورة واسعة وقدرة حقيقية على الانفتاح الخارجي، وذلك في محاولة مستميتة لتغيير الصورة النمطية المأخوذة عنها والتي تصفها دائماً بالتشدد والانغلاق.
من القومية الآرية إلى المظلومية العالمية: الجذور الأيديولوجية
لا يمكن للصحفي أو المحلل السياسي أن يفهم طبيعة التحركات الإيرانية المعاصرة دون العودة إلى الجذور التأسيسية للنظام الإيراني الحالي. تلفت الدراسة انتباهنا إلى مفارقة تاريخية بالغة الأهمية؛ فمنذ أن بدأت إيران عهدها الجديد في بداية الثمانينيات عقب اندلاع الثورة الخمينية، كانت إرادتها واضحة في أن تصبح ضمن القوى الفاعلة والمؤثرة في الخارطة السياسية العالمية، ولكن دون أن تتخلى قيد أنملة عن مبادئ ثورتها. وتشير الباحثة إلى أن هذه الثورة بدأت في مراحلها الأولى كثورة تهدف إلى “الانتصار للعرق الآري”، وتربت على أدبيات كراهية ما سُمي حينها بـ “التسمم بالغرب”.
ولكن التحول الاستراتيجي الأبرز حدث عندما جاء الخميني ليقطف ثمار هذه الثورة، حيث قام بتحوير مسارها وألبسها “عباءة دينية رسالية”. من هنا، حاولت القيادة الإيرانية تحويل الحالة الإيرانية المحلية لتصبح امتداداً عالمياً لـ “ثورات المظلومين” وانتفاضة أيديولوجية عابرة للحدود. وتجسيداً لهذه الرؤية، مدت إيران، بحسب تعبير الدراسة، عنقها الطويل لتطل على كل “المناطق الميتة، أو المحايدة” لتتجمع بها وتتقوى، ولم تجد الساحة الإيرانية أرضاً أخصب وأكثر إهمالاً من القارة الإفريقية لتبدأ منها هذا التمدد.
الأهداف الخمسة: استراتيجية التمدد عبر البحر الأحمر
بناءً على هذا المنظور العقائدي الممزوج بالبراغماتية السياسية، تسعى السياسة الخارجية لإيران تجاه دول القرن الإفريقي، والدول المجاورة التي تطل على حوض البحر الأحمر، إلى تحقيق خماسية من الأهداف الاستراتيجية المحددة:
-
أولاً: ترسيخ نفوذها السياسي بقوة كجزء أصيل من المحور المعادي للغرب، والذي تسعى طهران جاهدة إلى إنشائه وتأطيره في دول العالم الثالث، في محاولة مستمرة للنمو والتقليل من حجم النفوذ الغربي، وتحديداً النفوذ الأميركي.
-
ثانياً: تحقيق مصالحها وحاجاتها الاقتصادية الملحة، وذلك في ضوء العقوبات الدولية القاسية التي أضرت بالاقتصاد الإيراني في القارات الأخرى، مما جعل إفريقيا متنفساً حيوياً لها.
-
ثالثاً: تصدير مبادئ ثورتها من خلال تأسيس ورعاية المؤسسات الإيرانية والمراكز الثقافية التي تعمل على نشر الفكر الشيعي، وتعزيز هذا النفوذ عبر تكثيف جهودها داخل البلاد والمجتمعات الإسلامية التي تعيش في منطقة شرق إفريقيا.
-
رابعاً: صنع وتأمين ممرات بحرية وبرية تقود إيران مباشرة إلى الميادين التنافسية ذات الطابع التصادمي والمواجهة في منطقة الشرق الأوسط، وهي الممرات التي تشير الدراسة إلى احتمالية استخدامها لأغراض سرية مثل تهريب الأسلحة وتنفيذ “العمليات الإرهابية”. وفي هذا الشأن، تُعد دولة السودان محطة في غاية الأهمية بالنسبة لطهران.
-
خامساً: تأسيس وجود مادي فعلي على الأرض، وبحري فعال ومؤثر في مسرح البحر الأحمر. هذا البحر يُعد مهماً من الناحية الاستراتيجية لإيران كونه يقود إلى قناة السويس. ولتحقيق ذلك، تعمل طهران على تقوية علاقاتها بالدول الإفريقية المطلة على هذا البحر، ومن بينها السودان وإريتريا وجيبوتي. وعلى الضفة الأخرى، تسعى لتقوية نفوذها البحري عبر علاقاتها باليمن؛ حيث عقدت في يونيه 2009 اتفاقية تسمح للأساطيل العسكرية الإيرانية بالرسو في ميناء عدن الاستراتيجي، وذلك كجزء معلن من مهمة إيران في محاربة القراصنة الصوماليين، مع توقعات بانضمامها للبوارج الحربية الإيرانية المستقرة في المياه الصومالية لحماية سفنها التجارية.
ظلال قاتمة على الأمن القومي العربي
لا تمر هذه التحركات الكثيفة دون أن تترك تداعيات خطيرة؛ إذ ينظر بعض الخبراء إلى أن تزايد وتيرة النشاطات الإيرانية في منطقة القرن الإفريقي يلقي بظلاله وانعكاساته السلبية المباشرة على حالة الأمن القومي العربي ككل، ويمثل تهديداً صريحاً لنظم الأمن الوطنية الخاصة ببعض الدول العربية.
وتمتد أذرع هذا النفوذ لتلعب دوراً خفياً ومعقداً في الساحة الصومالية المشتتة، مما يزيد من تعقيدات استمرارية المعضلة الصومالية. وهنا تتجلى أقصى درجات البراغماتية الإيرانية؛ فعلى الرغم من التباين المذهبي الواضح والطابع السني الغالب للجماعات الصومالية، إلا أن إيران—ومثلما فعلت تماماً في تجارب سابقة كساحة أفغانستان—لا تتردد أبداً في الانخراط والتعاون تكتيكياً مع أي تنظيمات سنية أصولية تخدم مصالحها المرحلية.
القرن الإفريقي: رقعة الشطرنج الملتهبة
تنتقل الباحثة بعد ذلك لتشريح جغرافية الصراع، مؤكدة أنه لا أحد يستطيع أن ينكر حقيقة أن إفريقيا تعد قارة الإسلام والحضارة، فضلاً عن ثرائها الطبيعي وما تملكه من إمكانات اقتصادية ضخمة لا يمكن لأي صانع قرار في السياسة الخارجية لجمهورية إيران الإسلامية أن يتجاهلها. وتنصب الاهتمامات الإيرانية بشكل أساسي على تكوين وتجذير علاقات قوية بدول شرق إفريقيا، وبخاصة تلك الدول المتواجدة في منطقة القرن الإفريقي الممتدة على طول ساحل البحر الأحمر، وفي مقدمتها السودان. تنظر طهران إلى منطقة شرق إفريقيا بوصفها تربة خصبة ومثالية لنشاطاتها السياسية والعسكرية والاقتصادية، بل وتعتبرها جزءاً لا يتجزأ من الاستراتيجية الإيرانية الشاملة الساعية لكسر سيطرة القوى الرئيسية ونفوذها في الشرق الأوسط.
ولكن، ماذا يضم هذا “القرن” جغرافياً وديموغرافياً ليحظى بكل هذا الزخم؟ توضح الدراسة أن القرن الإفريقي هو ذلك النتوء الجغرافي البارز في شرق القارة السمراء، والذي يضم في كنفه كلاً من الصومال، وجيبوتي، وإثيوبيا، وإرتريا، ويلحق به من حيث التأثر والتأثير كل من السودان وكينيا وأوغندا. ويمتاز هذا الإقليم بأنه ذو هوية إسلامية واضحة نظراً للكثافة السكانية المسلمة العالية التي تقطنه. تتشكل هذه الكثافة في غالبها من قبائل عريقة مثل الأرومو والجالا في إثيوبيا، والصوماليين الموزعين في الصومال وجيبوتي وأوجادين بإثيوبيا وإينفدي بكينيا، إضافة إلى قبائل العفر في جيبوتي وإرتريا وإثيوبيا، وقبائل البجة الموزعة بين إرتريا وشرق السودان، ناهيك عن مجموعات وقبائل أخرى تضم نسباً متفاوتة من المسلمين كالأمهرا وغيرها.
صراع المضايق ومعركة كسر العزلة
تكتسب هذه المنطقة حيويتها وأهميتها الاستراتيجية البالغة من حقيقة جغرافية صارمة؛ فدولها تطل مباشرة على مياه المحيط الهندي من ناحية، وتتحكم بشكل كامل في المدخل الجنوبي للبحر الأحمر حيث يقبع “مضيق باب المندب” الاستراتيجي من ناحية أخرى. هذا الموقع الفريد يجعل دول القرن الإفريقي تتحكم بقوة في شريان طريق التجارة العالمي، وبشكل خاص تجارة النفط الحيوية القادمة من دول الخليج والمتوجهة إلى أسواق أوروبا والولايات المتحدة الأميركية.
كما تُعد المنطقة ممراً حتمياً ومهماً لأي تحركات أو حشود عسكرية قادمة من أوروبا أو الولايات المتحدة في اتجاه منطقة الخليج العربي. ولا تقف أهمية القرن الإفريقي عند اعتبارات الموقع الجغرافي فحسب، بل تتعداها لتشمل الموارد الطبيعية الكامنة، وعلى رأسها البترول، وهو العامل الذي يعد أحد أهم الأسباب التي دفعت واشنطن لرعاية مفاوضات السلام في السودان، يضاف إلى ذلك قربه الجغرافي والتاريخي من شبه جزيرة العرب بكل ما تحمله من خصائص ثقافية ومكنونات اقتصادية، وتواجد جزر عديدة في المنطقة ذات أهمية استراتيجية قصوى من الناحيتين العسكرية والأمنية.
أدى هذا الثقل الاستراتيجي لمنطقة القرن الإفريقي إلى تحويلها لمنطقة نفوذ غربي تقليدية، وجعلها بؤرة دائمة للتنافس المحموم بين الدول الكبرى. وفي غمار هذا السباق والتنافس الدولي، تتقدم إيران التي أبدت اهتماماً متزايداً وغير مسبوق بدول القرن الإفريقي في الآونة الأخيرة. وفي سياق مساعيها لتحقيق اختراقات ملموسة، تستند السياسة الإيرانية إلى محاور عديدة، مستخدمة شبكة من التفاعلات غير الرسمية والأدوات الناعمة لخدمة مصالحها عبر أشخاص ومنظمات يعملون في مختلف أنحاء القارة.
غير أن طريق إيران ليس مفروشاً بالورود؛ ففرص التعاون بينها وبين دول القارة الإفريقية تصطدم بعوامل خارجية مؤثرة، أبرزها دور القوى الخارجية الإقليمية والدولية المعادية للنظام الإيراني، والتي تبذل جهوداً مضنية لعزله وإفساد علاقاته مع دول المنطقة. وفي هذا المضمار الدبلوماسي الشرس، تسلط الدراسة الضوء على الموقف الإسرائيلي كمثال بارز، حيث تسببت إسرائيل بشكل مباشر في قطع العلاقات الدبلوماسية بين إيران وزامبيا في عام 1993، وذلك من خلال سلاح ترويج الشائعات الإعلامية التي ادعت دعم النظام الإيراني للمعارضة الزامبية. وهو التكتيك ذاته ونوع الشائعات عينه الذي تحاول إسرائيل باستمرار ترويجه لإفساد وتقويض العلاقات النامية بين إيران وجنوب إفريقيا. وعلى ذات النسق، تنظر الدول الغربية، وفي مقدمتها الولايات المتحدة الأميركية، بقدر كبير من القلق والترقب لأي تقارب محتمل بين إيران وجنوب إفريقيا، حيث تعتقد واشنطن أن هذا التقارب يضر بشكل مباشر بمصالحها الاستراتيجية الحيوية في القارة السمراء.
إلا أن الباحثة، وإحقاقاً للحق والموضوعية الأكاديمية، تلفت إلى حقيقة هامة تتمثل في أن إيران ليست الطرف الوحيد الذي يسعى لتحقيق مصالحه في هذه المعادلة؛ فدول القرن الإفريقي ذاتها (وعلى وجه التحديد دول السودان، وإثيوبيا، وكينيا، وأوغندا، وأريتريا، وجيبوتي، والصومال، وتنزانيا، وجزر القمر) تمتلك تقليدياً علاقات طبيعية مع إيران. وتقوم هذه العلاقات على أساس من الأهداف والمصالح المشتركة للجانبين، وتتنوع أوجه هذا التعاون لتشمل المجالات السياسية، والاقتصادية، والعسكرية، بل والدينية والثقافية، وتؤطرها العديد من الاتفاقيات وبروتوكولات التعاون المشترك المتبادل.
المحور الدبلوماسي: إفريقيا كـ “ظهير” دولي
تدرك طهران جيداً القوة التصويتية للقارة السمراء في المحافل الدولية؛ فإفريقيا تمتلك ثلث مقاعد الجمعية العامة للأمم المتحدة، وتشكّل نصف قوام مجموعة “عدم الانحياز”. هذا الثقل الديموغرافي والسياسي جعل من القارة حليفاً استراتيجياً لا غنى عنه لإيران في مواجهة الضغوط الغربية.
وتشير الدراسة إلى أن هذا التوجه بدأ يتبلور بوضوح منذ عهد الرئيس “هاشمي رفسنجاني”، الذي قام في عام 1996 بجولة شملت ست دول إفريقية، رافقه فيها وفد رفيع المستوى من وزراء المجموعة الاقتصادية ومحافظ البنك المركزي، في إشارة واضحة لنيّة طهران ربط السياسة بالاقتصاد. إلا أن الزخم الأكبر تحقق في عهد الرئيس “محمود أحمدي نجاد”؛ ففي عام 2009 وحده، قام المسؤولون الإيرانيون بأكثر من عشرين زيارة رسمية لدول القارة.
إن الهدف من هذا الاستنفار الدبلوماسي، بحسب الباحثة، يتجاوز مجرد بناء الصداقات؛ فهو مسعى حثيث لإنشاء “نظام عالمي بديل” يضم القوى المعادية للهيمنة الأمريكية، وكسب تأييد دول القرن الإفريقي لملفات إيران الشائكة، وعلى رأسها حقها في امتلاك التكنولوجيا النووية للأغراض السلمية. إفريقيا هنا ليست مجرد قارة، بل هي “منصة للمساومة” تمنح إيران أوراق ضغط إضافية في صراعها مع القوى العظمى.
المحور الاقتصادي: البحث عن “اليورانيوم” والأسواق البديلة
لم تكن العاطفة الثورية وحدها هي المحرك، بل كانت الضرورة الاقتصادية هي القائد الفعلي؛ إذ تصف الدراسة الاهتمام الإيراني بإفريقيا بأنه “اكتشاف جديد” لقارة بكر تزخر بالموارد الخام. وتتلخص الطموحات الاقتصادية الإيرانية في ثلاث نقاط جوهرية:
-
تأمين الموارد الاستراتيجية: تضع طهران عينيها على مناجم اليورانيوم الإفريقية لضمان استمرار برنامجها النووي بعيداً عن الرقابة والقيود الدولية.
-
سوق للمنتجات الإيرانية: في ظل العقوبات، تبحث إيران عن أسواق “مواتية” لتصريف منتجاتها الصناعية، وقد وجدت في دول القرن الإفريقي متعطشاً للاستثمارات والسلع الإيرانية.
-
التنسيق النفطي: تسعى إيران لتعزيز علاقاتها بالدول الإفريقية المنتجة للنفط، بهدف تفعيل دور منظمة “أوبك” بما يخدم مصالح الدول المنتجة، والتعاون في مجالات الاستكشاف والتنقيب.
نماذج الاختراق: كينيا، أوغندا، والسودان
تستعرض الدراسة أمثلة ملموسة لهذا التمدد الاقتصادي؛ ففي كينيا، وصل حجم التبادل التجاري إلى 100 مليون دولار سنوياً، مع طموحات للوصول به إلى مليار دولار. أما في أوغندا، فقد تجاوز التعاون حدود التجارة البسيطة ليصل إلى شراكات صناعية وزراعية كبرى، شملت تدشين مصانع لتجميع الجرارات، وتطوير الثروة السمكية، بل وتخصيص أراضٍ شاسعة لمؤسسات إيرانية لإقامة مشاريع زراعية نموذجية.
ويظل السودان هو “درة التاج” في هذه الاستراتيجية؛ حيث تنظر إليه طهران كجسر يربط بين نفوذها في الشرق الأوسط وعمق القارة الإفريقية. ولم يقتصر التعاون مع الخرطوم على الجوانب الاقتصادية، بل امتد ليشمل تدريبات عسكرية ومساعدات لوجستية، مما جعل السودان محطة حيوية لتأمين الممرات البحرية التي تقود في النهاية إلى قناة السويس.
القوة الناعمة والمؤسسات “الموازية”
لا تعتمد إيران على القنوات الرسمية فقط، بل توظف شبكة معقدة من “التفاعلات غير الرسمية”. تنتشر المعارض التجارية الإيرانية في معظم عواصم القرن الإفريقي، وتعمل المراكز الثقافية كأذرع لنشر الفكر الشيعي وبناء قواعد شعبية موالية. هذه الأدوات الناعمة تُستخدم بذكاء لتغيير “الصورة النمطية” عن إيران كدولة متشددة، وتقديمها كنموذج تنموي بديل ومساند لـ “المستضعفين” في القارة.
السودان: “رأس الجسر” والعمق الاستراتيجي
تُفرد الدراسة مساحة خاصة للسودان، واصفة إياه بأنه “الدولة الأهم” لإيران في هذا الإقليم. فالسودان لم يكن مجرد شريك تجاري، بل تحول في العقل الاستراتيجي الإيراني إلى “رأس جسر” يربط طهران بالعمق الإفريقي والميدان العربي في آن واحد. وتلفت الباحثة إلى أن السودان مثل محطة حيوية لصنع “ممرات بحرية وبرية” تقود مباشرة إلى مناطق المواجهة في الشرق الأوسط. ورغم الطابع الرسمي المعلن للعلاقات، إلا أن الدراسة تشير إلى اتهامات وقلق دولي من استخدام هذه الممرات لأغراض “سرية” تشمل تهريب الأسلحة ودعم الحركات الحليفة، مما جعل السودان حلقة وصل لا غنى عنها في استراتيجية “المواجهة من بُعد” التي تتقنها طهران.
إريتريا وجيبوتي: سباق نحو “باب المندب”
لا يكتمل النفوذ الإيراني دون السيطرة -أو على الأقل التواجد- بالقرب من المضايق الحيوية. وهنا تبرز أهمية إريتريا وجيبوتي؛ فإيران تدرك أن التواجد في هذه الدول يعني الإشراف المباشر على مضيق باب المندب، وهو “خناق” التجارة العالمية.
وتكشف الدراسة أن إيران سعت لتقوية وجودها البحري والمادي في البحر الأحمر كهدف استراتيجي يقود في النهاية إلى قناة السويس. ومن المثير للاهتمام توظيف إيران لملف “محاربة القرصنة الصومالية” كغطاء شرعي لوجود بوارجها الحربية في المياه الصومالية وبالقرب من ميناء عدن اليمني، مما يمنحها شرعية دولية لتحركاتها العسكرية في منطقة بالغة الحساسية.
أدوات الاختراق: “المنظمات الخمس” والقوة الناعمة
أحد أذكى جوانب الاستراتيجية الإيرانية، كما تصفه الدراسة، هو الاعتماد على “المؤسسات الموازية” التي تعمل تحت غطاء إنساني أو ثقافي بينما تخدم أهدافاً سياسية وعقائدية بعيدة المدى. وتذكر الباحثة خمس منظمات رئيسية تلعب دور “رأس الحربة” في هذا الاختراق:
-
مؤسسة البلاغ والمراكز الثقافية: التي تنشط في نشر الفكر الشيعي وبناء قواعد شعبية موالية.
-
مؤسسة الشهيد ولجنة الإمداد (الخميني): التي تقدم مساعدات عينية للمحتاجين، مما يخلق حالة من “الامتنان السياسي” تجاه طهران.
-
جمعية الهلال الأحمر الإيراني: التي توفر غطاءً طبياً وإنسانياً للتواجد الإيراني في المناطق النائية والمهمشة.
هذه المنظمات، بحسب الدراسة، تعمل بتناغم تام لتغيير “هوية المنطقة” تدريجياً، وبناء ولاءات عابرة للحدود الوطنية، وهو ما يثير حفيظة القوى الإقليمية الأخرى التي ترى في هذا “الزحف المذهبي” تهديداً للاستقرار الاجتماعي.
التحديات: “الفيتو” الإسرائيلي والضغط الأمريكي
على الرغم من هذا النجاح في الاختراق، إلا أن إيران تواجه “جداراً صد” من القوى الخارجية. وتستشهد الدراسة بالدور الإسرائيلي الذي نجح في إفساد علاقات طهران بدول مثل زامبيا عبر حملات إعلامية ودبلوماسية مكثفة. كما يمثل “الفيتو” الأمريكي عائقاً أمام طموحات إيران في جنوب إفريقيا، حيث تراقب واشنطن أي تقارب في المجال النووي أو العسكري بقدر عالٍ من الحذر والريبة.
الخلاصة: القرن الإفريقي كساحة “لعبة كبرى” جديدة
تختتم الباحثة هذا المحور بالتأكيد على أن منطقة القرن الإفريقي لم تعد مجرد جغرافيا منسية، بل تحولت إلى رقعة شطرنج دولية، تلعب فيها إيران دور “اللاعب المشاكس” الذي يسعى لقلب موازين القوى التقليدية. إيران لا تبحث فقط عن اليورانيوم أو الأسواق، بل تبحث عن “شرعية دولية” بديلة وعن “أوراق ضغط” تضعها على طاولة المفاوضات مع الغرب.




