أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

لماذا فشلت العلمانية في اختراق الإسلام

مراجعة كتاب: "المجتمع الإسلامي" لإرنست غيلنر

بين مخطط السماء وعصبية الصحراء: كيف نقرأ سوسيولوجيا الإسلام؟

في رحلة فكرية شديدة التعقيد والجاذبية، يقدم عالم الأنثروبولوجيا وعالم الاجتماع البارز إرنست غيلنر في كتابه “المجتمع الإسلامي” ، والصادر ضمن دراسات جامعة كامبريدج في الأنثروبولوجيا الاجتماعية ، تشريحاً فريداً للبنية الاجتماعية والسياسية والروحية التي شكلت العالم الإسلامي، وتحديداً في منطقة جبال الأطلس وشمال إفريقيا. لا يكتفي غيلنر بالوصف الإثنوغرافي البحت، بل ينسج ببراعة فائقة بين الفلسفة السياسية وعلم الاجتماع الكلاسيكي، مستعيناً بأعمدة فكرية ثلاثة: ابن خلدون، وديفيد هيوم، وروبرت مونتاني، ليقدم لنا نظرية شاملة تفسر ديناميكية هذا المجتمع عبر التاريخ.

الإسلام كمخطط شامل للنظام الاجتماعي

يبدأ غيلنر أطروحته بتقرير حقيقة جوهرية: إن الإسلام يمثل “مخططاً لنظام اجتماعي”. فهو يرتكز على فكرة وجود مجموعة من القواعد الأبدية، والمقَدَّرة إلهياً، والمستقلة تماماً عن إرادة البشر، والتي تحدد كيفية التنظيم السليم للمجتمع. وما يميز هذا المخطط، بحسب غيلنر، هو أنه متاح كتابياً وبشكل متماثل ومتساوٍ لجميع الرجال المتعلمين، ولكل من هو مستعد للإصغاء إليهم.

هذه الإتاحة المتساوية تضرب في مقتل أي مبرر لتقسيم المجتمع داخلياً إلى قسمين: قسم أقرب إلى الذات الإلهية من الآخر. فالإسلام، من حيث المبدأ، لا يعترف بوجود طبقة أو هيئة من المتخصصين الدينيين المحتكرين للوساطة الروحية، فالقواعد موجودة للجميع. ورغم حاجة المجتمع الإسلامي للعلماء، إلا أن الإسلام رسمياً لا يمتلك “رجال دين” (إكليروس) ولا منظمة كنسية، بل إن الكنيسة والمجتمع كيان واحد متطابق.

يستحضر غيلنر بذكاء مقولة المفكر الفرنسي ألكسيس دو توكفيل الذي لاحظ أن الإسلام هو الدين الذي قام بشكل كامل بدمج وخلط السلطتين، بحيث أصبحت جميع أفعال الحياة المدنية والسياسية خاضعة بشكل أو بآخر لتنظيم الشريعة الدينية. وفي هذا السياق، يقارن غيلنر بين الإسلام والمسيحية؛ فالمسيحية منذ نشأتها تضمنت توصية صريحة بإعطاء ما لقيصر لقيصر. فالدين الذي يبدأ ويبقى لفترة بدون سلطة سياسية، لا يملك سوى التكيف مع النظام السياسي القائم. أما الإسلام، وبفضل نجاحه السياسي السريع والمبكر، لم يكن بحاجة إلى التنازل عن أي شيء لصالح “قيصر”، فكان هو قيصر نفسه. هذا النجاح المبكر، مقترناً بعقيدة أن الرسالة الإلهية كاملة ونهائية، جعل من الصعب جداً تقديم نسخ بديلة من هذا المخطط الاجتماعي.

بندول ديفيد هيوم: المد والجزر في إيمان البشر

من أمتع أجزاء المراجعة في هذا الكتاب هو الكيفية التي يوظف بها غيلنر نظرية الفيلسوف الاسكتلندي ديفيد هيوم حول “التاريخ الطبيعي للدين”. يرى هيوم أن هناك مبدأ نفسياً وسياسياً يحكم المعتقدات؛ فمبادئ الدين تعاني من حالة من “المد والجزر” في العقل البشري، حيث يمتلك البشر ميلاً طبيعياً للارتقاء من الوثنية إلى التوحيد، ثم الغرق مجدداً من التوحيد نحو الوثنية.

كيف يحدث ذلك؟ يفسر هيوم (ويعكسه غيلنر على المجتمع الإسلامي) أن الناس، وبدافع الخوف والتملق التنافسي للسلطة، يميلون إلى ترفيع آلهتهم ومراكمة الصفات المطلقة واللانهاية عليها حتى يصلوا إلى فكرة الإله الواحد الأحد، المجرد والمنزه. ولكن هذا الإله العظيم والمنزه يصبح “بعيداً جداً ولا يمكن الوصول إليه” بالنسبة للعامة البسطاء. هنا تتدخل الطبيعة البشرية المرتجفة؛ فيلجأ الناس إلى وسطاء وشفعاء (أنصاف آلهة، قديسين، أو “أولياء” في الحالة الإسلامية) للتقرب من هذا الإله العظيم، تماماً كما يبحثون عن وساطة عند حاكم دنيوي جبار. وهكذا، يتأرجح البندول عائداً نحو الشرك وتعدد الوسطاء، إلى أن تتدخل حركات التطهير لتعيد الأمور لنصاب التوحيد المجرد.

تلاقي هيوم وابن خلدون: تشريح المجتمعين

تتجلى عبقرية غيلنر في دمج نظرية هيوم (النفسية) مع نظرية عبد الرحمن بن خلدون (الاجتماعية) لخلق نموذج تفسيري جبار للمجتمع الإسلامي التقليدي. ابن خلدون لا يبحث في خفايا النفس البشرية كما يفعل هيوم، بل يبحث في البيئة الاجتماعية ومفهوم “العصبية”.

بالنسبة لابن خلدون، “القيادة لا توجد إلا من خلال التفوق، والتفوق لا يكون إلا بالعصبية”. والقبائل التي يربطها الشعور الجماعي (العصبية) هي وحدها القادرة على العيش في قسوة الصحراء. في المقابل، يرى ابن خلدون أن سكان المدن ادعاؤهم بامتلاك عصبية أو “بيت” (بالمعنى القبلي) هو ادعاء زائف ويسهل دحضه.

سكان المدن، الغارقون في الترف والكسل، يفتقرون إلى الشجاعة ويوكلون مهمة الدفاع عن أموالهم وحياتهم إلى الحاكم والميليشيات. العدوان المتبادل داخل المدن يتم منعه بواسطة الحكومة والسلطة التي تمنع الجماهير من ظلم بعضهم البعض، “إلا ذلك الظلم الذي يأتي من الحاكم نفسه”. في حين أن رجال البدو والقبائل، لعدم وجود أسوار أو ميليشيات تحميهم، يحملون السلاح دائماً ويدافعون عن أنفسهم بأنفسهم.

هنا يربط غيلنر المشهدين: الإسلام الحضري (إسلام العلماء في المدن) يتوافق مع التوحيد المجرد، الصارم، الخالي من الوسطاء (مرحلة التوحيد عند هيوم). بينما الإسلام الريفي (إسلام القبائل البدوية) يحتاج إلى طقوس، واحتفالات، و”أولياء” محليين (المرابطين) ليلعبوا دور الوسطاء وحفظة السلام بين القبائل المتناحرة التي لا تخضع لسلطة مركزية (مرحلة الوثنية والوسطاء عند هيوم).

ديناميكية السلطة: ذئاب الصحراء وكلاب الحراسة ورعيتها

في استكماله لتشريح الجسد الاجتماعي والسياسي، يغوص إرنست غيلنر في تفاصيل الآلية الخلدونية التي تحكم صعود وسقوط الدول في العالم الإسلامي التقليدي. يقسم ابن خلدون، بحسب قراءة غيلنر، القبائل إلى ثلاثة أنواع رئيسية، مستخدماً في ذلك استعارة سياسية بامتياز: الذئاب، والخراف، وكلاب الحراسة. “الذئاب” هم بدو الصحراء والجبال الأقوياء الذين يرفضون الخضوع لأي سلطة، ويحافظون على عصبيتهم الصافية واستعدادهم الدائم للقتال دفاعاً عن استقلالهم. أما “كلاب الحراسة”، فهم أولئك الذئاب الذين نجحوا، بفضل تماسكهم وشراستهم، في قهر المدن والمناطق المستقرة، وتحولوا إلى حكام يمارسون سلطتهم على الآخرين لحمايتهم وحلب مقدراتهم. وأخيراً، هناك “الخراف”، وهم القبائل وسكان الحواضر الذين رضخوا للسلطة المركزية وقبلوا بدفع الضرائب، مما أفقدها أليافها الأخلاقية وتماسكها، لتذوب في عادات الخضوع والانقياد والاستكانة.

هنا تبرز المأساة التاريخية الدورية التي يراها غيلنر متأصلة في هذا النظام؛ فالسلطة السياسية والامتيازات التي تصاحب حكم المدن تعمل تدريجياً على تآكل تلك “العصبية” التي كانت السبب الأول والوحيد في الوصول إلى سدة الحكم. ومع تآكل هذا التماسك الاجتماعي العضوي، يضطر الحاكم للاعتماد على المرتزقة بدلاً من أبناء عشيرته لضمان بقائه، وتتراجع جودة الدعم الذي يتلقاه وتتقلص قاعدة شرعيته. وفي نهاية المطاف، وبعد انقضاء بضعة أجيال غارقة في الترف والوهن، تظهر مجموعة جديدة من “الذئاب” القبلية المتماسكة والمحاربة لتنقض على “كلاب الحراسة” المنهكة، وتحل محلها في القصور، لتبدأ دورة جديدة من التناوب على السلطة داخل بنية اجتماعية ثابتة لا تتغير جوهرياً.

الاعتماد المتبادل: البدو والحضر في رقصة البقاء الاقتصادي والسياسي

رغم هذا التناقض الظاهري والعداء المستتر بين عالمي البدو والحضر، يؤكد غيلنر، بناءً على ملاحظات ابن خلدون الثاقبة، أن هناك اعتماداً متبادلاً وعميقاً بين الطرفين، وهو ما يفسر كيف أن مجتمعاً هشاً وممزقاً سياسياً يمكن أن يبقى متماسكاً ومتجانساً ثقافياً إلى حد بعيد. فالمدينة، بتقسيم العمل المعقد فيها وتخصصاتها الحرفية الدقيقة، تعجز تماماً عن توفير الحماية لنفسها، وهي تفتقر بنيوياً إلى النزعة العسكرية والتماسك الاجتماعي الرادع. لذلك، فإن الحضارة الحضرية تعتمد سياسياً وعسكرياً على توفير حكامها من البدو القادمين من الهامش، والذين يمتلكون الصلابة والقسوة المطلوبة لفرض النظام وحماية الأسوار.

لكن في المقابل، ومن الناحية الاقتصادية البحتة، تنعكس الآية تماماً ليصبح البدوي هو التابع. فالبدو يحتاجون بشكل ماس إلى المدن للحصول على ضروريات الحياة والسلع المصنعة التي يفتقرون لمهارة إنتاجها. وكما يوضح النص، فبينما يحتاج البدو للمدن في الضروريات، فإن سكان المدن لا يحتاجون للبدو إلا في الكماليات والرفاهية، وذلك طالما أن البدو قابعون في صحرائهم ولم يستولوا بعد على مقاليد السلطة الحضرية. هذا العجز الاقتصادي للبدو، وافتقارهم الشديد للمتخصصين التجاريين والحرفيين، يجعلهم في حالة ارتهان دائم ومستمر للمراكز الحضرية التي تشكل أسواقهم وملاذاتهم التموينية.

أفلاطون في الصحراء: تقديس الكلمة وتجسدها الروحي

يتقل غيلنر  إلى البعد الثقافي والروحي، مقدماً مقاربة فلسفية يصف فيها الإسلام بأنه نسخة معدلة واجتماعية من الفلسفة الأفلاطونية. فإذا كانت الأفلاطونية الكلاسيكية قد ألّهت المفهوم المجرد، فإن الإسلام أضفى طابعاً إلهياً على “الكلمة” المكتوبة والمنزلة. هذا التقديس المطلق للكلمة المكتوبة يمنح العلماء وحراس النص في المدن سلطة أخلاقية وتشريعية هائلة، ويربط المجتمع المترامي الأطراف بخيط عقائدي متين لا يسهل نقضه.

ولكن، يطرح غيلنر تساؤلاً جوهرياً: كيف يمكن لهذه “الكلمة” المجردة والمتعالية والمكتوبة أن تحكم وتوجه مجتمعاً قبلياً تغلب عليه الأمية ويعيش في بيئة جغرافية قاسية ومتمردة؟ يرى غيلنر أن القبائل لا تمتلك الذائقة العقلية ولا المعدات الثقافية اللازمة لاستيعاب الإيمان الحضري القائم على النصوص الفقهية والجدل الكلامي. إيمان رجال القبائل، بطبيعته، يحتاج إلى وسطاء وموظفين مقدسين؛ يحتاج إلى شخصيات ملموسة تتجسد فيها القداسة الحية بدلاً من النصوص الورقية الصامتة. وهنا يبرز بوضوح الساحر الميداني للروحانية البدوية: دور “الولي” أو “المرابط”، كحلقة وصل حيوية لا غنى عنها.

مجتمع الانقسامات المتكافئة: دور “الولي” كصمام أمان

في ظل غياب دولة مركزية قادرة على فرض القانون في الأطراف النائية والجبال الوعرة، يصف غيلنر المجتمع القبلي بأنه “مجتمع انقسامي” بحت، مستلهماً في ذلك أفكار الأنثروبولوجي الشهير إدوارد إيفانز بريتشارد. في هذا المجتمع البدائي والمعقد في آن واحد، تتوزع السلطة والامتيازات بشكل متساوٍ تقريباً عبر جميع شرائح القبيلة، وكل ذكر بالغ هو في الواقع مقاتل يشارك بفعالية في الحفاظ على النظام داخل مجموعته والدفاع عنها. ورغم الانتشار الواسع للسلاح والعنف المحتمل في كل لحظة، فإن النظام الاجتماعي لا ينهار لينحدر إلى فوضى شاملة وحرب أهلية مدمرة.

السر في هذا التوازن الدقيق يكمن في المؤسسة الدينية الأبرز في الريف: “الولي” الصالح. هذا الولي، الذي يمتلك كاريزما القداسة وينتمي في الغالب إلى نسب شريف يُزعم اتصاله بالنبي، يقف استراتيجياً وعقائدياً خارج التحالفات والنزاعات القبلية اليومية. إن مكانته المقدسة، وحياده الإجباري المفروض عليه بحكم وظيفته الروحية، يجعلانه الوسيط والمحكم المثالي والأكثر مصداقية في بيئة ممزقة بالصراعات والثأر. فالأولياء لا يكتفون بالدعاء، بل يشرفون فعلياً على العمليات السياسية المعقدة كاختيار الزعماء المحليين، ويصادقون على الإجراءات القانونية العرفية عبر الإشراف الصارم على لجان “اليمين الجماعية” الحاسمة للنزاعات، كما أنهم يوفرون ملاذات آمنة حدودية حيث تتقاطع طرق التجارة وتنتصب أسواق القبائل المتجاورة بسلام. وبهذا الأداء المتعدد الأبعاد، يصبح الولي هو التجسيد الحي والمحلي للإسلام بالنسبة للقبيلة، موفراً لهم الإطار الروحي والقانوني الذي تعجز النصوص المجردة عن تقديمه في بيئتهم القاسية والمستقلة.

الزلزال الاستعماري وانكسار البندول الخلدوني

مع ولوج القرن العشرين، لم يعد العالم الإسلامي الذي حلله غيلنر مجرد نظام مغلق يكرر دورات ابن خلدون بانتظام رتيب؛ فقد أحدث الصدام مع الحداثة الغربية والمد الاستعماري شرخاً بنيوياً في “بندول” ديفيد هيوم. يوضح غيلنر أن الدولة الحديثة، بمعداتها التقنية وقدرتها التنظيمية المتفوقة، قد حطمت التوازن القديم بين المركز والقبيلة. فلم يعد “ذئاب الصحراء” قادرين على تهديد الأسوار بمجرد امتلاكهم للعصبية؛ إذ أصبحت الدولة تمتلك الطائرة، والدبابة، والبرق، والبيروقراطية المركزية التي تخترق أعمق الجبال وعورة. هذا التحول التقني حوّل القبائل من “وحدات سياسية مستقلة” إلى “رعايا” في دولة قومية ناشئة، مما أدى إلى تآكل دور “الولي” أو “المرابط” كحلقة وصل سياسية، فالدولة لم تعد بحاجة لوسطاء لإدارة رعاياها، بل باتت تسعى لفرض قبضتها المباشرة.

هنا يطرح غيلنر ملاحظة في غاية الأهمية حول مسار “الإصلاح الديني” في الإسلام، مقارناً إياه بالتجربة البروتستانتية في أوروبا. يرى غيلنر أن الحداثة في العالم الإسلامي لم تؤدِّ بالضرورة إلى العلمنة (بمعنى تراجع الدين عن الشأن العام)، بل أدت إلى “إصلاحية” راديكالية أعادت الاعتبار لـ “الإسلام الحضري” أو إسلام العلماء والفقهاء على حساب “الإسلام الريفي” القائم على كرامات الأولياء والطقوس الصوفية. هذه الإصلاحية، التي تمثلت في حركات السلفية والنهضة، لم تكن مجرد عودة للماضي، بل كانت أداة فعالة لبناء هوية وطنية وقومية موحدة تتجاوز الانتماءات القبلية الضيقة. فالخطاب الإصلاحي، بتأكيده على التوحيد الخالص ونبذ “البدع” المرتبطة بالأولياء، قدم للمسلم الذي نزح من الريف إلى المدينة هوية “عالمية” ومحترمة، تمنحه شعوراً بالانتماء لكيان أكبر وأسمى من قبيلته المنحلة.

الاستثناء الإسلامي: لماذا فشلت العلمنة في هزيمة النص؟

ينتقل غيلنر لتحليل قضية شائكة شغلت علماء الاجتماع الغربيين لعقود، وهي “الاستثناء الإسلامي” في مواجهة العلمنة. فبينما كانت النظريات السوسيولوجية الكلاسيكية، من ماركس إلى فيبر، تتوقع أن ينسحب الدين من الحياة العامة مع صعود العلم والتصنيع، لاحظ غيلنر أن المجتمع الإسلامي سلك مساراً مغايراً. فبدلاً من أن تضعف الحداثةُ الالتزامَ الديني، وجدنا أن الحداثة في المجتمعات المسلمة غالباً ما كانت تترافق مع زيادة في الانضباط الديني والتمسك بالشريعة في صورتها “الكتابية” الصارمة.

يفسر غيلنر هذا الظاهرة بأن الإسلام “العالي” (إسلام النص والعلماء) يمتلك خصائص بنيوية تجعله متوافقاً بشكل مذهل مع متطلبات الحداثة. فالإسلام العالي يتميز بالبساطة العقائدية، والمساواتية بين المؤمنين، والالتزام بالقواعد المكتوبة، ونبذ السحر والوساطة الروحية المتقلبة. هذه الخصائص هي ذاتها التي يحتاجها المجتمع الحديث القائم على البيروقراطية والمواطنة والتعليم. لذا، لم يجد المسلم “الحديث” حاجة للتخلي عن دينه ليكون حديثاً، بل وجد في النسخة الإصلاحية والمطهرة من دينه خير معين على مواجهة تحديات العصر ومنافسة القوى الاستعمارية. لقد تحول الإسلام من “غطاء روحي” للدولة التقليدية إلى “أيديولوجيا تعبئة” للدولة القومية والجمهوريات الحديثة.

البروليتاريا الجديدة والبحث عن الطهارة الروحية

في تحليل سوسيولوجي بارع للتحولات الديموغرافية، يصف غيلنر حالة “الانتقال الكبري” من الخيمة والقرية إلى أحياء الصفيح وضواحي المدن الكبرى. هذا المهاجر القروي الذي فقد حماية قبيلته وأمان “زاويته” الصوفية القديمة، يجد نفسه في بيئة حضرية موحشة يسودها انعدام المساواة. في هذا السياق، يصبح “الإسلام الإصلاحي” بمثابة طوق نجاة أخلاقي. فبالنسبة لهذا العامل الجديد، فإن التمسك بالفرائض والمظهر الديني المحافظ ليس مجرد عبادة، بل هو إعلان عن “الكرامة الإنسانية” في وجه التغريب والفساد الذي قد يراه في النخب الحاكمة المتأثرة بالغرب.

يرى غيلنر أن هذا النوع من التدين الشعبي الممزوج بالحس الإصلاحي يشكل قوة سياسية هائلة لا يمكن تجاوزها. فبينما كانت النخب “المُغربة” تظن أن المستقبل للعلمانية الصرفة، كانت القواعد الشعبية تعيد اكتشاف قوتها من خلال العودة إلى “المخطط الاجتماعي” الأول للإسلام، ولكن بروح قتالية وتنظيمية حديثة. إن ما يسميه غيلنر “الصحوة” ليس ارتداداً للعصور الوسطى، بل هو محاولة لإعادة بناء المجتمع على أسس يراها المسلمون أكثر عدلاً وأصالة، بعيداً عن النماذج المستوردة التي فشلت في تحقيق الوعود الاقتصادية والاجتماعية الكبرى.

بين فقه الدولة وفقه الثورة: الصراع على الشرعية

 يسلط غيلنر الضوء على الصراع الداخلي حول “شرعية الكلمة المكتوبة”. فإذا كان الإسلام العالي هو المنتصر في معركة الحداثة ضد الإسلام الريفي، فإن السؤال الذي برز بقوة هو: من يملك الحق في تفسير هذا النص وتطبيقه؟ هل هم “العلماء التقليديون” المرتبطون بجهاز الدولة، أم هم “المثقفون الجدد” والناشطون الإسلاميون الذين يرون في الشريعة أداة للثورة والتغيير الاجتماعي؟

هذا الانقسام داخل المعسكر الإصلاحي نفسه يمثل، بحسب غيلنر، أحد أهم ملامح المجتمع الإسلامي المعاصر. فالدولة الحديثة تحاول دائماً تدجين “الكلمة” لتثبيت سلطتها، بينما يجد المعارضون في ذات “الكلمة” مبرراً شرعياً للخروج على الحاكم إذا ما اعتبروه “خارجاً عن المخطط الإلهي”. وهكذا، يظل الإسلام، في نظر غيلنر، هو النظام العقائدي الوحيد في العالم المعاصر الذي لا يزال قادراً على ممارسة دور سياسي كوني وشامل، متحدياً كافة توقعات الاندثار أو التحييد، ليظل رقماً صعباً في معادلة المستقبل العالمي.

مختبر الأطلس الكبير: تجسيد النظرية في جغرافيا الوعورة

ينتقل إرنست غيلنر في هذا المنعطف من كتابه من التنظير الكلي إلى الفحص المجهري، متخذاً من جبال الأطلس الكبير في المغرب مختبراً سوسيولوجياً حياً لاختبار فرضياته حول “المجتمع الانقسامي”. يرى غيلنر أن هذه المناطق الجبلية الوعرة قدمت تاريخياً النموذج الأوضح لما يسميه “بلاد السيبة” (مناطق السيبة)، وهي تلك المناطق التي تعترف بسلطة السلطان الروحية كإمام، لكنها ترفض بشكل قاطع الخضوع لسلطته الزمنية أو دفع الضرائب لجهازه الإداري (المخزن). في هذه البيئة، لم يكن غياب الدولة يعني الفوضى، بل كان يعني وجود نظام بديل بالغ التعقيد يعتمد على التوازن الدقيق بين القوى القبلية المتنافسة.

يوضح غيلنر أن القبائل الأطلسية طورت ما يمكن تسميته “ديمقراطية المحاربين”، حيث يتم اتخاذ القرارات المصيرية عبر مجالس شيوخ تعتمد مبدأ التوافق أو المعارضة المتكافئة. ولكن، لكي يعمل هذا النظام دون أن يغرق في حروب استنزاف لا تنتهي، كان لا بد من وجود “طرف ثالث” محايد ومقدس. هنا يبرز دور “زوايا” الأولياء أو المرابطين، الذين يسكنون في نقاط التماس بين القبائل المتناحرة. هؤلاء الأولياء، الذين يصفهم غيلنر بـ “المتخصصين في السلام”، لا يمتلكون قوة عسكرية خاصة بهم، بل يستمدون سلطتهم من “البركة” والنسب الشريف. إنهم يعملون كمحكمين في النزاعات على الموارد، ومشرفين على الأسواق الأسبوعية التي تعتبر رئة الحياة الاقتصادية في الجبل، والأهم من ذلك، هم الذين يمنحون الشرعية لزعماء القبائل المنتخبين سنوياً، مما يمنع تحول القيادة القبلية إلى استبداد دائم.

ثنائية المخزن والسيبة: جدلية المركز والهامش

لا يمكن فهم سوسيولوجيا غيلنر دون التعمق في مفهومي “المخزن” و”السيبة”، اللذين يمثلان في قراءته القطبين اللذين تتأرجح بينهما الدولة في المجتمع الإسلامي التقليدي. “المخزن” ليس مجرد جهاز إداري، بل هو تجسيد لـ “الإسلام الحضري” الذي يسعى لفرض النظام والقانون المستمد من الشريعة المكتوبة. في المقابل، تمثل “السيبة” المقاومة القبلية التي تسعى للحفاظ على استقلالها الذاتي وأعرافها المحلية. لكن غيلنر يكسر الصورة النمطية التي ترى في السيبة مجرد تمرد؛ فهو يراها نظاماً سياسياً مكتملاً يهدف إلى منع تمركز السلطة وتغولها.

العلاقة بين هذين القطبين ليست علاقة عداء مطلق، بل هي علاقة تكاملية غريبة؛ فالمخزن يحتاج إلى “العصبية” القبلية القادمة من مناطق السيبة لتجديد دمائه العسكرية والحاكمة، بينما تحتاج القبائل إلى “الشرعية” التي يمنحها السلطان، وإلى الأسواق الحضرية التي يسيطر عليها المخزن لتصريف منتجاتها. هذا التوازن الهش ظل قائماً لقرون، حيث كان السلطان يمارس نوعاً من “السلطة الرمزية” على الجبال، مكتفياً بالولاء الروحي، بينما يترك للقبائل تدبير شؤونها اليومية عبر وسطاء من الأولياء. إن هذا التقسيم الوظيفي هو ما منح المجتمع التقليدي استقراره الطويل، وهو ما جعل الدولة في العالم الإسلامي، بحسب غيلنر، “دولة رقيقة” لا تتغلغل في النسيج الاجتماعي العميق إلا في حالات نادرة.

انحسار “البركة” وصعود “البيروقراطية”

يشرح غيلنر كيف أدت الحداثة، التي دخلت محمولة على أكتاف الاستعمار ثم تبنتها الدولة الوطنية المستقلة، إلى تدمير هذا التوازن التقليدي بين المركز والهامش. فالدولة الحديثة، بطبيعتها الشمولية والبيروقراطية، لا تقبل بوجود “مناطق سيبة” خارج سيطرتها، ولا تعترف بوسطاء محليين يمتلكون سلطة مستقلة مثل الأولياء. لقد تم “تأميم” القداسة وتحويلها إلى مؤسسات تابعة لوزارات الأوقاف، كما تم استبدال “اليمين الجماعي” القبلي بالمحاكم المدنية والجنائية.

هذا التحول لم يمر دون ثمن اجتماعي ونفسي باهظ؛ فالقبائل التي تم تجريدها من استقلالها السياسي والمكاني وجدت نفسها تتحول إلى كتلة بشرية غير متجانسة في ضواحي المدن الكبرى. وفي هذا الفراغ الذي خلّفه غياب “الولي” التقليدي، لم يجد الناس العزاء في “العلمانية” التي بشرت بها النخب، بل وجدوه في “الإسلام الإصلاحي” الذي قدم لهم لغة أخلاقية جديدة للاحتجاج ضد الدولة المركزية التي يراها الكثيرون “مخزناً جديداً” أكثر قسوة وأقل شرعية من سلفه التقليدي. يرى غيلنر أن “الإصلاحية الدينية” في هذه المرحلة لم تكن عودة للخرافة، بل كانت وسيلة “للعصرنة”؛ فهي تطالب بالمساواة أمام القانون (الشريعة) وترفض الامتيازات الوراثية والوساطات الروحية القديمة، مما جعلها تتوافق بشكل غير متوقع مع تطلعات الجماهير الحضرية الجديدة.

المثقفون والعلماء: الصراع على قيادة “المجتمع المدني”

في تحليل عميق لبنية النخبة، يتناول غيلنر دور “العلماء” في مقابل “المثقفين المحدثين”. العلماء التقليديون كانوا دائماً جزءاً من بنية الدولة، يوفرون لها الشرعية القانونية مقابل الحفاظ على مكانتهم كحراس للنص. ولكن مع ظهور التعليم الحديث، برزت طبقة جديدة من المثقفين الذين يمتلكون أدوات معرفية غربية، لكنهم يظلون مرتبطين وجدانياً بهويتهم الإسلامية. هؤلاء المثقفون، وليس العلماء التقليديين، هم من قادوا التحول نحو “الإسلام السياسي” المعاصر.

يلاحظ غيلنر أن هؤلاء المثقفين استخدموا “الكتابية” (Scripturalism) – أي العودة للنص المكتوب الصارم – لتقويض سلطة كل من العلماء التقليديين (المرتبطين بالسلطة) والأولياء الريفيين (المرتبطين بالخرافة في نظرهم). لقد تحول الإسلام في أيديهم من “ممارسة اجتماعية تقاليدية” إلى “أيديولوجيا فكرية” واعية بذاتها. هذا التحول من “الدين كتراث” إلى “الدين كبرنامج سياسي” هو الجوهر الذي يفسر حيوية المجتمع الإسلامي وقدرته على المقاومة في القرن العشرين. فالإسلام، بفضل هذا “المخطط الاجتماعي” الجاهز والمكتوب، يمنح المؤمنين به “دستوراً” متعالياً لا يمكن للدولة الحديثة، مهما بلغت قوتها، أن تطمسه أو تزيحه عن مركز الصدارة في الوعي العام.

انتصار “الثقافة العليا”: عندما يصبح النص أيديولوجيا الدولة الحديثة

في هذا الفصل المحوري ، يضعنا إرنست غيلنر أمام حقيقة سوسيولوجية قد تبدو صادمة للوهلة الأولى: إن التحديث في العالم الإسلامي لم يؤدِّ إلى تراجع الدين، بل أدى إلى انتصار نوع محدد من التدين على حساب الأنواع الأخرى. يفرق غيلنر بحدة بين “الثقافة العليا” (High Culture) المرتبطة بالمدن، والعلماء، والنصوص المكتوبة، وبين “الثقافة الدنيا” (Low Culture) المرتبطة بالريف، والأولياء، والطقوس الشفهية، والكرامات الحسية. يرى غيلنر أن التاريخ الحديث للمجتمعات المسلمة هو في جوهره قصة اكتساح الثقافة العليا وتدميرها للثقافة الدنيا، وهو ما يسميه “عملية التطهير الكبرى”.

هذا الانتصار للثقافة العليا ليس مجرد تحول لاهوتي، بل هو ضرورة سياسية واجتماعية فرضتها الدولة الحديثة. فالدولة الوطنية التي ورثت تركة الاستعمار كانت بحاجة إلى “ثقافة وطنية موحدة” لدمج الجماهير في بوتقة المواطنة والإنتاج. وبما أن الإسلام “الكتابي” (الإصلاحي) يمتلك صفات التوحيد، والمساواة، والصرامة القانونية، فقد وجد فيه القادة السياسيون والمثقفون على حد سواء المادة الخام المثالية لبناء هوية وطنية قوية. إن المسلم الحديث، بحسب غيلنر، قد تخلى عن “الولي” المحلي الذي يمثل خصوصية قبيلته، ليعتنق “الإسلام العالمي” الذي يمنحه شعوراً بالندية مع الأمم الأخرى، ويحرره من قيود الانتماءات التقليدية التي باتت تعيق حركته في عالم الصناعة والبيروقراطية.

المساواة الروحية والتراتبية السياسية: مفارقة الاندماج الاجتماعي

يتناول غيلنر في هذا السياق قضية “المساواتية” في الإسلام، وكيف أنها تلعب دوراً مزدوجاً في تشكيل المجتمع. فمن الناحية الروحية، يقدم الإسلام نموذجاً فريداً من المساواة المطلقة بين المؤمنين أمام الله، حيث لا توجد طبقة إكليروس رسمية تحتكر الوساطة. هذه المساواتية الروحية، كما يرى غيلنر، كانت دائماً بمثابة “صمام أمان” أخلاقي في مجتمعات تتسم بوجود فجوات اقتصادية وسياسية هائلة. إنها تمنح الفرد شعوراً بالقيمة والكرامة بغض النظر عن موقعه في السلم الاجتماعي، وهو ما يفسر جاذبية الإسلام القوية للطبقات المهمشة والنازحين الجدد إلى المدن.

ومع ذلك، يلاحظ غيلنر مفارقة غريبة؛ فهذه المساواة الروحية لم تترجم تاريخياً إلى “ديمقراطية سياسية” بالمعنى الغربي. والسبب في ذلك يعود إلى أن “المخطط الاجتماعي” الإسلامي، رغم تأكيده على المساواة، يركز بشكل أكبر على “تطبيق الشريعة” كغاية قصوى للدولة. وبما أن تفسير الشريعة ظل تاريخياً حكراً على نخبة العلماء، فإن السلطة السياسية كانت تجد دائماً تبريراً لوجودها طالما أنها تحمي الدين وتطبق القانون الإلهي. في المجتمع الإسلامي الحديث، تحولت هذه المساواتية إلى “قومية دينية” قوية، حيث يتماهى الفرد مع الأمة (كمجتمع مؤمنين) أكثر مما يتماهى مع الدولة (كجهاز إداري)، مما يجعل الدولة في حالة بحث دائم عن شرعية لا تكتمل إلا بتبني الشعارات الدينية الأكثر صرامة.

موت “الولي” وولادة “الناشط”: تحول الكاريزما من السحر إلى التنظيم

يرسم غيلنر في صفحات كتابه لوحة جنائزية لمؤسسة “الولي” أو “المرابط” التي كانت في يوم من الأيام ركيزة المجتمع الريفي. مع تغلغل التعليم الحديث ووسائل الإعلام، فقد الولي قدرته على إقناع الناس ببركته وسحره؛ فالكتابة التي كانت سراً مقدساً يمتلكه القلة، أصبحت مهارة عامة. لقد حلت “الأيديولوجيا” محل “الكرامة”، وحل “الناشط السياسي” محل “الدرويش الصوفي”. يرى غيلنر أن هذا التحول هو انتقال من “الكاريزما الشخصية” المعتمدة على النسب والبركة، إلى “الكاريزما المؤسسية” المعتمدة على القدرة على التنظيم والحشد والتعبير عن المظالم الاجتماعية بلغة دينية.

هذا الناشط الجديد، الذي غالباً ما يكون متعلماً تعليماً حديثاً، لا يسعى للوساطة بين القبائل في الجبال، بل يسعى لتغيير المجتمع من مركزه في المدينة. إنه يستخدم “النص المكتوب” كفأس لتحطيم بقايا الخرافات الشعبية، وفي الوقت نفسه كدرع لمواجهة التغريب الثقافي. إن سقوط الإسلام الريفي (الصوفي) لم يترك فراغاً روحياً، بل ملأه إسلام إصلاحي “مسيس” يمتلك كفاءة عالية في التعامل مع أدوات العصر الحديث، من الصحافة إلى البرلمانات وصولاً إلى منصات التواصل، مما يجعل الإسلام، في رؤية غيلنر، الدين الأكثر “حداثة” من حيث قدرته على التعبئة الجماهيرية في القرن العشرين والواحد والعشرين.

مفارقة فيبر: لماذا لم ينتج “البروتستانت المسلمون” رأسمالية صناعية؟

في هذا الجزء من رحلتنا التحليلية، يواجه غيلنر أحد أعظم العقول السوسيولوجية في التاريخ، وهو ماكس فيبر. كان فيبر قد جادل في أطروحته الشهيرة بأن “الأخلاق البروتستانتية” كانت المحرك الروحي لنشوء الرأسمالية الحديثة في الغرب، بينما رأى في الإسلام عائقاً بنيوياً أمام هذا التطور بسبب ما أسماه “النزعة القدرية” و”السياسة السلطوية” (البطريركية). لكن غيلنر، بجرأته المعهودة، يقلب هذه الطاولة التحليلية؛ فهو يرى أن “الإسلام العالي” أو “الإصلاحي” يمتلك من الخصائص “البروتستانتية” ما يفوق البروتستانتية المسيحية نفسها. فالإسلام العالي يحارب السحر، ويمجد العمل، ويقدس الكتابة، ويفرض انضباطاً ذاتياً صارماً، ويدعو للمساواة بين المؤمنين، وهي كلها عناصر “عقلانية” بامتياز.

إذن، لماذا لم تظهر الرأسمالية في قلب العالم الإسلامي قبل الغرب؟ يرى غيلنر أن الإجابة لا تكمن في “جوهر الدين” كما اعتقد فيبر، بل في “البنية السياسية”. ففي الوقت الذي كان فيه التجار في أوروبا يحصلون على استقلالهم الذاتي داخل المدن ويحمون ثرواتهم من مصادرة الملوك، كان التاجر في المجتمع الإسلامي التقليدي يقع دائماً تحت رحمة “العصبية” القبلية أو السلطة العسكرية الحاكمة. إن غياب “الأمن القانوني” للثروة، وليس غياب “الروح الرأسمالية”، هو ما منع تراكم رأس المال الطويل الأمد. وبذلك، يصحح غيلنر مسار السوسيولوجيا الغربية، مؤكداً أن الإسلام كعقيدة كان “جاهزاً” للعصرنة، لكن البيئة السياسية التقليدية كانت هي العائق.

Muslim Society

Ernest Gellner

مقالات ذات صلة

‫2 تعليقات

  1. دا مقال مسبوك من الطراز الأول مقال دسم عن كتاب دسم تناول حضري أنيق جدا شافي ضافي امتعني والله جدا جدا
    يوضح كيف تقاتل الكلمة في الاسلام
    كلمة نور الكلمة حصن الحرية
    بالكلمة يعرف الفرق بين نبي وبغي
    مفتاح الجنة في كلمة
    ودخول النار علي كلمة
    شرف الرجل هو الكلمة
    ووحي الله هو الكلمة
    ، دكتور مهندس سامي السر احمد
    جامعه الملك خالد
    الكليه التطبيقيه بخميس مشيط
    متخصص في السلوك التنظيمي بالمنشاه الصناعيه وعلى خط الانتاج

    1. نشكرك دكتور علي ردك واعجابك بالموضوع .. كما ندعوك لمتابعة تقاريرنا المميزة والتي يصنعها شبابنا من الصحفيين والمتخصصين بثلاثة لغات متنوعة
      تجدها جميعاً عند تحقيقات وتقارير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى