
في عام 1833، وقف المؤرخ والسياسي توماس ماكولي ليعلن بثقة مطلقة أن البريطانيين “شعبٌ أُنعم عليه بقسط وافر يفوق المعتاد من الحرية السياسية والنور الفكري”. كان هذا التصريح يبدو منطقياً في وقت كانت فيه بريطانيا قد خرجت للتو منتصرة من حروبها الطويلة مع فرنسا، وتتأهب لبناء أعظم إمبراطورية عرفها التاريخ الحديث. لكن اليوم، وبقراءة كتاب المؤرخ أ. ج. هوبكنز الأخير، “الأرض حيث لا شيء يعمل: كيف فقدت بريطانيا بوصلتها”، نجد أنفسنا أمام مشهد يتسم بالتواضع والانكسار بدلاً من الادعاءات التي تحاول إخفاء الواقع. بريطانيا اليوم تُصنف، وفقاً لمؤشر الدول الهشة، في مراتب متأخرة تقارب دولاً مثل كوستاريكا وموريشيوس، وتتخلف بشكل واضح عن جيرانها في أوروبا الغربية، وهو تدهور لم يحظَ تقريباً بأي نقاش جاد في البرلمان أو الصحافة. إن هذا الكتاب ليس مجرد سرد لتاريخ ما بعد عام 1945، بل هو تشريح عميق وحازم لدولة تخذل مواطنيها، وتتراجع على كافة الأصعدة الاقتصادية والسياسية والاجتماعية.
يبدأ هوبكنز كتابه the land where nothing works برصد الانهيار المادي الملموس الذي يحيط بالبريطانيين في كل مكان. إن الدليل الأكبر على التدهور الذي يصاحب الانحدار يتجلى في الانهيار شبه التام للخدمات العامة. مجرد القيادة على الطرقات كفيل بصدمة أي مراقب؛ فالمملكة المتحدة أصبحت “عاصمة الحفر” في أوروبا، في تفوق وحيد لا تستطيع دول القارة منافستها فيه. المدن التي كانت يوماً ما جميلة أصبحت مرتعاً للأعشاب الضارة والطلاء المتقشر والمقاعد العامة المحطمة، في تناقض مخجل مع المدن الألمانية المعتنى بها. وإذا قرر المواطن التخلي عن سيارته والمخاطرة بركوب القطار، فسيواجه نظاماً مجزأً بفعل الخصخصة، تسوده إضرابات عمالية طويلة الأمد، ومزيج غير مفهوم من التعريفات، وإلغاءات مفاجئة للرحلات. هذا ناهيك عن أن ثماني فقط من كبرى المدن البريطانية تمتلك شبكات نقل خفيف أو مترو أنفاق، وهي نسبة ضئيلة جداً مقارنة بدول مثل الدنمارك وألمانيا.
يمتد هذا التآكل ليصل إلى البنية التحتية الحيوية كالمستشفيات والمدارس. النظام الصحي الوطني (NHS)، الذي كان يوماً فخراً لبريطانيا، يجثو الآن على ركبتيه. يقارن هوبكنز الإنفاق الصحي وعدد الأسرة والأطباء في بريطانيا بنظرائها في أوروبا ليجد أن البلاد تتخلف بشدة؛ حيث انخفض عدد أسرة المستشفيات إلى النصف خلال الثلاثين عاماً الماضية رغم نمو عدد السكان. أما المدارس، فقد باتت تشكل خطراً حرفياً على حياة الطلاب. تقارير رسمية كشفت أن آلاف الأطفال يتلقون تعليمهم في مبانٍ مشيدة بخرسانة رديئة منتهية الصلاحية وتحتوي على مادة الأسبستوس القاتلة. ورغم هذا الواقع الكارثي، لا تزال الحكومة تتعامل بعقلية معالجة الأزمات اللحظية وتجاهل المشكلات طويلة الأمد.
لكن كيف وصل الحال إلى هذا الحد؟ يضع هوبكنز يده على الجرح عندما يصف التحول الثقافي والاقتصادي من تقديس “الخدمة العامة” إلى عبادة “الربح الخاص”. في الماضي، كانت الوظائف العامة تحظى بالاحترام وتعتبر مساهمة أساسية في الرفاهية الوطنية. أما بعد ثمانينيات القرن العشرين، ترسخت فكرة أن موظفي الدولة ليسوا سوى عبء، وتدهورت المكانة والرواتب. في المقابل، خلقت الخصخصة سلسلة من الاحتكارات شبه الكاملة التي تعمل تحت إشراف “منظمين” متساهلين. قطاع المياه يقدم المثال الأبرز على هذا الفشل؛ فمنذ بيع الشركات المملوكة للدولة للقطاع الخاص عام 1989، حصد المساهمون والمديرون التنفيذيون ثروات طائلة، بينما تُركت الأنابيب الفيكتورية القديمة تتسرب وتصرف مياه الصرف الصحي في الأنهار، وتحمل المستهلكون عبء الديون المتراكمة.
يبلغ هذا الفساد المنهجي ذروته في فاجعة برج جرينفيل عام 2017، التي حصدت أرواح 72 شخصاً. يؤكد هوبكنز، مستنداً إلى تقرير لجنة التحقيق، أن الكارثة كانت نتيجة التركيز القاسي على التكلفة، والخداع المنهجي من قبل الشركات الموردة للمواد الرديئة، واستغلال ضعف النظام التنظيمي البريطاني. لقد باتت ثقافة السخرية والتهكم، التي تعرّف كل شيء بسعره دون إدراك لقيمته، هي العقيدة السائدة التي لا يتحدى سطوتها أحد. وقد ترافق ذلك مع انحدار غير مسبوق في مستوى النخبة السياسية. البرلمان، الذي كان يوماً رمزاً للديمقراطية، تحول إلى مكان للارتقاء الشخصي واستغلال موارد الدولة، وتسارعت ظاهرة الباب الدوار بين المناصب الحكومية وشركات القطاع الخاص، مما أدى إلى تراجع حاد في مقاييس النزاهة والثقة العامة.
هذا التوجه نحو فردية السوق الجامحة أنتج مجتمعاً ممزقاً يعاني من فجوة هائلة في الثروة. يشير هوبكنز إلى أن بريطانيا تعاني اليوم من أعلى معدلات عدم المساواة في الدخل في أوروبا. نصف الثروة في بريطانيا يملكها عُشر السكان، وتتركز بشكل أساسي في الجنوب الشرقي، بينما تعاني مناطق أخرى من الفقر وانعدام الأصول. الفجوة بين لندن وبقية البلاد مذهلة؛ فلو تم اقتطاع لندن من الخريطة، لتراجع نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في بريطانيا ليصبح أقل من ولاية ميسيسيبي، أفقر الولايات الأمريكية. ومع التراجع الاقتصادي وتدابير التقشف، أصبح الفقر المدقع والاعتماد على بنوك الطعام والتشرد أموراً “طبيعية”، إلى الحد الذي اعتبرت فيه الأمم المتحدة أن بريطانيا تنتهك القانون الدولي لحقوق الإنسان، وهو ادعاء سارعت الحكومات المتعاقبة إلى إنكاره.
للإجابة عن سؤال الانحدار، يرفض هوبكنز حصر التحليل في السنوات القليلة الماضية، ويأخذنا في رحلة تاريخية عميقة. ففي القرن التاسع عشر، واجهت بريطانيا ثلاث ثورات متزامنة: التطور الاقتصادي الحديث، وتكوين الدول القومية، وانتشار الديمقراطية. نجحت النخبة الحاكمة آنذاك، والمكونة من الأرستقراطية وطبقة النبلاء، في استيعاب المصالح الجديدة للصناعة والتجارة داخل نظام هرمي يعتمد على “الاحترام” والولاء. استلهمت هذه النخبة رؤيتها للعالم من كلاسيكيات اليونان وروما، حيث رأت في الإمبراطورية البريطانية امتداداً للإمبراطورية الرومانية، وغرست قيم “الواجب” و”الشرف” لتبرير موقعها المتميز ومهمتها الحضارية المزعومة حول العالم. هذا المزيج من التكيف البطيء والتوسع الإمبراطوري هو ما حمى بريطانيا من الثورات العنيفة التي عصفت بأوروبا القارية، ولكنه في الوقت ذاته رسخ بنية طبقية شديدة التفاوت، ستظل تلقي بظلالها على البلاد حتى اليوم.
بعد الدمار الواسع الذي خلفته الحرب العالمية الثانية، وقفت بريطانيا، جنباً إلى جنب مع بقية دول أوروبا، على مفترق طرق حاسم يحدد شكل مستقبلها. في عام 1945، وبشكل فاجأ ونستون تشرشل نفسه الذي قاد البلاد خلال الحرب، حقق حزب العمال بقيادة كليمنت أتلي انتصاراً كاسحاً في الانتخابات العامة. لم يكن هذا الانتصار مجرد تغيير روتيني في الوجوه السياسية، بل كان تعبيراً عن رغبة شعبية عارمة في طي صفحة حربين عالميتين طاحنتين وما تخللهما من فترة كساد وبطالة جماعية. لم تكن بريطانيا في ذلك الوقت تشبه بأي شكل من الأشكال دولة الرفاه الحديثة التي نألفها اليوم؛ فقد كان 80 بالمائة من الأطفال يتركون مقاعد الدراسة في سن الرابعة عشرة، وكانت نسبة ضئيلة جداً، لا تتجاوز 3 بالمائة، تلتحق بأي شكل من أشكال التعليم العالي في سنوات ما بعد الحرب المباشرة. وفي عام 1947، كان أقل من نصف الأسر البريطانية يمتلك حمامات داخلية، وظل تقنين الغذاء والملبس والضروريات سارياً حتى الخمسينيات.
في خضم هذا الواقع القاسي والمتقشف، وُلدت تجربة الديمقراطية الاجتماعية البريطانية، حيث أصبح يُنظر إلى “الحكومة الكبيرة” لا كعبء يجب التخلص منه، بل كحل لا غنى عنه. تبنى حزب العمال خطة طموحة وجريئة قائمة على التخطيط الاقتصادي، والتأميم، والتوظيف الكامل، وتوفير الرعاية الاجتماعية الشاملة، وتأسيس هيئة الخدمات الصحية الوطنية (NHS). كان الهدف الأسمى هو القضاء على “العمالقة الخمسة” التي حددها تقرير بيفردج الشهير عام 1942، وهي: العوز، والمرض، والجهل، والبؤس، والبطالة، التي وقفت عقبة في طريق إعادة الإعمار. لقد سعت الحكومة بجدية إلى إرساء “اقتصاد أخلاقي” جديد يكافئ المواطنين، ويربط بين الحقوق والواجبات لخدمة المجتمع ككل، مبتعدة عن الفردية المطلقة ومستندة إلى مبدأ “الحصص العادلة” لتعزيز التعاون بين الحكومة وأصحاب العمل والموظفين.
لطالما رُسمت صورة قاتمة لهذه الفترة، الممتدة من عام 1945 إلى 1979، في الخطاب السياسي المعاصر باعتبارها حقبة من التدهور الاقتصادي المستمر وسوء الإدارة، وهي سردية ومصطلح “الانحدار” (Declinism) الذي تبناه لاحقاً أنصار مارغريت ثاتشر في السبعينيات لتبرير تخليهم العنيف عن السياسات التدخلية. لكن أ. ج. هوبكنز في كتابه يفند هذه “الأسطورة” السياسية بشدة وبأدلة تاريخية قاطعة، مؤكداً أن تلك الحقبة كانت في الواقع “عصراً ذهبياً” حقيقياً لبريطانيا. فخلال تلك الفترة، كانت معدلات النمو الاقتصادي، المقاسة بالناتج المحلي الإجمالي، أعلى مما كانت عليه في أوائل القرن العشرين أو ما ستصبح عليه لاحقاً بين عامي 1973 و1979. تم تقليص البطالة إلى مستويات دنيا تكاد لا تُذكر، وظل التضخم منخفضاً، وارتفعت الدخول الحقيقية للمواطنين. الأهم من ذلك كله، انخفضت معدلات التفاوت في الدخل والثروة بشكل ملحوظ بين أواخر الثلاثينيات وعام 1980، وتقلصت الفوارق الإقليمية، وتراجعت معها معدلات فقر الأطفال. لقد شملت هذه المكاسب تحسناً ملموساً في جودة الحياة، بدءاً من زيادة متوسط العمر المتوقع وحقوق الإجازات، وصولاً إلى توسع الفرص التعليمية وانتشار السفر. هذا الرخاء المتزايد هو ما دفع رئيس الوزراء المحافظ هارولد ماكميلان في عام 1957 إلى إطلاق مقولته الشهيرة التي خلدها التاريخ: “إن معظم شعبنا لم يعش قط حياة أفضل من هذه”.
لم يكن هذا النجاح حكراً على حزب العمال أو وليد الصدفة، بل كان نتاج “إجماع” سياسي واجتماعي واسع النطاق استمر لعقود. فعندما عاد حزب المحافظين إلى السلطة في عام 1951، لم يقوموا بشن ثورة مضادة لتفكيك دولة الرفاهية الناشئة. كانت شعبية هذه الإصلاحات تحميها من أي هجوم سياسي، كما أن نظام الضرائب التصاعدية الذي ألزم الأثرياء بدفع حصتهم العادلة لتمويل الرعاية الاجتماعية والدفاع ظل قائماً دون مساس. لقد حافظ المحافظون، الذين هيمن عليهم تيار “أمة واحدة” (One Nation Tories)، على جوهر التسوية التي تمت بعد الحرب، محاولين إيجاد توازن دقيق بين المشاريع الخاصة والتدخل الحكومي الضروري لتنظيم الأسواق ودعم العمالة. وقد جسد ماكميلان هذا التوجه في كتابه “الطريق الأوسط”، حيث دعا إلى اقتصاد مختلط يجمع بين المؤسسات الخاصة والتدخل الحكومي لإعادة تنظيم الصناعة وتوفير التمويل لها.
ومع ذلك، لم تُبنَ هذه الديمقراطية الاجتماعية في فراغ مثالي، بل واجهت تحديات جيوسياسية واقتصادية دولية هائلة ومستمرة. خرجت بريطانيا من الحرب مثقلة بديون ضخمة للولايات المتحدة الأمريكية، وكان عليها في الوقت ذاته الحفاظ على نفوذها الإمبراطوري المتداعي وتمويل التزامات الحرب الباردة الباهظة التكلفة. في البداية، اعتقد السياسيون أن بإمكانهم إحياء الإمبراطورية وتطويرها لتكون طوق نجاة للاقتصاد البريطاني، معتمدين على “منطقة الإسترليني” لتوفير حماية لأسواقهم وتأمين إيرادات بالدولار. غير أن هذا المشروع الإمبراطوري سرعان ما اصطدم بصخرة الواقع المتمثل في تنامي الحركات القومية المناهضة للاستعمار، والضغوط الأمريكية المتزايدة، وتراجع العوائد الاقتصادية المتوقعة من المستعمرات.
وجاءت أزمة السويس عام 1956 لتسدد ضربة قاضية لهيبة بريطانيا، كاشفة بجلاء عن حقيقة أن الإمبراطورية لم تعد قادرة على الوقوف بندية في وجه واشنطن، التي هددت بتدمير قيمة الإسترليني إذا لم تنسحب القوات البريطانية. مع تسارع عجلة إنهاء الاستعمار في أواخر الخمسينيات واكتمالها في الستينيات، تقلصت حصة بريطانيا في تجارة السلع المصنعة العالمية بشكل ملحوظ، مما دفع قادتها إلى تغيير بوصلتهم نحو أوروبا القارية بحثاً عن فرص نمو جديدة وأسواق أكثر ديناميكية. وفي عام 1961، تقدمت بريطانيا بطلب طموح للانضمام إلى المجموعة الاقتصادية الأوروبية، في خطوة محورية مثلت إقراراً واضحاً بأن الروابط الإمبراطورية القديمة قد فقدت قيمتها، رغم أن الانضمام الفعلي لم يتحقق إلا في عام 1973 بعد أن رفع الجنرال ديغول الفيتو الفرنسي.
وفي موازاة هذا التحول الجيوسياسي، كانت هناك قوى خفية وأكثر دهاءً تتشكل في الخفاء داخل حي المال والأعمال (السيتي) في لندن، وهي القوى التي ستلعب دوراً محورياً في تقويض التسوية الاجتماعية لاحقاً. بعد أن فقدت لندن إمبراطوريتها وتراجع دور الجنيه الإسترليني كعملة احتياطية عالمية، وجدت “السيتي” ضالتها في ابتكار مالي جديد في أواخر الخمسينيات يُعرف بـ “اليورودولار” (Eurodollars) والسندات الأوروبية. كانت هذه الأدوات وسيلة ذكية لتجنب ضوابط رأس المال التي أرساها اتفاق بريتون وودز، وسمحت للمصارف بالعمل بحرية تامة خارج مظلة التنظيمات الأمريكية والبريطانية. ترافق ذلك مع تطور موازٍ لا يقل خطورة، وهو استغلال أقاليم المستعمرات السابقة وتحويلها إلى “ملاذات ضريبية” (Tax Havens)، بدءاً من جزر البهاما عام 1955، بهدف التهرب من الضرائب وضوابط الصرف البريطانية. لقد أدى هذا التمرد المالي الهادئ، الذي تمدد تحت أعين حكومات متساهلة، إلى فتح الباب أمام أشكال غير مسبوقة من العولمة المالية التي أفلتت من سيطرة الدولة الديمقراطية، وبدأت تسحب البساط تدريجياً من تحت أقدام الاقتصاد الصناعي التنافسي.
ومع تقلص مساحة الإمبراطورية في الخارج، وانحسار فكرة “بريطانيا العظمى” لتصبح مجرد “إنجلترا الصغيرة” في الداخل، بدأت التصدعات العميقة تظهر في بنية الهوية الوطنية. كان المواطنون من دول الكومنولث يتدفقون إلى بريطانيا، مما أثار توترات عنصرية استغلها سياسيون مثل إينوك باول في خطابه الشهير والمحرض “أنهار الدم” عام 1968، محذراً من أن “روما الجديدة” تتعرض لتهديد من قِبل وافدين صُنفوا كـ “برابرة”. لقد تحولت بريطانيا بنهاية هذه الحقبة من قوة عالمية مهيمنة وواثقة إلى دولة تحاول جاهدة العثور على دور جديد لها، ممزقة بين تحالف غير متكافئ مع أمريكا وانضمام متردد وحذر إلى أوروبا.
دخلت بريطانيا عقد السبعينيات وهي مثقلة بشعور بالضيق والارتباك؛ فالتسوية الاجتماعية التي صمدت لعقود بدأت تظهر عليها علامات الإجهاد القاتل. كان التضخم يتصاعد، والنمو يتباطأ، والإضرابات العمالية المتكررة أدت إلى شلل في الخدمات الأساسية. وفي هذه الأجواء المشحونة، لم تعد الحلول الوسطى التي قدمتها الحكومات السابقة، سواء كانت من حزب العمال أو المحافظين، كافية لإرضاء الشارع أو تهدئة الأسواق. في عام 1976، اضطرت بريطانيا، القوة العظمى السابقة، إلى طلب قرض إنقاذ من صندوق النقد الدولي، وهي لحظة مهينة وصفتها الصحافة بأنها “استسلام للسيادة الوطنية”. كانت هذه الأزمة هي اللحظة التاريخية التي انتظرها التيار اليميني المتشدد داخل حزب المحافظين، بقيادة شخصية ستغير وجه بريطانيا إلى الأبد: مارغريت ثاتشر.
لم تكن “الثاتشرية” مجرد برنامج اقتصادي تقشفي، بل كانت، كما يوضح هوبكنز ببراعة، “حملة أيديولوجية شاملة” تهدف إلى اقتلاع جذور الديمقراطية الاجتماعية واستبدالها بنموذج “النيوليبرالية”. بالنسبة لثاتشر، لم تكن المشكلة تكمن في سوء الإدارة فحسب، بل في فلسفة “الدولة الراعية” نفسها، التي رأت أنها تقتل روح المبادرة الفردية وتخلق مواطناً عاجزاً يعتمد على المعونات. انطلقت ثاتشر من مبدأ أن “الاقتصاد هو الطريقة، لكن الهدف هو تغيير الروح”، وسعت إلى إعادة تشكيل الهوية البريطانية لتتمحور حول “الفرد” بدلاً من “المجتمع”، في عبارتها الشهيرة والمثيرة للجدل: “لا يوجد شيء اسمه مجتمع، هناك أفراد ورجال ونساء، وهناك عائلات”.
كان الركن الأول في هذه الثورة هو “النقودية” (Monetarism)، وهي سياسة تهدف إلى كبح التضخم عبر تقليص المعروض النقدي ورفع أسعار الفائدة، حتى لو أدى ذلك إلى ارتفاع هائل في معدلات البطالة وإفلاس الشركات الصناعية التقليدية. وبالفعل، شهدت أوائل الثمانينيات تدميراً واسعاً لقاعدة التصنيع البريطانية، خاصة في الشمال وإسكتلندا وويلز، حيث أُغلقت المصانع والمناجم التي كانت يوماً ما عماد القوة الإمبراطورية. لم تكن هذه الخسائر الاقتصادية مجرد آثار جانبية غير مقصودة، بل كانت جزءاً من “علاج الصدمة” لكسر شوكة نقابات العمال، التي اعتبرتها ثاتشر “العدو في الداخل”. وبلغت هذه المواجهة ذروتها في إضراب عمال المناجم التاريخي (1984-1985)، الذي انتهى بهزيمة ساحقة للنقابات، مما مهد الطريق لإعادة هيكلة سوق العمل بشكل جذري، وإلغاء حماية الموظفين، وفرض مرونة العمل التي أدت لاحقاً إلى ظهور “اقتصاد الأعمال المؤقتة” (Gig Economy) وانعدام الأمان الوظيفي.
أما الركن الثاني، والأكثر وياثاً في إرثها، فهو “الخصخصة”. بدأ الأمر ببيع شركات الاتصالات والغاز والكهرباء والمياه، وصولاً إلى السكك الحديدية. لم يكن الهدف مالياً بحتاً لرفد خزينة الدولة، بل كان سياسياً بامتياز؛ فقد أرادت ثاتشر خلق “ديمقراطية المساهمين”، حيث يمتلك المواطنون العاديون أسهماً في هذه الشركات، مما يربط مصالحهم الشخصية بنجاح الرأسمالية ويقلل من ولائهم للدولة أو النقابة. ومع ذلك، يجادل هوبكنز بأن النتيجة لم تكن ديمقراطية اقتصادية، بل تحولاً من احتكارات عامة تخضع للمساءلة البرلمانية إلى احتكارات خاصة تهدف للربح السريع، حيث أُهملت الاستثمارات طويلة الأمد في البنية التحتية مقابل توزيع الأرباح على المساهمين والمكافآت الضخمة للمديرين التنفيذيين، وهو ما يفسر لماذا “لا شيء يعمل” اليوم في قطاعات النقل والمياه.
وفي قلب هذا التحول، برزت لندن كـ “جزيرة مالية” منفصلة عن واقع البلاد. في عام 1986، أطلقت ثاتشر ما عُرف بـ “الانفجار العظيم” (The Big Bang)، وهو إلغاء واسع للقيود التنظيمية في حي المال والأعمال (السيتي). فتح هذا الإجراء الأبواب أمام المصارف الدولية، وخاصة الأمريكية، للهيمنة على الساحة المالية في لندن، وحوّل الاقتصاد البريطاني من الاعتماد على “صناعة الأشياء” إلى الاعتماد على “تداول الأصول والديون”. لقد أصبحت “السيتي” هي المحرك الوحيد للنمو، وتدفقت الأموال إلى العقارات في لندن والجنوب الشرقي، مما خلق طفرة وهمية أخفت تحت طياتها تدهوراً مستمراً في بقية أقاليم المملكة. هذا “الارتهان للمال” خلق اقتصاداً هشاً يعتمد على تقلبات الأسواق العالمية، وأدى إلى تآكل القاعدة الإنتاجية التي كانت تضمن نوعاً من التوازن الاجتماعي والمكاني.
لم يقتصر التغيير على الاقتصاد والسياسة، بل امتد ليعيد تعريف “الخدمة العامة” في المؤسسات التعليمية والصحية. تم إدخال “آليات السوق” إلى المستشفيات والمدارس، وبات يُنظر إلى المرضى والطلاب كـ “عملاء” أو “مستهلكين”. هذه الثقافة الإدارية الجديدة، التي تعتمد على الأهداف الكمية والتقارير الورقية بدلاً من الجودة الفعلية، أدت إلى إرهاق المهنيين وإفساد روح العمل التطوعي والواجب التي كانت تميز البيروقراطية البريطانية. لقد خُصخصت المساحات العامة، وأصبحت المدن البريطانية ساحات للتسويق العقاري، حيث تم تحويل الأراضي العامة إلى مشاريع سكنية فاخرة لا يستطيع المواطن العادي تحمل كلفتها، مما أدى إلى أزمة سكن خانقة لا تزال تعصف بالبلاد حتى اللحظة.
تزامن هذا الانقلاب الداخلي مع محاولة ثاتشر استعادة “الهيبة الإمبراطورية” في الخارج، وهو ما تجلى في حرب الفوكلاند عام 1982. استغلت ثاتشر الانتصار العسكري لتأجيج مشاعر القومية البريطانية العنيفة، وتصوير نفسها كـ “المرأة الحديدية” التي ستعيد العظمة لبريطانيا. لكن هوبكنز يرى في هذا “الوطنية الجديدة” نوعاً من الهروب إلى الأمام؛ فبريطانيا التي كانت تبيع أصولها الوطنية وتدمر قاعدتها الصناعية، كانت تحاول تعويض فقدان القوة الحقيقية باستعراضات عسكرية واستحضار لأمجاد الماضي الإمبراطوري. ومع نهاية عهدها في عام 1990، كانت بريطانيا قد أصبحت بلداً مختلفاً تماماً: أكثر ثراءً لقلة محظوظة، ولكنها أكثر انقساماً، وأكثر فقراً في خدماتها العامة، وأكثر ارتهاناً لتقلبات النظام المالي العالمي الذي لم يعد لأحد القدرة على السيطرة عليه.
عندما صعد توني بلير إلى منصة التتويج في عام 1997 على أنغام أغنية “الأمور لا يمكن إلا أن تتحسن”، بدا وكأن بريطانيا قد عثرت أخيراً على الصيغة السحرية للتصالح مع ذاتها ومع العالم. قدم بلير ما عرف بـ “الطريق الثالث”، وهي محاولة طموحة للمزج بين ديناميكية السوق التي أرستها ثاتشر والعدالة الاجتماعية التي طالما نادى بها حزب العمال. كان الوعد يقتضي بأن بريطانيا لن تضطر بعد الآن للاختيار بين الكفاءة والمساواة؛ فمن خلال احتضان العولمة والابتكار المالي، يمكن توليد ثروات هائلة تُستخدم لاحقاً لتمويل نهضة كبرى في التعليم والصحة. لكن، وكما يكشف هوبكنز في تشريحه لهذه الحقبة، فإن هذا “الإجماع الجديد” كان يحمل في طياته بذور فنائه، حيث استمر في تعميق الارتهان للقطاع المالي مع إضافة طبقة رقيقة من الإنفاق العام التي لم تعالج الاختلالات الهيكلية العميقة في الاقتصاد البريطاني.
في ظل حكم “العمال الجديد”، شهدت بريطانيا زيادة فعلية في الإنفاق على الخدمات العامة، وتحسنت مؤشرات الأداء في المدارس والمستشفيات بشكل ملحوظ. غير أن هذا الازدهار كان يعتمد على “صفقة مضمرة” مع حي المال والأعمال (السيتي)؛ فالحكومة سمحت للمصارف والشركات المالية بممارسة نشاطاتها بأقل قدر من الرقابة، وفي المقابل، حصدت الدولة ضرائب مجزية من أرباح تلك المؤسسات لتمويل برامجها الاجتماعية. يصف هوبكنز هذا النموذج بأنه كان “قصراً رملياً” بُني على افتراض أن النمو المالي سيسير إلى الأبد دون عوائق. وما زاد الطين بلة هو التوسع في استخدام “مبادرات التمويل الخاص” (PFI)، حيث تم بناء المستشفيات والمدارس بأموال القطاع الخاص مقابل ديون طويلة الأمد أثقلت كاهل ميزانية الدولة لجيل كامل، في خصخصة مقنعة لم تظهر آثارها الكارثية إلا لاحقاً.
سقط هذا القصر الرملي مع دوي الانفجار الذي أحدثته الأزمة المالية العالمية في عام 2008. كانت بريطانيا، بسبب تضخم قطاعها المالي وارتباطه الوثيق بالأسواق الأمريكية، واحدة من أكثر الدول تضرراً. وفجأة، تحولت الدولة التي كانت تفتخر بـ “نهاية دورات الكساد والازدهار” إلى منقذ للمصارف المنهارة بمليارات الجنيهات من أموال دافعي الضرائب. يجادل هوبكنز بأن هذه اللحظة كانت نقطة التحول الكبرى؛ فبدلاً من أن تؤدي الأزمة إلى مراجعة شاملة لنموذج الرأسمالية المالية، استُغلت من قبل التحالف المحافظ الجديد الذي صعد للسلطة عام 2010 لفرض أجندة “التقشف” القاسية. زُعم أن بريطانيا قد “نفد منها المال”، وأن على الجميع شد الأحزمة لإصلاح الميزانية، لكن العبء لم يوزع بالتساوي؛ فقد دفع الفقراء والطبقة الوسطى والخدمات العامة الثمن الأكبر، بينما ظل القطاع المالي بمنأى عن المحاسبة الحقيقية.
لقد كان التقشف، في جوهره، مشروعاً أيديولوجياً يهدف إلى استكمال ما بدأته ثاتشر: تقليص حجم الدولة إلى أقصى حد ممكن. تم تجويع المجالس المحلية من التمويل، مما أدى إلى إغلاق آلاف المكتبات ومراكز الشباب وصيانة الطرق، وانهارت الرعاية الاجتماعية للمسنين، وتزايدت قوائم الانتظار في المستشفيات بشكل مخيف. يحلل هوبكنز كيف أدى هذا “التآكل الممنهج” إلى خلق حالة من الغضب المكتوم في المناطق التي شعرت بأنها “منسية” ومتروكة لمصيرها بينما تستمر لندن في مراكمة الثروات. هذا الشعور العميق بالظلم واللاجدوى هو ما هيأ الأرضية الخصبة لزلزال عام 2016: قرار الخروج من الاتحاد الأوروبي (Brexit).
لم يكن “البريكست” مجرد خلاف حول التعريفات الجمركية أو السيادة القانونية، بل كان، كما يصوره هوبكنز، “صرخة احتجاج” ضد نظام لم يعد يعمل لصالح الأغلبية. استغل دعاة الخروج الحنين إلى الماضي الإمبراطوري ووعدوا بـ “بريطانيا العالمية” التي ستستعيد السيطرة على حدودها وقوانينها وأموالها. غير أن الواقع بعد الخروج جاء مخيباً للآمال؛ فقد وجدت بريطانيا نفسها عالقة في منطقة رمادية، تخسر امتيازات الوصول إلى أكبر سوق موحد في العالم دون أن تتمكن من تعويض ذلك باتفاقيات تجارية سحرية مع القوى البعيدة. لقد زاد البريكست من البيروقراطية، وعمق نقص العمالة، وأدى إلى تراجع الاستثمار، مما جعل بريطانيا الدولة الوحيدة في مجموعة السبع التي لم يستعد اقتصادها حجمه ما قبل الجائحة إلا بصعوبة بالغة.
ينتهي هوبكنز في هذا الجزء من تحليله إلى أن بريطانيا اليوم تعيش حالة من “فقدان البوصلة”؛ فهي لم تعد القوة الإمبراطورية العظمى، ولم تعد الشريك القائد في أوروبا، وفشل نموذجها النيوليبرالي في توفير الرخاء المستدام أو البنية التحتية اللائقة. إن البلاد عالقة في حلقة مفرغة من الإنتاجية المنخفضة، والنمو الهزيل، والخدمات العامة المتهالكة، ونخبة سياسية تبدو عاجزة عن تقديم رؤية تتجاوز الشعارات الوطنية الجوفاء. بريطانيا لم تفقد “الحبكة” في قصتها الوطنية فحسب، بل يبدو أنها نسيت كيف تبني مستقبلاً لا يعتمد فقط على أمجاد الماضي أو مضاربات السيتي.
تصل رحلة أ. ج. هوبكنز في تشريح “الأرض التي لا يعمل فيها شيء” إلى محطتها الأخيرة، وهي محطة لا تكتفي برصد الأنقاض، بل تحاول فهم الأسباب العميقة وراء عجز بريطانيا عن إصلاح نفسها. إن السؤال الجوهري الذي يطرحه الكتاب في فصوله الختامية ليس “ما الذي تعطل؟” بل “لماذا لا يُصلح؟”. يرى هوبكنز أن الأزمة البريطانية المعاصرة ليست مجرد سلسلة من الإخفاقات التقنية في إدارة القطارات أو تمويل المستشفيات، بل هي أزمة “خيال سياسي” وفشل مؤسسي يضرب في جذور “الدستور غير المكتوب” الذي طالما تفاخرت به البلاد. لقد كانت بريطانيا تعتمد لقرون على فكرة “الرجال الطيبين” (Good Chaps Theory)، وهي فرضية تفترض أن النخبة الحاكمة ستلتزم بالقواعد غير المكتوبة والنزاهة الشخصية بدافع من الانتماء الطبقي والتعليم النخبوي. ولكن، كما كشفت سنوات حكم بوريس جونسون وليز تراس، فإن هذا النظام ينهار تماماً عندما تصل إلى السلطة نخبة تفتقر إلى الحس بالمسؤولية العامة وتستغل الثغرات الدستورية لتحقيق مكاسب فئوية أو أيديولوجية ضيقة.
يضع هوبكنز إصبعه على مفارقة مؤلمة؛ فبينما كانت بريطانيا تطارد سراب “بريطانيا العالمية” (Global Britain) بعد البريكست، كانت تتجاهل الحقيقة البسيطة وهي أن القوة الخارجية لأي دولة هي انعكاس مباشر لتماسكها الداخلي وقوتها الاقتصادية الحقيقية. إن محاولة لعب دور القوة العظمى في المحيط الهادئ أو التدخل في النزاعات الدولية الكبرى تبدو نوعاً من “الفانتازيا الجيوسياسية” لبلد يعاني أطفال مدارس بائسة في شماله من سوء التغذية، وتغرق شوارعه في مياه الصرف الصحي بسبب تهالك الأنابيب. يجادل هوبكنز بأن النخبة السياسية البريطانية، في محاولتها للهروب من واقع الانحدار، لجأت إلى استحضار أمجاد الحرب العالمية الثانية واللغة الإمبراطورية، وهو ما أدى إلى تضليل الجمهور بدلاً من مواجهته بالحقائق القاسية التي تتطلب تضحيات وعملاً مؤسسياً جاداً.
أحد أكثر الجوانب إثارة للاهتمام في تحليل هوبكنز الختامي هو تركيزه على “التآكل الأخلاقي” للفضاء العام. إن تحويل كل خدمة عامة إلى وحدة ربحية، وتحويل كل مواطن إلى مستهلك، أدى إلى تدمير مفهوم “المجتمع” الذي طالما حمى بريطانيا من الهزات العنيفة. لقد أصبحت الدولة البريطانية اليوم تشبه “شركة قابضة” تدير مجموعة من العقود الممنوحة لشركات خاصة، بدلاً من كونها حامية للمصالح الجماعية. هذا التحول خلق فجوة هائلة من عدم الثقة بين الشعب والمؤسسات؛ فعندما يرى المواطن أن الضرائب ترتفع بينما الخدمات تنهار والشركات الخاصة تحقق أرباحاً قياسية، فإنه يفقد الإيمان بالعملية الديمقراطية برمتها، وهو ما يفسر صعود التيارات الشعبوية والعداء للمؤسسات التقليدية.
فما هو المخرج من هذا النفق المظلم؟ لا يقدم هوبكنز “وصفة سحرية” سهلة، لأنه يدرك أن الأزمة هيكلية وليست ظرفية. ومع ذلك، فإنه يرسم معالم “خارطة طريق” تبدأ بضرورة العودة إلى “الاقتصاد المنتج”. يرى هوبكنز أن بريطانيا بحاجة إلى ثورة في الاستثمار العام، لا سيما في مجالات الطاقة الخضراء، والتكنولوجيا الحيوية، والبنية التحتية الرقمية، بعيداً عن الارتهان لقطاع الخدمات المالية في لندن. يتطلب ذلك شجاعة سياسية لإعادة فرض الضرائب التصاعدية وإغلاق الملاذات الضريبية التي تستخدمها النخب لتهريب ثرواتها، وتوجيه تلك الموارد نحو إعادة إحياء المناطق الصناعية المهملة في الشمال والوسط.
علاوة على ذلك، يشدد الكتاب على ضرورة إجراء “إصلاح دستوري جذري”. لم يعد من الممكن إدارة دولة في القرن الحادي والعشرين بناءً على تقاليد فيكتورية ومفاهيم غامضة حول سيادة البرلمان. بريطانيا بحاجة إلى دستور مكتوب يحدد بوضوح حقوق المواطنين وحدود سلطة الحكومة، ويمنح الأقاليم (إسكتلندا، ويلز، وإيرلندا الشمالية، والمناطق الإنجليزية) استقلالاً ذاتياً حقيقياً ينهي المركزية الخانقة للندن. إن استعادة “الحبكة” في القصة البريطانية تتطلب بناء هوية وطنية جديدة، لا تقوم على الحنين لإمبراطورية غابت شمسها، بل على فكرة بريطانيا كدولة أوروبية ديمقراطية حديثة، تفتخر بجودة خدماتها، وعدالة توزيع ثروتها، وقوة إنتاجيتها.
في النهاية، يتركنا أ. ج. هوبكنز مع رسالة تحذيرية مغلفة بالأمل؛ فبريطانيا تاريخياً كانت تمتلك قدرة مذهلة على “إعادة اختراع نفسها” في لحظات الأزمات الكبرى. لكن هذه المرة، يختلف التحدي لأن العدو ليس خارجياً، بل هو جمود الداخل وفشل النخبة في الاعتراف بالواقع. إن “الأرض التي لا يعمل فيها شيء” يمكن أن تعود للعمل مرة أخرى، ولكن فقط إذا امتلك قادتها وشعبها الشجاعة للإقرار بأن النموذج القديم قد انتهى تماماً، وأن الوقت قد حان لكتابة فصل جديد في تاريخ البلاد، فصل يتخلى عن أوهام العظمة العالمية لصالح بناء دولة تعمل، حقاً وفعلاً، لصالح جميع مواطنيها. إن قراءة كتاب هوبكنز هي، بهذا المعنى، دعوة لليقظة الوطنية قبل أن يتحول الانحدار من حالة مؤقتة إلى مصير أبدي.
The Land Where Nothing Works: How Britain Lost the Plot




