أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

الإمبراطورية البريطانية والحج

عتبات التأسيس ومفهوم “الإمبراطورية الإسلامية البريطانية”

تمهيد: التاريخ من زاوية المحمل والسفينة البخارية

في خريف عام 1956، وبينما كانت طائرات العدوان الثلاثي تدك منشآت السويس، وتغزل خيوط النهاية الدراماتيكية للوجود البريطاني في شرق السويس، كان ثمة مشهد آخر سريالي يجري في قلب السفارة البريطانية الفارغة في جدة؛ مشهد يختصر قرنًا كاملًا من التعقيد الإمبراطوري. هناك، في تلك القنصلية والممثلية التي شهدت عقودًا من التقارير الاستخباراتية والبرقيات الدبلوماسية المشفّرة، كان الموظفون الباكستانيون يديرون، نيابة عن التاج البريطاني الذي أضحى معزولًا دبلوماسيًا جراء مغامرته العسكرية، شؤون آلاف الحجاج النيجيريين القادمين من غرب إفريقيا. لم يكن هذا المشهد مجرد تفصيل عابر في أرشيفات وزارة الخارجية البريطانية، بل كان، كما يصوره المؤرخ جون سلايت في كتابه الفذ “الإمبراطورية البريطانية والحج (1865-1956)”، اللحظة الرمزية الكبرى التي أعلنت أفول ما يمكن تسميته “الإمبراطورية الإسلامية البريطانية”.

يطرح هذا الكتاب، الصادر عن دار نشر جامعة هارفارد، إعادة قراءة جذرية ومثيرة لآليات عمل الإمبراطورية البريطانية، لا عبر مدافعها وأساطيلها الحربية فحسب، بل عبر تفاعلها اليومي، البيروقراطي، الصحي، والسياسي مع الركن الخامس من أركان الإسلام: الحج. يبدأ سلايت تأريخه من عام 1865، وهو العام الذي شهد تفشي وباء الكوليرا الكارثي في الحجاز، والذي نقله الحجاج من الهند إلى مكة ومنها إلى أوروبا، مما خلق فزعًا صحيًا عالميًا أجبر لندن على التدخل البيروقراطي المنظم في تفاصيل الرحلة المقدسة. وينتهي في عام 1956 مع أزمة السويس التي مثلت الشاهد القبري على السيادة الإمبراطورية البريطانية في المنطقة العربية وإفريقيا.

بين هذين التاريخين، ينسج المؤلف أطروحة بالغة الأهمية: إن بريطانيا لم تكن مجرد قوة استعمارية مسيحية أو علمانية تحكم شعوبًا مسلمة، بل كانت، بالمعنى الديموغرافي والبيروقراطي والعملي، “أكبر قوة إسلامية في العالم” خلال تلك الحقبة، وهو المفهوم الذي صكه المفكر ديفيد مرجليوث عام 1912، واعترف به داهية الاستعمار اللورد كرومر، بل وتردد صداه حتى على ألسنة مفكرين مسلمين من قلب الهند مثل تشيراغ علي في القرن التاسع عشر.

المفارقة الإمبراطورية: حكم المقدس لتأمين العرش

المفارقة الكبرى التي ينطلق منها العمل تتجلى في سؤال جوهري: كيف يمكن لإمبراطورية قامت على العقلانية التحديثية والمصالح الرأسمالية والسيطرة العسكرية أن تجد نفسها متورطة، حتى أذنيها، في تنظيم رحلة دينية تعبدية، وتدشين خطوط ملاحة مدعومة للحجاج، وتعيين “أمراء حج” مسلمين يعملون تحت إمرتها، ومراقبة تدمير القبور والأضرحة في مكة والمدينة على يد القوات السعودية الناشئة؟

الجواب الذي يسوقه سلايت عبر فصول كتابه المترابطة يكشف عن “إمبراطورية بالصدفة المحضة”، أو بالأحرى إمبراطورية مدفوعة ببراغماتية قلقة لا تكف عن السعي وراء الشرعية الرخيصة وتجنب القلاقل. لقد أدركت لندن، خاصة بعد التميز الهندي الكبير (ثورة 1857) الذي هز أركان حكم “شركة الهند الشرقية”، أن إدارة عواطف رعاياها المسلمين هي مسألة حياة أو موت لإمبراطوريتها. ولما كان الحج هو القناة الكونية العابرة للحدود الاستعمارية، والتي تجمع المسلم الهندي بالملايوي، والنيجيري بالسوداني، في صعيد واحد وخارج السيطرة المباشرة للمدافع البريطانية، فقد تحول هذا التجمع السنوي إلى الهاجس الأكبر لدوائر الأمن القومي في وايت هول.

يقسم جون سلايت كتابه ليرصد هذا التحول السوسيولوجي والسياسي؛ فالحج لم يعد مجرد طقس روحي فردي، بل تحول إلى “مؤسسة إمبراطورية متكاملة”. في البداية، كان المنظور البريطاني للحج محكومًا بـ”الفزع الصحي” والذعر من الأوبئة؛ فالكوليرا التي تنطلق من مستنقعات البنغال قد تجد طريقها عبر بواخر الحجاج إلى الموانئ الأوروبية. لكن هذا المنظور البسيط سرعان ما انهار ليحل محله جهاز بيروقراطي معقد يمتد من لندن إلى كلكتا، ومن سنغافورة إلى الخرطوم ولاغوس، وصولًا إلى القنصلية البريطانية في جدة.

جغرافية “الإمبراطورية الداخلية”: الفضاء الإسلامي المترابط

يقدم المؤلف في مقدمة كتابه مساهمة نظرية متميزة عبر التمييز بين فضاءين إمبراطوريين:

  1. “الإمبراطورية الخارجية” (Outer Empire): وتتمثل في مستعمرات الاستيطان الأبيض والمناطق المتمتعة بالحكم الذاتي (السيادة الدومينيونية) مثل كندا وأستراليا ونيوزيلندا، والتي كانت تشكل “العالم البريطاني” المتجانس ثقافيًا ودينيًا.

  2. “الإمبراطورية الداخلية” (Inner Empire): وهي تلك الرقعة الجغرافية الفسيفسائية الممتدة من غرب إفريقيا (غامبيا، سيراليون، نيجيريا) عبر حوض النيل (مصر والسودان) وشرق إفريقيا (كينيا، تنجانيقا، زنجبار)، وصولًا إلى الشرق الأوسط (فلسطين، شرق الأردن، العراق، ومشيخات الخليج)، وانتهاءً بجوهرة التاج (الهند) ومستعمرات جنوب شرق آسيا (مالايا، بروناي، ساراواك).

هذه “الإمبراطورية الداخلية” كانت، في جوهرها، إمبراطورية إسلامية بامتياز. كان الإسلام هو الخيط الرابط بين هذه الشعوب المتباينة لغويًا وعرقيًا. وكان الحج السنوي هو الآلية الوحيدة التي تخترق هذه الحدود الاستعمارية المصطنعة وتتجاوزها، محولةً “الإمبراطورية الداخلية” إلى فضاء حيوي متصل تتنقل عبره الأفكار والأمراض، والأموال، والمنشورات السياسية المناهضة للاستعمار.

من هنا، يجادل سلايت بأن دراسة تاريخ الإمبراطورية البريطانية دون وضع “الإسلام اللوجستي والتنظيمي” في قلبه هو قراءة عرجاء للتاريخ. لقد اضطرت بريطانيا إلى ممارسة السيادة عبر التكيف مع الشريعة الإسلامية، والتعامل مع المحاكم الشرعية، وإدارة الأوقاف، ومراقبة احتفالات المولد النبوي، وتعيين قضاة الشرع، بل ووظفت الموظفين والجنود المسلمين في أجهزتها وقواتها المسلحة لتثبيت أركان حكمها.

عولمة الهلع الصحي وحقبة الاستعمار اللوجستي (1865-1900)

1. عام كسر التوازن: وباء 1865 والتدويل القسري للحجاز

إذا كان مؤرخو العلاقات الدولية يرون في عام 1815 (مؤتمر فيينا) أو عام 1914 (اندلاع الحرب العالمية الأولى) نقاط تحول فاصلة في التاريخ الحديث، فإن جون سلايت يجادل في كتابه بأن عام 1865 يمثل “الافتتاحية الكبرى” لتاريخ الحج المعولم. في ذلك العام، زحف جيل جديد من بكتيريا الكوليرا الفتاكة من مستنقعات شبه القارة الهندية، محمولة على متن السفن البخارية الحديثة التي بدأت تمخر عباب المحيط الهندي وباب المندب. لم تكن الرحلة مجرد انتقال لأجساد مؤمنة تقصد بيت الله الحرام، بل كانت رحلة بيولوجية مرعبة؛ إذ حط الوباء برحاله في مكة، ففتك بنحو ثلث الحجاج في ذلك الموسم (ما يقارب 30 ألف ضحية)، ومنها طار عبر خطوط الملاحة البحرية ليدق أبواب الإسكندرية، ثم يقتحم الموانئ الأوروبية في مرسيليا، وأنكونا، وصولًا إلى قلب المملكة المتحدة.

كانت هذه الصدمة البيولوجية إيذانًا بنهاية حقبة “العزلة اللوجستية” للحجاز؛ إذ لم يعد الحج شأنًا يخص الدولة العثمانية (صاحبة السيادة الاسمية آنذاك) أو رعايا المسلمين وحدهم، بل أضحى “تهديدًا للأمن الصحي العالمي” في نظر العواصم الأوروبية. هنا، يحلل سلايت ببراعة كيف تحول “الهلع من الوباء” (Sanitary Panic) إلى أداة تغلغل استعماري فريدة من نوعها. سارعت القوى الكبرى لعقد مؤتمرات صحية دولية، كان أبرزها مؤتمر القسطنطينية عام 1866، والذي أسس لنظام حجر صحي متطور عابر للحدود.

أصبحت محطة الحجر الصحي في “جزيرة كاماران” (قرب سواحل اليمن في البحر الأحمر)، ومحطة “الطور” في شبه جزيرة سيناء، بمثابة “مصفاة بيولوجية وبيروقراطية” تديرها القوى الاستعمارية، وعلى رأسها بريطانيا. يصف المؤلف هذه المحطات بأنها كانت تشبه معسكرات احتجاز مؤقتة، حيث يُجبر آلاف الحجاج على النزول، وتطهير أمتعتهم، وفحص أجسادهم تحت إشراف أطباء أوروبيين وموظفين استعماريين. تحول جسد الحاج المسلم، في هذه المعادلة، إلى مساحة للصراع بين السيادة الدينية العثمانية والبيروقراطية الطبية البريطانية.

2. الباخرة البخارية وتسييل الطقس الديني

يكشف جون سلايت في هذا الفصل عن المكون التكنولوجي للاستعمار؛ فالحج في العصر الفيكتوري لم يتأثر بالقوانين البريطانية فحسب، بل بالرأسمالية الصناعية التي غيرت وجه النقل البحري. فدخول “السفينة البخارية” (Steamship) خطوط الملاحة ألغى المسافات الطويلة التي كانت تستغرق شهورًا وسنوات عبر قوافل البر؛ وأصبحت الرحلة من كلكتا أو سنغافورة إلى جدة تستغرق أسابيع معدودة وبأسعار في متناول الطبقات الوسطى والفقيرة في العالم الإسلامي.

هذا “التسييل اللوجستي” للحج أدى إلى انفجار في أعداد الحجاج. لكن، وبدلًا من أن تكون هذه الطفرة التكنولوجية نعمة، تحولت إلى مأساة إنسانية واستغلال رأسمالي بشع رصده المؤلف بدقة عبر وثائق الأرشيف البريطاني. فقد اندفعت شركات الملاحة البريطانية الخاصة (مثل شركة Peninsular and Oriental – P&O، وشركات بريطانية وهندية أخرى) لتحقيق أرباح هائلة عبر شحن الحجاج في ظروف لا إنسانية. كانت السفن تُحمل فوق طاقتها الاستيعابية، ويُحشر الحجاج في عنابر السفن السفلية دون تهوية كافية، ودون مياه صالحة للشرب، أو مرافق صحية، مما جعل هذه البواخر “حواضن عائمة للأمراض والوفيات”.

أمام هذه المآسي، وخشية من القلاقل السياسية التي قد يثيرها الغضب الإسلامي في الهند ضد الرأسماليين البريطانيين، اضطرت الحكومة الفيكتورية لتدشين ما عرف بـ”قوانين سفن الحجاج” (Native Passenger Ships Acts) في سبعينيات وثمانينيات القرن التاسع عشر. كانت هذه القوانين تمثل تدخلًا تشريعيًا سافرًا من لندن لتنظيم المساحات المخصصة لكل راكب، وكميات المياه والأغذية، ووجود أطباء على متن السفن. وبذلك، تحولت الإمبراطورية إلى “مراقب وحارس لوجستي” لرحلة العبادة الإسلامية.

3. توماس كوك وشركاه: عندما تدير الرأسمالية الفيكتورية “رحلة الإيمان”

لعل من أكثر فصول الكتاب إثارة وتشويقًا للحقبة الفيكتورية هو ذلك الجزء الذي يفصل فيه سلايت القصة المذهلة لتورط شركة السياحة البريطانية الأشهر “توماس كوك وشركاه” (Thomas Cook & Son) في تنظيم الحج الهندي بين عامي 1886 و1893.

تبدأ القصة عندما عجزت الحكومة البريطانية في الهند عن السيطرة على جشع وكلاء الحج المحليين والشركات الملاحية، وتزايدت شكاوى الحجاج الهندوس والمسلمين من عمليات النصب والابتزاز والتشرد في جدة ومكة. هنا، لجأ نائب الملك في الهند، اللورد دفرين (Lord Dufferin)، إلى عقلية الرأسمالية الفيكتورية المنظمة، وعين شركة “توماس كوك” وكيلًا رسميًا وحصريًا لإدارة وتسيير رحلات الحج من شبه القارة الهندية بالكامل.

كان المشهد سرياليًا ومثقلًا بالدلالات الرمزية: شركة بريطانية أسسها رجل مسيحي إنجيلي (توماس كوك) غرضها الأساسي في البداية كان تنظيم رحلات دينية مسيحية وسياحية وترويج مبادئ “الامتناع عن الكحول”، تجد نفسها مسؤولة عن حجز التذاكر، وتوفير القطارات والبواخر، وتأمين السكن، وضمان سلامة آلاف المسلمين المتجهين إلى مكة!

يوضح سلايت أن “توماس كوك” تعاملت مع الحج كـ”مشروع لوجستي تحديثي”؛ فطبعت كتيبات إرشادية باللغة الأردية والفارسية والعربية، وأنشأت مكاتب ثابتة في بومباي وكلكتا وجدة، وتفاوضت مع شيوخ القبائل في الحجاز لتأمين طرق القوافل بين جدة ومكة وبين مكة والمدينة ضد غارات البدو. ورغم أن التجربة توقفت بعد سنوات قليلة (عام 1893) بسبب الخسائر المالية التي منيت بها الشركة نتيجة عدم قدرتها على استيعاب تعقيدات البنية التحتية العثمانية والحجازية، ورفض الحجاج التقليديين للوصاية “المسيحية” على رحلتهم، إلا أن هذه الحقبة أثبتت -كما يرى المؤلف- أن الإمبراطورية البريطانية كانت مستعدة لـ”خصخصة التسيير الديني” وإيكاله للشركات الاحتكارية لتأمين استقرارها السياسي.

4. قنصلية جدة: عين وايت هول في دهاليز الحجاز

في هذا الفضاء الحجازي الذي كان يمور بالتحولات، تحولت “القنصلية البريطانية في جدة” (التي تأسست في ثلاثينيات القرن التاسع عشر) من مكتب تجاري صغير إلى واحدة من أهم القواعد الاستخباراتية والسياسية لبريطانيا في الشرق الأوسط. لم يكن القنصل البريطاني في جدة مجرد دبلوماسي يراعي شؤون الرعايا؛ بل كان “المراقب الإمبراطوري الأعلى” للحج.

يكشف جون سلايت عبر رسائل القناصل المتبادلة مع وزارة الخارجية البريطانية، كيف تحول مبنى القنصلية في جدة إلى مركز عمليات لرصد “الأمن الديني والسياسي”. كان القناصل يراقبون أعداد الحجاج القادمين من كل مستعمرة، ويديرون نظام “تذاكر العودة الإلزامية” لمنع ظاهرة تفشي الفقر والتشرد بين الحجاج الذين كانوا يبيعون كل ما يملكون للوصول إلى مكة ثم يعجزون عن العودة، فيتحولون إلى عبء مالي وأمني على القنصلية.

والأهم من ذلك، كان القناصل يراقبون “الأفكار”؛ فمكة في مواسم الحج كانت تتحول إلى “سوق مفتوحة للأفكار المناهضة للاستعمار”. هناك يلتقي المسلم الهندي الثائر بالمسلح السوداني الموالي للمهدية، والملايوي الناقم على الحكم البريطاني. كان القنصل يرسل الجواسيس والمخبرين المسلمين (الذين يشتغلون لحساب بريطانيا) إلى داخل الحرم المكي -حيث يُمنع دخول غير المسلمين قطعيًا- ليتسمعوا خطب الجمعة، ويرصدوا المنشورات السياسية، ويكتبوا تقارير تفصيلية عن أي بوادر لـ”الجامعة الإسلامية” أو الحركات المناهضة للتاج البريطاني. وبذلك، كانت القنصلية بمثابة رادار استخباراتي يرصد نبض العالم الإسلامي من أقدس بقاعه.

الحقبة الإدواردية والمواجهة الكبرى في الحرب العالمية الأولى (1901-1919)

1. الحقبة الإدواردية وسكة حديد الحجاز: التحدي الجيوسياسي للتحديث العثماني

مع فجر القرن العشرين، دخلت العلاقات البريطانية-العثمانية مرحلة جديدة من التوتر، عكستها التحولات اللوجستية في الجزيرة العربية. يرصد جون سلايت في هذا الجزء ما يمكن تسميته “الحرب الجيوسياسية للمواصلات المقدسة”. ففي عام 1900، أعلن السلطان العثماني عبد الحميد الثاني عن مشروعه الطموح: سكة حديد الحجاز، الممتدة من دمشق إلى المدينة المنورة. لم يكن هذا المشروع في نظر لندن مجرد تحديث لوجستي لتسهيل حركة الحجاج، بل كان خطوة استراتيجية فائقة الخطورة تهدف إلى تعزيز “الجامعة الإسلامية” وتثبيت النفوذ العثماني المباشر في عمق شبه الجزيرة العربية، وعلى مقربة خطيرة من محميات بريطانيا في الخليج ومصر وقناة السويس.

يحلل المؤلف البريطاني الإدواردِي من هذا القطار “المقدس”. فقد كان بإمكان الدولة العثمانية عبر هذا الخط نقل جيوشها وقواتها في أيام معدودة إلى الحجاز دون الحاجة للمرور عبر قناة السويس التي تسيطر عليها بريطانيا، ودون الخضوع لنظام الحجر الصحي البريطاني في طور أو كاماران. هنا، تحول الحج إلى أداة لمقاومة النفوذ الاستعماري الغربي عبر التكنولوجيا المتنافسة.

ردًا على ذلك، كثفت بريطانيا من مراقبتها البيروقراطية؛ حيث رصدت القنصلية في جدة والممثلية في القاهرة كل متر يُبنى من الخط، ودخلت في صراع دبلوماسي غير معلن لإقناع الحجاج المسلمين القادمين من الهند ومصر بالاستمرار في استخدام البواخر البريطانية بدلًا من القطار العثماني، مستغلة في ذلك دعاية صحية تزعم أن القطارات تفتقر إلى شروط النظافة وتساهم في نشر الأوبئة بشكل أسرع من السفن المعزولة بيولوجيًا.

2. زلزال 1914: عندما واجه التاج “الجهاد المقدس”

تصل الحبكة التاريخية في كتاب سلايت إلى ذروتها الدراماتيكية مع اندلاع الحرب العالمية الأولى في آب/أغسطس 1914، ودخول الدولة العثمانية الحرب إلى جانب القوى الوسطى (ألمانيا والنمسا) ضد الحلفاء في تشرين الثاني/نوفمبر من العام نفسه. في تلك اللحظة الفارقة، أطلق شيخ الإسلام في القسطنطينية، وبتوجيه من السلطان، فتوى “الجهاد المقدس” ضد بريطانيا وفرنسا وروسيا، داعيًا المسلمين في جميع أنحاء العالم، وخاصة الجنود في الجيش الهندي البريطاني وفي شمال إفريقيا، للثورة ضد حكامهم المستعمرين.

هنا، وجدت الإمبراطورية البريطانية نفسها أمام تحدٍ أمني وجودي لم تشهده من قبل: كيف تحافظ على ولاء ملايين الرعايا المسلمين في الهند ومصر والسودان وشرق إفريقيا بينما الخليفة المسلم يعلن الحرب عليها من عاصمته؟ والأهم من ذلك: ما مصير الحج؟ فمكة والمدينة، الوجهتان اللتان يتوق إليهما ملايين الرعايا، تقعان تحت السيادة العثمانية المباشرة، وأي حاج يذهب هناك في وقت الحرب قد يتعرض لغسيل أدمغة سياسي أو يجند في صفوف الجيش العثماني.

يكشف سلايت عبر الوثائق السرية للمكتب الهندي (India Office) ووزارة الخارجية كيف انقسمت الإدارة البريطانية إلى تيارين:

  • تيار صقور الأمن الاستخباراتي: الذي طالب بوقف الحج تمامًا طوال فترة الحرب وإعلان الجزيرة العربية منطقة عمليات عسكرية مغلقة، لمنع أي تواصل بين رعاياها والأتراك.

  • تيار البراغماتية السياسية (الذي انتصر في النهاية): والذي قاده دهاة “المكتب العربي” في القاهرة (مثل جيلبرت كلايتون، ورونالد ستورس، وبتوجيه غير مباشر من اللورد كيتشنر). جادل هذا التيار بأن منع الحج سيكون بمثابة هدية مجانية للدعاية العثمانية، وسيثبت فرية الأتراك بأن بريطانيا عدوة للإسلام وتحارب الركن الخامس للدين.

3. “لوجستيات الحرب المقدسة”: الحج تحت حماية الأسطول البريطاني

بناءً على الرؤية البراغماتية للمكتب العربي، اتخذت لندن قرارًا استراتيجيًا جريئًا: استمرار الحج وتأمينه ماليًا وعسكريًا من قبل التاج البريطاني في خضم الحرب العالمية الأولى. كانت هذه الخطوة بمثابة إعادة صياغة كاملة لمفهوم “السيادة الدينية الاستعمارية”.

يصف جون سلايت بالتفصيل كيف تحولت السفن الحربية التابعة للأسطول الملكي البريطاني (Royal Navy) في البحر الأحمر من أدوات لضرب الأعداء إلى “حارسات لقوافل الحجيج”. أصدرت بريطانيا إعلانات رسمية وزعت ملايين النسخ منها في الهند ومصر والسودان، تؤكد فيها أن بريطانيا لا تحارب الإسلام، بل تحارب “الزمرة الطورانية” التي اختطفت الخلافة العثمانية، وتتعهد بضمان سلامة الحجاج وحرية العبادة، بل وأعلنت عن إعفاء سفن الحجاج من الحصار البحري المفروض على الموانئ العثمانية.

لم تكتفِ لندن بذلك، بل قامت بـ”تسييل مالي” للحج؛ فقدمت إعانات مالية ضخمة للشركات الملاحية لخفض أسعار التذاكر، ووفرت قروضًا ومساعدات عاجلة للحجاج الفقراء. كان الهدف واضحًا وجليًا: إظهار بريطانيا بمظهر “الحامي الحقيقي والوحيد” للمقدسات الإسلامية، في وقت كان فيه الأتراك -حسب الدعاية البريطانية- يعجزون عن توفير الأمن والغذاء لأهل الحجاز بسبب ظروف الحرب والحصار.

4. صناعة الثورة العربية: الشريف حسين والوساطة البريطانية للحج

لم تكن التسهيلات اللوجستية البريطانية للحج في سنوات الحرب الأولى سوى تمهيد للمناورة الجيوسياسية الأكبر في تاريخ الشرق الأوسط الحديث: الثورة العربية الكبرى عام 1916. يربط جون سلايت في تحليل ممتع بين إدارة الحج وولادة التحالف البريطاني مع شريف مكة، الحسين بن علي.

فقد أدركت بريطانيا أن تأمين الحج بشكل دائم وإسقاط الشرعية العثمانية يتطلب وجود سلطة محلية حليفة في الحجاز تفصل المقدسات عن القسطنطينية. وجد المكتب العربي في القاهرة في طموحات الشريف حسين فرصة ذهبية. وعندما أعلن الشريف ثورته في حزيران/يونيو 1916 بدعم مالي وعسكري واستخباراتي بريطاني (لعب فيه لورنس العرب دورًا معروفًا)، تحول الحج فورًا إلى منصة لإعلان شرعية النظام الهاشمي الجديد.

يرصد المؤلف كيف استغلت بريطانيا موسم حج عام 1916 (الذي تم بعد أسابيع قليلة من انطلاق الثورة) كعملية بروباغندا عالمية كبرى. قامت الحكومة البريطانية بتسهيل وصول أعداد غفيرة من الحجاج من مصر والسودان والجزائر (الخاضعة لفرنسا، حليفة بريطانيا) إلى مكة. ولأول مرة، طُبعت تقارير الحج في الصحف البريطانية والمصرية كدليل على “تحرير الحجاز من النير التركي”. كان الحجاج البريطانيون المسلمون يسيرون في شوارع مكة بحرية، يوزعون الأموال والذهب البريطاني الذي كان يتدفق كشريان حياة لدعم اقتصاد الشريف حسين وقبائله.

لكن هذا “التحالف المقدّس” بين التاج والهاشميين في الحجاز لم يكن خاليًا من العقبات؛ إذ يوضح سلايت أن الشريف حسين سرعان ما بدأ يتصرف كحاكم مستقل، وفرض ضرائب باهظة على الحجاج لتمويل حربه، واصطدم بالبيروقراطية الطبية البريطانية حول شروط الحجر الصحي، وهو ما جعل لندن تدرك أن صناعة “حليف مسلم في مكة” قد تترتب عليها أعباء سياسية تفوق فوائدها اللوجستية، وهو ما سيمهد الطريق لتحول استراتيجي آخر بعد نهاية الحرب.

الحقبة الاسترجاعية وزلزال التحول السعودي (1920-1939)

1. تصدع الحلم الهاشمي وأزمة “الخلافة” في مكة

لم تكد الحرب العالمية الأولى تضع أوزارها حتى بدأت الوعود البريطانية للشريف حسين بن علي تتآكل على صخرة الواقع الاستعماري الجديد. يحلل جون سلايت في هذا الفصل بذكاء شديد مرحلة “الفترة الانتقالية الهاشمية” (The Hashemite Interregnum) ما بين 1919 و1924. فقد ظن الشريف حسين أن الدعم البريطاني له خلال الحرب سيترجم إلى اعتراف كامل بمملكته العربية الكبرى وبتنصيبه خليفة للمسلمين بعد إسقاط الخلافة العثمانية رسميًا على يد مصطفى كمال أتاتورك عام 1924.

لكن لندن، التي كانت تعيد ترتيب أوراقها في الشرق الأوسط عبر نظام الانتداب (في فلسطين، وشرق الأردن، والعراق)، بدأت ترى في طموحات الشريف حسين عبئًا جيوسياسيًا. وانعكس هذا التوتر مباشرة على إدارة الحج؛ حيث تحول الحجاز تحت حكم الملك حسين إلى بيئة طاردة وغير آمنة للحجاج. يوثق المؤلف، عبر تقارير القناصل البريطانيين في جدة، كيف فرض الشريف حسين رسومًا مالية باهظة وضرائب تعسفية على الحجاج الهنود والمصريين لتعويض النقص في الخزينة الهاشمية، وعجزت قواته عن حماية قوافل الحجيج من غارات البدو اللصوص الذين كانوا يقطعون الطرق بين جدة ومكة والمدينة.

أمام هذه الفوضى اللوجستية والأمنية، بدأت البيروقراطية الاستعمارية البريطانية -خاصة في حكومة الهند (Government of India)- تفقد صبرها. كان الحجاج الهنود يعودون إلى بلادهم محملين بمشاعر الغضب والنقمة ليس ضد الشريف حسين فحسب، بل ضد بريطانيا التي نصّبته وحمته. هنا، اتخذت وايت هول قرارًا مبطنًا بـ”الحياد الإيجابي” تجاه أي قوة بديلة يمكنها ضبط الأمن في جزيرة العرب، حتى لو كانت تلك القوة قادمة من نجد بجيوش إخوان من أطاع الله.

2. الصدمة الوهابية: السيادة السعودية وإعادة صياغة الطقس الديني

في عام 1924، زحفت قوات السلطان عبد العزيز آل سعود نحو الحجاز، وسقطت الطائف ثم مكة، وتنازل الملك حسين عن عرشه لينتهي الطموح الهاشمي في الحجاز إلى الأبد، ويعلن عبد العزيز نفسه ملكًا على الحجاز ونجد وملحقاتها. مثّل هذا الحدث صدمة ثقافية وعقائدية وسياسية كبرى في العالم الإسلامي، وضمن أروقة الإمبراطورية البريطانية على حد سواء.

يكشف جون سلايت ببراعة غير مسبوقة كيف واجهت بريطانيا التحدي “العقائدي” الوهابي. فلم تكن المسألة مجرد تغيير في النخبة الحاكمة، بل كانت مواجهة مع حركة إحيائية دينية تنظر إلى الكثير من الممارسات التقليدية للحجاج (مثل زيارة القبور، وبناء الأضرحة، والتوسل بالصالحين، واحتفالات المحمل) باعتبارها “بدعًا ومظاهر شرك” يجب إزالتها بقوة السنان.

قامت القوات السعودية بهدم العديد من القباب والأضرحة التاريخية في مقبرة المعلاة بمكة ومقبرة البقيع بالمدينة المنورة (مثل قباب آل البيت والصحابة وزوجات النبي). هذا السلوك الديني أثار موجة عارمة من الغضب والاحتجاجات العنيفة في أوساط ملايين المسلمين الشيعة والسنة التقليديين في الهند ومصر، والذين كانوا يشكلون الكتلة الأكبر من رعايا الإمبراطورية البريطانية.

هنا، وجدت بريطانيا نفسها في ورطة ديبلوماسية كبرى: كيف تدافع عن حرية الممارسات الدينية لرعاياها الحجاج دون أن تصطدم بالسيادة السعودية الناشئة ودون أن تتدخل في السجالات اللاهوتية الإسلامية؟ اعتمدت لندن استراتيجية “البراغماتية الصارمة”؛ حيث اعترفت بمعاهدة جدة (1927) بسيادة ابن سعود الكاملة على الحجاز، ومقابل ذلك، انتزعت منه تعهدات صارمة بحماية الحجاج الأجانب وتأمين الطرق وتسهيل مناسكهم، مع القبول الضمني بالقوانين العقائدية الجديدة التي فرضها الحكم السعودي داخل المشاعر المقدسة.

3. معركة “المحمل”: الصدام الرمزي المصري-السعودي

من أجمل الفصول التحليلية في هذا الجزء من الكتاب، هو تفكيك سلايت لأزمة “المحمل المصري” الشهيرة عام 1926. كان المحمل (وهو القافلة الرسمية التي ترسلها مصر سنويًا حاملة كسوة الكعبة المشرفة برفقة حامية عسكرية وموسيقى نحاسية واحتفالات صاخبة) يمثل رمزًا للسيادة والنفوذ الإقليمي لمصر في الحجاز.

في موسم حج عام 1926، وهو الأول تحت السيادة السعودية الكاملة، اصطدمت الحامية العسكرية للمحمل المصري بمقاتلي “الإخوان” النجديين في منى. اعتبر النجديون أن الموسيقى العسكرية المصاحبة للمحمل هي “بدعة منكرة” وخرق لحرمة المشاعر، وتطور الأمر من مشادات لسانية إلى رشق بالحجارة، وردت الحامية المصرية بإطلاق النار، مما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

يكشف المؤلف كيف دخلت بريطانيا على خط هذه الأزمة كـ”وسيط استعماري خفي”. فمصر كانت تحت الحماية أو النفوذ البريطاني المباشر، وابن سعود كان حليفًا تربطه ببريطانيا معاهدات سياسية. أدت الأزمة إلى قطيعة ديبلوماسية بين القاهرة والرياض، وامتنعت مصر عن إرسال الكسوة والمحمل لسنوات. يوضح سلايت كيف أدارت بريطانيا هذا الصراع الرمزي؛ إذ نصحت الملك فؤاد في مصر بضبط النفس وعدم تحويل الأزمة إلى مواجهة عسكرية، وشجعت الملك عبد العزيز على تأسيس “مصنع كسوة الكعبة” داخل مكة ليقطع الاعتماد اللوجستي والسياسي على مصر، وبذلك ساهمت بريطانيا بوعي كامل في تصفية الرموز السياسية القديمة للحج لصالح تركيز السيادة المطلقة في يد الدولة السعودية.

4. البنية اللوجستية في الحقبة البيْن-حربية: عهد النظام والأمن

على الرغم من الصدمة العقائدية الأولى، يقر جون سلايت بأن العقدين الثالث والرابع من القرن العشرين (1920-1939) شهدا طفرة نوعية غير مسبوقة في أمن وتنظيم الحج، بفضل “الالتقاء المصلحي” بين البيروقراطية الاستعمارية البريطانية والمركزية الأمنية الصارمة للملك عبد العزيز.

أنهى ابن سعود عهد غارات البدو تمامًا بضربات عسكرية قاسية وضبط أمني حديدي، فتحول طريق الحج من “رحلة محفوفة بالموت والابتزاز” إلى مسار آمن تمامًا. دخلت السيارات والحافلات خطوط النقل بين جدة ومكة والمدينة، لتبدأ قوافل الجمال بالاندثار التدريجي. في الوقت نفسه، تعاونت القنصلية البريطانية في جدة (التي ترقت إلى مرتبة مفوضية بريطانية كاملة) مع السلطات السعودية لإنشاء نظام متطور لتسجيل الحجاج، وإصدار جوازات السفر الرسمية، وتطبيق نظام تذاكر العودة الإلزامية بدقة صرامة لمنع التخلف.

على الجانب الصحي، تراجع شبح الكوليرا الفتاك بفضل التطور الهائل في محطات الحجر الصحي البريطانية في كاماران والطور، وبفضل إدخال التطعيمات الإلزامية للحجاج قبل مغادرتهم موانئ بومباي أو كلكتا أو بورسعيد. يخلص سلايت إلى أن الحج في هذه الحقبة تحول إلى “آلة بيروقراطية دولية مشحونة برأس المال”، حيث تلاقت رغبة الإمبراطورية في استقرار رعاياها مع رغبة الدولة السعودية في شرعنة حكمها الدولي وتحصيل العوائد المالية للحج التي كانت تشكل العصب الأساسي لاقتصادها قبل تفجر النفط بكميات تجارية.

أتون الحرب الثانية وأفول الظل الإمبراطوري فوق مكة (1939-1956)

1. الكساد الكبير وحرب الأمواج الإذاعية: التنافس الفاشي والنازي على “روح الحج”

قبل أن تهتز الأرض تحت أقدام المدافع في سبتمبر 1939، كانت ثلاثينيات القرن العشرين قد فرضت تحديات من نوع آخر على آلة الحج البريطانية. يوضح جون سلايت أن “الكساد الكبير” (Great Depression) الذي ضرب الاقتصاد العالمي أدى إلى انهيار حاد في أعداد الحجاج القادمين من مستعمرات بريطانية رئيسية مثل الهند ومالايا وغرب إفريقيا، نظراً لعدم قدرة الفلاحين والعمال المسلمين على توفير تكاليف الرحلة. هذا الانهيار الاقتصادي دفع لندن لتقديم تيسيرات لوجستية وإعانات مالية استثنائية للحفاظ على استمرارية حركة الحج، ليس فقط بدافع البراغماتية السياسية المعتادة، بل لمواجهة تهديد أيديولوجي جديد واستثنائي: البروباغندا الفاشية والنازية.

يكشف المؤلف، عبر وثائق استخباراتية دقيقة، كيف تحول الحج في الثلاثينيات إلى ساحة حرب باردة مبكرة بين بريطانيا ودول المحور. فقد أطلقت إيطاليا الفاشية بقيادة موسوليني (الذي نصب نفسه “حاميًا للإسلام” في ليبيا) وألمانيا النازية عبر إذاعة “برلين” الموجهة بالعربية، حملات دعائية شرسة تستهدف رعايا بريطانيا المسلمين المتجهين إلى الحجاز. كانت الدعاية الألمانية والإيطالية تتهم لندن بتجويع المسلمين في الهند، والتواطؤ مع الحركة الصهيونية في فلسطين لخنق تطلعات العرب.

ردًا على ذلك، وظفت بريطانيا “اللوجستيات الدينية” كأداة مضادة؛ فدشنت إذاعة الـ BBC العربية عام 1938 لتبث تقارير منتظمة تشيد بالتسهيلات البريطانية للحجاج، وسهلت قنوات الاتصال بين الملك عبد العزيز وآل سعود لضمان عدم تأثر الحجاز بالدعاية المحورية، بل وقامت بريطانيا بتمويل نقل حجاج من قبرص ومالطا ومناطق نفوذها لقطع الطريق على التغلغل الفاشي.

2. الحرب العالمية الثانية: الحج في مواجهة الغواصات و”المحور”

مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939، تكرر كابوس عام 1914 ولكن بتعقيدات تكنولوجية وعسكرية أشد خطورة. لم يعد الخطر متمثلًا في فتوى جهاد عثمانية، بل في خطر داهم يهدد أجساد الحجاج في عرض البحر: غواصات المحور وطائراته. تحول المحيط الهندي والبحر الأحمر إلى مناطق عمليات عسكرية نشطة، وبات تسيير سفن الحجاج بمثابة انتحار لوجستي ما لم تتوفر حماية عسكرية قصوى.

يرصد سلايت ببراعة كيف اتخذت “حكومة الهند البريطانية” والمكتب الاستعماري في لندن قرارًا استراتيجيًا بمواصلة تنظيم الحج تحت أي ثمن، معتبرين أن إغلاق باب الحج سيمثل انتصارًا معنويًا هائلاً للمحور ودليلاً على عجز بريطانيا عن حماية رعاياها. تم تنظيم الحجاج في “قوافل بحرية محمية” (Convoys) تحت حراسة مشددة من القطع البحرية التابعة للمدمرة الملكية البريطانية.

ولم تقتصر الصعوبات على الجانب الأمني؛ بل إن شح المواد الغذائية والتضخم العالمي الناتج عن الحرب وضع الحجاز في أزمة تموينية خانقة هددت بمجاعة حقيقية. هنا، تدخلت بريطانيا عبر “مركز إمداد الشرق الأوسط” (Middle East Supply Centre) التابع لها في القاهرة، وقامت بضخ آلاف الأطنان من القمح والأرز والسكر والدقيق إلى الموانئ السعودية لتأمين غذاء الحجاج وسكان مكة والمدينة. يجادل المؤلف بأن هذا التدخل اللوجستي الغذائي في سنوات الحرب لم ينقذ الحج فحسب، بل ثبت أركان الدولة السعودية في أشد لحظاتها الاقتصادية حرجًا، قبل أن يبدأ النفط الأمريكي في التدفق بغزارة بعد الحرب.

3. زلزال 1947 واستقلال الهند: نزع الأحشاء البريطانية من جسد الحج

شهدت مرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية البداية الحقيقية لنهاية الإمبراطورية. والضربة القاصمة لـ”الإمبراطورية الإسلامية البريطانية” لم تأتِ من الشرق الأوسط، بل جاءت من جنوب آسيا في أغسطس 1947: استقلال وتقسيم شبه القارة الهندية إلى دولتي الهند والباكستان.

يحلل جون سلايت هذا الحدث باعتباره “عملية بتر بيروقراطية” لأهم شرايين الحج البريطاني. فالهند البريطانية كانت، عبر “مكتب بومباي” و”المكتب الهندي في لندن”، هي التي توفر الكتلة البشرية الأكبر، والتمويل المالي الأضخم، والكادر الطبي والإداري الذي كان يدير قنصلية جدة ومحطات الحجر الصحي في كاماران. برحيل البريطانيين عن نيودلهي وكراتشي، انتقلت إدارة شؤون هؤلاء الحجاج فورًا إلى الحكومات الوطنية الجديدة في الهند وباكستان.

انكمش الظل البريطاني فوق الحجاز فجأة، ولم يتبقَ تحت التاج البريطاني سوى حجاج مستعمرات إفريقيا (نيجيريا، السودان الخاضع للحكم الثنائي، غامبيا، سيراليون) وأجزاء من ملايا وجنوب شرق آسيا، بالإضافة إلى الانتداب المتآكل في فلسطين والذي انتهى بكارثة عام 1948. تحولت بريطانيا من “أكبر قوة إسلامية تدير الحج” إلى قوة استعمارية من الدرجة الثانية تحاول الحفاظ على ما تبقى من نفوذها عبر إدارة علاقاتها مع القوى الإقليمية الصاعدة.

4. محطة السويس 1956: الشاهد القبري على الحج الإمبراطوري

تصل رحلة الكتاب التاريخية إلى نقطة نهايتها الحتمية في خريف عام 1956. يختار سلايت أزمة السويس (العدوان الثلاثي على مصر) لتكون الستار الذي يسدل على قرن من السيادة اللوجستية البريطانية على الحج.

عندما شنت بريطانيا وفرنسا وإسرائيل عدوانها على مصر إثر تأميم جمال عبد الناصر لقناة السويس، اشتعل العالم العربي والإسلامي بغضب عارم. سارعت المملكة العربية السعودية بقيادة الملك سعود بن عبد العزيز إلى قطع العلاقات الدبلوماسية كاملة مع لندن، وطُرد الدبلوماسيون البريطانيون من جدة، وأغلقت السفارة البريطانية أبوابها.

هنا، يبرز المشهد السريالي الذي استهل به المقال: كانت أزمة السويس تجري في نوفمبر، وهو الشهر الذي صادف موسم الحج لذلك العام. تسببت الحرب في إغلاق قناة السويس وتوقف حركة الملاحة البحرية، ووجدت بريطانيا نفسها عاجزة عن إيصال آلاف الحجاج من رعاياها في غرب إفريقيا (نيجيريا على وجه الخصوص) الذين كانوا يتدفقون عبر المسار البري والجوي والبحري. وبسبب غياب الدبلوماسيين البريطانيين، اضطرت لندن للاعتماد على موظفين باكستانيين محليين في جدة، وتحت علم باكستان (الدولة المستقلة حديثًا)، لإدارة شؤون الحجاج النيجيريين الذين كانوا لا يزالون يحملون جوازات سفر بريطانية!

كان هذا المشهد، كما يعلق سلايت، بمثابة الإعلان الرسمي عن موت “الحج البريطاني”. لقد أثبتت أزمة السويس أن القومية العربية الصاعدة، واستقلال الدول الإسلامية، والسيادة السعودية الكاملة، لم تعد تسمح بوجود أي دور “للرجل الأبيض” في إدارة الرحلة المقدسة. تحول الحج بالكامل إلى شأن سيادي تديره الدول الإسلامية المستقلة عبر مؤسساتها الوطنية، وانطوت صفحة الإمبراطورية التي كانت تحج إلى مكة.

The British Empire and the Hajj, 1865-1956

John Slight

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى