رسل ستالين: خمسة عقول من كامبريدج صاغت جغرافيا الحرب الباردة

حين يذوب الجليد وتتكشف الخيانة
تفتتح أنطونيا سينيور كتابها بمشهد تراجيدي يعود إلى ربيع عام 1951، وتحديداً في تلك اللحظة التي بدأ فيها الجليد بالذوبان على الحدود السوفيتية الأوكرانية. كان المقاتلون الأوكرانيون المناهضون للشيوعية، الذين عاشوا حياة في الظل متخفين في خنادق الغابات وتحت طبقات الثلج، يستعدون لاستئناف عملياتهم بدعم من الاستخبارات البريطانية والأمريكية. كانت الأجهزة الغربية تخطط لإسقاط عملاء ومظليين عبر الستار الحديدي لجمع المعلومات الاستخباراتية وتأجيج الثورة ضد نظام ستالين. كانت هذه العمليات محاطة بسرية مطلقة، لا يعلم بتفاصيلها وإحداثياتها الدقيقة سوى ثلة صغيرة جداً من كبار الضباط في لندن وواشنطن.
لكن، وفي عتمة الليل الأوكراني، بينما كان الشباب المظليون يتأهبون للقفز من الطائرات البريطانية، لم يكونوا يعلمون أن الشرطة السرية السوفيتية كانت تقف في انتظارهم في عمق تلك الغابات المظلمة. لقد تم تسليمهم بالكامل، بدم بارد، على يد رجل واحد يجلس في مكاتب التنسيق البريطانية: كيم فيلبي.
هذا المشهد الافتتاحي القاسي يلخص الأطروحة الأساسية للكتاب؛ فالخيانة التي ارتكبها «خمسة كامبريدج» لم تكن مجرد سرقة وثائق من مكاتب لندن لتوضع في أدراج موسكو، بل كانت أداة دموية مباشرة ساهمت في سحق حركات التحرر وصياغة الحدود الإمبراطورية التي فرضها ستالين على جيرانه. تكشف سينيور كيف تداخلت حيوات خمسة من ألمع شبان النخبة البريطانية مع الرؤية الستالينية للتوسع الإمبراطوري، مستغلين افتراضاتهم الطبقية واستخفاف المجتمع المخملي البريطاني بإمكانية أن يتحول «الفتيان المهذبون» إلى عملاء مخلصين لعقيدة أجنبية عنيفة.
أرنولد دويتش: صائد النفوس بخرائط الفرويدية والماركسية
في يونيو من عام 1934، كان هناك رجل يجلس هادئاً على مقعد في حديقة «ريجنتس بارك» بلندن. رجل ذو بنية عضلية قوية وقامة مربعة، يحمل ندبة تمتد من أذنه اليسرى إلى عينه، لكنه يبدو وسيماً، بنظرة توشك دائماً على الابتسام. هذا الرجل هو أرنولد دويتش، العميل السوفيتي العبقري الذي كان يحمل دكتوراه في علم النفس من جامعة فيينا، والذي تتلمذ على يد عالم النفس الشهير ألفرد أدلر.
لم يكن دويتش مجرد ضابط استخبارات تقليدي، بل كان «مهندس نفوس» يعتقد أن العقيدة الشيوعية يمكن زراعتها في عقول شبان النخبة من خلال تفكيك عقدهم النفسية وفهم نزعاتهم الطبقية. كان دويتش متأثراً بحركة «الجنس والسياسة» (Sex-Pol) التي أسسها فيلهلم رايش، وهي نظرية زاوجت بين كارل ماركس وسيجموند فرويد، حيث يُعتقد أن التحرر من المحرمات الاجتماعية والطبقية هو البوابة لتفجير الثورة العالمية الشاملة.
كان دويتش يرى أن الشبان الأذكياء في أرقى الجامعات البريطانية مثل كامبريدج يمثلون صيداً ثميناً. خطته كانت عبقرية في بساطتها: العثور على الشيوعيين المتحمسين من أبناء البرجوازية البريطانية، التقرب منهم، إشعارهم بأهميتهم التاريخية الفريدة في حتمية تاريخية صاعدة، ثم أمرهم بقطع علاقاتهم العلنية باليسار تماماً والظهور بمظهر المحافظين التقليديين لتسهيل تسللهم إلى أعلى مفاصل الدولة البريطانية.
كان دويتش يدرك أن هؤلاء الشبان، نظراً لأصولهم الطبقية الرفيعة، لن يشك فيهم أحد. وإذا ما تذكر أحد في المستقبل أنهم كانوا في شبابهم يميلون إلى الشيوعية، فسيتم التعامل مع الأمر باعتباره مجرد «نزوة شباب عابرة» سرعان ما تلاشت بمرور السنين. ومن هنا، بدأت رحلة البحث عن «الرسل» الذين سيحملون لواء ستالين في قلب الإمبراطورية البريطانية.
كيم فيلبي: الابن المتمرد والولادة على مقعد الحديقة
الرسول الأول الذي اصطاده دويتش كان هارولد أدريان فيلبي، المعروف بلقب «كيم» نسبة إلى بطل رواية روديارد كيبلينج الشهيرة عن الجاسوس البريطاني في الهند. ولد فيلبي في الهند عام 1912، وكان والده سانت جون فيلبي شخصية استثنائية غريبة الأطوار؛ مستعرباً بريطانياً ومستشاراً للملك عبد العزيز آل سعود، اعتنق الإسلام لاحقاً وعاش في الصحراء بعيداً عن قيود بريطانيا البرجوازية. ورث كيم عن والده ذلك التمرد على الوطن الأم، وتلك الرغبة الجامحة في البحث عن عقيدة بديلة يعتنقها بكل كيانه، فضلاً عن تلك القدرة الفائقة على العيش في الهوامش والظهور بمظهر المتسق مع محيطه بينما هو في الحقيقة يضمر سراً عظيماً.
تلقت سينيور دعماً كبيراً من الوثائق الأرشيفية المفرج عنها حديثاً لتفكيك شخصية فيلبي. كان يعاني من تأتأة واضحة في نطقة، وهي التأتأة التي رافقته طوال حياته ولم تكن عائقاً بل تحولت إلى درع يمنحه وقاراً وهدوءاً، ويجعل المحيطين به يتعاطفون معه ويستبعدون تماماً فكرة كونه كاذباً محترفاً. تخرج فيلبي من كامبريدج بعد دراسة التاريخ والاقتصاد، وامتلك قناعة مطلقة بأن حياته يجب أن تُكرس للشيوعية كمخلص وحيد للعالم من ويلات الكساد الكبير وصعود الفاشية.
في ربيع عام 1933، سافر فيلبي إلى فيينا حيث انخرط في العمل السري لصالح الحزب الشيوعي النمساوي، وهناك التقى بزوجته الأولى ليتزي كوهلمان، الشيوعية اليهودية المتعصبة، وتزوجها لإنقاذها من ملاحقة الشرطة النمساوية عبر منحها جواز سفر بريطانياً. كانت ليتزي وصديقتها المصورة النمساوية إيديث تودور-هارت هما الرابط الذي قاد فيلبي إلى أرنولد دويتش.
عندما التقى فيلبي بدويتش على مقعد حديقة ريجنتس بارك في ذلك اليوم الصيفي من عام 1934، شعر فيلبي بفرح عارم. كان دويتش يخاطبه بالألمانية، ويشرح له كيف أن نبل أصوله البرجوازية لا يمنعه من خدمة البروليتاريا، بل إن خدمته الحقيقية تكمن في ارتداء قناع الرأسمالية والعمل كمتسلل سري. أطلق دويتش على فيلبي الاسم الحركي «سوني» (SONNY)، متوقعاً له مستقبلاً باهراً، ومستخفاً بقدرة هذا الشاب على الكذب، إذ كتب دويتش في تقاريره الأولى للكرملين أن فيلبي «يجد صعوبة في الكذب» – وهي واحدة من أكبر الأخطاء التقديرية التي وقع فيها عالم النفس النمساوي، إذ تحول «سوني» لاحقاً إلى أعظم كاذب في تاريخ الاستخبارات الحديثة.
دونالد ماكلين: صراع الإيمان والمثالية الممزقة
الاسم الثاني الذي سلمه فيلبي إلى دويتش كمرشح مثالي للتجنيد كان صديقه من أيام كامبريدج: دونالد ماكلين. كان ماكلين يمثل النقيض الظاهري لفيلبي؛ فهو طويل القامة، وسيم، ينتمي إلى طبقة سياسية مرموقة، فوالده هو السير دونالد ماكلين، الوزير البريطاني الليبرالي المحافظ. نشأ ماكلين في بيئة بروتستانتية مشيخية بالغة التزمت والصرامة، حيث كانت الصلوات اليومية تفرض فرضاً، والالتزام الأخلاقي والواجب هما محورا الحياة اليومية.
لكن ماكلين، الذي دخل كامبريدج عام 1931، تمرد على إله والده الصارم ليبحث عن خلاص أرضي في نصوص كارل ماركس. وجد في الماركسية بديلاً عقائدياً متكاملاً يمنحه ذلك اليقين الروحي الأخلاقي الذي جردته منه الكنيسة التقليدية. كان يعتقد بصدق أن الإمبراطورية البريطانية هي تجسيد لكل ما هو شرير ومستبد في هذا العالم، وأن واجبه الأخلاقي كأممى هو العمل على تقويضها لمنع الحروب الاستعمارية وسحق الفاشية.
في أغسطس من عام 1934، دعاه فيلبي لتناول عشاء هادئ في منزل عائلته في لندن. هناك، سأله فيلبي بصراحة كيف يمكنه التوفيق بين إيمانه بالشيوعية وخطته للانضمام إلى وزارة الخارجية البريطانية. لم يتردد ماكلين في إبداء رغبته في التضحية بكل شيء، متسائلاً بذكاء عما إذا كان هذا التجنيد لصالح الكومنترن أو الاستخبارات السوفيتية مباشرة. ورغم الفرق الفلسفي بين الأمرين بالنسبة للأمميين الحالمين، فإن التزام ماكلين كان مطلقاً.
تم لقاؤه بالعميل السوفيتي إيجناتي رايف في مقهى محطة قطار، حيث كان ماكلين يحمل كتاباً بغلاف أصفر ساطع كعلامة تعارف. وافق ماكلين على المهمة، ومنحته موسكو الاسم الرمزى «فايسه» (WAÏSE) أو «اليتيم»، في إشارة درامية مبطنة لوفاة والده مؤخراً. أُمر ماكلين بالتخلي الظاهري عن أفكاره الراديكالية، والبدء في تمثيل دور الشاب اللعوب المنغمس في الحفلات والمشروب لتضليل الأجهزة الأمنية، وهي الازدواجية التي بدأت تمزق روحه وتدفعه لاحقاً نحو الإدمان العنيف للكحول هرباً من وطأة الكذب المستمر.
غي بيرجس: إعصار الفوضى المنظم وعقل الجاسوسية المقلوب
لم يكن غي بيرجس مجرد عميل سري؛ بل كان ظاهرة اجتماعية وفكرية تمشي على قدمين، إعصاراً من الفوضى الخلاقة والموهبة الفذة التي لا تحدها حدود. تصفه أنطونيا سينيور في كتابها بأنه كان يعيش حياته كأنه مسرحية من مسرحيات العهد الإليزابيثي؛ ثمل باستمرار، ملابسه رثة وغير مرتبة، أظافره متسخة، وميوله الجنسية معلنة وصادمة لمجتمع لندن المحافظ في ذلك الوقت. ومع ذلك، كان بيرجس يمتلك سحراً شخصياً لا يُقاوم، وذكاءً حاداً كالشفرة جعل كبار السياسيين والمفكرين في بريطانيا يغفرون له كل خطاياه السلوكية ويرون فيه عبقرية نادرة تستحق الرعاية والتقريب.
نشأ بيرجس في بيئة أرستقراطية بحرية، وكان والده ضابطاً في البحرية الملكية. دخل كامبريدج عام 1930 لدراسة التاريخ، وسرعان ما أصبح النجم الأبرز في الأوساط اليسارية بالجامعة. بالنسبة لبيرجس، لم تكن الماركسية مجرد نظرية اقتصادية جافة، بل كانت أداة ثورية لتدمير النفاق الاجتماعي والبرجوازية البريطانية التي كان يكرهها في الأعماق رغم كونه ابناً باراً لها. كان يرى في الاتحاد السوفيتي تجسيداً للمستقبل الديناميكي الصاعد في وجه القارة العجوز الغارقة في الكساد والضعف أمام المد الفاشي.
أدرك أرنولد دويتش سريعاً أن بيرجس يمثل صيداً استثنائياً. لم يكن تجنيده صعباً؛ بل إن بيرجس هو من اندفع بقوة نحو الفكرة حينما عرضها عليه فيلبي. كان الاسم الرمزي الذي منحته له موسكو هو «مادشن» (MÄDCHEN) أو «الفتاة»، في إشارة ساخرة لطباعه المتقلبة، لكن السوفيت سرعان ما أدركوا أن هذا الشاب الفوضوي يمتلك قدرة خارقة على اختراق الدوائر المغلقة. طبقاً لتعليمات دويتش، قام بيرجس بمسرحية تخليه عن الشيوعية ببراعة مذهلة؛ حيث انضم إلى الجمعية الأنجلو-ألمانية اليمينية، وأبدى تعاطفاً زائفاً مع النازية لدرجة أنه سافر إلى ألمانيا والتقى ببعض مسؤولي الدعاية هناك. هذا القناع الجديد سمح له لاحقاً بالعمل في هيئة الإذاعة البريطانية (BBC) ثم التسلل إلى جهاز الاستخبارات العسكرية (MI6) ووزارة الخارجية، حيث كان ينقل لموسكو أكواماً من الوثائق السرية للغاية، مغلفة دائماً بروائح الكحول والتبغ التي لم تفارقه قط.
أنتوني بلانت: المؤرخ البارد وعقيدة الجمال النقي
على النقيض تماماً من فوضوية بيرجس الصاخبة، كان أنتوني بلانت يمثل التجسيد الحي للبرود الأرستقراطي، والجمال النقي، والتحفظ الأكاديمي الصارم. كان بلانت، الذي ينتمي بصلة قرابة بعيدة للعائلة المالكة البريطانية، باحثاً عبقرياً في تاريخ الفن، ومتخصصاً في أعمال الرسام الفرنسي الكلاسيكي نيكولا بوسان. في كامبريدج، كان بلانت عضواً بارزاً في «جمعية الرسل» (The Apostles)، تلك النخبة الفكرية السرية التي كانت تضم ألمع عقول الجامعة والذين كانوا يرون أنفسهم فوق الأخلاق التقليدية للمجتمع العام.
تفكك سينيور دوافع بلانت لتكشف عن شخصية مزدوجة معقدة. كان يعيش في صراع دائم بين كونه مثلياً يعيش في مجتمع يجرم هذه الميول بقسوة، وكونه مؤرخ فن يبحث عن المطلق والجمال الخالص في عالم ينهار سياسياً واقتصادياً تحت وطأة الرأسمالية. وجد بلانت في الماركسية نوعاً من «النظام الجمالي الصارم» الذي يمكنه إعادة تنظيم العالم الفوضوي. كان يرى أن الفاشية هي العدو المطلق للفن والثقافة، وأن الكنيسة والدول البرجوازية عاجزة عن حماية التراث الإنساني.
لعب غي بيرجس الدور الحاسم في تجنيد بلانت لصالح السوفيت. لم يكن بلانت مجرد عميل يجمع المعلومات، بل تحول بفضل موقعه كأكاديمي مرموق إلى «كشاف» يبحث عن المجندين المحتملين بين طلاب كامبريدج الجدد، وكان يوجه دويتش نحو الشبان الذين يمتلكون المزيج المثالي من الذكاء اليساري والضعف النفسي القابل للاستغلال. حمل بلانت الاسم الرمزي «توني» (TONI)، واستطاع بفضل هدوئه وقربه من الدوائر الملكية التسلل خلال الحرب العالمية الثانية إلى جهاز الأمن الداخلي (MI5)، ليصبح عيناً سوفيتية لا تنام في قلب مكافحة التجسس البريطانية، وهو يعيد ترتيب اللوحات الفنية الكلاسيكية في قصور لندن بيد، ويسلم تقارير المخابرات الحساسة باليد الأخرى.
جون كيرنكروس: المنبوذ الاسكتلندي والغضب الطبقي الدفين
بينما كان الأربعة الآخرون ينتمون إلى النخبة الإنجليزية المترفة ويتشاركون لغة اجتماعية واحدة، كان الرسول الخامس، جون كيرنكروس، يمثل صوتاً مختلفاً تماماً وجسداً غريباً داخل هذه المنظومة المخملية. ولد كيرنكروس في اسكتلندا لعائلة من الطبقة المتوسطة المكافحة، ودخل كامبريدج بفضل تفوقه الأكاديمي الاستثنائي في اللغات الحديثة، حيث كان يتقن الفرنسية والألمانية والإيطالية بطلاقة مذهلة.
كان كيرنكروس يعاني من حساسية مفرطة وشعور دائم بالدونية والاقصاء الطبقي داخل أروقة كامبريدج المليئة بأبناء النبلاء والأثرياء. كان يرى في زملائه الإنجليز كائنات مدللة وتافهة حصلت على كل شيء دون جهد، بينما تعين عليه هو القتال بضراوة لانتزاع مكانته. هذا «الغضب الطبقي الدفين» هو الذي قاده مباشرة إلى أحضان الماركسية؛ حيث وجد فيها تبريراً علمياً وعقلانياً لكراهيته للنظام الطبقي البريطاني ورغبته في تقويضه.
جنده غي بيرجس لصالح السوفيت مستغلاً هذا الغضب والذكاء اللغوي النادر. تم منح كيرنكروس الاسم الحركي «ليست» (LISZT)، لتبدأ مسيرته في التسلل إلى وزارة الخارجية ثم إلى وزارة المالية وأخيراً إلى مقر فك الشفرات البريطاني الشهير في «بلتشلي بارك» (Bletchley Park). من هناك، وتحديداً خلال الحرب العالمية الثانية، ارتكب كيرنكروس أهم وأخطر عملية خيانة لصالح موسكو؛ حيث قام بتهريب فك شفرات آلة «إنيجما» الألمانية وتفاصيل خطط الدبابات النازية في معركة «كورسك» الشهيرة قبل أن تصل إلى ستالين عبر القنوات الرسمية السريعة، مما مكن الجيش الأحمر من سحق الهجوم الألماني وصياغة نصر سوفيتي حاسم غير وجه الحرب برمتها.
اكتمال النواة: صناعة السلاح السوفيتي الخفي
مع اكتمال تجنيد الشبان الخمسة، تمكن أرنولد دويتش والقيادة في موسكو من بناء سلاح استخباراتي غير مسبوق في تاريخ التجسس الدولي. لم تكن هذه الشبكة مجرد مجموعة عملاء معزولين، بل كانت أشبه بأوركسترا متناغمة؛ يغطي بعضهم على بعض، ويوجه بعضهم بعضاً داخل مفاصل الدولة البريطانية.
توضح سينيور ببراعة كيف استفاد السوفيت من التواطؤ غير الواعي للنخبة البريطانية؛ فحتى عندما كانت الشكوك تحوم حول تصرفات بيرجس الصاخبة أو تقارير ماكلين المريبة، كانت عقلية «نادي الرجال المحترمين» (Gentlemen’s Club) في لندن ترفض تصديق أن خريجي كامبريدج وأبناء اللوردات يمكن أن يخونوا التاج البريطاني لصالح دولة يحكمها الفلاحون والعمال. كان هذا الاستعلاء الطبقي البريطاني هو التربة الخصبة التي نمت فيها جذور خيانة خمسة كامبريدج وتوطدت.
بلتشلي بارك وكورسك: الخيانة العظمى التي غيرت مسار الدبابات
تأخذنا سينيور في رحلة مثيرة إلى الغرف المغلقة لمركز فك الشفرات البريطاني الشهير في «بلتشلي بارك»، حيث كان آلاف العباقرة والرياضيين يعملون ليل نهار لفك رموز آلة «إنيجما» الألمانية تحت مسمى مشروع «ألترا» (Ultra). كانت هذه العمليات تمثل الكنز الاستراتيجي الأكبر لبريطانيا وحلفائها، وكان هناك اتفاق بريطاني أمريكي صارم على عدم مشاركة هذه المعلومات الحساسة للغاية مع الاتحاد السوفيتي مباشرة، خشية أن يكتشف الألمان أن شفراتهم قد كُشفت، أو بدافع الشكوك الغربية العميقة في نوايا الكرملين المستقبلية.
لكن الكرملين لم يكن بحاجة إلى كرم تشرشل؛ فقد كان لديه جون كيرنكروس. كان كيرنكروس، الذي تم تعيينه في بلتشلي بارك بفضل مهاراته اللغوية الفذة، يقوم بعمل بطولي لصالح موسكو وبمنتهى الهدوء المريب. كان يضع الوثائق والبرقيات الألمانية المفكوكة شفراتها في حقيبته الجلدية المتواضعة، ليغادر بها نهاية كل أسبوع متجهاً إلى لندن للقاء ضابط اتصاله السوفيتي.
تكشف الوثائق التي استعرضتها الكاتبة أن كيرنكروس هو الذي زود ستالين بالمعلومات الدقيقة والمسبقة حول عملية «القلعة» (Operation Citadel)، وهي الهجمة الألمانية الكبرى التي استهدفت تطويق القوات السوفيتية في «كورسك» عام 1943. بفضل كيرنكروس، عرف الجنرالات السوفيت الخطوط الدقيقة للهجوم الألماني، ومواقع حقول الألغام، وتفاصيل دبابات «النمر» و«الفهد» الجديدة قبل أن تبدأ المعركة بأيام. هذا التدفق الاستخباراتي الهائل سمح للجيش الأحمر بالاستعداد الكامل وبناء خطوط دفاعية عميقة سحقت الآلة العسكرية النازية في أكبر معركة دبابات في التاريخ الإنساني. لم تكن هذه مجرد خدمة عسكرية، بل كانت البوابة الكبرى التي سمحت لستالين ببدء زحفه الإمبراطوري نحو برلين، حاملاً معه خرائط النفوذ الجديدة.
كيم فيلبي في قلب جهاز الـ MI6: الثعلب الذي يدير مطاردة نفسه
في هذه الأثناء، كان كيم فيلبي يحقق صعوداً أسطورياً ومذهلاً داخل جهاز الاستخبارات الخارجية البريطاني (MI6). وبفضل سحره وأصوله العائلية المرموقة، وبمساعدة غير مباشرة من رفاقه، تم تعيينه رئيساً للقسم التاسع (Section IX)، وهو القسم المنشأ حديثاً والمخصص بالكامل لمكافحة التجسس السوفيتي والشيوعي. هذا الترشيح يمثل إحدى أكثر المفارقات سخرية وتراجيدية في تاريخ التجسس؛ فالرجل الذي تم تكليفه بمطاردة الجواسيس السوفيت في بريطانيا وحماية أسرار الدولة من اختراقات الكرملين، كان هو نفسه الجاسوس الأكبر للكرملين.
تصف سينيور كيف استغل فيلبي هذا الموقع الحساس ليس فقط لحماية نفسه ورفاقه، بل لتدمير أي محاولة لتقويض النظام السوفيتي. كان فيلبي يرى كل التقارير، ويعرف أسماء كل العملاء الذين كانت بريطانيا تحاول زرعهم خلف خطوط الجيش الأحمر، أو أولئك الذين حاولوا الانشقاق من داخل الجهاز السوفيتي وتقديم معلومات للغرب. في كل مرة كان يظهر فيها تهديد حقيقي للشبكة أو للنفوذ السوفيتي، كان فيلبي يتدخل ببرود تام لتصفية التهديد.
لعل المثال الأبرز والأكثر دموية على ذلك هو قضية قسطنطين فولكوف، نائب القنصل السوفيتي في إسطنبول وعميل الـ NKVD، الذي اتصل بالاستخبارات البريطانية في أغسطس 1945 طالباً اللجوء السياسي ومقايضة أسرار بالغة الأهمية: كان فولكوف يعرض الكشف عن أسماء ثلاثة عملاء سوفيت كبار يعملون في قلب مكاتب لندن، أحدهم يرأس قسماً لمكافحة التجسس في الخارجية البريطانية. وصلت البرقية السرية إلى مكتب فيلبي مباشرة في لندن. وبطبيعة الحال، قام فيلبي بتأخير الإجراءات الإدارية وطلب السفر بنفسه إلى تركيا لتولي القضية، بينما كانت برقياته المشفرة تطير في نفس اللحظة إلى موسكو لتنبيههم. وعندما وصل فيلبي إلى إسطنبول، كان فولكوف قد اختفى تماماً؛ حيث تم تخديره ونقله على متن طائرة سوفيتية إلى موسكو ليلقى حتفه رمياً بالرصاص بعد استجواب وحشي. لقد أنقذ فيلبي الشبكة بقرابين بشرية جديدة، مضحياً بأي روح تقف في طريق الإمبراطورية التي كان يعتقد بصدق أنها مستقبل البشرية.
وزارة الخارجية وصناعة التقسيم: ماكلين وبيرجس يصوغان ملامح يالتا
على الجبهة الدبلوماسية، كان دونالد ماكلين يواصل ترقيه السريع داخل وزارة الخارجية البريطانية، حتى أصبح سكرتيراً ثانياً في السفارة البريطانية بواشنطن، ثم رئيساً للقسم الأمريكي في الخارجية بلندن. كان هذا الموقع يمنحه وصولاً كاملاً إلى أدق تفاصيل التنسيق البريطاني الأمريكي بخصوص مستقبل أوروبا بعد الحرب العالمية الثانية، والمفاوضات الجارية حول التقسيم الإقليمي، ومستقبل السلاح النووي الناشئ.
تكشف أنطونيا سينيور كيف كان ماكلين يرسل آلاف الوثائق التي تفصل مواقف الحلفاء التفاوضية قبل مؤتمرات القمة الكبرى في «طهران» و«يالتا» و«بوتسدام». بفضل هذه التقارير، كان ستالين يدخل قاعات المؤتمرات وهو يعرف بالضبط الحد الأقصى لتنازلات روزفلت وتشرشل، ويعرف متى يضغط ومتى يتراجع، مما مكنه من فرض قبضته الفولاذية على بولندا، والمجر، ورومانيا، وتشيكوسلوفاكيا، وتقسيم ألمانيا بالشكل الذي يخدم طموحاته التوسعية. لم يكن الخمسة مجرد مخبرين يسرقون الأسرار العسكرية، بل كانوا مستشارين غير مرئيين ساهموا في صياغة النظام العالمي الجديد وشرعنة التمدد الإمبراطوري السوفيتي على حساب شعوب أوروبا الشرقية التي تُركت لمصيرها خلف الستار الحديدي.
أزمة الروح والوجوه المستعارة
غير أن هذا النجاح الباهر كان يخفي وراءه شروخاً نفسية عميقة بدأت تظهر على وجوه هؤلاء الرسل. فالحياة الطويلة في الظل، والاضطرار الدائم لارتداء أقنعة اليمين المحافظ والدفاع عن الإمبريالية البريطانية علناً بينما هم يخدمون الشيوعية سراً، بدأت تلتهم أرواحهم من الداخل. تصف سينيور دونالد ماكلين بأنه كان يعيش عذاباً روحياً خانقاً؛ حيث كان وعيه الأخلاقي والتربوي يثور أحياناً ضد الأساليب الدموية لستالين وضد الكذب المستمر الذي يمارسه على زوجته وعائلته، مما دفعه إلى نوبات من الشرب المفرط والانهيارات العصبية العنيفة في حانات واشنطن ولندن. كان يصرخ أحياناً في حالة ثمالة بأنه جاسوس سوفيتي، لكن أحداً لم يكن يصدقه، إذ كان الجميع يعتبرون ذلك مجرد هزليات لشباب غريب الأطوار من أبناء النخبة البرجوازية.
نحن نرى هنا كيف أن الخيانة تحولت من فكرة مثالية ثورية إلى عبء وجودي دامي تطلب التضحية بالأصدقاء، والحلفاء، والنزاهة الشخصية. وفي الدفعة القادمة، سنتابع كيف قادت هذه الشروخ النفسية، مع بدء تشكل ملامح الحرب الباردة وظهور تحقيقات أجهزة الأمن الغربية، إلى بداية النهاية السريعة لهذه الإمبراطورية الاستخباراتية الصغيرة، ولحظة الفرار الكبير التي هزت أركان الغرب برمتها.
مشروع فينونا: الشيفرة التي انكسرت والظل الذي انكشف
تأخذنا سينيور إلى كواليس المعركة السرية الأهم في بدايات الحرب الباردة، وهي مشروع «فينونا» (Venona Project). كان هذا المشروع عبارة عن تعاون استخباراتي فائق السرية بين الولايات المتحدة وبريطانيا، يهدف إلى فك تشفير برقيات المخابرات السوفيتية (KGB) التي أُرسلت خلال سنوات الحرب. لسنوات طويلة، اعتقد السوفيت أن نظام التشفير الذي يستخدمونه، والمعتمد على «لوحة المرة الواحدة» (One-time pad)، هو نظام مستحيل الاختراق رياضياً. غير أن خطأً تقنياً فادحاً ارتكبه المصنعون السوفيت بإعادة استخدام بعض الصفحات سمح لخبراء التشفير الغربيين بالبدء في قراءة أجزاء من هذه الرسائل.
تدريجياً، وببطء شديد، بدأت الأسماء الرمزية الغامضة تظهر في التقارير المفكوكة. ومن بين هذه الأسماء، برز اسم رمزي غامض هو «هومر» (Homer)، والذي كان يشير إلى عميل سوفيتي رفيع المستوى يعمل في قلب الدبلوماسية البريطانية بواشنطن خلال الحرب. تصف الكاتبة كيف ضاقت حلقة الشبهات ببطء ولكن بثبات حول عدد قليل من الدبلوماسيين، حتى تركزت كل الأدلة في ربيع عام 1951 على شخص واحد: دونالد ماكلين.
كان ماكلين في ذلك الوقت قد عاد إلى لندن وتولى رئاسة القسم الأمريكي في وزارة الخارجية، لكنه كان يمر بانهيار عصبي ونفسي شبه كامل جراء الضغط المتواصل والشعور باقتراب النهاية. لقد أصبح هدفاً للمراقبة اللصيقة من قبل جهاز الأمن الداخلي البريطاني (MI5)، وصار مسألة استجوابه واعتقاله مجرد وقت، وهو ما كان يعني تداعي الشبكة بأكملها وسقوط بقية الرفاق.
مؤامرة الإنقاذ: كيم فيلبي يدير خيوط النجاة من واشنطن
في واشنطن، حيث كان كيم فيلبي يعمل كضابط ارتباط رئيسي بين الاستخبارات البريطانية وجهاز الـ CIA الناشئ، وصلت إليه المعلومات الصادمة بأن المحققين قد حددوا هوية ماكلين بشكل شبه نهائي، وأن قرار استجوابه قد اتُّخذ بالفعل. أدرك فيلبي على الفور أن سقوط ماكلين تحت الاستجواب سيعني حتماً كشف خيانته هو نفسه، وكشف غي بيرجس، وأنتوني بلانت. كان لا بد من التحرك بسرعة فائقة لتهريب ماكلين قبل فوات الأوان.
كان غي بيرجس يعيش في ذلك الوقت مع فيلبي في منزله بواشنطن، وكان سلوكه الفوضوي وسكره الدائم قد وصلا إلى حد لم يعد يُطاق، مما دفع بوزارة الخارجية إلى التخطيط لإعادته إلى لندن. استغل فيلبي هذه الفرصة الذهبية؛ كلف بيرجس بمهمة محددة وحاسمة بمجرد وصوله إلى بريطانيا: الاتصال بأنتوني بلانت، الذي كان لا يزال يمتلك قنوات اتصال نشطة مع الاستخبارات السوفيتية، لترتيب خطة هروب عاجلة لماكلين إلى الاتحاد السوفيتي.
توضح سينيور عبقرية فيلبي الشيطانية في هذه المؤامرة؛ فقد كان عليه أن يدير العملية اللوجستية المعقدة من وراء المحيط، معتمداً على رفيقين تنهشهما الشكوك والمخاوف، ومعرفة كاملة بأن أي هفوة صغيرة ستؤدي بالجميع إلى حبل المشنقة بتهمة الخيانة العظمى.
ليلة الجمعة الطويلة: الهروب الكبير لبيرجس وماكلين
في الخامس والعشرين من مايو عام 1951، وهو يوم ميلاد دونالد ماكلين الثامن والثلاثين، نفذ السوفيت بمساعدة بلانت وبيرجس الخطة المرسومة بدقة. كانت ليلة جمعة، وهو التوقيت المثالي الذي اختاره المتآمرون بعناية، لعلمهم بأن البيروقراطية البريطانية وأجهزة الأمن تأخذ عطلة نهاية الأسبوع وتسترخي آليات المراقبة.
وصل غي بيرجس إلى منزل ماكلين في ريف كنت بسيارة مستأجرة. وعلى الرغم من أن الخطة الأصلية كانت تقضي بأن يقوم بيرجس بمرافقة ماكلين وتوجيهه حتى يركب السفينة المتجهة إلى فرنسا ثم يعود هو إلى حياته في لندن، إلا أن بيرجس اتخذ في اللحظة الأخيرة قراراً دراماتيكياً ومفاجئاً بالهروب معه. قاد الرجلان السيارة بسرعة جنونية نحو ميناء ساوثهامبتون، حيث استقلا عبّارة متجهة إلى ميناء سانت مالو الفرنسي. ومن هناك، اختفى الرجلان تماماً عن الأنظار، لتبدأ رحلة سفر سرية عبر أوروبا الخاضعة للسيطرة السوفيتية، انتهت بهما في قلب موسكو.
تصف سينيور الصدمة المروعة التي حلت بالمؤسسة الحاكمة البريطانية في صباح يوم الإثنين عندما اكتشفوا اختفاء اثنين من أبرز أبنائها ودبلوماسييها. لم تكن الصدمة متعلقة فقط بهروب ماكلين المشتبه به، بل بالغياب المفاجئ وغير المبرر لغي بيرجس، الذي لم تكن الشكوك قد حامت حوله علناً بعد. لقد تسبب هذا الاختفاء المزدوج في زلزال سياسي عنيف ضرب العلاقات البريطانية الأمريكية في الأعماق؛ حيث اتهمت واشنطن لندن بالتراخي الأمني الفاضح وحماية أبناء نخبها الأرستقراطية حتى وهم يخونون بلادهم.
سقوط الأقنعة وبداية الشتاء الطويل
ترك هروب بيرجس وماكلين رفاقهم المتبقين في وضع بالغ الخطورة والتعقيد. فقد أصبح كيم فيلبي المتهم الأول غير المعلن في واشنطن؛ إذ كيف يمكن لبيرجس، الذي كان يعيش في منزله، أن يهرب دون علمه؟ أُجبر فيلبي على الاستقالة من منصبه وعاد إلى لندن ليخضع لاستجوابات قاسية ومطولة من قبل الـ MI5، ورغم عدم وجود أدلة مادية كافية لإدانته في ذلك الوقت، إلا أن مسيرته الاستخباراتية الذهبية قد انتهت وتلطخت للأبد.
أما أنتوني بلانت وجون كيرنكروس، فقد عاشا في رعب دائم من أن يكشف المحققون دورهما في شبكة الخيانة. تظهر الكاتبة كيف تحولت المثالية الفكرية التي جمعت هؤلاء الشبان في كامبريدج ذات يوم إلى رماد بارد؛ فلم يعد هناك مجال للحديث عن الجماليات أو تحرير الطبقة العاملة، بل أصبحت حياتهم عبارة عن محاولات يائسة للبقاء على قيد الحياة وتفادي زنازين السجون. لقد انفرط عقد «الخمسة» وتناثرت حباته، لتبدأ مرحلة طويلة من الصمت الشديد والملاحقات غير المرئية التي مهدت للنهاية الحتمية لهذه المأساة التاريخية الكبرى. وفي الدفعة القادمة، سنقف معاً على الفصول الأخيرة لهذه الرواية؛ لنتأمل مصائرهم في المنفى السوفيتي البارد، والاعترافات المتأخرة التي كشفت الأسرار الكاملة لرسل ستالين.
خيبة الأمل في جنة البروليتاريا: بيرجس وماكلين في موسكو
حينما وصل غي بيرجس ودونالد ماكلين إلى موسكو في صيف عام 1951، كانا يعتقدان أنهما سيُستقبلان كأبطال ساهموا في انتصار الاشتراكية العالمية، وأنهم سيشاركون في بناء المجتمع الجديد الذي حلموا به في غرف كامبريدج الدافئة. لكن الواقع السوفيتي كان صدمة مروعة تسببت في تحطيم أوهامهم في غضون أشهر قليلة. لقد وجدوا أنفسهم يعيشون في ظل نظام شمولي خانق، بيروقراطي، ورمادي، حيث يعاملهم الكرملين بحذر وريبة شديدين، ويضعهم تحت المراقبة اللصيقة خوفاً من أن يكونوا عملاء مزدوجين للغرب.
تصف سينيور مصير غي بيرجس في موسكو كأنه تراجيديا إغريقية بامتياز. فالرجل الذي كان يملأ صالونات لندن ضجيجاً وحيوية، وجد نفسه معزولاً في شقة متواضعة في موسكو، عاجزاً عن التحدث بالروسية، ومحروماً من الحياة الاجتماعية والثقافية الصاخبة التي كانت تمثل شريان حياته. لم يستطع بيرجس التأقلم مع الشتاء الروسي الطويل ولا مع النمطية السوفيتية الصارمة؛ فراح يعزي نفسه بالانغماس التام في الكحول، وظل يرتدي ملابسه الإنجليزية القديمة برثاثتها المعهودة، ويستمع إلى أسطوانات الموسيقى البريطانية التي جلبها معه، محاصراً بالحب والحنين الجارف لبلد خانه لكنه لم يستطع التوقف عن عشقه. لقد مات بيرجس في أحد مستشفيات موسكو عام 1963 عن عمر يناهز اثنين وخمسين عاماً، جراء تلف الكبد الناجم عن الشرب المفرط، تاركاً وراءه وصية يطلب فيها دفن جثمانه في تراب إنجلترا.
أما دونالد ماكلين، فقد أظهر قدرة أكبر على التكيف الظاهري؛ حيث تعلم الروسية، وعمل كباحث في معهد الاقتصاد العالمي والعلاقات الدولية، وحصل على درجة الدكتوراه. لكن الكاتبة تفكك هذا التكيف لتكشف عن روح محطمة بالكامل. لقد واجه ماكلين أزمة ضمير مروعة عندما أدرك حقيقة الجرائم الستالينية ومعسكرات العمل الإجباري (الغولاغ) التي كان يتجاهلها في شبابه باسم الضرورة التاريخية. تحول ماكلين إلى منتقد صامت لبعض سياسات الكرملين، وعاش سنواته الأخيرة مغرقاً في عزلة فكرية ونفسية، حتى توفي عام 1983 دون أن يجد الخلاص الروحي الذي طالما بحث عنه في شبابه.
كيم فيلبي: الفرار الأخير والموت البارد في صقيع الرفض
بينما كان بيرجس وماكلين يصارعان الغربة في موسكو، كان كيم فيلبي يخوض معركته الأخيرة في بيروت. بعد استقالته القسرية من الـ MI6، نجح فيلبي في إعادة تقديم نفسه كصحفي ومراسل لبعض الصحف البريطانية في الشرق الأوسط، مستمراً في تقديم معلوماته الثمينة للسوفيت. لكن المخابرات البريطانية لم تتوقف عن مطاردة ظله، وفي عام 1963، ومع ظهور أدلة جديدة حاسمة من منشقين سوفيت، واجه المحقق البريطاني نيكولاس إليوت صديقه القديم فيلبي في بيروت بأدلة خيانته الصارخة.
أدرك فيلبي أن اللعبة قد انتهت تماماً؛ وفي ليلة عاصفة من يناير 1963، ركب سفينة شحن سوفيتية من ميناء بيروت متجهاً إلى أوديسا ومنها إلى موسكو. وعلى عكس بيرجس وماكلين، حظي فيلبي باستقبال رسمي لائق ومُنح رتبة جنرال في جهاز الـ KGB، لكن حياته في موسكو لم تكن أقل مأساوية. لقد اكتشف فيلبي سريعاً أن الجهاز الذي خدمه طوال حياته لا يثق به؛ حيث تم استبعاده من أي عمل استخباراتي حقيقي وعُزل في شقة رُتبت له بعناية، وتحت حراسة مشددة.
تكشف سينيور أن فيلبي عانى من نوبات اكتئاب حادة كادت تدفعه للانتحار، وشعر بمرارة شديدة لأن السوفيت لم يعاملوه كزميل بل كأداة انتهت صلاحيتها. ورغم محاولاته اليائسة للدفاع عن عقيدته الشيوعية حتى النفس الأخير، إلا أن مذكراته وأحاديثه المتأخرة للصحفيين الغربيين كانت تنضح بروح رجل يدرك في أعماقه أنه ضحى بكل شيء—بأصدقائه، بوطنه، وبشرفه الشخصي—من أجل وهم سراب تهاوى أمام عينيه قبل أن يموت عام 1988.
سقوط الأقنعة في لندن: اعترافات بلانت وكيرنكروس وصدمة التاج
في لندن، استمرت فصول المأساة في التكشف ببطء يثير الأعصاب. في عام 1964، وتحت وطأة الأدلة الجديدة، اعترف أنتوني بلانت سراً للمخابرات البريطانية بخيانته، مقابل الحصول على حصانة من المحاكمة والاحتفاظ بسرية اعترافه لتجنب إحراج العائلة المالكة التي كان يعمل كأمين للوحاتها الفنية. عاش بلانت خمسة عشر عاماً أخرى كأكاديمي محترم يحظى بتقدير كبير من النخبة البريطانية ويحمل لقب «سير»، حتى عام 1979 عندما فجرت رئيسة الوزراء مارغريت تاتشر القنبلة تحت قبة البرلمان، معلنة للشعب البريطاني أن بلانت كان الجاسوس الرابع في شبكة كامبريدج. جُرد بلانت من ألقابه، وعاش سنواته الأخيرة منبوذاً ومحتقراً من المجتمع الذي تغلغل في أعماقه، حتى مات بالسرطان عام 1983 في لندن.
أما الرسول الخامس، جون كيرنكروس، فقد تم استجوبه واعترف هو الآخر سراً، وعاش معظم حياته اللاحقة في فرنسا وإيطاليا ككاتب ومترجم بعيداً عن الأضواء. لم يتم الكشف عن هويته كجاسوس خامس بشكل كامل إلا في التسعينيات، ليموت بعد ذلك بوقت قصير عام 1995، طاوياً معه الصفحة الأخيرة لأخطر شبكة تجسس عرفها العصر الحديث.
إرث رسل ستالين: الدرس التاريخي والرماد المتبقي
تختتم أنطونيا سينيور كتابها بنظرة تحليلية عميقة حول الإرث الذي تركته هذه المجموعة. لم تكن شبكة كامبريدج مجرد قصة تجسس تقليدية؛ بل كانت دراسة حالة نفسية واجتماعية فريدة حول خطورة التطرف العقائدي عندما يلتقي بالاستعلاء الطبقي. لقد برهنت خيانة هؤلاء الشبان على أن الولاء الأعمى لفكرة مطلقة يمكن أن يعمي أرقى العقول عن رؤية المآسي الإنسانية والجرائم التي تُرتكب باسمها.
عندما سقطت أقنعة رسل ستالين، لم يتبق من يوتوبياهم الاشتراكية سوى الرماد، ومن حياتهم الأسطورية سوى قصص مأساوية عن التمزق النفسي، والندم المكتوم في غياهب المنفى، ومجتمع بريطاني فقد ثقته بنفسه وبنخبه للأبد. لقد سطر الخمسة بدمائهم وأسرار بلادهم فصلاً مظلماً من فصول القرن العشرين، مؤكدين أن الثمن الحقيقي للخيانة ليس المشنقة أو السجن، بل العيش للأبد بوجوه مستعارة في زوايا التاريخ المهملة.
Stalin’s Apostles: The Cambridge Five and the Making of the Soviet Empire by Antonia Senior




