أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

من البرج العاجي إلى ثغور الوعي: الفيلسوف ينزل إلى خندق التاريخ

 فاتحة الوعي.. عندما يخرج الفيلسوف من عزلته الميتافيزيقية

لطالما عُرف الفيلسوف في المتخيل الجمعي الكلاسيكي، بل والحديث، بأنه ذلك الكائن المفارق الذي يقطن برجاً عاجياً، يراقب حطام العالم من علٍ، ويبني أنساقه التجريدية المكتفية بذاتها بعيداً عن صخب التاريخ، وضجيج الدماء، وصراخ الضحايا. غير أن الفيلسوف المغربي الأبرز، طه عبد الرحمن، يأتي في كتابه الأحدث الصادر عن مركز مغارب بالرباط (2025)، والمعنون بـ “الفيلسوف ابن ساعته” ، ليمزق هذا القناع التقليدي تمزيقاً كاملاً، وليقدم ما يمكن تسميته “مانيفستو” جديداً لوظيفة الفيلسوف في زمن الكوارث الوجودية الكبرى.

إن هذا الكتاب لا يمثل مجرد حلقة إضافية في السلسلة الذهبية للمشروع الائتماني لطه عبد الرحمن؛ بل هو “الزلزال الفكري” الذي أحدثته الصدمة الكبرى لـ “طوفان الأقصى” في السابع من أكتوبر. تلك اللحظة التاريخية الفارقة التي لم تعد تحتمل ترف النظر العقلي المجرد، بل فرضت على الفكر أن ينزل إلى خندق المواجهة، ليس بوصفه أداة تحريض عابرة، بل بوصفه “مرابطة” وجودية وأخلاقية على ثغور الأمة والإنسانية.

يفتتح طه عبد الرحمن أطروحته بإعلان مدوٍّ يسائل فيه ماهية التفلسف ذاته: “كيف يكون الفيلسوف ابن ساعته؟”. والساعة هنا ليست مجرد وحدة زمنية عادية تمر في ساعة الرمل أو عقارب الآلة؛ إنها “الحدث الجلل” الذي يهز أركان الضمير الإنساني، إنها زمان الحقيقة الذي يباغت الزيف المنهجي المتراكم لقرون. الفيلسوف ابن ساعته، في هذا الطرح التأسيسي الباهر، هو الفيلسوف الذي لا يغيب عن مواجهة واقعه، ولا يهرب إلى تجريدات باردة تغمض عينيها عن بشاعة المشهد الراهن. إنه ذلك الذي يستيقظ على صرخة المظلوم، فيجعل من قلمه درعاً ومن فكره متراساً أخلاقياً.

 التمهيد الائتماني.. تفكيك “الساعة” وإعادة بناء الزمان الفلسفي

في التمهيد التأسيسي للكتاب، يضعنا المؤلف وجهاً لوجه أمام رؤيته المبتكرة لزمنية الفكر. يرى طه عبد الرحمن أن الفلسفة الغربية المعاصرة قد سقطت في آفتين مهلكتين فيما يتعلق بالزمن:

  • الأولى: هي السقوط في “الدهرية اللاهوتية المقنعة” التي تحوّل الفلسفة إلى أداة لتبرير صيرورة التاريخ وحركته المادية الجافة، كما نرى في الدياكتيك الهيجلي والماركسي الذي يشرعن فناء الضعفاء باسم حتمية التقدم التاريخي.

  • والثانية: هي الاستقالة  التي تجعل الفكر معلقاً في هواء الأكاديميات الباردة، يقتات على شروح النصوص القديمة وإعادة إنتاج المفاهيم الاستعمارية المستهلكة.

بالمقابل، يقترح طه عبد الرحمن مفهوماً ثورياً لـ “الساعة الفلسفية”. الساعة عنده هي لحظة التقاء “الواجب الوجودي” بـ “الواقع التاريخي”. إنها اللحظة التي يتعين فيها على الفيلسوف أن يتحول من مجرد “مفكر” (يعالج المفاهيم مجردة) إلى “متفكر” (يرى آيات الحق والعدل في شواهد الواقع ومآسيه). الفيلسوف ابن ساعته هو الذي يدرك أن فكره ليس ملكاً لترفه الشخصي، بل هو أمانة مستودعة لديه، وسوف يُسأل عن كيفية أدائها في اللحظات الحرجة التي يبلغ فيها الصراع بين الحق والباطل ذروته الأخلاقية والمعرفية.

هذا التمهيد المشحون بلغة لاهوتية-أخلاقية مهيبة، وأسلوب طهوي صارم في بنائه المنطقي والمفهومي، يمهد لولادة الذات الفلسفية المجاهدة. إنها ذات لا تقنع بالحياد البارد، بل ترى في الحياد خيانة ائتمانية كبرى. الفيلسوف هنا هو “حارس الثغر”؛ والثغور في هذا الكتاب ليست حدوداً جغرافية تحميها المدافع والدبابات فحسب، بل هي ثغور معرفية، وقيمية، ولغوية، وروحية، تتدفق منها جحافل التشويه والتزييف الأخلاقي الذي تقوده منظومة الحداثة الغربية المأزومة.

طوفان الأقصى زلزالاً معرفياً.. من أين يبدأ التفلسف؟

لا يخفي الدكتور طه عبد الرحمن أن الحافز المباشر لكتابة هذا المؤلف الاستثنائي هو ما يصفه بـ “الحدث الأعظم” في تاريخنا المعاصر؛ طوفان الأقصى ومقاومة غزة الائتمانية الإعجازية. لقد وضع هذا الحدث العقل العربي المعاصر، بمختلف تشكلاته العلمانية والليبرالية والتقليدية، أمام اختبار كاشف. فبينما تهافتت النخب المتغربة في تبرير الهمجية أو الصمت المريب، انبرى طه عبد الرحمن ليؤسس لرؤية فلسفية تنطلق من “فقه اللحظة”.

إن طوفان الأقصى، في نظر صاحب “روح الحداثة”، لم يكن مجرد جولة قتالية في صراع جيوسياسي إقليمي؛ بل هو “فتق وجودي” كشف عن البنية الشيطانية للشر المطلق الذي يمثله الاستعمار الاستيطاني الغربي-الصهيوني في أبشع صوره. لقد تكسرت في هذا الطوفان كافة الادعاءات الإنسانية الكاذبة لحضارة التنوير الغربي، وسقطت أقنعة الهيئات الدولية والقوانين الكونية المصممة خصيصاً لخدمة القوي وإبادة الضعيف ائتمانياً ومادياً.

ومن هنا، يصبح التفلسف عند طه عبد الرحمن في هذا الكتاب واجباً جهادياً بالمعنى الفكري السامي للكلمة. فالمرابطة لا تقتصر على تخوم غزة العزة؛ بل تمتد لتشمل عقول المفكرين الذين يتعين عليهم تسييج عقول الأمة ضد سموم التخاذل والهزيمة النفسية، وضد الاختراق المعرفي الذي يمارسه الخطاب الغربي المهيمن من خلال مفاهيم ملغومة مثل “الإرهاب”، “حق الدفاع عن النفس”، و”الشرعية الدولية” الكاذبة.

العقل الائتماني في مواجهة العقل التجريبي المادي

يشكل التمهيد أيضاً منصة لإعادة التذكير بالفارق المنهجي الرهيب بين “العقل المجرد” (الذي قاد الغرب إلى كوارثه الروحية) و”العقل المسدد” أو “العقل الائتماني” الذي ينشده المشروع الفلسفي الطهوي. العقل الغربي الحديث، كما يحلله المؤلف، هو عقل فصلي، تمييزي، تبريري، يقوم على فصل الأخلاق عن السياسة، وفصل الدين عن العلم، وفصل الخالق عن المخلوق. هذا الفصل هو الذي أنتج وحشية الاستعمار وأتاح علمياً وتقنياً إبادة الشعوب دون أدنى شعور بالذنب، بل وبشعور بالاستعلاء الأخلاقي الكاذب.

أما العقل الائتماني الذي يطرحه الكتاب، فهو عقل وصلي، تكاملي، يرى أن الإنسان مستأمن على الوجود، وأن هذا الاستئمان يفرض عليه مسؤولية أخلاقية مطلقة تجاه الطبيعة وتجاه أخيه الإنسان. الفيلسوف ابن ساعته يدرك هذه الحقيقة الروحية العميقة، ولذلك فهو لا يتفلسف بالمنطق الصوري الجاف وحده، بل يتفلسف بروح مستمدة من ميثاق الإشهاد الإلهي الأول. هذا الميثاق الذي فطر الله الناس عليه، والذي يمثل الخزان الروحي الذي لا ينضب للمقاومة والصمود المعرفي والوجودي.

بهذا النفس الملحمي، يفتتح طه عبد الرحمن كتابه، واعداً القارئ برحلة لا تهادن السائد، بل تقوض المسلمات، وتدعو إلى انبعاث فكري عربي إسلامي أصيل ينطلق من قلب المعاناة، ليصنع شمس غدٍ إنساني جديد خالٍ من دنس الأنانية الامبريالية والتوحش المادي الغربي.

جراحة المصطلحات.. بناء البديل المفهومي العربي الإسلامي

لا يمكن لمن يقرأ لطه عبد الرحمن أن يفصل بين القوة الاقتراحية لمفاهيمه وبين البناء الفلسفي العام الذي يشيده. في هذا المؤلف الاستثنائي، يمارس طه عبد الرحمن ما يمكن تسميته “الجراحة المفهومية الدقيقة”، حيث يبدأ بتفكيك المصطلحات المهيمنة التي استقرت في الوجدان الفكري العربي المعاصر نتيجة عقود من التبعية للغرب. يرى الكاتب أن احتلال العقول يسبق دائماً احتلال الأرض، وأن التحرير الحقيقي لا يبدأ من البنادق فحسب، بل يبدأ أولاً من تحرير اللسان والمفاهيم. ومن هنا، يضع المؤلف أيدينا على الخدعة الكبرى التي تمارسها الحداثة الغربية عندما تفرض مفاهيمها بصفتها “مفاهيم كونية” مطلقة وصالحة لكل زمان ومكان، بينما هي في حقيقتها مفاهيم محلية نشأت في سياق غربي خاص ومحملة بآثام تاريخية وأيديولوجية استعمارية ضيقة.

بناءً على هذا، يجتهد طه عبد الرحمن في نحت بدائل اصطلاحية تستند إلى “المرجعية الائتمانية” و”النظر المسدد”. إنه يعيد صياغة مفهوم “الحدود” ليصبح “الثغور”، ومفهوم “الزمنية” ليصبح “الساعة الوجودية”، ومفهوم “الأخلاق الوضعية” ليصبح “الائتمانية الحية”. هذه المصطلحات ليست مجرد زينة لغوية أو استعراض بلاغي؛ بل هي أدوات معرفية حية تهدف إلى قطع حبل التبعية الفلسفية للغرب، وتأسيس عقل عربي قادر على التفكير من داخل لغته وثقافته وهويته الروحية، دون الحاجة إلى الاستعانة بـ “عكازات” المذاهب الغربية التي أثبتت عجزها الأخلاقي الفادح أمام أول اختبار حقيقي في الواقع المعاصر.

 نقد “العقل المستقيل” والتحيزات العلمانية المستوردة

يتوجه طه عبد الرحمن بنقد لاذع ومباشر إلى النخب الفكرية العربية، وبخاصة تلك التي تبنت العلمانية كمنهج وحيد للنظر الفلسفي والتاريخي. يصف المؤلف هذا العقل بـ “العقل المستقيل” أو “العقل التابع”، وهو ذلك العقل الذي يرى الواقع العربي والإسلامي بعيون مستشرقة، ويحاول قسراً تطبيق النظريات الاجتماعية والسياسية الغربية على مجتمعات تختلف جذرياً في بنيتها الروحية والقيمية. هذا التيار الفكري، بحسب تحليل الكتاب، وقع في فخ “التحيز العبر-تاريخي”، حيث افترض أن مسار التطور الإنساني يجب أن يمر حتماً بالمراحل التي مر بها الغرب، بما في ذلك التخلي عن البعد الغيبي والأخلاق الروحية لصالح المادية البحتة والتأليه البشري.

إن العلمانية في نظر طه عبد الرحمن ليست مجرد فصل للدين عن السياسة أو الدولة، بل هي مشروع وجودي يهدف إلى “علمنة الإنسانية” وإفراغها من محتواها الروحي والائتماني المودع فيها منذ ميثاق الإشهاد الأول. وحين تصبح النخب العربية والمسلمة بوقاً لهذه الأفكار في لحظات الصراع الكبرى، فإنها تمارس نوعاً من الخيانة المعرفية لثقافتها. الفيلسوف ابن ساعته، في مواجهة هذا التهافت الفكري، يرفض هذا الرضوخ المعرفي، ويدعو إلى فك الارتباط المعرفي التام مع المركزية الغربية، معتبراً أن التفلسف الحقيقي هو الذي ينبع من القدرة على الإبداع المفهومي الذاتي، وليس من إعادة تدوير الفتات المعرفي الغربي الذي بات عاجزاً حتى عن تفسير أزماته الداخلية الوجودية والأخلاقية.

تفكيك المركزية الغربية.. الوجه القبيح لـ “الإنسانية الكاذبة”

يمتد النقد الطهوي الصارم في هذه الأقسام من الكتاب ليفكك الأسس الوجودية والمعرفية للحضارة الغربية الحديثة. يرى الكاتب أن هذه الحضارة شيدت صرحها على أنقاض الآخرين، مستندة إلى نزعة استعلائية تقسم العالم إلى “بشر أرقى” يستحقون الحياة والحرية والرفاهية، و”بشر أدنى” يمكن التضحية بهم وإبادتهم باسم التقدم والتطور ومحاربة البربرية. هذه الازدواجية الأخلاقية الفجة لم تعد تخفى على ذي بصيرة، والحدث الراهن المتمثل في الإبادة الجماعية لغزة قد عرى هذا الزيف الوجودي أمام العالم بأسره. إن القوانين الدولية وحقوق الإنسان التي يتشدق بها الغرب ليست سوى أدوات لتنظيم مصالح الأقوياء وتشريع استعباد المستضعفين.

يفضح طه عبد الرحمن في هذا السياق كيف أن الفلسفة الغربية، من ديكارت وكانط إلى هيدجر ودريدا، على الرغم من نقودها الذاتية واختلاف مشاربها، بقيت سجينة هذه المركزية الغربية المتعالية. إنهم عندما يتحدثون عن “الإنسان” يقصدون به الإنسان الغربي الأبيض حصراً، وما عداه فهو مجرد موضوع للسيطرة والاستغلال. الفيلسوف ابن ساعته يرفض هذا التعريف المشوه للإنسانية، ويقترح بدلاً منه “الإنسانية الائتمانية” التي ترى أن كرامة الإنسان مستمدة من التكريم الإلهي العام الممنوح لكافة البشر على حد سواء دون تمييز عرقي أو جغرافي، وهي الكرامة التي تلزم الإنسان بحفظ الوجود لا بتدميره وإفنائه.

 من التفلسف المقلِّد إلى التفلسف المرابط.. مسؤولية الكلمة

ينتهي هذا المحور من الكتاب ببلورة مفهوم “التفلسف المرابط” في مقابل “التفلسف المقلد”. الفيلسوف المقلد هو الذي يرى نجاحه الفكري في مدى قدرته على إتقان لغات الغرب وترديد مقولات فلاسفتها، حتى وإن كانت تلك المقولات تبرر استعباد أمتنا وتدمير مقدساتنا. إنه يعيش مغترباً عن واقعه، ويكتب لجمهور وهمي، فيتحول إلى وسيط لغوي لا يملك من أمره شيئاً. أما الفيلسوف المرابط فهو الذي يجعل من فلسفته فعلاً نضالياً، مرابطاً على ثغور الوعي، مستشعراً مسؤولية الكلمة أمام التاريخ وأمام الخالق سبحانه وتعالى.

المرابطة المعرفية هنا تعني الدفاع عن ثوابت الأمة وقيمها، وكشف زيف المبررات الفكرية التي يسوقها الأعداء لتبرير وحشيتهم. إنها تعني ألا يغفل الفيلسوف لحظة واحدة عن مراقبة التحولات الطارئة في زمانه، وأن يكون قادراً على الرد الفوري والعميق على كل الشبهات المفهومية والوجودية التي تحاول النيل من صمود الأمة الروحي والمادي. الفيلسوف ابن ساعته هو الذي يدرك أن ساحة الفكر لا تقل ضراوة عن ساحة الميدان، وأن هزيمة العقول هي المدخل الحقيقي لهزيمة الأوطان، ولذلك فهو يستحضر في كل سطر يكتبه أنفاس المقاومة وروح الصمود التي تسري في عروق الأمة المكافحة من أجل حريتها وكرامتها الائتمانية.

الفلسفة في خندق المقاومة.. قراءة في أخلاقيات الصمود الأسطوري

لا يكتفي طه عبد الرحمن في هذا الفصل المركزي من كتابه بتقديم تضامن عاطفي أو إنشاء بلاغي مع قضية الأمة المحورية، بل يذهب إلى تأسيس ما يسميه “أخلاقيات المقاومة الائتمانية” في مقابل “أخلاقيات الهيمنة الاستعمارية”. ينطلق الفيلسوف من ملاحظة الوجود الإعجازي للإنسان الفلسطيني في قطاع غزة، متسائلاً عن المصدر الروحي والمعرفي الذي يمد هذا الإنسان بالقدرة الخارقة على الصمود في وجه آلة الحرب الأكثر فتكاً ووحشية في التاريخ الحديث. يرى الكاتب أن سر هذا الصمود لا يكمن في الحسابات المادية المجرَّدة، ولا في موازين القوى العسكرية التقليدية التي تميل بشكل كاسح لصالح العدو، وإنما يكمن في تفعيل “ميثاق الائتمان الروحي”. إن المقاوم الفلسطيني في غزة يمثل، بأبهى الصور، الإنسان الذي تحرَّر من عبودية الخوف والتعلق بالمادة، ليرتبط بالشهود الإلهي المطلق، مدركاً أن جسده وحياته وعشه وبيته هي أمانة مستودعة لديه، وأن واجبه الأسمى هو صيانة هذه الأمانة والذود عنها حتى الرمق الأخير.

تتحول المقاومة في المنظور الطهوي من مجرد رد فعل سياسي أو عسكري إلى واجب وجودي وفلسفي من الدرجة الأولى. إنها المعمل الروحي الذي يعاد فيه صهر الكرامة الإنسانية التي شوهتها لوثات الحداثة الغربية المادية. وفي هذا السياق، يبدع المؤلف في تفكيك المفهوم الائتماني للنصر والهزيمة؛ فالنصر في العرف الائتماني لا يقاس بحجم الدمار الذي يلحقه القوي بالضعيف، بل يقاس بمدى قدرة الضعيف المستضعف على الحفاظ على سلامته الأخلاقية والقيمية في عز البلاء، وامتناعه عن السقوط في مستنقع الوحشية واللاإنسانية التي يعبر عنها المحتل في كل تفاصيل عدوانه. إن هذا الصمود القيمي الإعجازي هو الذي يمنح المقاومة شرعيتها الأخلاقية المطلقة، ويجعل من غزة منارة معرفية جديدة تعيد تعليم العالم معنى الإنسانية الحقة التي تخلت عنها عواصم التنوير الزائف.

تعرية الشر المطلق وجذور التحالف الإمبريالي-الصهيوني

ينتقل طه عبد الرحمن إلى تشريح طبيعة الكيان الصهيوني بوصفه التجسيد الأتم والأوضح لـ “الشر المطلق” في اللحظة التاريخية الراهنة. لا ينظر المؤلف إلى الصهيونية كحركة قومية علمانية عادية نشأت في القرن التاسع عشر، بل يرى فيها البنت الشرعية والوريثة الحقيقية لكل عورات الاستعمار الغربي الإبادي. إن الصهيونية هي ثمرة التلاقح الرهيب بين نرجسية الاستعلاء العرقي الأوروبي وبين توحش الرأسمالية المادية التي لا تقيم وزناً للإنسان إلا بقدر قيمته النفعية. وفي هذا الصدد، يفضح الكتاب كيف أن الدعم اللامحدود والمطلق الذي تقدمه القوى الغربية الكبرى، وعلى رأسها الولايات المتحدة والاتحاد الأوروبي، للجرائم الصهيونية ليس وليد مصالح استراتيجية عابرة أو ضغوط جماعات مصالح محلية، بل هو تعبير عن وحدة المصير الأنطولوجي والوجودي بين هذه المكونات التي تتشارك العقيدة الاستعلائية ذاتها والنزوع الإبادي نفسه تجاه الآخر الروحي والحضاري.

إن هذا التحالف الإمبراطوري-الصهيوني يمارس في قطاع غزة والضفة الغربية ما يمكن وصفه بـ “الهولوكوست الجديد” المستمر على الهواء مباشرة، دون خجل أو وجل من ضمير عالمي كاذب أو مؤسسات دولية مشلولة التكوين والإرادة. يحلل طه عبد الرحمن البنية النفسية للمعتدي، واصفاً إياه بأنه يعاني من “عمى قيمي مطلق”، حيث يتولد لديه وهم مفاده أن امتلاك آلة القتل التكنولوجية المتقدمة يمنحه الحق الإلهي والتفوق الأخلاقي في سحق الآخرين وتجريدهم من إنسانيتهم. هذه البنية الشيطانية للشر المطلق لا بد من تعريتها فلسفياً، وتفنيد الأسس المعرفية واللاهوتية الزائفة التي تستند إليها لتبرير جرائمها، وهو ما يستدعي من الفيلسوف ابن ساعته تجنيد كل طاقاته المنطقية والمفهومية لهتك أستار هذا الإجرام المعولم وتفكيك دعاويه الملتوية أمام النخب العالمية كافة.

الفاضحة المعرفية.. كيف سقط فلاسفة الغرب المعاصرون في الفخ الأخلاقي؟

من أعمق المقاطع نفاذاً وجرأة في هذه الدراسة النقدية الكبرى هو ذلك القسم الذي يخصصه الكاتب لتعرية السقوط الروحي والأخلاقي المريع لأبرز فلاسفة ومفكري الغرب المعاصرين إبان المحنة الراهنة. يسوق طه عبد الرحمن أمثلة مروعة على تخاذل، بل وتواطؤ، أسماء طالما ملأت الدنيا بحديثها عن التواصل، والعدالة، ونقد العنف، والتفكيك، وحقوق الإنسان. فبينما كان يسحق الأطفال تحت ركام البيوت في غزة، انبرى كبار الفلاسفة في ألمانيا وفرنسا والولايات المتحدة لإصدار بيانات تبريرية مخزية تتبنى السردية الصهيونية بحذافيرها، وتصف الجلاد بالضحية، وتنزع الإنسانية عن الشعب المحاصر المباد.

هذا السقوط ليس سقطة عفوية أو هفوة شخصية ناتجة عن نقص المعلومات، وإنما هو، بحسب تحليل المؤلف الصارم، “أثر هيكلي وبنيوي” يضرب أعماق الفلسفة الغربية المعاصرة التي لا تزال تعاني من عقدة الاستعلاء والتحيزات العرقية الكامنة في اللاوعي الجمعي المعرفي للمفكر الغربي. إن فلاسفة الغرب سقطوا لأن فلسفاتهم قائمة أصلاً على عقل بارد ومنفصل، عقل يستطيع تنظير الديمقراطية والعدالة والتسامح داخل الحدود الأوروبية، بينما يشرعن أو يصمت عن التوحش والإبادة في ما وراء البحار. يكشف طه عبد الرحمن أن هؤلاء الفلاسفة ليسوا “أبناء ساعتهم” بل هم عبيد “مؤسساتهم” والتحيزات الأيديولوجية لحضارتهم المأزومة، مما يفقد طروحاتهم صبغتها الإنسانية والكونية المزعومة، ويعيد التأكيد على ضرورة الاستقلال الفلسفي التام للأمة المسلمة بعيداً عن هذه الهياكل الفكرية المتواطئة.

 الائتمانية كطريق وحيد للخلاص الكوني من نير المادية الشرسة

أمام هذا الخراب الأخلاقي الذي يعم المشهد الفلسفي والسياسي العالمي، يقدم طه عبد الرحمن في طيات هذا الباب أطروحته الائتمانية كطريق وحيد لخلاص الإنسانية من براثن هذا التوحش المادي. إن الائتمانية ليست مجرد نظرية أخلاقية تضاف إلى النظريات السابقة، بل هي ثورة أنطولوجية تعيد ترتيب علاقة الإنسان بنفسه، بغيره، بالكون، وبالخالق سبحانه. الفلسفة الائتمانية تدعو إلى استبدال مفهوم “التملك” الاستعماري بمفهوم “الائتمان” الأخلاقي. فبينما يرى العقل المادي الحديث أن العالم مادة مستباحة للسيطرة والنهب، تري الائتمانية أن كل ما في الوجود هو أمانات مقدسة يجب رعايتها وحفظ كرامتها وصونها ائتمانياً.

إن الانتقال من منطق السيطرة والتملك والاستعلاء إلى منطق الائتمان والتواضع الأخلاقي والمسؤولية المشتركة هو السبيل الوحيد لإيقاف قطار الحضارة الغربية المندفع نحو تدمير كوكب الأرض وإفناء الجنس البشري بحروبه العبثية المدمرة وطموحاته النيولبرالية الجشعة. الفيلسوف ابن ساعته، برباطه الفكري والروحي، يمهد السبيل لهذه التحول الكبير، معلناً أن المقاومة الأخلاقية والوجودية الباسلة التي نشهدها اليوم في ثغور أمتنا هي الشرارة الأولى لنظام قيمي بديل يعيد الروح لجسد الإنسانية الميت، ويفتح آفاقاً رحبة لغدٍ تكون فيه السيادة للحق والعدل والائتمان، لا للقوة والنهب والبغي والعدوان المتوحش المعولم.

ميثاق الفطرة.. الخزان الروحي الذي لا ينضب للمستضعفين

يرتقي طه عبد الرحمن في هذا القسم من كتابه بتحليله الفلسفي إلى مستويات أنطولوجية غاية في العمق والجرأة، باحثاً في البنية التكوينية العميقة للنفس الإنسانية حين تواجه محاولات المحو والإبادة. يطرح المؤلف هنا مفهوم “الفطرة الائتمانية” باعتبارها الحصن الأخير والدائم للمستضعفين في الأرض. الفطرة في التصور الطهوي ليست مجرد استعداد نفسي غامض أو حالة سكونية تسبق التأثر بالمحيط الاجتماعي، بل هي طاقة وجودية فاعلة، مشحونة بعهود ميثاق الإشهاد الأول الذي قطعه البشر في عالم الذر عندما أشهدهم الله على أنفسهم ألست بربكم قالوا بلى. هذا الميثاق الروحي التأسيسي هو الذي يورث الإنسان حساً فطرياً بالعدالة والكرامة والحرية، ويجعل منه كائناً يأبى الضيم والذل بطبعه الأصيل، مهما بلغت درجة القهر والتسلط المادي التي تمارسها قوى البغي العالمي.

من هذا المنطلق، يفسر الفيلسوف سر التماسك الأسطوري للمجتمع المقاوم؛ إذ يرى أن التعرض لشدائد الوجود وأهوال الحروب المدمرة يعمل على إزالة القشور الكثيفة التي تراكمها الحياة المادية والأنماط الاستهلاكية الحديثة على الروح الإنسانية. وحين تنجلي هذه الغشاوة عن الفطرة، ينكشف المخزون الروحي الهائل الكامن في أوعية القلوب، فتتحول المعاناة المادية إلى طاقة روحية متوقدة تزدري الفناء في سبيل الحق. الفيلسوف ابن ساعته يقف مذهولاً ومتأملاً أمام هذا التجلي العملي للفطرة المسددة في أرض المعركة، حيث تسقط نظريات علم النفس المادي الغربي ونظريات السلوك البشري التي تفترض رضوخ الإنسان الحتمي تحت وطأة الرعب والدمار الشامل. إن قوة الفطرة الائتمانية تتجاوز وتتحدى كافة الحسابات الرياضية المادية، معلنةً تفوق الروح المطلقة على جبروت الآلة المحدودة الصنع والزوال.

 تفكيك اللاهوت الإبادي والاستعلاء العقدي الصهيوني

لا يمكن كشف حقيقة آلة القتل والتهجير الصهيونية دون النفاذ إلى الأساس المفهومي واللاهوتي المغذي لجنونها الوجودي، وهو ما يتصدى له طه عبد الرحمن في دراسة تفكيكية صارمة وعميقة لجذور “اللاهوت الإبادي”. يحلل المؤلف كيف تم تطويع المقولات الدينية والغيبيات التوراتية وإعادة صياغتها داخل قالب استعماري علماني حديث لإنتاج أيديولوجيا شديدة التدمير تبرر محو شعب بأكمله من الوجود. إن هذا المنظور الصهيوني يقوم على تحريف بشع لفكرة “الاختيار والعهد”، ليتحول الاستخلاف والاصطفاء الروحي من مسؤولية أخلاقية ثقيلة تفرض التواضع والعدل والرحمة، إلى صك استعلاء وجودي يمنح صاحبه السيادة المطلقة على بقية البشر وحق تملك أرضهم وإبادة نسلهم وحرثهم باعتبارهم أغياراً أدنى منزلة في سلم الخلق الإنساني.

يكشف الفيلسوف المغربي في تحليله الباهر كيف يتواطأ هذا اللاهوت المحرَّف مع العقلانية الأداتية الغربية المعاصرة. فرغم ادعاء دولة الاحتلال انتماءها للمنظومة العلمانية والديمقراطية الغربية الحديثة، إلا أنها تعود في لحظات الصدام الوجودي الكبرى لاستدعاء لغة العهود القديمة بأسلوب دامي ومسرف في التوحش والقروسطية. إن هذا المزيج المشوه بين التقدم التقني الغربي والتطرف اللاهوتي الإبادي هو الذي يخلق حالة فريدة من العنف المنظم الذي لا يحده وازع أخلاقي ولا قانون وضعي. الفيلسوف ابن ساعته، بجرأته النقدية، يهتك أقنعة هذه الازدواجية الفاضحة، مبيناً أن مواجهة هذا البغي تقتضي بالضرورة عملاً فكرياً موازياً يعمل على تجريد هذا الكيان من كامل شرعيته الأخلاقية والمعرفية المزعومة وتقديمه للعالم بوصفه تهديداً مباشراً للإنسانية برمتها ولما تبقى من قيمها المشتركة.

معركة الرواية والوعي.. دحض المغالطات التبريرية للإبادة

يخصص طه عبد الرحمن جانباً حيوياً من هذه الفصول لتعرية المعركة المفهومية واللغوية التي تدور رحاها في الفضاء المعرفي العالمي بالتوازي مع الحرب على الأرض. فالآلة الاستعمارية تدرك تماماً أن تصفية القضية وإبادة أصحاب الأرض تطلبان أولاً السيطرة التامة على “الرواية” وتطويع اللغة لتمرير الجريمة. وهنا يسلط الكاتب مجهره الفلسفي النقدي على آليات تزييف المفاهيم التي تمارسها المؤسسات الإعلامية والأكاديمية والسياسية المهيمنة في الغرب. إنهم يستخدمون ترسانة اصطلاحية ملغومة ومعدّة مسبقاً من أجل قلب الحقائق؛ فتتحول المقاومة المشروعة ضد الاحتلال إلى “إرهاب أعمى”، وتتحول المجازر اليومية بحق المدنيين إلى “حق مشروع في الدفاع عن النفس”، ويصبح السعي لإنهاء الاحتلال خطراً مهدداً للحضارة والتنوير والقيم الإنسانية المشتركة.

إن دحض هذه المغالطات التبريرية للإبادة يمثل عند طه عبد الرحمن مرابطة فكرية حاسمة الأهمية. فالفيلسوف المرابط لا يقف مكتوف الأيدي أمام هذا الهجوم الاصطلاحي المنظم، بل يسعى جاداً إلى إعادة ربط الكلمات بمعانيها الحقيقية وإرجاع المصطلحات إلى مراجعها الائتمانية الصادقة. يبيّن المؤلف أن كشف هذا الزيف اللغوي لا يتأتى إلا من خلال فضح التناقضات الكامنة في البنية البنيوية للخطاب الغربي الصهيوني ذاته، وإظهار الكيفية التي يسقط بها هذا الخطاب في حبائل ازدواجية المعايير والتهافت المنطقي حين يحاول تسويغ الجريمة. إن استعادة السيطرة على لغة الخطاب وسياق الرواية هي الخطوة التأسيسية الأولى لكسر الهيمنة المعرفية الغربية وتمكين الشعوب المظلومة من التعبير عن مأساتها وتطلعاتها المشروعة بلغتها الخاصة ودون وصاية فكرية من أحد.

الروح الائتمانية والانتصار التاريخي الموعود للمستضعفين

يختم طه عبد الرحمن هذا المحور الغزير بإشاعة روح من الأمل الفلسفي المشبع باليقين الوجودي والروحي الشامخ. فبالرغم من قتامة المشهد المعاش وكثرة التضحيات وبشاعة الجرائم، إلا أن المؤلف يرى بعين البصيرة الائتمانية أن هذه المعركة تمثل بداية النهاية لعصر الغطرسة الاستعمارية المادية والمركزية الغربية الباغية. إن صمود المستضعفين الملتصقين بفطرتهم الطاهرة وميثاقهم الإلهي هو الكفيل بإطلاق صيرورة تاريخية جديدة وجارفة لن تتوقف حتى تضع حداً لهذه المنظومة الوحشية التي استنزفت خيرات الأرض وأفسدت فطرة البشر الروحية لقرون متتالية.

الانتصار في الرؤية الطهوية ليس مجرد إنجاز عسكري خاطف يغير الخرائط السياسية فحسب، بل هو بالأساس انتصار قيمي، معرفي، وروحي كاسح، يعيد للإنسان المقهور كرامته الائتمانية وللكون توازنه المفقود. إن الروح الائتمانية التي تفيض اليوم من ثغور المقاومة في غزة الصامدة قادرة على بعث روح جديدة في العالم الإنساني بأسره، وإيقاظ الضمائر الحية التي كادت تقتلها مادية القرن الحادي والعشرين. وبذلك يتبين لنا أن الفيلسوف ابن ساعته ليس مجرد راصد للأحداث ومحلل للكوارث؛ بل هو البشير الممهد لميلاد فجر أخلاقي جديد تسوده قيم الأمانة والعدل، ليكون جديراً بحمل الإنسان لتكليفه الإلهي السامي على هذه الأرض التي باركها الله للعالمين.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى