جغرافيا السودان

قراءة تأسيسية في الجغرافيا السياسية والتاريخية للسودان
تبرز بعض المؤلفات كمنارات لا غنى عنها لفهم طبيعة الأوطان وتشكلها. ومن بين هذه الأعمال الخالدة يبرز كتاب “The Republic of the Sudan. A Regional Geography. (K. M.. BARBOUR) ” كوثيقة علمية وتحليلية عميقة تشرّح الجسد السوداني ببراعة فائقة. هذا السفر الذي خطته يراع الباحث ك. م. باربور، ليس مجرد كتاب سردي، بل هو محاولة جادة ومضنية لجمع وتنسيق عصارة أفكار ونتائج العديد من العلماء والباحثين الذين كرسوا جهودهم لدراسة السودان خلال النصف الأول من القرن العشرين. يهدف الكتاب إلى تسليط الضوء على موضوعات حيوية مثل التوزيع الجغرافي للمستوطنات البشرية، والتباينات الإقليمية الشاسعة في مجالات الزراعة وتربية الحيوانات، فضلاً عن تتبع مسار الانتشار التدريجي للاقتصاد النقدي الحديث في كافة أرجاء السودان. ولم يكتفِ المؤلف بالاعتماد على المصادر المكتوبة فحسب، بل طعم عمله بملاحظاته الشخصية المباشرة واستفساراته الميدانية المكثفة، محاولاً تغطية أكبر قدر ممكن من هذا البلد الشاسع.
يبدأ الكتاب رحلته بتأطير الوضع السياسي لجمهورية السودان، مستهلاً حديثه بلحظة فارقة في تاريخ البلاد؛ ألا وهي الأول من يناير عام 1956، وهو اليوم الذي أعلن فيه السودان كدولة مستقلة ذات سيادة كاملة تحت اسم “جمهورية السودان”. في تلك اللحظة التاريخية، كان السودان يتربع على عرش القارة الإفريقية كأكبر دولة مستقلة سياسياً، حيث بلغت مساحته الجغرافية ما يقارب المليونين ونصف المليون كيلومتر مربع. ومن الناحية الجغرافية البحتة، يوضح المؤلف أن هذه الدولة ليست سوى جزء من حزام إفريقي عظيم يمتد عبر القارة على نفس خط العرض تقريباً، انطلاقاً من المرتفعات الإثيوبية شرقاً وصولاً إلى سواحل المحيط الأطلسي التي تبعد حوالي ستة آلاف كيلومتر غرباً. وهذا الحزام الأوسع، كما هو حال الدولة نفسها، يحمل اسم “السودان”، وهو اختصار و تعريب للمصطلح العربي القديم “بلاد السودان”، والذي يشير تاريخياً إلى الأراضي التي تلاقى فيها العرب مع الشعوب الزنجية خلال توغلهم في عمق القارة الإفريقية.
إن من أكثر الفترات تعقيداً في تاريخ السودان الحديث، والتي يفرد لها الكتاب مساحة تحليلية وافية، هي الحقبة الممتدة من عام 1898 وحتى عام 1955، حيث عُرفت البلاد خلالها باسم “السودان الإنجليزي المصري”، وخضعت لنظام حكم فريد وُصف رسمياً بأنه “حكم ثنائي” (Condominium). في ظل هذا النظام، كانت السلطة العليا والكلمة الفصل بيد شخص واحد يحمل لقب “الحاكم العام”، والذي كان مسؤولاً نظرياً أمام كل من الحكومتين المصرية والبريطانية عن حسن إدارة البلاد. ولكن من الناحية العملية وعلى أرض الواقع، يؤكد الكتاب أن منصب الحاكم العام كان دائماً بريطانياً بامتياز، وأن مقاليد السلطة الفعلية كانت تتركز بشكل شبه كامل في الأيدي البريطانية، على الرغم من أن الارتباط الاسمي بمصر كان له تأثير ملحوظ في تعديل وتقييد حرية التصرف البريطانية في جوانب عدة. هذه الوضعية الاستثنائية ميزت السودان عن غيره من المستعمرات البريطانية في إفريقيا، وكان لها أثر بالغ في حسم قضايا مصيرية مثل ترسيم الحدود، وتحديد جنسية السودانيين، والتمثيل القنصلي، ولوائح الهجرة والجمارك بين مصر والسودان، وتوزيع مياه النيل، وصولاً إلى تطوير المؤسسات السياسية مع اقتراب السودانيين من نيل حق الحكم الذاتي والاستقلال.
ويغوص بنا الكتاب في جذور هذا التدخل المزدوج، موضحاً أن الاهتمام المصري الحديث بالسودان بدأ فعلياً في عام 1821، عندما قرر محمد علي باشا، الذي كان قد أحكم قبضته على مصر حديثاً، إرسال قوات عسكرية بقيادة نجله إسماعيل لغزو السودان. كان دافع محمد علي الأساسي يتمثل في بناء إمبراطورية شاسعة طمعاً في العائدات والموارد التي يمكن جنيها منها، سواء تمثل ذلك في الذهب الخالص أو في استجلاب الرقيق لدعم جيوشه المتنامية. أسفرت هذه الحملة عن تأسيس إدارة مركزية اتخذت من الخرطوم عاصمة لها، مع نشر حاميات عسكرية في مناطق استراتيجية مثل كسلا والقضارف وسواكن في الشرق، والأُبَيِّض ثم الفاشر في الغرب، وفشودة وغندكرو في الجنوب الموغل. هذه الإدارة التي عُرفت شعبياً باسم “التركية”، نجحت في إدخال بعض مظاهر التحديث مثل خدمة البواخر النيلية، والبدء في مد خط للسكة الحديدية جنوباً من وادي حلفا، وتأسيس شبكة تلغراف تربط بين القاهرة والخرطوم، فضلاً عن إطلاق بعض المشاريع الزراعية الطفيفة في دلتايات الشرق.
ولكن، وكما يروي الكتاب فإن غياب السيطرة الفعالة من القاهرة، وتدني كفاءة العديد من المسؤولين المصريين في ذلك الوقت، أدى إلى تفشي تجاوزات خطيرة في الإدارة. فقد اتسمت عمليات جباية الضرائب بقسوة بالغة، والأسوأ من ذلك أنه حتى بعد إعلان خديوي مصر إلغاء العبودية في عام 1857، استمر العديد من المسؤولين في غض الطرف عن تجارة الرقيق التي كانت تستهدف القبائل الزنجية في الجنوب، بل وشاركوا فيها أحياناً. هذه الممارسات زرعت بذور كراهية عميقة؛ فالقبائل الجنوبية باتت تنظر إلى المصريين وتجار الرقيق من شمال السودان بعداء شديد، بينما في الغرب، أصبحت القبائل العربية القوية تحتقر وتمقت “الأتراك”—وهو اللقب الذي أطلقوه على جميع الأجانب بلا تمييز نظراً لأن مصر كانت لا تزال جزءاً اسمياً من الإمبراطورية العثمانية.
هذا الاحتقان المتراكم انفجر في نهاية المطاف، ليبلغ ذروته في عام 1881 عبر ثورة عارمة قادها محمد أحمد، وهو رجل اتسم بالتقوى من أبناء منطقة دنقلا، والذي أعلن نفسه “المهدي المنتظر”، مدعياً أنه مكلف من الله بإقامة دولة الحق والعدل على الأرض. يتزامن ذلك تاريخياً مع تزايد النفوذ البريطاني في مصر، إلا أن حكومة جلادستون البريطانية لم تكن راغبة آنذاك في تمديد نفوذها جنوباً عبر النيل. وعندما أدرك البريطانيون عجز المصريين عن إخماد الثورة، رفضوا التدخل العسكري المباشر واكتفوا بإرسال الجنرال جوردون إلى الخرطوم بمهمة محددة تتمثل في إجلاء الحاميات المصرية. لكن الرياح جرت بما لا تشتهي السفن، فلم تتوفر القوات اللازمة لإجلاء منظم، وسرعان ما حوصرت الخرطوم وسقطت في يناير 1885، حيث قُتل جوردون، ووقعت أراضي السودان قاطبة—باستثناء وادي حلفا وسواكن—في أيدي الثوار المهدويين.
هكذا، يبرز الكتاب مفارقة تاريخية عجيبة؛ ففي الوقت الذي كانت فيه قوى أوروبا تجتمع في مؤتمر برلين عام 1885 لتقسيم القارة الإفريقية وتوزيع مناطق النفوذ، كان السودان يشهد ميلاد أول حكومة سودانية وطنية مستقلة. بعد وفاة المهدي، خلفه الخليفة عبد الله التعايشي الذي أحكم قبضته على البلاد وأسس نظاماً استند إلى رؤية دينية متشددة، رافضاً أي تواصل حضاري مع العالم الخارجي، وشن هجمات عسكرية فاشلة ضد مصر وإثيوبيا. وبحسب العقيدة المهدوية حينها، تم إلغاء ضرورة الحج إلى مكة، معتبرين أن زيارة أم درمان وقبر المهدي كافية للمؤمنين.
لم يكن متوقعاً أن تحترم الدول الأوروبية الاستعمارية استقلال السودان لفترة طويلة، وفي عام 1894 وصل الفرنسيون إلى منطقة بحر الغزال من الغرب، في حين عبر البلجيكيون خط تقسيم المياه بين النيل والكونغو. تزامناً مع مساعي الإيطاليين لتوسيع نفوذهم في إريتريا، قررت بريطانيا أن الوقت قد حان لوقف هذه التوغلات وتأمين الحدود الجنوبية لمصر، خاصة لضمان التدفق المستمر لمياه النيل التي كانت تغذي المشاريع الزراعية البريطانية في مصر. انطلقت حملة استرداد السودان بقيادة السير هربرت كتشنر، باستخدام قوات بريطانية ومصرية مشتركة، في زحف منظم ومدروس تخلله بناء خط سكة حديد عبر الصحراء من وادي حلفا إلى أبو حمد. وبحلول الثاني من سبتمبر 1898، حُسمت الأمور في معركة كرري (أو معركة أم درمان)، لينتهي عهد الدولة المهدوية.
ينتقل بنا الكاتب بعد ذلك لاستكشاف تعقيدات الحدود الجغرافية للسودان والتي رسمتها تلك الحقبة الاستعمارية. يوضح الكتاب أن السودان ليس مجرد اقتطاع عشوائي للأراضي الصحراوية والسافانا، بل يمتلك وحدة هيدرولوجية مذهلة كونه يضم جزءاً كبيراً ومحورياً من حوض النيل. ومع ذلك، فإن الحدود السياسية التي رُسمت للدولة تتسم بتنوع بالغ؛ فبعضها تم مسحه وتحديده بدقة، في حين يمر البعض الآخر في مناطق غير ممسوحة أو غير مأهولة بالسكان، وبعضها الآخر يشطر أراضي قبائل بأكملها. من أبرز النزاعات التي يتطرق إليها الكتاب النزاع الحدودي مع مصر، والذي يتركز حول ما إذا كان ينبغي للحدود أن تتبع خط عرض 22 درجة شمالاً بدقة كما نُص في اتفاقية عام 1899، أم تتبع الحدود الإدارية الفعلية التي ضمت بعض الأراضي لتلائم التوزيع القبلي، كضم أراضي قبيلة العبابدة لمصر وأراضي قبيلة البشارين (من البجا) للسودان.
أما في الجنوب، فيكشف الكتاب عن غياب أي خطوط طبيعية واضحة للحدود مع كينيا وأوغندا والكونغو البلجيكي. في الجانب الغربي من النيل، تم الاتفاق تعسفياً على أن تتبع الحدود خط تقسيم المياه بين أنظمة النيل والكونغو، وهو ما أدى إلى تقسيم شبه كامل للقبائل المستقرة هناك، وأبرزها قبيلة الزاندي التي تمزقت ديموغرافياً ليجد مئات الآلاف من أبنائها أنفسهم موزعين بين السودان والكونغو البلجيكي وأفريقيا الاستوائية الفرنسية. إن هذا التقسيم العشوائي، الذي ربما قلل من الصدامات القبلية في الماضي، يطرح اليوم تحديات هائلة أمام دمج هؤلاء السكان في النسيج الوطني للدول الحديثة التي ينتمون إليها.
عبقرية المكان؛ قراءة في جيومورفولوجيا ومناخ السودان
ننتقل من التشابكات السياسية المعقدة والحدود التي خطها الإنسان بدمائه وأطماعه، إلى لوحة أخرى أشد رسوخاً وأعمق تأثيراً؛ إنها اللوحة التي نحتتها قوى الطبيعة الجبارة عبر ملايين السنين. يغوص بنا المؤلف في هذه المرحلة من رحلته المعرفية داخل التكوين المادي والفيزيائي للجسد السوداني، ليفكك لنا طلاسم التضاريس والمناخ والشبكات المائية التي شكلت، مجتمعة، المسرح المكاني الذي تفاعلت عليه الحضارات والثقافات المتعاقبة. إن الانتقال من الجغرافيا السياسية إلى الجغرافيا الطبيعية في هذا السفر الضخم ليس مجرد تدرج أكاديمي نمطي، بل هو محاولة فلسفية لفهم كيف تملي الطبيعة شروطها القاسية على ساكنيها، وكيف تصيغ التضاريس والمناخ هوية الأمة وطرائق عيشها.
يفتتح باربور هذا القسم بتشريح دقيق للبنية الجيومورفولوجية والتضاريسية الشاسعة للسودان، مشيراً إلى أن السمة الغالبة على هذه الرقعة الجغرافية الهائلة هي الانبساط الممتد. فالسودان في مجمله عبارة عن حوض هائل وواسع، يتميز بسهوله المنبسطة التي تمتد لمئات الكيلومترات دون أن يقطع رتابتها سوى بعض التكوينات الجبلية المتناثرة التي تبرز كجزر معزولة في محيط من اليابسة. يتوقف الكتاب طويلاً أمام السهل الطيني المركزي، وهو ظاهرة جغرافية فريدة تشكل قلب السودان النابض ومخزنه الزراعي الاستراتيجي. هذه التربة الطينية العميقة الثقيلة، التي تتشقق في مواسم الجفاف وتتحول إلى مستنقعات لزجة في مواسم الأمطار، فرضت إيقاعاً خاصاً على حركة الرعاة وأساليب الزراعة. وفي مقابل هذا الانبساط، تبرز في الشرق سلسلة تلال البحر الأحمر كحاجز صخري صلب يفصل وادي النيل عن الساحل، بينما يرتفع في أقصى الغرب جبل مرة المهيب بقممه البركانية الخامدة وتجاويفه التي تحتضن بحيرات صغيرة وتدعم مناخاً محلياً معتدلاً يتناقض بشدة مع الجفاف المحيط به. وفي قلب السهول الوسطى، تنهض جبال النوبة بتكويناتها الصخرية الجرانيتية لتوفر ملاذات تاريخية آمنة للمجموعات البشرية التي احتمت بها من غزوات السهول المكشوفة.
ولا يمكن لأي دراسة جغرافية تتناول السودان أن تتجاهل الشريان الحيوي الذي يربط أوصال هذا البلد الشاسع؛ ألا وهو نظام نهر النيل. يخصص باربور فصولاً شديدة الثراء لتحليل الشبكة الهيدرولوجية المعقدة التي تخترق الأراضي السودانية من الجنوب إلى الشمال. بأسلوب علمي رصين، يصف المؤلف رحلة النيل الأبيض البطيئة والمتهادية، القادمة من البحيرات الاستوائية، وكيف يواجه هذا النهر امتحانه الأقسى عندما يدخل في منطقة مستنقعات “السد” الشاسعة في جنوب البلاد. هناك، تتبدد كميات هائلة من مياه النهر العذبة عبر التبخر والنتح وسط غابات البَرْدي الكثيفة، ليخرج النهر من هذه المتاهة المائية هزيلاً ولكنه مستمر في تدفقه الصبور نحو الشمال. وفي تناقض درامي مذهل، يصور الكتاب اندفاع النيل الأزرق الهادر من مرتفعات إثيوبيا، حاملاً معه ليس فقط كميات هائلة من المياه في مواسم الفيضان، بل وأيضاً الطمي الغني الذي يجدد شباب التربة ويمنحها الخصوبة. وعند نقطة التقاء هذين النهرين العظيمين في الخرطوم، تتشكل لوحة جغرافية وتاريخية تختصر قصة الحياة في السودان، قبل أن ينضم إليهما نهر عطبرة الموسمي، ليكمل النيل الموحد رحلته الطويلة متصدياً لرمال الصحراء القاحلة حتى يصل إلى مصبه.
ومع تتبع مجاري الأنهار، ينسج الكتاب خيوط العلاقة العضوية بين التضاريس والمناخ. يرى باربور أن المناخ هو المايسترو الخفي الذي يوجه إيقاع الحياة البيئية والبشرية في السودان. فالبلاد تمتد عبر نطاقات مناخية متباينة بشدة، محكومة بحركة الجبهة المدارية (ITCZ) التي تتأرجح شمالاً وجنوباً مع فصول السنة. يوضح التحليل كيف يتدرج المناخ بشكل حاد ومثير من أقصى الشمال، حيث تفرض الصحراء الكبرى سيطرتها المطلقة بمناخ شديد الجفاف وانعدام شبه كامل للأمطار، نزولاً نحو الوسط حيث يبدأ نطاق السافانا شبه الجافة، وصولاً إلى أقصى الجنوب الذي ينعم بأمطار غزيرة وطويلة الأمد ومناخ استوائي رطب. هذا التدرج المطري الحاسم ليس مجرد إحصائيات مناخية، بل هو خطوط فاصلة تحدد بدقة متناهية أين يمكن زراعة المحاصيل النقدية، وأين تضطر القبائل للترحال المستمر بحثاً عن الكلأ، وأين تستقر المجتمعات الزراعية حول مصادر المياه الدائمة. إن تذبذب هذه الأمطار من عام لآخر، كما يوثق الكتاب بحذر، يمثل التحدي الوجودي الأكبر الذي صاغ ذهنية الإنسان السوداني وجعله دائم التأهب لمفاجآت الطبيعة.
وانعكاساً لهذه التباينات المناخية، يفرد المؤلف مساحة تحليلية واسعة لخريطة الغطاء النباتي التي تبدو وكأنها مرآة تعكس كميات الهطول المطري وتوزيعها الزمني والجغرافي. يبدأ المشهد البيئي في الشمال القاحل بصحارٍ رملية وصخرية جرداء لا تنبت سوى القليل من الشجيرات الشوكية المتناثرة التي تقاوم الجفاف بشراسة وعناد. وكلما اتجهنا جنوباً، يتكثف الغطاء النباتي تدريجياً لندخل في حزام السافانا الفقيرة، ثم نطاقات الأعشاب الطويلة وغابات الأكاسيا (مثل الطلح والهشاب) التي تشكل الثروة الغابية الأهم للسودان ومصدر الصمغ العربي الذي اشتهر به عالمياً. وفي أقصى التخوم الجنوبية والجنوبية الغربية، حيث ترتفع معدلات الرطوبة والأمطار، تتحول الطبيعة إلى لوحة كثيفة من الغابات الاستوائية المطيرة وغابات الرواق التي تمتد على ضفاف الأنهار الدائمة والموسمية، خالقة نظاماً إيكولوجياً مغايراً تماماً للبيئة الصحراوية الشمالية. هذا التنوع البيولوجي الهائل الذي يرصده باربور بدقة متناهية، يشكل الأساس المتين لفهم التنوع الاقتصادي والبشري الذي سيمهد لنا الطريق في قراءتنا القادمة لاستكشاف الجغرافيا البشرية وتوزيع السكان وأنماط استغلال الأراضي في هذا البلد المترامي الأطراف.
مسرح الإنسان؛ قراءة في الجغرافيا البشرية والفسيفساء الديموغرافية للسودان
ينعطف بنا العالم الجغرافي ك. م. باربور في كتابه المرجعي “جمهورية السودان: جغرافيا إقليمية” نحو دراسة المكون الأهم والأكثر تعقيداً في هذه المعادلة؛ وهو الإنسان. فالمسرح الطبيعي القاسي والمتباين الذي شكلته الجغرافيا، لم يكن يوماً مسرحاً خاوياً، بل كان منذ فجر التاريخ بوتقة تنصهر فيها وتتفاعل هجرات بشرية وثقافات متعددة. في هذا القسم من الكتاب، يبرز باربور كيف أن الجغرافيا لم تحدد فقط أين يعيش السودانيون، بل وكيف يعيشون، وما هي الهياكل الاجتماعية والاقتصادية التي ابتكروها لترويض هذه البيئة الشاسعة والنجاة في كنفها.
يبدأ الكاتب بالفسيفساء العرقية والثقافية المذهلة للسودان، مؤكداً أن هذا البلد يمثل صورة مصغرة للقارة الإفريقية بأكملها، حيث تتلاقى فيه دماء وثقافات العالم العربي الإسلامي مع جذور إفريقيا الزنجية. يستعرض باربور الخريطة الإثنوغرافية، مبتدئاً بالقبائل العربية والمستعربة التي هيمنت تاريخياً على السهول الوسطى والشمالية، حاملة معها لغتها ودينها وأنماط عيشها المعتمدة على الرعي والتجارة والزراعة النيلية. وبالمقابل، يسلط الضوء على المجموعات الأصلية غير العربية التي احتفظت بخصائصها المتفردة بفضل الحواجز الجغرافية؛ ففي الشرق، نجد قبائل البجا التي لاذت بسلسلة جبال البحر الأحمر القاسية وحافظت على لغاتها وتراثها الرعوي القديم منذ آلاف السنين. وفي الغرب، تحصنت قبائل الفور والزغاوة وغيرها في تضاريس دارفور الجبلية، بينما اتخذت قبائل النوبة من جبالها في كردفان قلاعاً طبيعية صدت عنها موجات الاستيعاب الثقافي. أما في الجنوب، فتتجلى الخصوصية الإفريقية الخالصة عبر المجموعات النيلية والنيلية الحامية، مثل الدينكا والنوير والشلك، التي ارتبطت حياتها وروحياتها ببيئة السافانا والأبقار ومستنقعات النيل.
وينتقل الكتاب من التصنيف العرقي إلى معضلة التوزيع المكاني للسكان، ليكشف لنا عن “حتمية الماء” كقوة عليا تدير ديموغرافيا السودان. يوضح باربور أن الكثافة السكانية في هذا البلد الشاسع هي مجرد وهم إحصائي؛ فالأغلبية الساحقة من الأراضي تكاد تكون خالية من البشر، بينما يتكدس السكان في جيوب ومحاور محددة تمليها مصادر المياه الدائمة. في الشمال الجاف، يتبلور الاستقرار البشري حصرياً في شكل واحة شريطية ضيقة وممتدة على ضفتي نهر النيل، حيث تنعدم الحياة تقريباً بمجرد الابتعاد بضعة كيلومترات عن مجرى النهر. أما في الوسط والغرب، حيث تعجز مياه النيل عن الوصول، فيتوزع السكان بشكل عنقودي متناثر حول الآبار الجوفية، ومجاري الوديان الموسمية، و”الحفائر” (وهي أحواض صناعية أو طبيعية لتخزين مياه الأمطار). هذا التوزيع المتباين يخلق فجوات هائلة في التواصل المكاني ويعزز من العزلة الإقليمية التي أثرت لاحقاً على مسارات التنمية والاندماج الوطني.
ومن التوزيع الديموغرافي، يغوص باربور في تحليل أنماط استغلال الأراضي وسبل كسب العيش التقليدية، والتي يراها نتاجاً مباشراً للعبقرية البشرية في التكيف مع البيئة. يخصص الكتاب صفحات مضيئة لشرح ثنائية “الرعي والزراعة” التي تحكم الاقتصاد التقليدي السوداني. ويصحح المؤلف نظرة الاستشراق السطحية للبداوة، مبيناً أن الرعي الترحالي في السودان ليس تخلفاً، بل هو استراتيجية بقاء بالغة التعقيد ومحسوبة بدقة لمواجهة تذبذب الأمطار. يفصل باربور مسارات هجرة قبائل رعاة الإبل (الأبالة) في مناطق شبه الصحراء شمالاً، وكيف يتتبعون حزام العشب الأخضر المتغير. وفي المقابل، يصف دورة حياة رعاة البقر (البقارة) في السافانا الغربية والنيلية، حيث تملي أسراب الحشرات اللاذعة والفيضانات الموسمية مواعيد رحلاتهم شمالاً وجنوباً في إيقاع سنوي صارم لا يقبل الخلل.
وإلى جانب الرعاة، يدرس الكتاب بعمق مجتمعات المزارعين المستقرين الذين شكلوا العمود الفقري لإنتاج الغذاء (وعلى رأسه محصول الذرة الرفيعة). يميز باربور بين الزراعة النيلية التي اعتمدت على السواقي والشادوف لري الأراضي الضيقة والخصبة، وبين الزراعة المطرية في السهول الطينية الشاسعة التي استخدمت تقنيات تقليدية مثل نظام “الحريق” لتطهير الأرض واستغلال رماد الأعشاب كسماد طبيعي. إن هذه الصورة التي يرسمها الكتاب تعكس توازناً بيئياً دقيقاً وهشاً في آن واحد، توازن عاش عليه السودانيون لقرون قبل أن تداهمه رياح التغيير الحديثة.
صدمة الحداثة؛ الاقتصاد النقدي وإعادة هندسة الجغرافيا السودانية
نسلط الضوء على ما يمكن تسميته بـ “صدمة الحداثة”، وهي المرحلة التي شهدت محاولات الإنسان الحثيثة لترويض الجغرافيا القاسية وتطويعها لخدمة متطلبات السوق العالمية والاقتصاد النقدي الوافد. لم يعد النيل مجرد مجرى مائي يهب الحياة بفيضانه العشوائي، ولم تعد السهول الطينية الشاسعة مجرد مراعٍ مفتوحة، بل تحول كل شيء إلى أرقام، ومشاريع، وبنية تحتية سعت لربط قلب إفريقيا بمصانع النسيج في أوروبا.
يضع باربور يده على درة تاج هذا التحول الاقتصادي والجغرافي؛ ألا وهو “مشروع الجزيرة” العملاق. بأسلوب وصفي دقيق، يشرح الكاتب كيف التقطت عين المهندسين والمخططين تلك المساحة المثلثة المسطحة بشكل مذهل والواقعة بين النيلين الأزرق والأبيض جنوب الخرطوم. لقد كانت طبوغرافية هذه المنطقة، بانحدارها اللطيف والمنتظم من الجنوب الشرقي نحو الشمال الغربي، تمثل معجزة جيومورفولوجية جاهزة لاستقبال شبكات الري الانسيابي دون الحاجة إلى مضخات ميكانيكية مكلفة. ومع اكتمال بناء خزان سنار على النيل الأزرق في عام 1925، تُرجمت هذه الجغرافيا إلى واقع اقتصادي جبار. تحولت مئات الآلاف من الأفدنة من أراضي الرعي الشبه جافة إلى أكبر مزرعة مروية تحت إدارة واحدة في العالم آنذاك، لتنبت “الذهب الأبيض”؛ قطن طويل التيلة صُدر رأساً ليغذي مصانع لانكشاير في بريطانيا.
ولا يكتفي الكتاب بالوصف الهندسي والزراعي، بلي يتطرق للتداعيات الديموغرافية والاجتماعية العميقة لهذا المشروع. فقد ابتكرت الإدارة نظاماً فريداً للشراكة الثلاثية يجمع بين الحكومة، والشركات الزراعية، والمزارعين المستأجرين. هذا النظام لم يغير فقط من نمط الإنتاج، بل أحدث زلزالاً ديموغرافياً أعاد رسم خريطة توزيع السكان. فقد جذب المشروع، بحاجته الماسة للأيدي العاملة، موجات هائلة من الهجرة الداخلية من غرب السودان، بل ومن خارجه متمثلة في قبائل الفلاتة والهوسا القادمة من غرب إفريقيا. هكذا تحولت الجزيرة من سهول رعوية شبه معزولة إلى بوتقة انصهار سكاني صاخبة، ونقطة جذب خلقت طبقة عاملة زراعية جديدة تخلت عن اقتصاد الكفاف وانخرطت بالكامل في عجلة الاقتصاد النقدي الحديث.
ويمتد بصر المؤلف إلى ما وراء الجزيرة، راصداً محاولات أخرى لدمج الجغرافيا السودانية في الاقتصاد العالمي. في الشرق، يتحدث باربور عن استغلال الفيضانات الموسمية لنهر القاش في منطقة كسلا، ونهر بركة في طوكر، لزراعة القطن في الدلتايات الغرينية الغنية. وفي الوسط الرعوي، يرصد بداية تحول جذري آخر يتمثل في إدخال “الزراعة الآلية” المعتمدة على الأمطار في سهول القضارف الطينية. هناك، بدأت الجرارات الضخمة تحل محل الزراعة التقليدية (نظام الحريق)، محولة مساحات شاسعة إلى صوامع غلال ضخمة لإنتاج الذرة الرفيعة. هذه المشاريع، رغم نجاحها الاقتصادي، يحذر باربور من تداعياتها البيئية المتمثلة في استنزاف خصوبة التربة وتدمير الغطاء النباتي الطبيعي بوتيرة متسارعة.
ولكي تكتمل دورة هذا الاقتصاد الحديث، كان لابد من التغلب على العدو الأول للتنمية في السودان: المسافات الشاسعة. يفرد الكتاب صفحات مضيئة لتحليل جغرافية النقل والمواصلات، موضحاً كيف شقت خطوط السكك الحديدية طريقها عبر الصحاري والسهول، متحدية قسوة الطبيعة. بدأت هذه الخطوط كضرورة عسكرية في حملة كتشنر، لكنها سرعان ما تحولت إلى شرايين تجارية حيوية تربط مناطق الإنتاج في كردفان ودارفور والجزيرة بالموانئ. وفي سياق متصل، يروي الكتاب قصة التخلي الحتمي عن ميناء سواكن التاريخي، الذي خنقته الشعاب المرجانية ولم يعد قادراً على استيعاب السفن البخارية العملاقة، ليتم بناء مدينة “بورتسودان” الحديثة من الصفر على ساحل البحر الأحمر، لتكون الرئة التي يتنفس منها الاقتصاد السوداني الحديث.
إن الخلاصة القاسية التي يخرج بها قارئ هذا القسم من كتاب باربور، هي أن هذه الطفرة التنموية خلقت ما يُعرف بـ “الازدواجية الاقتصادية والمكانية”. فقد تمركزت المشاريع الكبرى والبنية التحتية والسكك الحديدية في الشريط النيلي الأوسط والشرقي، مكونة قلباً اقتصادياً نابضاً ومندمجاً في العالم، في حين تُركت الأطراف الشاسعة في الغرب والجنوب قابعة في عزلتها التاريخية وأنماط إنتاجها البدائية. هذا الخلل الهيكلي في الجغرافيا الاقتصادية هو ما سيلقي بظلاله الكثيفة على شكل التمدن ونمو المدن السودانية، وهو تحديداً ما سنشرع في استكشافه وتحليله في قراءتنا القادمة، حيث سنتوقف طويلاً أمام ظاهرة “العاصمة المثلثة” وصعود الحواضر الحضرية.
جغرافيا التمدن؛ العاصمة المثلثة وولادة الحواضر السودانية
ندلف إلى الساحات المكتظة والشوارع المتقاطعة التي شكلت ظاهرة التمدن في السودان. فالاقتصاد النقدي والبنية التحتية الحديثة التي تناولناها في الدفعة السابقة، لم تغيّر فقط من طرق إنتاج الثروة، بل أعادت تشكيل التوزيع المكاني للبشر، خالقة بؤراً حضرية شديدة الكثافة والتأثير في محيط غارق في الريفية والبداوة. يقرأ باربور ظاهرة المدينة السودانية ليس كمجرد تجمع سكاني، بل كانعكاس مادي للتاريخ السياسي والاقتصادي، وبوصفها عُقداً جغرافية تتحكم في مسارات الإدارة والتجارة والمواصلات.
تتربع “العاصمة المثلثة” على عرش هذا التحليل الجغرافي الحضري، وهي الظاهرة المكانية الأبرز التي يستفيض الكتاب في تشريحها. ففي تلك البقعة الاستراتيجية التي يتعانق فيها النيلان الأزرق والأبيض ليشكلا نهر النيل العظيم، نشأ تجمع حضري فريد يتألف من ثلاث مدن متجاورة جغرافياً، لكنها متباينة بشدة في وظيفتها وهويتها وتاريخها؛ وهي الخرطوم، وأم درمان، والخرطوم بحري. يفكك باربور شخصية كل مدينة ببراعة، بادئاً بالخرطوم، العاصمة الإدارية والسياسية. يشير الكتاب إلى أن الخرطوم هي ابنة السلطة بامتياز؛ تأسست في عهد الإدارة التركية-المصرية لتكون مركزاً للحكم، ودُمرت تماماً إبان الثورة المهدية، ثم أعاد اللورد كتشنر بناءها هندسياً على شكل علم “الاتحاد” البريطاني (اليونيون جاك). لذا، تميزت الخرطوم بشوارعها الواسعة المخططة، ومبانيها الحكومية الضخمة، وقصورها الإدارية، واحتضانها للجاليات الأجنبية والمؤسسات الحديثة، لتغدو واجهة التحديث المشرعة على العالم الخارجي.
وعلى الضفة الغربية للنيل، تقف مدينة “أم درمان” كشقيق أسمر عنيد يحمل روح السودان الحقيقية. يصف باربور أم درمان بأنها العاصمة الوطنية والثقافية التي ولدت من رحم الثورة المهدية. فعلى عكس التخطيط الهندسي الصارم للخرطوم، نمت أم درمان بشكل عضوي وعفوي كمعسكر عسكري هائل تحول إلى مدينة مترامية الأطراف. شوارعها المتعرجة، وأسواقها التقليدية النابضة بالحياة، وتنوعها الديموغرافي الذي يضم ممثلين عن كافة القبائل السودانية، جعل منها البوتقة التي انصهرت فيها الهوية الوطنية. إنها مدينة الحرفيين، والتجار الوطنيين، والزعامات الدينية والسياسية التي قادت حركات التحرر، وهي بذلك تشكل الثقل الديموغرافي والروحي للعاصمة المثلثة.
وتكتمل أضلاع المثلث بمدينة “الخرطوم بحري” الرابضة على الضفة الشمالية. هذه المدينة، كما يحلل باربور، هي صنيعة عصر السكك الحديدية والصناعة الحديثة. فقد نشأت وتوسعت كاستجابة مباشرة لوصول خط القطار وتأسيس الورش والمخازن، لتتحول تدريجياً إلى الرئة الصناعية للعاصمة. بفضل موقعها ومحطاتها، استقطبت الخرطوم بحري المصانع الناشئة والطبقة العاملة الجديدة، لتضيف البعد الإنتاجي والصناعي الذي يكمل الوظيفة الإدارية للخرطوم والوظيفة التجارية والثقافية لأم درمان. هذا التلاحم الوظيفي بين المدن الثلاث خلق مركزاً جاذباً ابتلع الجزء الأكبر من الاستثمارات والكفاءات، وعزز من مركزية الدولة بشكل غير مسبوق.
ولا يتوقف رصد الكتاب عند العاصمة المثلثة، بل يمتد ليحلل صعود الحواضر الإقليمية التي نمت كحلقات وصل بين المركز والأطراف. يتوقف باربور طويلاً عند مدينة “ود مدني”، التي يصفها بأنها عاصمة العمل والإنتاج، فقد تطورت بشكل مذهل بفضل موقعها كقلب نابض لمشروع الجزيرة الزراعي، لتصبح مركزاً لإدارة الثروة الزراعية وتجميع المحاصيل. وفي الغرب الأقصى، تبرز مدينة “الأبيض” في كردفان كعاصمة لسهول السافانا وأكبر سوق عالمي لتجارة الصمغ العربي، حيث لعبت دور الميناء الجاف الذي يربط طرق القوافل القادمة من دارفور وإفريقيا الوسطى بخطوط السكك الحديدية الحديثة. أما في الشرق، فقد كرس الكتاب مساحة لتحليل الأهمية الاستراتيجية لـ “بورتسودان”، الميناء الحديث الذي شُيد على أسس علمية ليصبح بوابة السودان الوحيدة نحو البحار المفتوحة، متجاوزاً ميناء سواكن القديم الذي طواه النسيان الجغرافي.
إن هذه القراءة الجغرافية العميقة لظاهرة التمدن تكشف لنا عن الهيكل العظمي للدولة السودانية الحديثة، وكيف تركزت شرايين الحياة والدورة الدموية للاقتصاد في محاور محددة سلفاً. ولكن هذا التركز الحضري والتنموي لم يكن بلا ثمن، فقد خلف وراءه مساحات شاسعة من التهميش والأطراف المنسية، وعلى رأسها أقاليم الجنوب الشاسعة التي ظلت معزولة جغرافياً وثقافياً بفعل سياسات استعمارية وحواجز طبيعية قاهرة. وهذا التحدي الجغرافي والسياسي المعقد المرتبط بجنوب السودان، سيكون هو محطتنا التحليلية القادمة لختام هذه السلسلة وقراءة المشهد الختامي في كتاب باربور.
جغرافيا العزلة؛ معضلة الجنوب وإرث الانقسام المكاني والثقافي
إلى الجزء الأكثر تعقيداً وإثارة للشجون في الجسد السوداني؛ ألا وهو “الجنوب”. فبعد أن تجولنا في سهول الشمال والوسط التي احتضنت مشاريع التنمية ولامست رياح الحداثة والعمران، ينعطف بنا الكتاب نحو تخوم استوائية شاسعة تبدو وكأنها تنتمي لعالم آخر تماماً. يصور باربور هذا الانتقال ليس مجرد تغير في خطوط العرض، بل كانقطاع حاد في النسيج البيئي والثقافي والاقتصادي. فكلما اتجهنا جنوباً، تتلاشى المظاهر الصحراوية والسافانا الجافة، لتحل محلها أمطار استوائية غزيرة، وغابات كثيفة، ومجتمعات رعوية وزراعية مغلقة، تعيش في اندماج روحي ومادي عميق مع طبيعة شديدة القسوة والوفرة في آن واحد.
ولعل الظاهرة الجغرافية الأكثر دراماتيكية التي يتوقف عندها باربور طويلاً لفهم عزلة الجنوب، هي منطقة “السدود” أو مستنقعات بحر الجبل الشاسعة. هذا الحاجز المائي والنباتي الهائل، الذي يبتلع نصف مياه النيل الأبيض وسط متاهات من غابات البردي والحشائش العائمة، لم يكن مجرد ظاهرة جيومورفولوجية عابرة، بل كان سداً تاريخياً منيعاً. يشرح الكتاب كيف وقفت هذه المستنقعات كحائط صد طبيعي أوقف زحف الجيوش، ومنع التغلغل الحضاري، وأعاق طرق التجارة عبر آلاف السنين. في هذا المحيط المائي المستغلق، تطورت مجتمعات نيلية كبرى مثل الدينكا والنوير والشلك، لتعيش في عزلة جغرافية شبه كاملة، مكتفية باقتصاد الكفاف المتمحور حول تربية الأبقار، والتي لم تكن بالنسبة لهم مجرد ثروة اقتصادية، بل عقيدة ومركزاً للحياة الاجتماعية والروحية.
غير أن الجغرافيا لم تكن الفاعل الوحيد في تعميق هذه الهوة، بل تضافرت معها هندسة سياسية استعمارية زادت من تمزيق النسيج المكاني. يحلل باربور بعمق السياسات الإدارية التي انتهجتها الإدارة البريطانية فيما عُرف بـ “قانون المناطق المقفولة”. فقد استغلت السلطات الاستعمارية حاجز “السدود” الطبيعي لتمرير سياسة عزل متعمدة، أغلقت بموجبها جنوب السودان تماماً أمام التأثيرات الشمالية. مُنع التجار الشماليون من الدخول، وحُظرت اللغة العربية والزي القومي وثقافة الشمال، وفي المقابل، فُتحت الأبواب على مصراعيها أمام الإرساليات التبشيرية المسيحية واللغة الإنجليزية. هذا التدخل الإداري الصارم حول العزلة الجغرافية إلى هوة ثقافية وسياسية سحيقة، مما جعل الجنوب يتطور في مسار مغاير تماماً ومقطوع الصلة عن المركز الذي كانت تتركز فيه مقاليد السلطة والثروة.
يختتم الكاتب هذا القسم المليء بالتحليلات العميقة بتقديم قراءة مبطنة بالحذر حول مستقبل هذا الكيان الشاسع والمتباين. فمع اقتراب لحظة الاستقلال التي رصدها الكتاب في فصوله الأولى، وجد السودانيون أنفسهم أمام مهمة بالغة الصعوبة؛ وهي صهر هذا التباين الجغرافي والديموغرافي والثقافي الحاد في بوتقة دولة وطنية واحدة. لقد ترك الاستعمار خلفه وطناً مشطوراً، حيث تركزت التنمية والتعليم والمشاريع الكبرى في حزام نيلي ضيق في الشمال والوسط، بينما تُرکت أطراف شاسعة، وعلى رأسها الجنوب، قابعة في عزلة مضاعفة؛ عزلة فرضتها قسوة الطبيعة ومستنقعاتها، وعزلة رسختها سياسات التهميش والتفريق. إن هذه البذور الجغرافية والسياسية للشقاق، والتي فككها باربور بمشرط الجغرافي الخبير، تكشف لنا بوضوح كيف تآمرت الجغرافيا والتاريخ معاً لرسم ملامح واحدة من أعقد قضايا الاندماج الوطني في إفريقيا الحديثة.
الرؤية الشاملة؛ حتمية الجغرافيا ومآلات الدولة السودانية
لا يكتفي باربور بسرد الحقائق المكانية والبيئية والاقتصادية الدقيقة، بل يحاول صياغة رؤية استشرافية تضع القارئ أمام المآلات الحتمية لدولة وُلدت من رحم التناقضات الجغرافية. إن الخلاصة الأهم التي يقدمها هذا السفر الاستثنائي هي أن السودان ليس مجرد رقعة سياسية رُسمت حدودها على موائد المفاوضات الاستعمارية، بل هو “منطقة انتقال” كبرى وقنطرة حضارية تفصل وتصل في آن واحد بين إفريقيا العربية الإسلامية في الشمال، وإفريقيا الزنجية الاستوائية في الجنوب.
يضع الكتاب يده بمهارة على الجرح المستدام في الجسد السوداني، مشيراً إلى أن التحدي الأكبر الذي يواجه هذه الجمهورية الوليدة لا يكمن فقط في نيل الاستقلال السياسي، بل في كيفية ترويض “حتمية الجغرافيا” لصياغة أمة متجانسة سياسياً واجتماعياً. يخلص باربور إلى أن التباين البيئي الحاد بين أطراف البلاد قد أسس لثنائيات مكانية واقتصادية قاتلة؛ ثنائية المركز والأطراف، وثنائية الرعي والزراعة، وثنائية الاقتصاد النقدي الحديث واقتصاد الكفاف التقليدي. هذه الثنائيات لم تكن مجرد اختلافات طبيعية تضفي تنوعاً وثراءً، بل تحولت بفعل غياب التخطيط التنموي الشامل وإرث السياسات الاستعمارية إلى فجوات بنيوية هائلة. فالقلب النيلي النابض بالمشاريع الزراعية الكبرى، والمدن المتضخمة، وخطوط السكك الحديدية، والذي احتكر فعلياً ثمار التحديث، وقف على النقيض تماماً من الأطراف الشاسعة في الغرب والشرق والجنوب، والتي تُركت لتصارع قسوة الطبيعة وعزلة المكان وتخلف أدوات الإنتاج.
وفي استشرافه الدقيق للمستقبل، يحذر باربور بوضوح من أن هذا الخلل في توزيع الثروة والسلطة والخدمات، والذي رسمته الجغرافيا وكرسته الممارسة السياسية، سيكون هو المولد الأساسي والمحرك الفعلي للأزمات الوطنية القادمة. فالأطراف المهمشة لن تبقى صامتة إلى الأبد أمام هذا التفاوت الصارخ، والعزلة الجغرافية التي كانت في الماضي تمنع الاحتكاك وتخفف من حدة التوتر، بدأت تتآكل تدريجياً بفضل انتشار الوعي وتوسع وسائل النقل والمواصلات. ومن جهة أخرى، يطرح الكتاب معضلة “الموارد المائية” كقنبلة موقوتة، مؤكداً أن مستقبل التنمية في السودان سيبقى مرتهناً بالقدرة على الإدارة الحكيمة لمياه النيل، فضلاً عن الحاجة الماسة لتطوير مشاريع حصاد المياه في السهول الطينية الشاسعة التي تعتمد كلياً على تذبذب الأمطار.
اليوم، وبعد عقود طويلة من صدور هذا المرجع الجغرافي الفريد، تبدو تحليلات ك. م. باربور وكأنها نبوءات علمية تحققت بحذافيرها على أرض الواقع. فالنزاعات المريرة التي عصفت بالسودان في تاريخه الحديث، وصولاً إلى الانقسام الجيوسياسي وانفصال الجنوب، فضلاً عن الاضطرابات المستمرة في أقاليم أخرى بحثاً عن التوزيع العادل للثروة، لا يمكن فهمها فهماً عميقاً دون العودة إلى الجذور المكانية والبيئية التي وثقها هذا الكتاب. لقد أثبت باربور بما لا يدع مجالاً للشك أن الجغرافيا هي قدر الشعوب، وأن أي محاولة لبناء استقرار سياسي واجتماعي في السودان دون تقديم معالجات جغرافية تنموية حقيقية تعيد التوازن بين المركز والأطراف، ستظل محاولة قاصرة ومحكوم عليها بالتعثر المستمر.




