تحقيقات وتقاريرأبرز المواضيع

أوتاد جيوسياسية:كيف تحولت أفريقيا وآسيا الوسطى إلى قلب الحزام والطريق النابض؟

في خضم التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي المعاصر، ومع استمرار صعود الصين كقوة عظمى تسعى بفاعلية وحزم لإعادة صياغة مفاهيم الجغرافيا السياسية والاقتصاد الكلي على الساحة العالمية، تبرز مبادرة الحزام والطريق كأداة استراتيجية محورية لا غنى عن تحليلها بدقة لفهم ديناميكيات التنافس الاستراتيجي وتوزع القوى في القرن الحادي والعشرين. إن قراءة المشهد الاقتصادي العالمي اليوم تتطلب غوصاً عميقاً في الأرقام والبيانات التي تشكل النفوذ الصيني المتمدد، بعيداً عن الانطباعات السطحية أو التحليلات العابرة. وفي هذا السياق يمثل التقرير الصادر حديثاً تحت عنوان “Nedopil-2026-China-BRI-Investment-Report-2025.” تقريرا مهما ومحطة لكل باحث أو مهتم بتتبع مسارات الاستثمار الصيني وتأثيراتها المباشرة على استقرار النظام العالمي وسلاسل التوريد. هذا التقرير، الذي أعده الباحث كريستوف نيدوبيل وصدر في يناير من عام 2026 عن معهد جريفيث لآسيا بالتعاون مع مركز التمويل والتنمية الخضراء في جامعة فودان، يقدم تشريحاً دقيقاً وموثقاً لحجم وطبيعة واتجاهات الانخراط الصيني في الدول المنضوية تحت لواء هذه المبادرة الضخمة.

إن القراءة المتأنية للصفحات الأولى من هذا التقرير الاستراتيجي تكشف عن تحول زلزالي في حجم الاستثمارات والانخراط المالي الصيني، وهو تحول يضرب بجذوره في صميم النظريات المفسرة للاستقرار المهيمن والقدرة على توجيه مسارات التنمية العالمية. تشير البيانات الواردة بشكل قاطع إلى أن عام 2025 قد سجل أعلى مستوى تفاعل وانخراط مالي في تاريخ مبادرة الحزام والطريق على الإطلاق منذ انطلاقها، وهو مؤشر ذو دلالات استراتيجية عميقة. فقد بلغ حجم عقود البناء التي أبرمتها الكيانات الصينية ما يقارب 128.4 مليار دولار أمريكي، بزيادة هائلة بلغت 81 في المائة مقارنة بالعام الذي سبقه. وبالموازاة مع ذلك، قفزت الاستثمارات المباشرة غير المالية لتسجل حوالي 85.2 مليار دولار أمريكي، محققة بذلك زيادة قدرها 62 في المائة مقارنة بعام 2024. هذا الانخراط المالي الضخم، الذي يجمع بين عقود البناء والاستثمارات، أدى إلى بلوغ إجمالي التفاعل الصيني في المبادرة خلال عام واحد فقط إلى رقم غير مسبوق يقدر بنحو 213.5 مليار دولار أمريكي، توزعت على حوالي 350 صفقة كبرى. إن هذا التدفق النقدي الهائل لا يعكس مجرد انتعاش اقتصادي عابر، بل يترجم إرادة سياسية واقتصادية صلبة لترسيخ الوجود الصيني في الشرايين الحيوية للاقتصاد العالمي، وتأمين موارد استراتيجية طويلة الأمد في مواجهة أي تقلبات جيوسياسية محتملة أو ضغوطات ناجمة عن التنافس مع القوى التقليدية.

ومما يضفي بُعداً أكثر عمقاً على هذا التحليل الجيواقتصادي، هو النظر في الحصيلة التراكمية لهذه المبادرة منذ ولادتها في عام 2013 وحتى نهاية عام 2025. لقد أشار التقرير بوضوح لا لبس فيه إلى أن إجمالي الانخراط الصيني التراكمي في دول مبادرة الحزام والطريق قد وصل إلى رقم فلكي يبلغ 1.399 تريليون دولار أمريكي. هذا الرقم المهول ينقسم إلى شقين رئيسيين: الأول يتمثل في عقود البناء والتشييد التي استحوذت على نصيب الأسد بقيمة بلغت 837 مليار دولار أمريكي، والثاني يتمثل في الاستثمارات المباشرة التي بلغت قيمتها 561 مليار دولار أمريكي. هذا التوزيع يوضح الطبيعة المزدوجة للاستراتيجية الصينية؛ فهي من جهة تبني البنية التحتية المادية التي تسهل حركة التجارة وسلاسل التوريد العالمية، ومن جهة أخرى تضخ أموالاً استثمارية تخلق ارتباطاً عضوياً بين الاقتصادات المحلية للدول المضيفة والاقتصاد الصيني المركزي. إن سيطرة قطاع البناء، الذي استحوذ على حوالي 60 في المائة من إجمالي الانخراط الصيني في المبادرة خلال عام 2025، يعكس استمرارية الاعتماد على نموذج تمويل المشاريع الكبرى عبر قروض تقدمها المؤسسات المالية الصينية والمقاولون، وهي قروض غالباً ما تكون مدعومة بضمانات سيادية أو مكفولة بموارد طبيعية استراتيجية كالنفط والغاز. هذا النهج يقلل من المخاطر المالية التي قد تتعرض لها الكيانات الصينية، ويضمن عوائد مستقرة ومؤكدة على المدى الطويل، مما يعزز من قوة واستدامة هذا النموذج الاقتصادي العابر للحدود.

وعلى صعيد موازٍ، لا يمكن قراءة هذه الأرقام بمعزل عن التحول الجذري في حجم الصفقات الفردية، وهو تحول يعلن بوضوح نهاية حقبة “المشاريع الصغيرة والجميلة” التي تم الترويج لها خلال سنوات جائحة كورونا وما تلاها. لقد وثق التقرير طفرة غير مسبوقة في متوسط حجم الصفقات الاستثمارية وعقود البناء، مما يدل على انتقال الصين نحو تنفيذ استراتيجيات استثمارية أكثر كثافة وتركيزاً. فقد ارتفع متوسط حجم الصفقة للاستثمارات التي تتجاوز قيمتها 100 مليون دولار أمريكي ليصل إلى مستويات قياسية بلغت 939 مليون دولار أمريكي في عام 2025، صعوداً من 672 مليون دولار في عام 2024. هذا الرقم يمثل تقريباً ثلاثة أضعاف ما كان عليه الوضع في عام 2020، مما يبرز الثقة المتزايدة والقدرة التمويلية الهائلة للكيانات المنفذة. ولم يقتصر هذا الاتجاه التصاعدي على الاستثمارات فحسب، بل امتد ليشمل مشاريع البناء والتشييد أيضاً، حيث قفز متوسط حجم عقد البناء الواحد في عام 2025 ليصل إلى 964 مليون دولار أمريكي، مقارنة بنحو 496 مليون دولار في العام الذي سبقه. إن هذا التضخم الملحوظ في حجم المشاريع يعود بالأساس إلى إبرام صفقات عملاقة وفردية ذات طابع استراتيجي بحت، مثل مشروع بناء ضخم في نيجيريا بقيمة تصل إلى 20 مليار دولار أمريكي، ومشروعي استثمار ضخمين في كازاخستان تجاوزت قيمة كل منهما حاجز الخمسة مليارات دولار. هذه الصفقات العملاقة لا تقتصر على كونها مجرد مشاريع بنية تحتية، بل هي بمثابة أوتاد جيوسياسية تضمن تدفق الموارد الحيوية وتخلق شبكات من الاعتماد المتبادل يصعب تفكيكها في الأمد المنظور.

ومن المفارقات التي تسترعي الانتباه في هذا التقرير، هو التباين الواضح في طبيعة الفاعلين الاقتصاديين الذين يقودون هذه الاستثمارات والمشاريع. ففي حين كانت الشركات المملوكة للدولة هي القوة المهيمنة بلا منازع في السنوات السابقة، شهد عام 2025 تحولاً لافتاً تمثل في استعادة الشركات الصينية الخاصة لدورها الريادي في توجيه دفة الاستثمارات الأجنبية المباشرة. لقد تصدرت مجموعات اقتصادية خاصة، مثل مجموعة “إيست هوب” ومجموعة “شينفا”، المشهد الاستثماري، متقدمة على شركات تكنولوجية وصناعية كبرى مثل “لونجي للطاقة الخضراء” و”بايت دانس”. هذا البروز للقطاع الخاص الصيني في ساحة الاستثمار الدولي يعكس نضجاً مؤسسياً ورغبة في تنويع المحافظ الاستثمارية وتقليل الاعتماد المباشر على التمويل الحكومي الصرف في بعض القطاعات ذات الربحية العالية. ومع ذلك، تبقى القاعدة الثابتة في هذا المشهد هي الهيمنة المطلقة للشركات الصينية المملوكة للدولة على قطاع البناء والتشييد. شركات عملاقة مثل الشركة الوطنية الصينية للهندسة الكيميائية، وشركة “باور تشاينا”، والشركة الصينية لهندسة الموانئ، تظل هي الركيزة الأساسية والذراع التنفيذية الأقوى لتطبيق رؤية بكين الاستراتيجية في بناء الطرق والموانئ ومحطات الطاقة في الدول الشريكة. هذا التوزيع الوظيفي بين قطاع خاص يقود الاستثمار ذو العوائد المرنة، وقطاع عام يسيطر على البنية التحتية الصلبة، يمثل نموذجاً هجيناً وفعالاً يميز الرأسمالية الصينية الموجهة، ويمنحها مرونة وقوة لا تضاهى في اختراق الأسواق العالمية وإعادة تشكيل ملامحها وفقاً لمصالحها القومية العليا.

إن هذا الاستعراض التفصيلي والتحليلي للأرقام الكلية والأحجام الاستثمارية الواردة في التقرير، يمهد الطريق لفهم أعمق للتحولات الجغرافية والقطاعية . فمبادرة الحزام والطريق لم تعد مجرد خطوط على خريطة، بل تحولت إلى واقع اقتصادي معقد وشديد التشابك، يتمدد وينكمش في مناطق مختلفة من العالم بناءً على حسابات استراتيجية دقيقة وموازين قوى متحركة. في الدفعة الثانية من هذه المراجعة الصحفية الشاملة والمكثفة، سوف ننتقل لتسليط الضوء بمزيد من التفصيل على التحولات الجغرافية المذهلة التي رصدها التقرير، لا سيما القفزة الاستثنائية والانفجار الاستثماري غير المسبوق في القارة الأفريقية ومنطقة آسيا الوسطى، وكيف يعكس ذلك إعادة تموضع استراتيجي صيني ذكي في مواجهة الديناميكيات التجارية والتعريفات الجمركية التي تفرضها القوى الغربية المنافسة.

القراءة الجيوسياسية لأرقام عام 2025 لا تكتمل دون تتبع دقيق لمسارات هذه الأموال والوجهات الجغرافية التي استقطبتها. إن الخريطة الاستثمارية لمبادرة الحزام والطريق لم تعد تتسم بذلك التوزيع المتجانس الذي ميز سنواتها الأولى، بل خضعت لعملية إعادة هندسة استراتيجية صارمة، تعكس في جوهرها استجابة بكين البراغماتية للضغوطات الجيواقتصادية المتزايدة، وخاصة سياسات الاحتواء والتعريفات الجمركية التي تفرضها الولايات المتحدة وحلفاؤها الغربيون. وفي هذا السياق، يبرز التحول الجغرافي نحو القارة الأفريقية كواحد من أهم المخرجات الاستراتيجية التي وثقها التقرير، حيث تحولت أفريقيا من مجرد ساحة تنافس ثانوي إلى مسرح عمليات رئيسي ومحرك أساسي لنمو الانخراط الصيني. لقد سجلت القارة السمراء في عام 2025 قفزة فلكية في حجم الاستثمارات الصينية وعقود البناء، بزيادة مذهلة بلغت 213 في المائة مقارنة بعام 2024. هذا الانفجار الاستثماري لا يمكن تفسيره بمعزل عن الرغبة الصينية العميقة في تأمين خطوط إمداد بديلة للموارد الحيوية، وخلق أسواق استهلاكية جديدة قادرة على استيعاب الفائض الصناعي الصيني بعيداً عن تقلبات الأسواق الغربية المعادية.

إن هذا الاندفاع نحو أفريقيا تجلى بشكل صارخ في حجم المشاريع التي تم إبرامها، والتي لم تعد تقتصر على البنية التحتية التقليدية، بل امتدت لتشمل مجمعات صناعية متكاملة ومراكز لوجستية إقليمية. ولعل المثال الأبرز الذي ساقه التقرير، والذي يعكس هذا التحول النموذجي، هو المشروع الضخم في نيجيريا الذي تجاوزت قيمته حاجز العشرين مليار دولار أمريكي. إن ضخ مثل هذا الحجم الهائل من رأس المال في دولة واحدة يعكس تحولاً في العقيدة الاستثمارية الصينية من التركيز على الانتشار الأفقي الواسع إلى تبني استراتيجية التمركز العمودي العميق في دول محورية تمتلك ثقلاً ديموغرافياً واقتصادياً قادراً على التأثير في محيطها الإقليمي. هذا النهج يهدف إلى خلق “نقاط ارتكاز” جيواقتصادية صلبة، تضمن للصين نفوذاً  طويل الأمد، وتجعل من فك الارتباط الاقتصادي مع بكين أمراً بالغ الصعوبة والتكلفة على هذه الدول. وعلاوة على ذلك، فإن التركيز على أفريقيا يتماشى مع رؤية الصين الاستراتيجية لبناء تحالفات متينة مع دول الجنوب العالمي، مما يعزز من موقفها التفاوضي في المؤسسات الدولية ويمنحها شرعية سياسية في مواجهة محاولات العزل الغربية.

وبالتوازي مع هذا الصعود الأفريقي الكاسح، رصد التقرير إعادة تموضع استراتيجي لا يقل أهمية في منطقة آسيا الوسطى، التي تمثل القلب الجغرافي التاريخي لطريق الحرير البري. لقد شهدت هذه المنطقة الحيوية، التي تعد بمثابة الجسر البري الذي يربط الصين بأوروبا، زيادة ملحوظة في حجم الانخراط الصيني بنسبة بلغت 49 في المائة مقارنة بالعام السابق. هذا النمو تركز بشكل خاص في كازاخستان، التي استحوذت على استثمارات عملاقة في قطاعات الطاقة والبنية التحتية، وهو ما يؤكد على الأهمية القصوى التي توليها بكين لتأمين حدودها الغربية وضمان تدفق سلس وآمن لموارد الطاقة عبر مسارات برية بعيدة عن التهديدات البحرية المحتملة في مضيق ملقا أو بحر الصين الجنوبي. إن تعزيز الحضور الاقتصادي في آسيا الوسطى ليس مجرد خطوة اقتصادية، بل هو تطبيق عملي لنظريات الجغرافيا السياسية التي تؤكد على أن السيطرة على “القلب القاري” هي المفتاح لضمان الهيمنة والنفوذ في النظام الدولي. ومن خلال ربط اقتصادات هذه الدول بشكل وثيق بالآلة الصناعية الصينية، تضمن بكين استقراراً إقليمياً يخدم مصالحها القومية ويحد من نفوذ القوى المنافسة في هذه المنطقة الاستراتيجية الرخوة.

في المقابل، قدم التقرير صورة مغايرة تماماً للانخراط الصيني في مناطق أخرى كانت تحظى باهتمام كبير في السابق. فقد سجلت منطقة شرق آسيا تراجعاً حاداً في حجم الاستثمارات الصينية، وكذلك الحال بالنسبة لأمريكا الجنوبية والشرق الأوسط، التي شهدت انخفاضاً ملحوظاً مقارنة بمستويات عام 2024. هذا التراجع لا يعكس تراجعاً في القدرات المالية الصينية، بل هو انسحاب تكتيكي وإعادة توجيه للموارد نحو المناطق الأكثر جدوى من الناحية الاستراتيجية، أو تلك التي توفر بيئة تنظيمية وسياسية أقل عدائية. إن هذه المرونة الجغرافية في توجيه الاستثمارات تثبت أن مبادرة الحزام والطريق ليست شيئا جامداً، بل هي أداة استراتيجية ديناميكية تتكيف باستمرار مع متغيرات النظام الدولي، وتستجيب بفعالية للتحديات التي تفرضها المنافسة الجيوسياسية المفتوحة مع القوى الكبرى.

إن هذه التحولات الجغرافية العميقة، التي تعكس انزياحاً واضحاً لمركز الثقل الاستثماري الصيني نحو أفريقيا وآسيا الوسطى، تفتح الباب واسعاً لطرح تساؤلات جوهرية حول طبيعة القطاعات التي تستقطب هذه الأموال الهائلة. فهل ما زالت مشاريع الطاقة التقليدية والوقود الأحفوري هي المهيمنة، أم أن هناك تحولاً  نحو قطاعات الاقتصاد الأخضر والتكنولوجيا المتقدمة؟ هذا التساؤل المحوري حول التوزيع القطاعي للاستثمارات، وما يحمله من دلالات حول الرؤية الصينية لمستقبل الاقتصاد العالمي.

بعد أن استوضحنا معالم الانزياح الجغرافي للاستثمارات الصينية، يتوجب علينا الغوص في البنية القطاعية لهذه التدفقات المالية، والتي تمثل المرآة الحقيقية لأولويات بكين الجيواقتصادية. فإذا كانت الجغرافيا تحدد أين تزرع الصين نفوذها، فإن القطاعات الاقتصادية تترجم كيف تبني هذا النفوذ وتضمن استدامته لعقود قادمة. في قراءة أرقام عام 2025، يبرز مسار يعكس براغماتية صينية شديدة التعقيد؛ فمن جهة، يوثق التقرير تسارعاً ملحوظاً في تطوير ما يُعرف بـ “طريق الحرير الأخضر”، حيث شهدت استثمارات الطاقة المتجددة، كالشمسية والرياح، طفرة استراتيجية لتلبية الطلب العالمي المتزايد على التنمية المستدامة. ومن جهة أخرى، لا يزال الوقود الأحفوري التقليدي يستحوذ على تمويلات مدروسة، خاصة في الدول التي تفتقر إلى البنية التحتية اللازمة للانتقال الطاقي السريع. هذا التوجه المزدوج يتيح للصين الحفاظ على استقرار أمن الطاقة العالمي، وتلبية احتياجات شركائها التنموية، مع تعزيز موقعها كقائد عالمي في تكنولوجيا المناخ، وهو ما يخدم طموحاتها في قيادة  النظام الدولي المعاصر وتثبيت أركانه.

غير أن التحول الأبرز والأكثر دلالة من منظور التنافس الاستراتيجي، يتجلى في الاندفاع الصيني المحكم نحو قطاع التعدين واستخراج المعادن الأرضية النادرة والمواد الحرجة. لقد أظهرت التحليلات تركيزاً استثمارياً هائلاً للسيطرة على منابع هذه الموارد الاستراتيجية، لا سيما في أفريقيا وآسيا الوسطى. إن هذا التوجه لا ينفصل بأي حال عن المواجهة الكبرى حول قيادة التكنولوجيا المتقدمة وتجاوز القيود المفروضة على سلاسل تصنيع أشباه الموصلات والرقائق الدقيقة. فالصين تدرك يقيناً أن استقرار نفوذها لا يتحقق فقط عبر تصدير السلع النهائية، بل عبر إحكام السيطرة على الحلقات الأولى والأكثر أهمية في سلاسل التوريد العالمية. ومن خلال هندسة شراكات قوية تضمن تدفق هذه المعادن الحيوية، تبني بكين حائط صد جيواقتصادي يحمي صناعاتها الاستراتيجية، ويمنحها أوراق ضغط حاسمة في مواجهة سياسات الاحتواء، مما يعيد صياغة أسس نظرية الاستقرار المهيمن وفق متطلبات الثورة الصناعية والتقنية الراهنة.

وإلى جانب قطاعي الطاقة والتعدين، استمر قطاع البنية التحتية التكنولوجية والاتصالات، أو “طريق الحرير الرقمي”، في شق طريقه كأحد محركات الاستثمار الفعالة. ضخت الشركات الصينية مليارات الدولارات في بناء شبكات الجيل الخامس المتقدمة، وتمديد الكابلات البحرية، وتشييد مراكز البيانات الضخمة في عواصم الدول النامية. هذا الانخراط الرقمي يتجاوز هدف تحديث البنية التحتية للمضيفين، ليسعى نحو تأسيس شبكة معلوماتية موازية تعتمد بالأساس على المعايير التقنية الصينية. إن ترسيخ هذه المعايير يخلق حالة من الاعتماد التكنولوجي المتبادل بين الصين ودول الجنوب العالمي، وهو ما يُعقّد على القوى المنافسة محاولات فرض الفصل الاقتصادي أو التقني. هذا الانتشار الرقمي يضمن تفوقاًيعزز من قدرة الاقتصاد الصيني الكلي على توجيه مسارات الابتكار في أسواق ناشئة تمتلك إمكانات استهلاكية ضخمة.

إن هذه الهندسة القطاعية الدقيقة، التي تزاوج بين السيطرة المادية عبر تأمين التعدين والطاقة، والنفوذ الافتراضي عبر التكنولوجيا الرقمية، تؤكد أن مبادرة الحزام والطريق تتمدد لتصبح إطاراً حيوياً يعيد تعريف أدوات النفوذ في القرن الحادي والعشرين. وبناءً على هذه التشابكات المعقدة، تبرز ضرورة ملحة لفحص التداعيات الجيوسياسية المباشرة لهذه الاستثمارات على أقاليم ومناطق تقاطع النفوذ.

يشير التقرير بوضوح تام إلى أن عام 2025 قد شهد أعلى مستوى من المشاركة في تاريخ المبادرة منذ انطلاقها. فقد قفزت قيمة عقود البناء إلى مستويات قياسية بلغت 128.4 مليار دولار أمريكي، بزيادة هائلة بلغت 81 بالمائة مقارنة بعام 2024. ولم يقتصر هذا النمو على عقود البناء، بل امتد للاستثمارات المباشرة التي بلغت حوالي 85.2 مليار دولار، مسجلة ارتفاعاً بنسبة 62 بالمائة. هذه الأرقام توثق كثافة غير مسبوقة في توجيه رأس المال الصيني نحو الدول المنضوية تحت المبادرة والتي يبلغ عددها 150 دولة.

وعند الغوص في التركيب القطاعي لهذه الاستثمارات، يبرز قطاع الطاقة كالمحرك الأضخم لهذا التوسع. فقد سجل الانخراط الصيني في قطاع الطاقة خلال 2025 أعلى مستوى له على الإطلاق بقيمة 93.9 مليار دولار، وهو ما يتجاوز ضعف ما تم تسجيله في العام السابق. وهنا يسلط التقرير الضوء على مفارقة يصفها بأن الانخراط في الطاقة كان الأكثر تلوثاً والأكثر اخضراراً في آن واحد. فمن جهة، شهدت الاستثمارات وعقود البناء المرتبطة بالنفط والغاز طفرة هائلة لتصل إلى حوالي 71.5 مليار دولار، وهو ما يعادل أكثر من ثلاثة أضعاف الرقم القياسي لعام 2024. وقد شكلت مشاريع الوقود الأحفوري الأغلبية العظمى في هذا القطاع، حيث استحوذ الغاز على 29 بالمائة، والنفط على 45 بالمائة، والفحم على 2.5 بالمائة من إجمالي الانخراط.

ومن جهة أخرى، يوضح التقرير أن المشاركة في الطاقة الخضراء، والتي تشمل الطاقة الشمسية وطاقة الرياح وتحويل النفايات إلى طاقة بالإضافة إلى الطاقة الكهرومائية، ارتفعت لتصل إلى ما يقرب من 21.4 مليار دولار في عام 2025، مقارنة بـ 12.3 مليار دولار في العام السابق. وقد أثمر هذا التوجه عن إضافة ما لا يقل عن 28.2 جيجاوات من القدرة التوليدية، توزعت بين 14.6 جيجاوات للطاقة الشمسية، و7.6 جيجاوات لطاقة الرياح، و1.6 جيجاوات للطاقة الكهرومائية، بالإضافة إلى 4 جيجاوات لمشاريع الغاز. وعلى الصعيد التراكمي منذ عام 2013، يؤكد التقرير أن باكستان تتصدر قائمة أكبر المتلقين للانخراط الصيني في قطاع الطاقة بقيمة تتجاوز 41.5 مليار دولار، تليها المملكة العربية السعودية بحوالي 40 مليار دولار، ثم نيجيريا بـ 28 مليار دولار.

وبالتوازي مع قطاع الطاقة، يقدم التقرير بيانات دقيقة لقطاع المعادن والتعدين، مشيراً إلى أن الانخراط في مرافق المعالجة والمصاهر شكل حوالي 61 بالمائة من إجمالي النشاط القطاعي، في حين استحوذت أنشطة الاستخراج والتعدين المباشر على 39 بالمائة بقيمة تقارب 15 مليار دولار. كما رصد التقرير استمرار المشاركة في الأنشطة المرتبطة بالفحم عبر عمليات التعدين بعقود تجاوزت 2.3 مليار دولار، بمشاركة شركات صينية كبرى في دول مثل منغوليا وإندونيسيا.

يتوقف التقرير عند معضلة إعادة هيكلة الديون ومخاطر التعثر المالي التي تواجهها العديد من الاقتصادات النامية المضيفة للمشاريع الصينية. فمع التوسع الهائل في حجم الصفقات الفردية والاعتماد المتزايد على القروض السيادية المدعومة بضمانات الموارد، باتت مسألة استدامة الدين القضية الأكثر حرجاً في أدبيات الاقتصاد السياسي الدولي. يُظهر التقرير أن الصين، بكونها الدائن الثنائي الأكبر لعدد كبير من هذه الدول، وجدت نفسها مضطرة للعب دور رئيسي في مفاوضات تخفيف أعباء الديون وتأجيل الأقساط، وهو ما يفرض عليها موازنة معقدة بين حماية الأصول المالية لمؤسساتها التمويلية الوطنية وبين الحفاظ على التزاماتها الجيوسياسية والعلاقات الاستراتيجية مع دول الجنوب العالمي.

وفي هذا الصدد، يوضح التقرير أن بكين بدأت تعتمد آليات تمويلية أكثر تحوطاً ومرونة للتعامل مع مخاطر السوق والتقلبات الاقتصادية الكلية. فلم يعد التمويل التقليدي المعتمد حصرياً على القروض الحكومية المباشرة هو الخيار الوحيد، بل برزت نماذج التمويل المختلط ومشاركات القطاع الخاص الموجهة نحو المشاريع ذات العوائد المباشرة والسريعة. هذا التحول التمويلي يهدف بالأساس إلى تقليل الانكشاف المالي للبنك المركزي والمؤسسات السيادية الصينية، وتوزيع المخاطر الاستثمارية عبر أدوات سوقية متطورة. ورغم هذه التحوطات، فإن الضغوط الناتجة عن ارتفاع أسعار الفائدة العالمية وتذبذب أسعار الصرف في الدول المضيفة ما زالت تضع هذه الاستراتيجية تحت اختبارات قاسية، حيث تتأثر القدرة الاستيعابية للاقتصادات النامية بشكل مباشر، مما يعيق في بعض الأحيان الوفاء بالجدول الزمني لتنفيذ المشاريع الكبرى أو سداد مستحقات التمويل.

وعلى صعيد التنافس الجيواقتصادي، يرصد التقرير الاستجابة الصينية للمبادرات الغربية المنافسة في مجال البنية التحتية، لا سيما تلك الصادرة عن مجموعة السبع والاتحاد الأوروبي. يبيّن التحليل أن المرونة والسرعة اللتين تتسم بهما آلية اتخاذ القرار في المشاريع الصينية، إلى جانب القدرة المالية الضخمة والجاهزية التنفيذية للشركات الوطنية، قد مكّنتا مبادرة الحزام والطريق من الحفاظ على تفوقها الميداني وحصتها السوقية الهائلة. إن التركيز على قطاعات حيوية وملموسة كالطاقة والتعدين والبنية التحتية الصلبة يمنح التدفقات المالية الصينية أثراً اقتصادياً فورياً يصعب على المبادرات المنافسة مجاراته بنفس الوتيرة. هذا التباين التنفيذي يعزز موقع بكين كشريك تنموي لا غنى عنه، ويمنحها أسبقية في صياغة العلاقات الاقتصادية الممتدة عبر المحاور البحرية والبرية للمبادرة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى