أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

كيف تشكل العقل المسلم عبر التاريخ

“تاريخ موجز للفكر الإسلامي” 

في عالمنا المعاصر المتسارع، وفي خضم الأحداث السياسية والاجتماعية التي تعصف بالكرة الأرضية من شرقها إلى غربها، لا يمر يوم دون أن تطالعنا الأخبار بكلمات ومصطلحات مثل “الخلافة”، “القرآن”، “السنة”، “الشيعة”، “السلفية”، و”الصوفية”. ومما لا شك فيه أن فهم هذا العالم الحديث والمعقد يتطلب بالضرورة إلماماً عميقاً بالإسلام، خاصة إذا أدركنا أن ما يقرب من ربع سكان العالم يدينون بهذا الدين الحنيف. من هذا المنطلق الاستراتيجي والفكري، يبرز كتاب الأكاديمي والباحث “فيتزروي موريسي” (Fitzroy Morrissey) إذ يتتبع الكاتب أربعة عشر قرناً من التاريخ الإسلامي، بدءاً من تأسيس الإسلام في القرن السابع الميلادي وحياة النبي محمد، مروراً بنمو الإمبراطوريات الإسلامية العظيمة، ووصولاً إلى العصر الحديث المليء بالتوترات والتحديات.

بالرجوع إلى “Short History of Islamic Thought  ، نجد أن الكاتب لا يقدم الإسلام كعقيدة أحادية صماء أو كتلة متجانسةكعقيدة دقيقة ومليئة بالفروق الدقيقة، تتألف من عدة تيارات وتوجهات فكرية متنافسة غالباً، ومذهلة دائماً. إن هذا الحجم الاستقصائي الموجز والجذاب يستهوي بلا شك القراء الذين يتطلعون إلى فهم أفضل لثاني أكبر ديانة في العالم، وأولئك المهتمين بالتاريخ الفكري للألفية والنصف الماضية.

الإسلام: دين ودنيا، رسالة وتاريخ

يبدأ موريسي رحلته  بتعريف الإسلام من منظور شامل. فالإسلام في جوهره، وكما يقتبس الكاتب من العالم المصري محمود شلتوت، هو “دين الله الذي عهد بتعاليمه حول مبادئه الأساسية وقوانينه إلى النبي محمد وكلفه بدعوة كل الناس إليه”. الإسلام هو بالأساس دين (Din)، أي طريقة للإيمان بالله وتنظيم الحياة حول طاعته، وكلمة “إسلام” ذاتها تعني في الأصل الاستسلام والخضوع الكامل والحصري لله. يوضح الكتاب أن الإسلام، شأنه شأن اليهودية والمسيحية، هو ديانة توحيدية تؤمن بإله واحد لا شريك له، وهو المبدأ الأساسي المتمثل في “التوحيد”. كما أنه ديانة كتابية تقدس كتاباً يسمى “القرآن”، والذي يُعتقد أنه نزل على النبي محمد عبر الملاك جبريل في العقود الأولى من القرن السابع الميلادي.

ومن المفارقات اللاهوتية التي يبرزها الكتاب، أنه بينما يعتقد المسيحيون أن كلمة الله تجسدت في جسد، يعتقد المسلمون أنها تجسدت في كتاب؛ فالمسلم الذي يتلو القرآن يشعر وكأنه يتناول الكلمة الأبدية لله، تماماً كما يتناول المسيحي القربان المقدس. ورغم أن الإسلام ديانة عربية في نشأتها، حيث كان محمد من مكة والقرآن نزل بلغة عربية يعتبرها المسلمون لغة الله، إلا أن الإسلام ديانة عالمية صالحة لكل زمان ومكان، بناءً على فكرة كمال القرآن وأن محمداً هو خاتم الأنبياء. وفي تحليل سوسيولوجي عميق، يستعير الكاتب مفهوم عالم الاجتماع ماكس ويبر ليصف الإسلام بأنه ديانة “دنيوية” تهتم بإعطاء نظام لحياة الأفراد والمجتمعات في هذا العالم من خلال “الشريعة”، وفي الوقت ذاته ديانة “خلاصية” تهتم بمصير البشر في العالم الآخر.

مهد الوحي: مكة والكلمة الأولى

 ينقلنا الكاتب إلى البيئة القاسية التي وُلد فيها النبي محمد حوالي عام 570 ميلادية في مكة، تلك المدينة الواقعة في وادٍ جبلي في منطقة الحجاز، والتي اتسمت بحرارة خانقة ورياح مميتة وجبال صخرية جرداء لا تشوبها شائبة من التربة. رغم هذه القسوة الجغرافية، كانت مكة بحلول عصر محمد مركزاً مزدهراً للحج والتجارة تحت قيادة قبيلته “قريش”، وموطناً لـ “الكعبة”، الضريح القديم المكعب الشكل الذي يحج إليه العرب.

كان دين العرب قبل الإسلام وثنياً يعبد العديد من الآلهة والملائكة، وكانت نظرتهم للكون محكومة بالصدفة والقدر (الدهر)، إلا أن التوحيد لم يكن غريباً عليهم تماماً. ففي أطراف الجزيرة العربية، كانت اليهودية والمسيحية قد كسبت أتباعاً، وكان المسيحيون والرهبان يتواجدون في مسارات التجارة، وكان في يثرب (التي تبعد حوالي مائتي ميل شمال مكة) تواجد يهودي ملحوظ. وبفعل هذا التأثير، آمن وثنيو مكة بإله أعلى سموه “الله”، خالق الكون ورب الكعبة.

في هذا المناخ المعقد، كان محمد الشاب يعتزل في كهف بجبل حراء كل عام في شهر رمضان ليمارس تعبدات تُعرف بـ “التحنث”. وفي عامه الأربعين، وتحديداً في “ليلة مباركة” يصفها القرآن بـ “ليلة القدر” (حوالي 610 م)، واجه محمد حضوراً مهيباً أمره بـ “اقرأ”. قاوم محمد في البداية قائلاً “ما أنا بقارئ”، خوفاً من الموت أو الجنون، لكنه في النهاية نطق بالوحي الأول: “اقرأ باسم ربك الذي خلق…”. وحين لجأ إلى زوجته خديجة وابن عمها المسيحي ورقة بن نوفل، تم تفسير هذه التجربة المروعة في ضوء التاريخ المقدس التوراتي، مبشرين إياه بأنه نبي هذه الأمة وأن الناموس الأكبر الذي نزل على موسى قد نزل عليه.

القرآن: كتاب التحدي والتكوين

توالت الوحي على محمد لربع قرن. هذا الوحي أعلن عن نفسه كـ “قرآن” و”كتاب”، تحدى به الله العرب أن يأتوا بمثله بلاغةً وفصاحةً. يصف القرآن نفسه بأنه تصديق للكتب السابقة كالتوراة والزبور والإنجيل، لكنه يتميز بأنه أُنزل “بلسان عربي مبين” للعرب الذين لم يتلقوا كتاباً مكتوباً من قبل. ومع ذلك، لم تكن رسالة محمد مقتصرة على الجزيرة العربية، بل أُرسل للبشرية جمعاء كـ “خاتم النبيين” ورحمة للعالمين، ليكون نبي “الأحمر والأسود”، أي جميع الشعوب والأعراق.

بعد وفاة النبي عام 632 م، جُمعت آيات القرآن التي كانت مكتوبة على سعف النخيل والعظام والحجارة في مجلد واحد نهائي في عهد الخليفة الثالث عثمان بن عفان (644-656 م). وتكون هذا الكتاب القانوني من 114 سورة، مرتبة حسب الطول وليس التسلسل الزمني، مما يؤكد فكرة أنه ليس كتاباً تاريخياً كسرديات العهد القديم، بل كلمة الله الأبدية.

يُبرز الكاتب الانقسام المنهجي للقرآن بين السور المكية والمدنية؛ ففي مكة كانت المهمة الدعوة للتوحيد، لذا جاءت السور قصيرة وشاعرية ومليئة بإنذارات يوم القيامة ومجادلة المشركين. أما في المدينة (يثرب)، التي هاجر إليها محمد وأتباعه عام 622 م (عام الهجرة الذي أصبح بداية التقويم الإسلامي)، فقد أُسست أول دولة إسلامية. ومع وجود مجتمع يهودي كبير والحروب مع كفار مكة، ركزت السور المدنية، التي تكون أطول عادة، على المسائل الأخلاقية والقانونية والعسكرية، وعلاقة المسلمين بأهل الكتاب.

التوحيد المطلق وصفات الخالق

يعرض موريسي  كيف ركزت دعوة محمد على إله واحد، صفته الأساسية هي “الوحدانية”. “قل هو الله أحد، الله الصمد، لم يلد ولم يولد، ولم يكن له كفواً أحد” (سورة الإخلاص). هذا التوحيد الصارم موجه ضد عقيدتين: الأولى هي التثليث المسيحي، حيث تعتبر عبارة “لم يلد ولم يولد” ضربة لعقيدة مجمع نيقية، والثانية هي عبادة الأصنام الوثنية للعرب، والتي يصفها القرآن بـ “الشرك”، وهو الذنب الذي لا يُغتفر.

إلى جانب الوحدانية، يمتلك الله أسماء حسنى تصل إلى تسعة وتسعين أو أكثر، منها “الخالق”. يؤكد القرآن أن الله خلق السماوات والأرض في ستة أيام، ولكنه على عكس الرواية التوراتية، لم يتعب ولم يسترح في اليوم السابع، فعملية الخلق يسيرة على إله كلي القدرة لا يحتاج إلا أن يقول “كن فيكون”. خلق الله العالم لغاية محددة، داعياً البشر للتأمل في “آياته” في الطبيعة، كتعاقب الليل والنهار وتنوع اللغات والألوان، كآثار لرحمته.

يتناول القرآن مسألة خلق الإنسان من زاويتين: زاوية تُعلي من شأن الإنسان، حيث جعله الله “خليفة” في الأرض ونفخ فيه من روحه وأمر الملائكة بالسجود له، وزاوية تضعف الإنسان بتذكيره بأطوار خلقه من طين ونطفة وعلقة، ليظل مفتقراً تماماً إلى خالقه. كما يتأرجح وصف الله بين القوة والعذاب الشديد للكافرين، والرحمة الواسعة التي وسعت كل شيء، حيث تفتتح كل السور تقريباً بـ “بسم الله الرحمن الرحيم”.

السنة، الشريعة، والصدع الأعظم 

 ينقلنا الكاتب فيتزروي موريسي إلى المحور الثاني الذي لا يقل أهمية في تشكيل العقل الإسلامي، وهو “السنة النبوية”، والتي تمثل التطبيق الحي والبيان العملي للرسالة السماوية. لم يكن النبي محمد مجرد ناقل للوحي، بل كان القائد، والمشرع، والقاضي، والمثل الأعلى الذي ينبغي للمسلمين أن يقتدوا به في أدق تفاصيل حياتهم، بدءاً من كيفية أداء الصلاة وتأدية مناسك الحج، وصولاً إلى آداب الطعام والشراب والتعاملات الاجتماعية المعقدة.

ومع انتقال النبي محمد إلى الرفيق الأعلى، واجهت الأمة الإسلامية الوليدة تحدياً غير مسبوق؛ فالوحي قد انقطع، والرقعة الجغرافية للدولة الإسلامية أخذت في الاتساع بشكل مذهل، حيث اندفعت الجيوش خارج شبه الجزيرة العربية لتسقط إمبراطوريات عتيدة كالإمبراطورية الساسانية الفارسية، وتقتطع أجزاء واسعة من الإمبراطورية البيزنطية. هذا التوسع السريع أدخل شعوباً وثقافات وعادات جديدة تحت مظلة الإسلام، مما فرض واقعاً جديداً مليئاً بالأسئلة والنوازل التي لم تكن موجودة في مجتمع مكة والمدينة البسيط. وفي خضم هذه التحولات الكبرى، أدرك المسلمون الأوائل أن الحفاظ على هوية الدين ونقائه يتطلب حفظ وتوثيق أقوال النبي وأفعاله وتقريراته، وهو ما عُرف لاحقاً بـ “الحديث النبوي”.

يستعرض الكاتب  كيف تحولت عملية جمع الحديث إلى واحدة من أعظم الحركات العلمية في التاريخ البشري. لم تكن العملية مجرد تدوين عشوائي، بل كانت أشبه بتأسيس علم نقدي متكامل صارم يُعرف بـ “علم الرجال” أو “الجرح والتعديل”. فقد تطلب الأمر من العلماء السفر لأشهر، واجتياز الصحاري والقفار، من الأندلس غرباً إلى خراسان شرقاً، لمجرد التحقق من صحة حديث واحد، والتدقيق في سيرة وموثوقية كل راوٍ في السلسلة (الإسناد) التي تنقل المتن عن النبي. وقد تمخضت هذه الجهود الجبارة، التي استمرت لقرون، عن ظهور مدونات كبرى باتت تُعرف بالكتب الستة الصحاح لدى أهل السنة، وعلى رأسها “صحيح البخاري” و”صحيح مسلم”، اللذان أصبحا المصدر التشريعي الثاني بعد القرآن الكريم، والينبوع الذي يستقي منه الفقهاء أحكامهم.

ومن رحم النص القرآني والسنة النبوية، ومع تعقد الحياة واتساع رقعة الدولة، وُلد صرح فكري هائل آخر يُعرف بـ “الفقه الإسلامي”، وهو الجهد البشري المبذول لاستنباط الأحكام الشرعية العملية من أدلتها التفصيلية. يغوص موريسي في تتبع نشأة وتطور المدارس الفقهية، أو ما يُعرف بـ “المذاهب الأربعة” السنية، والتي لم تنشأ كفرق متناحرة، بل كمدارس فكرية تتكامل وتتنوع في طرق استنباطها للأحكام. ففي الكوفة بالعراق، حيث البيئة الحضرية المعقدة والابتعاد النسبي عن موطن الحديث في الحجاز، برز الإمام أبو حنيفة النعمان ليؤسس مدرسة تعتمد بشكل كبير على العقل، والقياس، و”الرأي”، لإيجاد حلول شرعية لنوازل لم يرد فيها نص صريح. وفي المقابل، وفي مدينة رسول الله حيث الهدوء والتشبث بآثار النبوة، ظهر الإمام مالك بن أنس ليؤسس مذهباً يعتمد بالأساس على “عمل أهل المدينة”، باعتبار أن ممارسات مجتمع المدينة المنورة المتوارثة هي التجسيد الحي والمستمر للسنة النبوية.

ثم جاء الإمام محمد بن إدريس الشافعي، الذي يُعتبر مهندس أصول الفقه الإسلامي الحقيقي. فقد استطاع الشافعي، بعقليته الفذة وثقافته الواسعة التي جمعت بين فقه الحجاز وفقه العراق، أن يضع منهجية صارمة تُنظم عملية الاستنباط، وتحد من الاعتماد المفرط على الرأي الشخصي، وتجعل من النصوص الشرعية (القرآن والسنة الثابتة) الحكم النهائي، مع وضع قواعد منضبطة لاستخدام الإجماع والقياس. وأخيراً، جاء الإمام أحمد بن حنبل، الذي عُرف بتمسكه الشديد بالنصوص وحذره البالغ من استخدام القياس إلا في أضيق الحدود، مؤسساً بذلك المدرسة الحنبلية التي أصبحت الحارس الأمين للنص الأثري. هذه المدارس الأربعة شكلت البنية التحتية للقانون الإسلامي، الشريعة، التي ظلت تحكم المجتمعات الإسلامية وتوجه تفاصيل حياتها لقرون طويلة.

ولكن التاريخ الفكري للإسلام لم يكن مقصوراً على الهدوء الأكاديمي وجلسات الاستنباط الفقهي، بل تخللته زلازل سياسية واجتماعية عنيفة، كان لها الأثر الأعمق في تشكيل العقيدة ذاتها. وهنا يفتح الكاتب ملفاً من أهم وأعقد الملفات في التاريخ الإسلامي، وهو “الصدع الأعظم” الذي شق صف الأمة: الانقسام بين السنة والشيعة. يبدأ هذا الجرح التاريخي فور وفاة النبي، في سقيفة بني ساعدة، حيث اجتمع كبار الصحابة لاختيار خليفة للمسلمين. وفي حين تم مبايعة أبو بكر الصديق، رأى فريق آخر أن علي بن أبي طالب، ابن عم النبي وزوج ابنته فاطمة، هو الأحق بالخلافة، ليس فقط لقرابته، بل بناءً على إشارات وتوجيهات نبوية سابقة. ورغم أن علياً قد بايع الخلفاء الثلاثة الذين سبقوه (أبو بكر، عمر، عثمان)، إلا أن مسألة الأحقية ظلت كالجمر تحت الرماد.

تصاعدت التوترات السياسية بشكل دموي مع اغتيال الخليفة الثالث عثمان بن عفان، مما أدخل الأمة في حروب أهلية طاحنة عُرفت بـ “الفتنة الكبرى”. تربع علي على كرسي الخلافة، لكنه واجه معارضة شرسة من معاوية بن أبي سفيان في الشام، وانتهت الأمور باغتيال علي على يد جماعة “الخوارج”، وهم الذين مثلوا أول تيار متطرف يكفر مرتكب الكبيرة ويخرج على الحاكم المستقر. ومع استيلاء الأمويين على السلطة، وتحديداً في عام 680 ميلادية، وقعت المأساة الكبرى التي غيرت وجه التاريخ الفكري والروحي للشيعة للأبد: مذبحة كربلاء. ففي تلك الصحراء العراقية، قُتل الحسين بن علي، حفيد النبي، مع عدد قليل من أهل بيته وأنصاره، بطريقة مروعة على يد جيش الخليفة الأموي يزيد بن معاوية.

إن موريسي لا يعرض كربلاء كحدث تاريخي عابر، بل كمحفز لاهوتي عميق. فاستشهاد الحسين لم يعد مجرد هزيمة سياسية عابرة، بل تحول إلى رمز عالمي دائم لمقارعة الظلم والطغيان، وبؤرة التهاب عاطفي وروحاني تشكلت حوله الهوية الشيعية. ومن رحم هذا الألم، تطورت عقيدة “الإمامة” الشيعية، التي تختلف جذرياً عن مفهوم “الخلافة” السنية. فالخليفة السني هو حاكم سياسي يُختار من قبل الأمة لإدارة شؤونها الدنيوية وحماية الدين، بينما “الإمام” عند الشيعة هو منصب إلهي، ومرشد روحي معصوم من الخطأ، يمتلك فهماً باطنياً وعميقاً للنصوص المقدسة، ويُعين بنص إلهي يتوارثه آل البيت سلالة بعد سلالة. هذا الاختلاف السياسي الذي بدأ في السقيفة، تبلور عبر الزمن ليصبح منظومة لاهوتية، فقهية، وفلسفية متكاملة ومستقلة، انقسمت بدورها لاحقاً إلى فرق متعددة كالاثني عشرية، والإسماعيلية، والزيدية، لكل منها رؤيتها الخاصة للكون والتاريخ والسياسة.

لقد شكل تفاعل هذه المدارس الفقهية السنية مع التطورات اللاهوتية الشيعية، ومع التحديات التي فرضتها الفرق الأخرى كالخوارج، المشهد الفكري الأول للإسلام. ولكن هذا المشهد كان على وشك أن يشهد زلزالاً فكرياً من نوع آخر، مع بدء حركة الترجمة الكبرى وانفتاح العقل الإسلامي على الفلسفة اليونانية والمنطق الأرسطي في العصر العباسي، وهو ما سيؤدي إلى ظهور علم الكلام وتيارات المعتزلة والأشاعرة، وصعود نجوم الفلسفة الإسلامية.

صِدام العقل والنقل، الفلسفة، وتجليات الروح 

ينقلنا فيتزروي موريسي في كتابه إلى فصل جديد ومثير، يمثل ذروة الدراما الفكرية في التاريخ الإسلامي. فمع سقوط الأسرة الأموية في دمشق وصعود الخلافة العباسية عام 750 ميلادية، انتقل مركز الثقل الحضاري إلى مدينة جديدة شُيدت على ضفاف نهر دجلة: بغداد. لم تكن بغداد مجرد عاصمة سياسية وإدارية، بل تحولت بسرعة قياسية إلى “سُرَّة العالم” الفكرية والثقافية، البوتقة التي انصهرت فيها حضارات الفرس والهنود والسريان واليونان تحت مظلة إسلامية وعربية شاملة. وفي هذا المناخ الكوزموبوليتاني المفتوح، وتحت رعاية الخلفاء العباسيين، انطلقت أضخم حركة ترجمة عرفها التاريخ القديم، حيث نُقلت كنوز الفلسفة والطب والرياضيات اليونانية، ولا سيما أعمال أرسطو وأفلاطون وأفلوطين، إلى اللغة العربية في مؤسسات علمية كبرى مثل “بيت الحكمة”.

هذا الانفتاح الهائل على التراث الإغريقي لم يمر دون إحداث زلازل ارتدادية عنيفة في بنية العقل الإسلامي. فقد وجد المسلمون أنفسهم في مواجهة مباشرة مع منظومات فكرية تعتمد على المنطق الصارم والبرهان العقلي المجرد لتفسير الكون والطبيعة الإلهية. ومن هنا، كما يوضح الكاتب ببراعة تحليلية، نشأ “علم الكلام” الإسلامي، وهو اللاهوت الدفاعي الذي استخدم الجدل المنطقي والأدوات العقلية اليونانية للدفاع عن العقائد الإسلامية ضد المشككين من أتباع الديانات الأخرى والزنادقة. وفي طليعة هؤلاء المتكلمين برز تيار “المعتزلة”، وهم المفكرون العقلانيون الذين أسسوا مدرسة كلامية جبارة رفعت شعار العقل وجعلته حاكماً حتى على ظاهر النصوص الدينية إذا تعارضت معه.

لقد ارتكز فكر المعتزلة على مبدأين أساسيين: التوحيد والعدل. ففي سبيل تنزيه الله تنزيهاً مطلقاً، رفض المعتزلة إثبات أي صفات أزلية لله زائدة عن ذاته، كي لا يتعدد القدماء، وأولوا كل الآيات القرآنية التي توحي بتشبيه الله بخلقه (كاليد والعين والاستواء على العرش) تأويلاً مجازياً. ومن رحم هذا التنزيه المطلق، فجر المعتزلة أخطر قنبلة لاهوتية في التاريخ الإسلامي، وهي القول بـ “خلق القرآن”؛ إذ رأوا أن كلام الله لا يمكن أن يكون قديماً أزلياً معه، بل هو مخلوق مُحْدَث كباقي المخلوقات. أما في مبدأ العدل، فقد دافع المعتزلة بشراسة عن الإرادة الحرة للإنسان، رافضين عقيدة الجبر المطلق، مؤكدين أن الله العادل لا يمكن أن يخلق أفعال العباد الشريرة ثم يعاقبهم عليها، بل الإنسان هو الخالق لأفعاله والمحاسب عليها.

تحولت هذه النقاشات الفلسفية المعقدة من أروقة المساجد والمدارس إلى دهاليز السياسة وأقبية السجون، وذلك عندما تبنى الخليفة العباسي المأمون فكر المعتزلة كعقيدة رسمية للدولة، وفرضها بقوة السيف والسوط في ما عُرف تاريخياً بـ “المحنة”. تعرض العلماء والفقهاء التقليديون، وعلى رأسهم الإمام أحمد بن حنبل، لتعذيب وتنكيل شديدين لرفضهم القول بخلق القرآن، متمسكين بظاهر النصوص وحرفيتها. ورغم قسوة المحنة، إلا أنها انتهت بانتصار شعبي كاسح للتيار السني التقليدي (أهل الحديث)، وتراجع النفوذ المعتزلي، مما شكل نقطة تحول حاسمة أدت إلى ولادة تيار وسطي جديد سيطر على العقل السني لقرون، وهو التيار “الأشعري”.

يغوص موريسي في تفكيك العبقرية اللاهوتية لأبي الحسن الأشعري، الذي كان معتزلياً متحمساً قبل أن ينشق عنهم في الأربعين من عمره، ليؤسس مدرسة تهدف إلى التوفيق بين النقل والعقل. استخدم الأشعري أدوات المعتزلة المنطقية ذاتها لتحطيم استنتاجاتهم؛ فأثبت لله صفاته الأزلية دون تشبيه، وأقر بأن القرآن كلام الله القديم غير المخلوق في جوهره، ولكنه مخلوق في حروفه وأصواته المتلوة. ولحل معضلة حرية الإرادة مقابل القدرة الإلهية الشاملة، ابتكر الأشعري نظرية “الكسب” العميقة، التي تقرر أن الله هو الخالق الأوحد لكل شيء بما في ذلك أفعال العباد، لكن الإنسان “يكتسب” هذا الفعل بصدور إرادته نحوه، مما يحقق التوازن الدقيق بين القدرة الإلهية والمسؤولية البشرية. وقد نجحت المدرسة الأشعرية، ومعها المدرسة الماتريدية الموازية لها، في أن تصبح العقيدة الرسمية للأغلبية الساحقة من أهل السنة والجماعة حتى العصر الحديث.

بالتوازي مع صخب علم الكلام، كان هناك مسار فكري آخر يشق طريقه في سماء الحضارة الإسلامية، وهو مسار “الفلسفة” (الفلاسفة الإسلاميون). يوضح الكاتب كيف اختلف الفلاسفة، مثل الكندي والفارابي، عن المتكلمين؛ فبينما كان المتكلمون ينطلقون من النص الديني لمحاولة إثباته بالعقل، كان الفلاسفة ينطلقون من العقل والبرهان الخالص للوصول إلى الحقيقة الكلية، مؤمنين بأن الفلسفة والدين هما طريقان مختلفان يؤديان إلى حقيقة واحدة. وقد بلغت الفلسفة الإسلامية المشائية (ذات الجذور الأرسطية والأفلاطونية المحدثة) ذروتها المطلقة مع العبقري الفذ ابن سينا (أبو علي الحسين بن عبد الله بن الحسن بن علي بن سينا).

لقد أحدث ابن سينا ثورة أنطولوجية (في علم الوجود) لا تزال تتردد أصداؤها في الفلسفة العالمية حتى اليوم، من خلال تفريقه الحاسم بين “الماهية” و”الوجود”. وفقاً لابن سينا، كل الكائنات في الكون هي “ممكنة الوجود”، أي أن وجودها ليس نابعاً من ذاتها، بل تحتاج إلى عِلة خارجية لتخرجها من العدم إلى الوجود. وسلسلة الأسباب هذه لا يمكن أن تتسلسل إلى ما لا نهاية، بل يجب أن تنتهي عند كائن يختلف عن كل الكائنات، كائن ماهيته هي عين وجوده، وهو “واجب الوجود” بذاته، أي الله. ورغم هذه العبقرية التي قدمت برهاناً فلسفياً متماسكاً على وجود الله، إلا أن الفلاسفة اصطدموا بعنف مع العقائد الإسلامية الأرثوذكسية في مسائل ثلاث خطيرة: القول بقدم العالَم وأزليته، وإنكار علم الله بالجزئيات الدنيوية المتغيرة، وإنكار الحشر الجسدي يوم القيامة والقول بحشر الأرواح فقط.

هنا، يبرز على مسرح التاريخ الفكري واحد من أعظم عقول الإسلام على الإطلاق، وهو حجة الإسلام أبو حامد الغزالي. يصف موريسي كيف عاش الغزالي أزمة روحية وشكية طاحنة قادته لترك منصبه  المرموق في بغداد للبحث عن الحقيقة الصافية. وقد وجه الغزالي ضربة قاصمة للفلسفة النيو-أفلاطونية المشرقية من خلال كتابه الشهير “تهافت الفلاسفة”، حيث استخدم المنطق الفلسفي ذاته لتفكيك تناقضات الفلاسفة، وكفرهم في المسائل الثلاث المذكورة آنفاً، مؤكداً على حرية الإرادة الإلهية وقدرة الله على خلق المعجزات التي تنفي قانون السببية الحتمي الذي نادى به الفلاسفة. ورغم المحاولة التي قام بها الفيلسوف الأندلسي العظيم ابن رشد لاحقاً لرد الاعتبار للفلسفة من خلال كتابه “تهافت التهافت”، وللتوفيق بين الحكمة والشريعة، إلا أن كتابات الغزالي كانت قد حسمت المعركة في المشرق الإسلامي، بينما انتقلت شعلة ابن رشد العقلانية لتضيء دروب أوروبا في العصور الوسطى وتساهم في إيقاظها .

لم يكن نقد الغزالي للفلسفة وعلم الكلام نقداً هداماً فحسب، بل كان تمهيداً لمشروعه الأكبر، وهو دمج “التصوف” في صلب الأرثوذكسية الإسلامية. يفرد الكاتب مساحة واسعة لتحليل نشأة وتطور التصوف (الروحانية الإسلامية)، والذي بدأ في القرون الأولى كحركة “زهد” فردية قادها رجال مثل الحسن البصري، رداً على الغوص في الملذات الدنيوية والثراء الفاحش الذي ميز العصور الأموية والعباسية. سرعان ما تطور هذا الزهد السلبي إلى حالة إيجابية من “العشق الإلهي”، تتجسد في شخصية المتصوفة الشهيرة رابعة العدوية، التي نادت بعبادة الله حباً في ذاته، لا طمعاً في جنته ولا خوفاً من ناره.

مع مرور الوقت، تعمق التصوف ليصبح نظاماً معرفياً وروحياً متكاملاً يهدف إلى تصفية القلب والوصول إلى المعرفة الذوقية المباشرة (الكشف)، بدلاً من المعرفة العقلية الجافة. ظهرت مفاهيم عميقة مثل “الفناء” (فناء الأنا البشرية) و”البقاء” (البقاء في الله)، وشهد العالم الإسلامي توتراً شديداً بين فقهاء الشريعة (الذين يهتمون بالظاهر والقانون) وشيوخ الحقيقة (الذين يهتمون بالباطن والروح). وقد بلغ هذا التوتر ذروته المأساوية مع إعدام المتصوف “الحسين بن منصور الحلاج” في بغداد لقوله في حالة من السكر الروحي: “أنا الحق”.

كان إنجاز الغزالي التاريخي في كتابه الموسوعي “إحياء علوم الدين” هو أنه أقام جسراً آمناً بين فقه الظاهر وتصوف الباطن. أثبت الغزالي أن الشريعة بدون روحانية التصوف هي مجرد قشور جافة ورياء مركب، وأن التصوف بدون الالتزام الصارم بالشريعة هو هرطقة ومروق. وبفضل هذا التوليف الغزالي العبقري، تم تشريع التصوف المعتدل (تصوف الصحو) ليصبح مكوناً أصيلاً ومحترماً ضمن التيار الرئيسي للإسلام السني، مما مهد الطريق لظهور الطرق الصوفية المؤسسية الكبرى، وبروز عباقرة التصوف الفلسفي الأكبر كابن عربي وجلال الدين الرومي، وهي التحولات الكبرى التي قادت العالم الإسلامي نحو عصور الإمبراطوريات المتأخرة ومشارف الحداثة.

وحدة الوجود، مطرقة السلفية، وعصر الإمبراطوريات 

إذا كان الإمام أبو حامد الغزالي قد نجح، في ترويض التصوف وإدخاله إلى قلب المؤسسة الدينية السنية، فإن هذا الترويض لم يكن نهاية المطاف بالنسبة للتجربة الروحية الإسلامية، بل كان مجرد نقطة انطلاق نحو آفاق ميتافيزيقية غير مسبوقة. ينقلنا الباحث فيتزروي موريسي  إلى الأندلس في القرن الثاني عشر الميلادي، حيث وُلد رجل سيُحدث زلزالاً فكرياً وروحياً سيتردد صداه في كل أرجاء العالم الإسلامي حتى يومنا هذا؛ إنه محيي الدين بن عربي، المُلقب بـ “الشيخ الأكبر”. لم يكن ابن عربي مجرد زاهد يبحث عن الخلاص الفردي، بل كان فيلسوفاً صوفياً جباراً، ادعى أنه يتلقى المعرفة مباشرة من خلال الكشف والإلهام الإلهي، وأسس منظومة فكرية هائلة تُعد من أعقد المنظومات الميتافيزيقية في تاريخ الفكر البشري بأسره.

يكمن جوهر المشروع الفكري لابن عربي في عقيدة “وحدة الوجود”. ورغم أن ابن عربي لم يستخدم هذا المصطلح حرفياً في كتاباته، إلا أن مجمل أعماله، وعلى رأسها “فصوص الحكم” و”الفتوحات المكية”، تدور حول هذه الفكرة المركزية. يرى الشيخ الأكبر أن الوجود الحقيقي الوحيد في الكون هو وجود الله، وأن كل ما نراه في هذا العالم المادي ليس سوى تجليات وانعكاسات لأسماء الله وصفاته. فالكون، في المنظور الأكبري، هو أشبه بمرآة تتجلى فيها الذات الإلهية لتعرف نفسها. هذا الطرح الجريء محا الحدود التقليدية الصارمة بين الخالق والمخلوق التي أسس لها علم الكلام التقليدي، وجعل من الإنسان، وتحديداً “الإنسان الكامل”، ذروة هذا التجلي الكوني، وبرز النبي محمد في هذا السياق ليس فقط كشخصية تاريخية، بل كـ “حقيقة محمدية” أزلية تمثل القطب الذي يدور حوله فلك الوجود برمته.

ولم تقف هذه الأفكار الميتافيزيقية عند حدود النخبة المثقفة في دمشق أو الأندلس، بل وجدت طريقها إلى قلوب الجماهير وعقولهم عبر وسيط ساحر لا يقاوم: الشعر الفارسي. يبرز الكاتب كيف تلقف المتصوفة الكبار، وعلى رأسهم جلال الدين الرومي، هذه المعاني الفلسفية المعقدة وحولوها إلى أشعار وجدانية ملتهبة تعبر عن العشق الإلهي وألم الانفصال عن الأصل السماوي. كتاب “المثنوي” للرومي، الذي وُصف بأنه “قرآن باللغة الفارسية”، لعب دوراً حاسماً في نشر هذا الوعي الصوفي العميق في جميع أنحاء آسيا الوسطى وشبه القارة الهندية والأناضول، مما جعل التصوف الفلسفي الأكبري الصبغة المهيمنة على الروحانية الإسلامية لقرون طويلة، ومحوراً تدور حوله مئات الطرق الصوفية التي نظمت الحياة الاجتماعية والروحية للمسلمين.

ولكن، وكما يعلمنا التاريخ الفكري دائماً، فإن لكل فعل كوني رد فعل يوازيه في القوة ويعاكسه في الاتجاه. فبينما كانت أرواح المتصوفة تحلق في سماوات “وحدة الوجود”، كان العالم الإسلامي على الأرض يتعرض لأسوأ كارثة جيوسياسية في تاريخه: الاجتياح المغولي. ففي عام 1258 ميلادية، اجتاحت جحافل المغول بغداد، ودمرت عاصمة الخلافة العباسية، وأنهت قروناً من الهيمنة السياسية السنية المركزية. ومن رحم هذه الصدمة المروعة والدمار الشامل، برز في دمشق صوت راديكالي صارم، رفض كل هذه التوليفات الفلسفية والصوفية، واعتبرها سبب الانحطاط والهزيمة؛ إنه تقي الدين أحمد بن تيمية، العالم الحنبلي الفذ الذي سيصبح الأب الروحي لكل الحركات السلفية والإصلاحية المتشددة في العصر الحديث.

يتطرق موريسي  لتحليل مشروع ابن تيمية الفكري، والذي اعتمد على مبدأ واحد صارم: العودة غير المشروطة إلى نقاء الإسلام الأول، أو ما يُعرف بـ “السلف الصالح”. شن ابن تيمية هجوماً عنيفاً ومزدوجاً؛ فهاجم الفلاسفة والمتكلمين لاستخدامهم المنطق اليوناني الذي اعتبره بدعة تفسد صفاء العقيدة، وأكد على ضرورة فهم صفات الله القرآنية كما جاءت دون تأويل مجازي أو تعطيل. وفي الجبهة الأخرى، وجه ابن تيمية سهامه القاتلة نحو التصوف الأكبري، مكفراً القائلين بوحدة الوجود لاعتبارهم يمحون الفرق بين الخالق والمخلوق، وشن حرباً لا هوادة فيها على الممارسات الشعبية الصوفية مثل زيارة قبور الأولياء والتوسل بهم، معتبراً إياها شكلاً من أشكال الشرك الأصغر الوثني الذي يتناقض مع جوهر التوحيد الإسلامي.

لم يكتفِ ابن تيمية بالتنظير العقائدي، بل وظف فقهه في خدمة الواقع السياسي المضطرب. فقد أصدر فتاوى شهيرة، عُرفت بـ “فتاوى ماردين”، أوجب فيها قتال التتار (المغول) رغم إعلانهم اعتناق الإسلام، مجادلاً بأن إسلامهم كان اسمياً لأنهم لم يطبقوا الشريعة الإسلامية واستمروا في التحاكم إلى قانونهم العشائري “الياسق”. وبهذا، أعاد ابن تيمية تعريف مفهوم “الجهاد” ليصبح فريضة عينية لمواجهة الأعداء الخارجيين، والأسوأ من ذلك، لمواجهة الحكام الذين ينتسبون للإسلام ولكنهم لا يطبقون شرائعه. ورغم أن ابن تيمية قضى جزءاً كبيراً من حياته في السجون وتوفي خلف القضبان في قلعة دمشق بسبب أفكاره الصدامية، إلا أن كتاباته ظلت كالجمر تحت الرماد، تنتظر قروناً لتنفجر في الجزيرة العربية على يد محمد بن عبد الوهاب، ثم لتصبح المرجعية الأيديولوجية الكبرى لجماعات الإسلام السياسي والجهادي في القرن العشرين.

بعد أن استعرض الكاتب هذا الصدام الملحمي بين صوفية ابن عربي وسلفية ابن تيمية، تنقلنا الكاميرا التاريخية لتتسع صورتها وتغطي مشهداً جديداً بالكامل في القرن السادس عشر الميلادي. فبعد زوال صدمة المغول، لم تعد الخلافة العربية المركزية، بل انقسم العالم الإسلامي إلى ثلاث إمبراطوريات ضخمة، قوية، ومسلحة بالبارود: الإمبراطورية العثمانية في الأناضول والشرق الأوسط، الإمبراطورية الصفوية في إيران، والإمبراطورية المغولية في الهند. لم تكن هذه الإمبراطوريات مجرد كيانات عسكرية، بل كانت مختبرات فكرية كبرى أعادت صياغة العلاقة بين الدين والدولة، وأنتجت كل منها هويتها الدينية المستقلة التي لا تزال آثارها باقية حتى اليوم.

نبدأ مع الإمبراطورية العثمانية، التي يصفها موريسي بأنها أعظم دولة إسلامية في التاريخ من حيث البقاء والتأثير والاتساع الجغرافي. تميز العثمانيون بقدرة تنظيمية بيروقراطية مذهلة؛ فقد حولوا طبقة علماء الدين إلى موظفين حكوميين متدرجين في سلم هرمي صارم على رأسه “شيخ الإسلام”، الذي كان يعينه السلطان نفسه. فكرياً، تبنى العثمانيون المذهب الحنفي في الفقه والمذهب الماتريدي في العقيدة، ولكن العبقرية العثمانية تجلت في قدرتهم على دمج الشريعة الإسلامية مع “القانون” (قانون الدولة السلطاني) لتلبية احتياجات إمبراطورية شاسعة ومعقدة. علاوة على ذلك، تبنى العثمانيون التصوف بشكل رسمي، وأصبحت الطرق الصوفية مثل المولوية والبكتاشية (التي ارتبطت جيش الإنكشارية العظيم) جزءاً لا يتجزأ من هوية الدولة وعقيدتها العسكرية والمدنية، في توليفة فريدة جمعت بين صرامة الفقه وانفتاح الروح.

وبينما كان العثمانيون يبنون إمبراطوريتهم السنية السائدة، حدث زلزال ديني من نوع آخر في الهضبة الإيرانية المجاورة. ففي أوائل القرن السادس عشر، صعد الشاه إسماعيل الصفوي إلى السلطة، واتخذ قراراً تاريخياً حاسماً بفرض المذهب الشيعي الاثني عشري كمذهب رسمي للدولة بقوة السلاح، محولاً إيران ذات الأغلبية السنية آنذاك إلى المعقل الأكبر للتشيع في العالم. ولأن إيران لم تكن تمتلك العدد الكافي من العلماء الشيعة لتثبيت دعائم هذه الهوية الجديدة، استورد الصفويون كبار الفقهاء الشيعة من جبل عامل في لبنان ومن البحرين. هذا التأسيس الممنهج خلق طبقة من رجال الدين الشيعة (المجتهدين) الذين تضخم نفوذهم الاقتصادي والاجتماعي بمرور الوقت، مستقلين بشكل متزايد عن سلطة الشاه نفسه. وفي هذا المناخ، ازدهرت مدرسة فكرية فريدة عُرفت بـ “مدرسة أصفهان”، وتوجت بجهود الفيلسوف العظيم “ملا صدرا”، الذي ابتكر ما يُعرف بـ “الحكمة المتعالية”، وهي نسق فكري مذهل نجح في الدمج بين الفلسفة المشائية، والإشراق السهروردي، وتصوف ابن عربي، وعقائد الإمامة الشيعية، في قالب أنطولوجي متماسك لا يزال يُدرس في الحوزات العلمية حتى اليوم.

أما في شبه القارة الهندية، فقد كانت الإمبراطورية المغولية الإسلامية تواجه معضلة ديموغرافية ولاهوتية مختلفة تماماً؛ إذ كان عليهم أن يحكموا كأقلية مسلمة وسط محيط هائل من الهندوس والسيخ والبوذيين. هذه البيئة ولدت توتراً فكرياً استثنائياً بين تيارين متعارضين. التيار الأول قاده الإمبراطور جلال الدين أكبر، الذي تبنى نهجاً شديد التسامح وصل إلى حد الابتداع، محاولاً تأسيس دين توافقي جديد أسماه “دين إلهي”، يدمج فيه عناصر من الإسلام والهندوسية والمسيحية والزرادشتية، لإذابة الفوارق الدينية في دولته. وفي المقابل، برز التيار السني المحافظ الذي اعتبر سياسات أكبر تهديداً لوجود الإسلام نفسه، وقاد هذا التيار الشيخ الصوفي السلفي أحمد السرهندي، الملقب بـ “مجدد الألف الثاني”. قاد السرهندي حركة تصحيحية صارمة داخل الطريقة النقشبندية، ورفض عقيدة “وحدة الوجود” لابن عربي، مستبدلاً إياها بعقيدة “وحدة الشهود”، التي تؤكد على التباين المطلق بين الخالق والمخلوق، داعياً إلى التمسك الحرفي بالشريعة والسنة، وهو النهج الذي انتصر في النهاية وتُوج بسياسات الإمبراطور أورنجزيب المتشددة.

هكذا استقرت خرائط الفكر الإسلامي لقرون تحت مظلة هذه الإمبراطوريات الثلاث العظيمة. عاشت هذه الدول فترات من الاستقرار والازدهار الثقافي والعمراني الذي أبهر العالم. ولكن، مع حلول القرن الثامن عشر والتاسع عشر، بدأت عجلة التاريخ في الدوران باتجاه مختلف تماماً. فقد بدأت هذه الإمبراطوريات في الترهل والضعف الداخلي، في وقت كانت فيه أوروبا تستيقظ من سباتها وتتسلح بالعلم الحديث، والصناعة، والتفوق العسكري الكاسح. هذا الاصطدام المروع بين عالم إسلامي تقليدي يتراجع، وغرب كولونيالي حداثي يتقدم بشراسة، سيخلق أعمق أزمة فكرية ووجودية في تاريخ الإسلام قاطبة، وسيمهد لولادة الحركات الإصلاحية، وتيارات الحداثة، وتفجر تيارات الإسلام السياسي.

صدمة الحداثةو ثورة الإصلاح

 تركنا العالم الإسلامي وهو يعيش حالة من الترهل والجمود المؤسسي الذي بدأ يزحف ببطء نحو مفاصل الدول العثمانية والصفوية والمغولية. ومع إشراقة القرن الثامن عشر، وقبل أن تضرب رياح التغريب العاتية شواطئ الشرق، يشير فيتزروي موريسي إلى حركة فكرية تنبثق من قلب الصحراء العربية القاحلة، بعيداً عن حواضر الثقافة التقليدية كالقاهرة ودمشق وإسطنبول. هذه الحركة ستغير وجه التاريخ الديني والسياسي للمنطقة للأبد؛ إنها الحركة الوهابية التي أسسها الشيخ محمد بن عبد الوهاب في نجد. لم يكن ابن عبد الوهاب مجدداً بالمعنى الحداثي، بل كان استمراراً متشدداً لخط الإمام أحمد بن حنبل وتقي الدين بن تيمية، حيث شن حملة تطهيرية شرسة ضد ما اعتبره انحرافات عقدية وتراكمات بدعية لوثت صفاء التوحيد الإسلامي.

رأى ابن عبد الوهاب أن العالم الإسلامي قد غرق في “جاهلية” جديدة بسبب انتشار الممارسات الصوفية الشعبية، كالتبرك بقبور الأولياء والصالحين، وطلب الشفاعة منهم، وهو ما اعتبره شركاً صريحاً يخرج فاعله من الملة. وفي خطوة براغماتية ستعيد رسم خريطة الجزيرة العربية، تحالف هذا الخطاب الديني المتشدد مع القوة العسكرية والسياسية للأمير محمد بن سعود، مؤسساً بذلك الدولة السعودية الأولى. هذا التحالف بين “السيف والمصحف” وفر للمذهب السلفي الوهابي ذراعاً مسلحة مكنته من التمدد الجغرافي وفرض رؤيته الصارمة للإسلام، والتي تميزت برفض قاطع للتأويل الكلامي، والعداء السافر للتصوف الفلسفي والشعبي على حد سواء، والاعتماد الحرفي والمطلق على ظواهر النصوص القرآنية والأحاديث النبوية. ورغم أن الدولة العثمانية تمكنت من سحق هذه الحركة عسكرياً في بدايات القرن التاسع عشر عبر جيوش محمد علي باشا، إلا أن بذور الفكر الوهابي ظلت حية، لتشكل لاحقاً الرافد الأساسي للتيارات السلفية المعاصرة.

وبينما كانت الصحراء تشهد هذا الغليان الداخلي، كانت السواحل الإسلامية على موعد مع زلزال من نوع آخر. ففي عام 1798 ميلادية، رست سفن الأسطول الفرنسي بقيادة نابليون بونابرت على شواطئ الإسكندرية، لتدشن بداية عصر الاستعمار الأوروبي الكولونيالي للعالم الإسلامي. لم تكن صدمة الحملة الفرنسية عسكرية فحسب، بل كانت في جوهرها صدمة حضارية ووجودية؛ فقد اكتشف المسلمون، الذين اعتادوا لقرون طويلة على الشعور بالتفوق العقائدي والسياسي، أن الغرب “الكافر” قد تجاوزهم بأشواط هائلة في مجالات العلوم والتكنولوجيا والتنظيم العسكري والمؤسسي. تتالت الهزائم والانكسارات، فسقطت الهند في قبضة التاج البريطاني، وتوغلت روسيا في آسيا الوسطى والقوقاز، وتقاسمت بريطانيا وفرنسا أراضي الإمبراطورية العثمانية المريضة. وفي ظل هذا الانهيار الشامل، برز السؤال المؤلم الذي سيقض مضاجع المفكرين المسلمين لقرنين من الزمان: “لماذا تأخر المسلمون وتقدم غيرهم؟”.

استجابة لهذا التحدي الوجودي الساحق، يسلط الكتاب الضوء على ولادة تيار “الإصلاح الإسلامي” أو ما يُعرف بـ “النهضة”، والذي حاول تقديم إجابات توفيقية تنقذ الإسلام من براثن الجمود التقليدي وتجعله قادراً على مواجهة استحقاقات الحداثة الغربية. في طليعة هذا التيار يقف المفكر الثائر جمال الدين الأفغاني، الذي جاب العواصم الإسلامية والأوروبية مبشراً بفكرة “الجامعة الإسلامية”. أدرك الأفغاني أن التشرذم هو سبب الضعف، فدعا إلى توحيد الشعوب الإسلامية سياسياً لمواجهة الإمبريالية الغربية، مؤكداً في الوقت ذاته أن الإسلام في جوهره دين يحث على إعمال العقل وطلب العلم، وأن الخلل يكمن في المسلمين المتخلفين وليس في الإسلام نفسه.

تلقف التلميذ النجيب للأفغاني، الإمام المصري محمد عبده، هذه الشعلة، ولكنه حول مسارها من العمل السياسي الثوري المباشر إلى الإصلاح التعليمي والفكري العميق. كان مشروع محمد عبده ينطلق من ضرورة تحرير العقل المسلم من قيد “التقليد” الأعمى للمذاهب الفقهية القديمة، وإعادة فتح باب “الاجتهاد” لفهم النصوص الدينية في ضوء متطلبات العصر الحديث. دعا عبده إلى تنقية الإسلام من الخرافات، وشدد على عدم وجود تعارض حقيقي بين العقل والنقل، أو بين العلم الحديث وجوهر الدين المتمثل في القرآن. وفي الهند، اتخذ هذا التيار الإصلاحي شكلاً أكثر راديكالية وعقلانية على يد السيد أحمد خان، الذي أسس جامعة عليكرة العريقة، وذهب إلى حد إعادة تأويل كل المعجزات والغيبيات القرآنية لتتوافق تماماً مع قوانين الطبيعة والعلوم الفيزيائية الحديثة، داعياً إلى التعاون والانفتاح الكامل على الحضارة البريطانية باعتبارها ممثلة للتقدم البشري.

إلا أن مسار النهضة هذا لم يستمر في خطه العقلاني المتفائل طويلاً. فمع تزايد الهيمنة الغربية، وسقوط الخلافة العثمانية رسمياً عام 1924 على يد مصطفى كمال أتاتورك، تعرض الوجدان الإسلامي لصدمة نفسية لا توصف. لقد اختفت المؤسسة السياسية والرمزية التي كانت تمثل وحدة الأمة منذ وفاة النبي، وحلت محلها دول وطنية علمانية مُصطنعة رُسمت حدودها وفقاً لاتفاقيات استعمارية مثل سايكس بيكو. في خضم هذا الفراغ المروع والشعور باليتم السياسي، وُلدت ظاهرة “الإسلام السياسي” أو الإسلام الحركي المعاصر. يتتبع موريسي هذه الولادة العسيرة انطلاقاً من مدينة الإسماعيلية في مصر عام 1928، حيث أسس المدرس الشاب حسن البنا جماعة “الإخوان المسلمين”. لم يكتفِ البنا بالدعوة الفردية أو الإصلاح التعليمي، بل طرح الإسلام كـ “نظام شامل” يتعاطى مع كل شؤون الحياة؛ فهو دين ودولة، ومصحف وسيف، واقتصاد واجتماع. كان الهدف النهائي هو أسلمة المجتمع من القاعدة إلى القمة تمهيداً لإعادة إقامة دولة الخلافة المفقودة.

ومع تصاعد الأنظمة القومية العسكرية في العالم العربي، واشتداد القمع ضد الحركات الإسلامية، انتقل الإسلام السياسي من مرحلة الدعوة والمشاركة إلى مرحلة الصدام الراديكالي والتكفير. وهنا يبرز اسم المنظر الأخطر في تاريخ الحركات الإسلامية المعاصرة: سيد قطب. في زنزانته الانفرادية، صاغ قطب نظرية متكاملة نسفت أسس المجتمعات القائمة؛ فقد أعلن في كتابه المرجعي “معالم في الطريق” أن العالم بأسره، بما في ذلك المجتمعات التي تدعي الإسلام، قد ارتد إلى حالة من “الجاهلية” المطلقة، لأنها ارتضت أن تُحكم بقوانين وضعية من صنع البشر بدلاً من الشريعة الإلهية. وعليه، أحيا قطب مفهوم “الحاكمية” (السيادة المطلقة لله في التشريع)، وجعل “الجهاد” المسلح فريضة لتقويض هذه الأنظمة الجاهلية وإقامة مجتمع إسلامي نقي. وقد شكلت هذه الأفكار القطبية المتطرفة، الممزوجة بالصلابة السلفية الوهابية، الحاضنة الأيديولوجية الكبرى التي خرجت من عباءتها لاحقاً كل التنظيمات الجهادية المعاصرة، من القاعدة إلى تنظيم الدولة الإسلامية (داعش).

ولم يقتصر صعود الإسلام السياسي على العالم السني فحسب، بل شهد العالم الشيعي تحولاً زلزالياً أشد عنفاً وتأثيراً. يشرح الكاتب كيف كسر الإمام روح الله الخميني في إيران قروناً طويلة من التراث الشيعي الذي كان يميل إلى “التقية” والانتظار السلبي لعودة الإمام المهدي الغائب. ابتكر الخميني نظرية سياسية وفقهية ثورية عُرفت بـ “ولاية الفقيه المرجعية”، والتي تمنح كبار رجال الدين الصلاحيات السياسية المطلقة للحكم وإدارة الدولة نيابة عن الإمام الغائب. وبفضل هذه الكاريزما الجماهيرية والتنظير الفقهي الجديد، نجحت الثورة الإسلامية الإيرانية عام 1979 في الإطاحة بنظام الشاه المدعوم أمريكياً، وتأسيس أول جمهورية إسلامية ثيوقراطية في العصر الحديث، مما أدى إلى تصدير الثورة وإشعال تنافس جيوسياسي وطائفي حاد لا يزال يمزق نسيج منطقة الشرق الأوسط حتى اليوم.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى