سراب الاستقلالية ومصيدة العدمية

تُشكّل المسألة المتعلقة بكنه “الحرية الإنسانية” وموقعها داخل البناء الوجودي إحدى أكثر القضايا محورية وتأثيراً في التاريخ الفكري والإنساني على حد سواء. فالاستفسار عن طبيعة الإرادة وما إذا كانت ذاتية الاستقلال أم منتظمة ضمن تراتب كونىٍ أعظم ليس مجرد بحث فلسفي مجرد في أروقة الأكاديميا، بل هو اللبنة الأساسية التي تُبنى عليها الرؤى الأخلاقية، والنظم السياسية، والمفاهيم الاجتماعية، والمسارات الحضارية التي تصوغ شكل حياة البشر وأسلوب تعايشهم. وفي زماننا المعاصر، بات مفهوم “الحرية” متماثلاً تقريباً في الذهنية الفكرية الغربية المتردية مع فكرة “الاستقلالية الفردية المطلقة” (Autonomy)، وهي تلك الفكرة الحداثية التي ترى أن الحرية الحقيقية تنبع أساساً من تحلل الفرد من كل معيار خارجي، ومن كل تراتب ميتافيزيقي يستند إلى وجود مفارق أو نظام إلهي أو قانون وجودي كلي يحكم الكون.
في هذا السياق الفكري المقعد والحافل بالتحولات المفهومية، يأتي كتاب الباحث حسن سبايكر (Hasan Spiker) الصادر عام 2023 عن دار “نيو أندلس بريس” (New Andalus Press) تحت عنوان: Hierarchy and Freedom: An examination of some classical metaphysical and post-Enlightenment accounts of human autonomy (“التراتب والحرية: دراسة في بعض الطروحات الميتافيزيقية الكلاسيكية وطروحات ما بعد التنوير عن الاستقلالية الإنسانية”).
يقدم هذا الكتاب إسهاماً نقدياً وفلسفياً شاملاً يطرح تساؤلاً جذرياً يسير بعكس التيار السائد في الفكر الفلسفي الغربي الحديث: هل تفترض الحرية الإنسانية حقاً إلغاء “التراتب الميتافيزيقي” والنظام الوجودي للوجود، أم إن الحرية الأصيلة والمكتفية بذاتها لا تسنى لها الصيرورة والتحقق إلا في قلب نموذج كوني تراتبي يتأسس على التمايز والارتقاء الوجودي؟
يقف المؤلف حسن سبايكر من خلال تشريح فكري دقيق أمام أحد أكبر الأوهام التي غرسها الفكر الفلسفي لما بعد عصر التنوير؛ وهو الوهم القائل بأن “التراتب” (Hierarchy) يمثل نقيضاً حتمياً وخصماً لدوداً لـ “الحرية” (Freedom). يعيد سبايكر قراءة التاريخ الفكري الغربي، متنقلاً بحرفية بين أفلاطون والأفلاطونية المحدثة من جهة، وبين أقطاب الفلسفة الحديثة والتنويرية مثل جون لوك، وإيمانويل كانت، وحركات الفلسفة التحليلية والوجودية المعاصرة من جهة أخرى. وهو في مساره هذا لا يكتفي بإبراز الهشاشة المفهومية والاضطراب المنطقي الذي تعاني منه الطروحات التنويرية المتأخرة حول الاستقلالية الإنسانية، بل يقدم إعادة اعتبار نقدية وعميقة للأنطولوجيا الكلاسيكية؛ مبدياً كيف أن التراتب الوجودي المنظم والمبني على العقل والخير الأسمى هو الشرط المسبق الشارح والوحيد للحرية الممكنة والفعالة.
يبدأ سبايكر إطاره التحليلي بفك الارتباط القسري والتاريخي الذي أحدثته الفلسفة الحديثة بين المفهوم السياسي والمجتمعي للتراتب (والذي غالباً ما يُربط بالقمع والاستبداد السلطوي) وبين المفهوم “الميتافيزيقي والأنطولوجي” للتراتب. فقد أدى الخلط بين هاتين الدلالتين إلى نتيجتين كارثيتين على مستوى الممارسة والفكر: الأولى هي الاختزال التبسيطي للتراتب في الممارسات الاجتماعية القمعية للقرون الوسطى، والثانية هي افتراض أن التحرر الاجتماعي من الهياكل السلطوية الإقطاعية أو الكنسية يجب أن يستتبع بالضرورة نفي وإلغاء أي نظام تراتبي وجودي في بناء الكون والموجودات.
من هنا، يشرع سبايكر في تشريح الهيكل المنطقي للتراتب الأفلاطوني. فالتراتب في الرؤية الأفلاطونية والأفلاطونية المحدثة (ولاحقاً في التقاليد الميتافيزيقية الإسلامية والمسيحية) ليس نظاماً قسرياً يفرض قيوداً من الأعلى إلى الأسفل، بل هو تعبير عن “سلم الوجود” (Scale of Being) الذي ينتظم وفق معايير الحقيقة، والعقل، والخير الأسمى. إن الوجود وفق هذا التصور ليس مسطحاً ولا عشوائياً، بل ينطوي على مراتب تتمايز فيما بينها بمدى حظها من الكمال، والإشراق، والحقيقة الوجودية.
وتأسيساً على هذا المنظور الأنطولوجي التراتبي، فإن الحرية الإنسانية لا تُعرّف باعتبارها قدرة مجردة وعشوائية على الاختيار دونما موجه أو معيار (وهو ما بات يُعرف بالحرية السلبية أو الاستقلالية العشوائية)، بل تُعرّف على أنها القدرة الفعالة للنفس الإنسانية على الارتقاء الصاعد في سلم الوجود. إن الحرية بالمعنى الأفلاطوني الكلاسيكي هي “صعود إرادي” نحو الخير، وتحرر تدريجي من قبضة المادة والتشتت، واقتراب مستمر من الأصل العقلاني والميتافيزيقي الذي منح النفس وجودها وقدرتها على التفكير والتأمل.
وهنا يضع سبايكر يده على مفارقة فلسفية شديدة الأهمية: حين تفقد النفس الإنسانية خريطتها التراتبية في الوجود، وتتخلى عن فكرة وجود “خير أسمى” أو غاية أنطولوجية تسعى إليها، فإنها لا تصبح قادرة على ممارسة حرية حقيقية، بل تتحول إرادتها إلى استجابة عشوائية لنزوات انفعالية ولرغبات لا حصر لها، مما ينتهي بها في أتون عبودية حقيقية للشهوات وللمُدخلات الحسية الشتيتة. إن الانفصال عن التراتب الميتافيزيقي لا يُنتج الإرادة الحرّة والمستقلة كما توهم التنويريون، بل يُنتج ذواتاً هشة ومفككة تنقاد بالكامل للمؤثرات الخارجية والنزوات الذاتية بلا بوصلة أو معيار.
إن هذا التمهيد الفلسفي العميق يضع القارئ للكتاب على أعتاب مواجهة فكرية صريحة مع أسس الفلسفة الحديثة التي حاولت إعادة صياغة مفهوم الإنسان والعقل خارج أي إطار ميتافيزيقي شمولى؛ وهي المحاولة التي أفرد لها سبايكر تحليلاً استقصائياً نقدياً في فصول الكتاب اللاحقة، حيث تتكشف ثغرات العقلانية الحديثة ومآزقها المفاهيمية.
ينتقل الباحث حسن سبايكر في مساره التحليلي داخل الكتاب إلى تفكيك الركائز المعرفية والأنطولوجية التي اعتمدت عليها الفلسفة الحديثة في إحداث هذا القطع الجسيم مع التراث الميتافيزيقي الكلاسيكي. ويتوقف المؤلف بتمعن استثنائي عند اللحظة التأسيسية التي تشكَّل فيها المفهوم التجريبي والمادي للإنسان وللعقل، وهو التحول الذي قاده بشكل أساسي الفيلسوف الإنجليزي جون لوك، والعديد من أقطاب المدرسة التجريبية والحسية التي أعادت تعريف النفس الإنسانية وإدراكها الذاتي. لقد أدت الرؤية اللوكية للذهن الإنساني باعتباره “لوحاً أبيض” (Tabula Rasa) يستقبل الانطباعات الحسية من العالم الخارجي، إلى تفريغ العقل الإنساني من أي بنيوية ميتافيزيقية فطرية أو توجه غائي متأصل نحو الخير المطلق أو الحقيقة التراتبية.
يوضح سبايكر أن الفلسفة التجريبية، باختزالها للمعرفة والإرادة في مجرد ردود أفعال ميكانيكية وحسية متراكمة تعتمد على اللذة والألم، قد أسست لمنظور جديد بالكامل للحرية؛ مفهوم يجرد الإنسان من قدرته على الصعود والارتقاء الوجودي، ليحبسه داخل أطر الآلية والمادية الشاملة. فإذا كانت أفكار النفس ورغباتها وطاقتها الإرادية مجرد نتاج لسلسلة من المؤثرات الخارجية والانطباعات المادية المتتابعة، فإن مفهوم “الاستقلالية الذاتية” (Autonomy) يبدأ في الانهيار من الداخل، إذ كيف يمكن لذات تعتمد كلياً في بنائها المعرفي والأخلاقي على العوامل الحسية الخارجية أن تدعي امتلاك إرادة حرة ومستقلة بحق؟
وهنا يتجلى المأزق الفلسفي التاريخي الذي ورثته فلسفة التنوير: كيف يمكن التوفيق بين نظام عالمي مادي يشتغل وفق قوانين سببية جبرية صارمة، وبين المطالبة الأخلاقية والسياسية بوجود إنسان حر ومسؤول ومستقل بقادرة على تقرير مصيره؟ لقد حاول الفيلسوف الألماني إيمانويل كانت حل هذه المعضلة الحادة عبر مشروعه النظري النقدى الضخم، حيث سعى لإيقاف الزحف التجريبي السلبي وعزل الأخلاق عن العالم المادي المشهود، مفرقاً بين “العالم الظاهري” (Phenomenal World) الخاضع للحتمية والسببية الطبيعية الصارمة، وبين “العالم المعقول أو النومي” (Noumenal World) الذي يفترض فيه وجود الإرادة الحرّة والواجب الأخلاقي المستقل.
يقوم سبايكر بتقديم قراءة نقدية حادة ومحكمة للمشروع الكانتي؛ مؤكداً أن الاستقلالية الأخلاقية الكانتية (Kantian Autonomy) -على الرغم من نبل غاياتها الظاهرية وسعيها لإنقاذ الكرامة الإنسانية من براثن المادية الحسية- قد أوقعت الفكر الغربي في عزلة مفاهيمية أعمق وأكثر تعقيداً. فمن خلال إبعاد الميتافيزيقا الكلاسيكية، ونفي قدرة العقل البشري على النفوذ إلى جوهر الأشياء ومعرفة “الشيء في ذاته” (Thing-in-itself)، صَيَّر كانت العقل الإنساني مشرعاً معزولاً يفرض قوانينه الخاصة على عالم غريب عنه لا يتشارك معه في أية غائية أو تراتب وجودي.
إن الحرية الكانتية، وفق تشريح سبايكر، تصبح إرادة تشرّع لنفسها بذاتها في فراغ ميتافيزيقي. فهي لا تخضع لخير أسمى موجود بالفعل في بنية الكون لكي تهتدي به، بل تخلق “واجبها الأخلاقي” عبر الصورية المنطقية الصارمة والأمر المطلق. وهذا في نظرة المؤلف يمثل انزلاقاً خطيراً نحو الذاتية الانغلاقية؛ لأن الاستقلالية عندما تنفصل عن الركيزة الأنطولوجية للتراتب الميتافيزيقي، تتحول بالتدريج إلى مجرد إصرار ذاتي تحكمي، وتغدو الإرادة الإنسانية هي المصدر الوحيد للقيمة بدلاً من أن تكون مستجيبة لقيمة ومقصد موجد في صلب الوجود ذاته.
وينبه الكتاب إلى أن هذا التأسيس الكانتي للاستقلالية، رغم حاوله حماية الإرادة الحرّة، فتح الباب واسعاً أمام التحولات الحديثة والمعاصرة التي آلت بالحرية إلى السيال اللامحدود والعدمية المبطنة. فعندما أُفرغ العقل من بعده الإشراقي والتراتبي الذي كان يقوده في التقاليد الميتافيزيقية الكلاسيكية نحو التعالي والتسامي، تحول “العقل” نفسه إلى مفهومين متمايزين ومنفصلين: عقل أدائي حاسب يقتصر على تنظيم الوسائل والغايات المادية الشتيتة، وعقل إستطيقي أو إرادي انفعالي يصنع قيمه بنفسه وفق هواه وتفضيلاته الذاتية بلا أي مرجعية عليا.
يُظهر سبايكر كيف تسبب هذا التشظي المفهومي للرشد وللعقلانية في إضعاف موقف الفلسفة الغربية أمام التيارات الإلحادية والوجودية والتحليلية المتأخرة. فالإنسان المعاصر، بعد أن قُطعت صلته بسلم الوجود التراتبي وأصبح يرى الكون كمادة صماء خالية من المعنى والغاية، وجد نفسه أمام حريّة مفرغة من محتواها الأنطولوجي، حرية ثقيلة ومجردة تحولت إلى عبء وجودي ينتهي بالضياع أو بالانقياد الصامت لأنماط جديدة من الهيمنة الاجتماعية والاستهلاكية التي تعوض غياب المرجعية الوجودية ببدائل زائفة.
إن هذه الصيرورة النقدية التي يقودها سبايكر تؤكد للقارئ أن أزمة الحرية في العصر الحديث ليست مجرد أزمة سياسية أو قانونية تضمنها التشريعات، بل هي في أساسها وأصلها “أزمة أنطولوجية وميتافيزيقية”. لقد ظن التنويريون وما بعد التنويريين أنهم بطرد التراتب الإلهي والميتافيزيقي يستردون للإنسان حريته وسيادته الكاملة، فإذا بهم يجردونه من البنية الوحيدة التي تمنح لخياراته معنًى، ولإرادته قيمة، ولعقله إمكانية الارتقاء والتحرر الحقيقي من قبضة العبثية والعدمية.
تأسيساً على هذا النقض الفلسفي للركائز التنويرية، يمضي الباحث حسن سبايكر في الجزء الأعمق من أطروحته مستعيداً المعالم الأساسية للأنطولوجيا الكلاسيكية، وتحديداً عبر تجليات المفهوم الأفلاطوني والأفلاطوني المحدث للتراتب الوجودي، وكيف يقدم هذا النموذج بديلاً معرفياً متماسكاً يجمع بين نظام الوجود الشامل وبين التحقق الكامل للحرية الإنسانية. إن الرؤية الكلاسيكية لا تنظر إلى الوجود باعتباره كومة متجانسة من المادة، ولا مجرد شبكة مسطحة من العلاقات الرياضية والفيزيائية الصماء، بل تدركه كفيض منتظم يتنزّل من “الواحد” أو “الخير الأسمى”، متدرجاً في مراتب وجودية تتفاوت في نبالتها، ودرجة عقلانيتها، وقربها من النور الأول.
في هذا الفضاء الميتافيزيقي التراتبي، تعود “النفس الإنسانية” لتشغل موقعاً فريداً ومحورياً؛ فهي ليست مجرد كائن طبيعي محكوم بالغرائز المادية، ولا ذاتاً معزولة تفرض قوانينها الصورية على الفراغ كما تصوّر كانت، بل هي كائن برزخي يجمع في بنبيته بين العالم المادي الحسّي الأدنى وبين العالم المعقول الأعلى. ومن هذا الموقع الاستثنائي للنفس، يتشكّل مفهوم “الارتقاء الحر”؛ فالإنسان في المنظور الأفلاطوني ليس عبداً لموقعه في التراتب الكوني، بل هو الكائن الوحيد الذي وُهب حركة إرادية داخل هذا التراتب. يمتلك الإنسان إمكانية الهبوط والتدني بوعيه ونفسه نحو عالم الانفعالات والمادة المشتتة، أو الصعود والترقي نحو مراتب العقل المجرّد والإشراق الميتافيزيقي.
يشرح سبايكر كيف أن هذا “الصعود الإرادي” يمثل العصب الحقيقي للحرية الإنسانية الأصيلة. فالصعود لا يتأتى بفرص قسرية تفرض من الخارج، بل يتطلب ممارسة واعياً وفعالة للفضيلة والعقلانية؛ حيث ينخرط الفرد في عملية مجاهدة ذاتية وتطهير لمعرفته وإرادته من أوهام العالم الحسّي وتناقضاته. إن التراتب الوجودي يمنح هذه الحركة معنًى وهدفاً؛ إذ إنه يوفر “السلم” الذي يمكن للإرادة أن تتسلقه، ويبين الخريطة الأنطولوجية التي تهتدي بها النفس لتعرف أين تكمن الحقيقة وأين يختبئ الزيف، وكيف يمكن لها أن تتخلص من قيود الشرور المادية لتصل إلى كمالها المقدر.
وهنا يُظهر سبايكر فارقاً جوهرياً بين مفهومين متناقضين للحرية: المفهوم الحديث الذي يختزل الحرية في مجرد “الاختيار العشوائي اللامحدود” بين البدائل المتساوية في القيمة، والمفهوم الكلاسيكي الذي يرى الحرية في “الاختيار العقلاني الصحيح” المتجه نحو الخير والكمال. ففي المفهوم الحديث، تُعتبر القدرة على اختيار الشر أو الضلال مساوية للقدرة على اختيار الخير، ما دامت الإرادة حرة في ممارسة الفعل بلا عائق؛ وهذا في نظر سبايكر اختزالية خطيرة تجعل الحرية بلا معنى، لأنها تسوي بين الحركة نحو الكمال والحركة نحو الانهيار والضياع.
أما في المنظور الكلاسيكي التراتبي، فإن اختيار الشر أو السقوط المادي لا يُعدّ دليلاً على ممارسة الحرية، بل يُعدّ تعبيراً عن “قصور وعجز” في الإرادة ونقص في المعرفة. فالإنسان عندما يختار ما يضره أو ينحدر بنفسه نحو عالم الشهوات الحسيّة الشتيتة، فإنه لا يمارس حرية، بل يسقط صريعاً تحت وطأة المؤثرات الخارجية والانفعالات النفسية غير المنسجمة. إن الحرية الحقيقية تتجلى فقط عندما تتحرر الإرادة من الانفعالات العميقة والمؤثرات المادية لتستجيب لنداء العقل وللخير المطلق. إن الحرية وفق هذا الميزان ليست القدرة على الضياع، بل هي القدرة على الانفكاك من أسباب الضياع والاستقرار في ورح العقلانية والكمال.
تتضح هنا القوة التفكيكية للطرح الذي يقدمه سبايكر؛ فهو يثبت أن إلغاء التراتب الميتافيزيقي باسم الحرية لم يقد الفرد الغربي إلا إلى الشلل الفكري والأخلاقي. فعندما غاب السلم الوجودي والغاية العليا، أصبحت كل الخيارات الفردية متساوية ونسبية، وبات الإنسان يعيش حالة من التشتت الحاد وعدم القدرة على الترجيح بين المسارات. وبدلاً من أن يصبح سبيلاً للاستقلال الذاتي، تحول الاختيار المطلق بلا معيار إلى عبء ثقيل ومصدر دائم للقلق والعدمية والاضطراب الوجودي.
بالإضافة إلى ذلك، يبين سبايكر أن التقاليد الكلاسيكية لم تكن تغفل أهمية الفرد أو تسحق خصوصيته داخل التراتب الميتافيزيقي، كما تزعم السردية التنويرية الحديثة، بل إنها كانت تمنح الفرد كرامته الحقيقية والوحيدة القابلة للاستمرار. فالكرامة الإنسانية في الرؤية الكلاسيكية ليست مجرد حق قانوني أو قرار سياسي هش صادر عن تشريعات بشرية متغيرة، بل هي حقيقة أنطولوجية راسخة مت جذورها في نفخة العقل وفي انتماء النفس للبناء الكوني الإلهي. إن الإنسان مكرم ومحترم لأن روحه تشكل القسيم المعقول للكون، ولأن لديه القدرة الفريدة على أن يقيم داخل ذاته التوازن والانسجام الموجود في بنية الكون الشاملة.
إن هذا التحليل الاستقصائي الذي يبسطه سبايكر يعيد بناء الرؤية الميتافيزيقية الكلاسيكية لا كأثر تاريخي متحفي، بل كضرورة فكرية حيوية لإصلاح الانسداد المعرفي والأخلاقي المعاصر. إنه يدعو إلى إعادة اكتشاف “سلم الوجود” ليس كقيد يكبّل الإرادة، بل كأفق يفتح أمام النفس الإنسانية إمكانية التحليق والارتقاء والتحرر من كل صنوف التبعية المادية والدنيوية، وهو ما يُمهد الطريق لبحث التداعيات السياسية والاجتماعية والأخلاقية لهذا الطرح الفلسفي التأسيسي.
يتجاوز الباحث حسن سبايكر الحدود النظرية المحضة للبحث الميتافيزيقي والمشاحنات الفلسفية التجريدية ليلتفت بأناقة تحليلية إلى انعكاسات هذا الصراع المفهومي على أزمة العقل والسياسة والأخلاق في العالم المعاصر. فالأزمة الفكرية التي يعيشها المجتمع الحديث ليست مجرد خلافيات مفهومية تدور في قاعات الجامعات، بل هي حالة يسري أثرها المباشر في أدق تفاصيل الحياة الاجتماعية والسياسية والأخلاقية للإنسان المعاصر. لقد أدّت سيادة النموذج التنويري الداعي لإلغاء كل تراتب ميتافيزيقي وأخلاقي علوي إلى نواتج عكسية تماماً لما وعدت به مبادئ الثورة الفكرية الحديثة؛ فبدلاً من أن يحصل الإنسان على الاستقلالية التامة والسيادة المطلقة، وجد نفسه مسجوناً داخل نظم جديدة من الهيمنة المادية والميكانيكية التي لا ترحم.
يوضح سبايكر أن تفكيك التراتب الأنطولوجي الكلاسيكي -الذي كان يربط السلطة والسياسة والأخلاق بمرجعية العقل والخير الأسمى- قد أدى إلى نشوء “فراغ قيمي” هائل في الفضاء العام. وفي هذا الفراغ الناجم عن غياب المرجعية الوجودية، أصبحت السلطة السياسية والاجتماعية لا تتأسس على تحري الحقيقة أو مجاراة النظام الكوني العادل، بل باتت تتأسس على “إرادة القوة” والنزعة النفعية الإجرائية المحضة. فعندما نُفي العقل الإشراقي والغاية الميتافيزيقية من الشأن العام، تحوّلت السياسة من كونها صناعة فضيلة وسعياً نحو تحقيق التناغم بين الإنسان والنظام الكوني، إلى مجرد تقنية صماء لإدارة الصراعات، والسيطرة على الموارد، وتضخيم الاستهلاك، وضبط الجماهير عبر آليات الدعاية والتوجيه النفسي والمادي.
وفي هذا المشهد المؤسفي، يُظهر سبايكر كيف أن مفهوم “الاستقلالية الفردية” الذي تغنت به الليبرالية الحديثة قد استُحوذ عليه بالكامل وتم تحريفه من قِبل الآلية الرأسمالية والاستهلاكية المعاصرة. فالفرد الذي توهم أنه أصبح حرّاً ومستقلاً بمجرد قطعه الصلة مع المعايير الأخلاقية والميتافيزيقية الكلاسيكية، أصبح في واقع الأمر هدفاً سهلاً ومكشوفاً لشبكات المعرفة الأدائية والأنظمة الرأسمالية والتكنولوجية الشاملة. إن العصب الأساسي للثقافة الاستهلاكية المعاصرة يقوم تحديداً على استغلال هذه الحرية المفككة المفرغة من المعنى؛ حيث يتم إغراق الفرد بسيل لا ينتهي من الرغبات الاصطناعية والمثيرات الحسية الشتيتة، وإيهامه بأن ممارسة حريته تكمن في الاستجابة اللامتناهية لهذه الرغبات واستهلاك المزيد من السلع والخدمات.
وهنا تتجلى إحدى أكثر الأفكار إشراقاً وعمقاً في كتاب سبايكر: إن الحرية المنفصلة عن التراتب الميتافيزيقي والخير الأسمى لا تُنتج فرداً حراً، بل تُنتج عبداً من نوع جديد، عبداً مقيداً بسلسلة لا تنتهي من الانفعالات النفسية والرغبات المادية المصنوعة له من الخارج. فبينما كان التراتب الميتافيزيقي الكلاسيكي يوفر للفرد درعاً حصيناً وبوصلة معيارية تُمكنه من نقد الواقع والتعالي على ضغوط البيئة والمجتمع والسلطة، تجردت الذات الحديثة من هذا الدرع بالكامل، وأصبحت صيداً سهلاً للتوجيه الإعلامي والإعلاني والسياسي، لأنها لا تملك معياراً أعلى ومستقلاً تقيم من خلاله صحة ما يُعرض عليها أو جدواه الوجودية.
علاوة على ذلك، يتطرق المؤلف إلى العبء النفسي والوجودي الثقيل الذي ألقته الفلسفة التنويرية وما بعد التنويرية على كاهل الفرد الحديث. إن إسناد مهمة تشريع القيم وصنع المعنى إلى الفرد بمفرده، دونما الاستعانة بنظام تراتبي كوني أو هداية إلهية وميتافيزيقية، وضع الإنسان في مواجهة مباشرة مع قلق الوجود القاتل والشعور بالعزلة والعدمية. فبما أن الإنسان كائن محدود، وقدراته المعرفية والعاطفية متغيرة وقابلة للخطأ، فإن تحميله مسؤولية خلق المعنى لخلق كونه الخاص وإعطاء معنى لحياته من العدم أدى إلى انتشارات واسعة لحالات الاضطراب النفسي، والتشتت، والشعور بالضياع والعبثية التي تتسم بها المجتمعات الحديثة والمعاصرة.
يقدم سبايكر قراءة نقدية لطريقة التعامل المعاصر مع هذه الأزمات النفسية والاجتماعية؛ حيث يلاحظ أن المنظومة الحديثة بدلاً من أن تعترف بالخلل الأنطولوجي الجذري في بنيتها المفاهيمية وفي مفهومها المأزوم للحرية، تعمد إلى “تسقيع” المشكلة و”تطبيبها” (Medicalization) بأساليب علاجية ودوائية تسعى للتكيف مع الوضع المأزوم بدلاً من إصلاحه. إنها تحاول علاج الأعراض السطحية للقلق والعدمية عبر حلول فردية وتقنية، بينما ترفض العودة إلى الجذر المتمثل في انقطاع الإنسان عن أصله الميتافيزيقي ونظامه التراتبي الذي يمنحه الطمأنينة والاستقرار والاستجابة الحقيقية لأشواقه الروحية والعقلية.
إن هذا التشخيص السياسي والأخلاقي والنفسي الذي يقدمه سبايكر يعيد تأكيد الرسالة الجوهرية للكتاب: إن إنقاذ الإنسان الحديث وإعادة الاعتبار لكرامته ولحريته الفعالة لا يمكن أن يتم عبر الإصرار المتكرر على استنساخ أوهام التنوير والاستقلالية الذاتية المجردة، بل يستدعي بشجاعة إعادة بناء الجسور مع الميتافيزيقا الكلاسيكية، والاستفادة من النماذج التراتبية التي تتسق مع بنية الكون وتمنح العقل والروح موقعيهما الاصيلين في إدارة الذات وتوجيه المجتمع.
تكتمل اللوحة الفكرية التي ينسجها الباحث حسن سبايكر بالوصول إلى نقطة التركيز الأهم والأكثر خطورة في الأطروحة؛ وهي إعادة صياغة وأسلوبة العلاقة بين الميتافيزيقا الكلاسيكية وبين الآفاق المستقبلية لإعادة إنقاذ مفهوم “الحرية” من المآزق والانسدادات التي قادته إليها التوجهات الفلسفية لما بعد عصر التنوير. إن سبايكر لا يهدف في نهاية المطاف إلى تقديم قراءة تاريخية أو استعادة حنينية لصور الماضي الميتافيزيقي الكلاسيكي كأنها تحف أثرية مغلقة في صفحات الكتب القديمة، بل يسعى بحرفية منهجية عالية إلى التأكيد على أن النموذج الأنطولوجي التراتبي هو ضرورة وجودية وعقلية حتمية لمواجهة التحديات الكبرى التي تحيط بالوجود الإنساني المعاصر وت تهدد وجوده وتماسكه الجوهري.
تصل الأطروحة إلى ذروتها بتبيان أن استعادة التراتب الميتافيزيقي لا يعني بالضرورة مصادرة المكاسب القانونية أو السياسية التي حققها المجتمع الحديث في مجالات الحريات المدنية وضمان الكرامة الاجتماعية، بل يمثل في الحقيقة التأسيس المعرفي والأنطولوجي الوحيد المستدام لهذه المكاسب. فالمشكلة الجوهرية في الفكر التنويري لم تكن في تحري الرغبة بالعدالة أو رفع الاستبداد عن الإرادة الإنسانية، بل كانت في الافتراض الخاطئ والمأزوم بأن تحقيق هذه الغايات النبيلة يقتضي بالضرورة تدمير المرجعية العلوية، واقتلاع الإنسان من جذوره الكونية الميتافيزيقية، وتحويله إلى كائن مطلق الذاتية يشرع لنفسه القواعد والقيم من فراغ كامل.
يقدم سبايكر استشرافاً عميقاً لما يمكن أن تكون عليه “الاستقلالية الرشيدة” إذا ما أعيد زراعتها داخل بيئتها الميتافيزيقية الطبيعية. فالإنسان الذي يعترف بالتراتب الوجودي وبوجود خير أسمى وعقل كلي يحكم البناء الكوني، لا يفقد حريته عندما يخضع لهذا النظام، بل إن خضوعه هذا هو ذاته ممارسة الحرية في أرقى صورها وأجلّ تجلياتها. إن هذا الخضوع الواعي والعقلاني للنظام الإلهي والكوني التراتبي يحرر الذات من الخضوع المستبد للهوى الذاتي، وللنزوات الانفعالية العابرة، ولضغوط القوى المادية والاجتماعية المتغيرة. إنها الحرية التي تعني التحرر من الأدنى للاستجابة للأعلى، والانفكاك من قيود المادة للانطلاق نحو رحاب العقل والإشراق والنور الميتافيزيقي.
من هذا المنطلق، يفتح الكتاب أفقاً جديداً للحوار والجدال المفهومي بين الميتافيزيقا الإسلامية والكلاسيكية وبين الفلسفة الغربية المعاصرة. يوضح سبايكر كيف أن التقاليد الميتافيزيقية الكبرى، وفي مقدمتها الرؤية الإسلامية والتقليد الأفلاطوني المحدث، تمتلك أرصداً فكرية هائلة قادرة على تصحيح مسار الفلسفة الأخلاقية والسياسية الغربية. فالإسلام، على سبيل المثال، يقدم نموذجاً متكاملاً للتراتب الوجودي يربط فيه بين الوحدانية المطلقة والخلق المتراتب المنتظم، حيث تُعرّف الحرية الإنسانية الحقيقية بمفهوم “العبودية لله”؛ وهي العبودية التي تمثل في حقيقتها التحرر الكامل والنهائي من كل أشكال العبودية للمخلوقات وللمادة ولأوهام الذات الشتيتة.
إن هذه القراءة التوفيقية والتفكيكية التي يخوضها سبايكر تُظهر أن الحرية في المنظور الميتافيزيقي الأصيل ليست مجرد حق سلبي يطالب به الفرد ليفعل ما يشاء دون إزعاج من الآخرين، بل هي “التزام وجودي” ومسار صعود روحي وعقلي يتطلب جهداً مستمراً وتربية نفسية وأخلاقية عميقة. إنها عملية ارتقاء متواصل تسعى خلالها النفس إلى مواءمة إرادتها الخاصة مع الإرادة العقلية والخير الأسمى، مما يحول الفعل الحر من مجرد انفعال عشوائي طارئ إلى حركة ناضجة ومتوازنة تشع بالفضيلة والانسجام الاجتماعي والكوني.




