أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

رحلة في عقل الزمن: كيف فسر الفلاسفة والمفكرون المسار التاريخي للإنسانية؟

رحلة البحث عن المعنى في مسار الإنسانية وتفكيك المفهوم

في زمن تتسارع فيه الأحداث وتختلط فيه الوقائع، يقف الإنسان حائراً أمام سؤال التطور التاريخي: هل تسير حركة البشرية نحو هدف محدد معلوم، أم أنها مجرد تتالٍ عشوائي من الصدف والصراعات التي لا رابط بينها؟ هنا تتجاوز الفلسفة دورها التقليدي للتوقف عند مادة التاريخ الخام، محاولةً تحويل الركام المتراكم من الأحداث والحروب والمعاهدات والنهضات والانتكاسات إلى لوحة معنوية ذات مغزى ورؤية عقلانية. وفي هذا السياق المعرفي الشديد الأهمية، يأتي كتاب “فلسفة التاريخ: مدخل إلى النماذج التفسيرية للتاريخ الإنساني” للباحث والأكاديمي الجزائري الدكتور عبد الحليم ماهورباشة، الصادر عن مركز نماء للبحوث والدراسات، ليقدم إسهاماً فكرياً متميزاً. يطرح الكتاب تساؤلات جوهرية تمس صلب الوجود الإنساني؛ فهو لا يكتفي بأرشفة النظريات، بل يفكك الأطر المعرفية “الإبستمولوجية” التي حاول الفلاسفة والمفكرون من خلالها فهم الحراك البشري عبر العصور. إن القارئ للوهلة الأولى يخال نفسه أمام كتاب دراسي رفيع المستوى، لكنه يكتشف سريعاً أنه يخوض رحلة ممتعة في رحاب الفكر الإنساني، تقوده عبر دروب شاقة وممتعة للتعرف على أفكار كبار العقول التي حاولت فك شفرة الزمن الممتد من البدايات الأولى للحضارة وحتى صراعات العالم المعاصر.

يبدأ الأستاذ عبد الحليم ماهورباشة دراسته العميقة بالوقوف عند المفهوم والدلالة لمفردة “التاريخ”. هذا التفكيك المفاهيمي ليس تزيداً لغوياً، بل هو مدخل ضروري لفهم كيفية تحول هذه الكلمة البسيطة من مجرد تدوين لحساب الأشهر والسنين إلى علم قائمة بذاته ثم إلى مبحث فلسفي ناهض. يستعرض الكاتب جذور اللفظة في اللغات القديمة والحديثة، مبيناً أن الكلمة باللغات الأوروبية المشتقة من الجذر الإغريقي “إستور” أو “هيستوريا” تومئ في أصلها اللغوي إلى الرؤية والعين الشاهدة، أي المعاينة المباشرة أو البحث الميداني الذي ينشده الاستقصاء والاستخبار. التاريخ هنا هو شهادة عين واستقصاء حثيث للأسباب والتفاصيل. أما في اللسان العربي، فإن كلمة التاريخ تتصل بالزمن والميقات والتوقيت القمري، حيث ارتبطت الدلالة بحساب الأيام وتأريخ الأحداث وضبط أوقاتها. غير أن التحول الحاسيم حدث عندما انتقل اللفظ من معناه الاستقصائي والزمني الضيق ليصبح شاملاً للحدث المنجز ذاته من جهة، ولطريقة سرد هذا الحدث وتدوينه من جهة أخرى، وصولاً إلى المعنى المعرفي الثالث الذي يجعل من التاريخ مادة للتحليل والتفسير والاستنباط.

يأخذنا المؤلف في قسمه الأول نحو التفرقة الدقيقة بين علم التاريخ من جهة وفلسفة التاريخ من جهة أخرى. يرى الباحث أن علم التاريخ هو ذلك التخصص الأكاديمي والتحقيقي الذي يرصد الوقائع الماضية، ويثبت صحة الوثائق، ويتأكد من صدق الروايات، متحرصاً بالتحليل النقدي لتمييز الزائف من الصحيح. إن المؤرخ يعمل كالمنقب في الحفريات، يجمع القطع ويفحص الأسانيد ويرتب السلسلة الزمنية للحدث وفق منهج علمي صارم يستند إلى الشك المنهجي والدليل المادي. غير أن عمل المؤرخ، مهما بلغ من العظمة والشمولية، يظل محصوراً في الحدود الجزئية؛ فهو يخبرنا كيف وقعت المعركة وما هي القوى المشاركة فيها وكيف انتهت. أما فيلسوف التاريخ، فهو يقف على ربوة أعلى بكثير؛ إنه لا يعنيه الاستغراق في جزئيات التفاصيل اليومية للمعركة، بل يتساءل عن السبب العميق الذي يجري خلفه العالم عبر هذه الحروب. الفيلسوف يبحث عن “الغاية” و”المحرك الباطني” و”القانون العام” الذي يحكم هذه السلسلة الحافلة بالأحداث. ومن هنا، فإن علم التاريخ يزود الفلسفة بالمادة الخام، بينما تمنح الفلسفة تلك المادة روحاً وغرساً عقلانياً يضفي عليها المعنى والانسجام.

وفي معرض حديثه عن علمية علم التاريخ، يستعرض ماهورباشة التطور التاريخي لهذا المبحث، مبيناً كيف عانى التاريخ طويلاً للوصول إلى مرتبة العلم المستقل. لقد ساد الانطباع لفترات طويلة أن التاريخ ليس إلا مجرد حكايات وأساطير وملاحم شعرية تختلط فيها أفعال البشر بإرادات الآلهة والخوارق، كما كان الحال عند شعراء الإغريق مثل هوميروس. وحتى حين ظهر الرادون العظام مثل هيرودوت وهكيتوس الذين حاولوا الخروج من ربقة الأسطورة نحو المعاينة والتأريخ الرحالي، ظلت كتاباتهم مشوبة بالطابع الأدبي والقصصي. ولم تتأسس معالم العلمية الصارمة إلا عبر المحطات الإسلامية المميزة وخاصة مع المنهجية الخلدونية، ثم مع التحولات الإبستمولوجية التي شهدتها أوروبا في عصر النهضة وما بعده. ولكن، رغم تحقق هذه العلمية، واجه علم التاريخ طعناً من أصحاب العلوم الطبيعية والوضعية الذين يرون أن العلم الحقيقي هو ما يخضع للتجربة والملاحظة المباشرة والقوانين الثابتة الحتمية، وهي الشروط التي لا تتوفر في الحادثة التاريخية الفريدة التي تقع مرة واحدة ولا تتكرر بذاتها أبدأ.

وهنا يبرز رد أصحاب الاتجاه التاريخي والإنساني، والذين دافعوا عن علمية التاريخ باختلاف منهجه عن منهج العلوم الطبيعية. إن التاريخ علم ولكنه علم إنساني ذو منهج نقدي تحليلي تلاؤمي مع طبيعة موضوعه فريد النوع. فإذا كانت العلوم الطبيعية تتنبأ بالظواهر استناداً إلى الحتميات، فإن التاريخ يستنبط القوانين العامة للحراك البشري بناءً على الفهم والتأويل والتمحيص النقدي للوثائق والآثار. يوضح المؤلف كيف أن هذا الجدل المنهجي بالذات هو الذي مهد الطريق لنشأة “فلسفة التاريخ” بوصفها فرعاً نقداً وتأويلياً يستوعب الملاحظات النقدية ويحاول التسامي بها نحو نموذج تفسيري شامل يضيء عتمة التاريخ ويفسر حركته المعقدة.

يسلّط الباحث الضوء في هذه الدفعة التمهيدية على النماذج الأساسية التي تناولها الفكر البشري لتفسير وجوده التاريخي، متتبعاً أثر العوامل الثقافية والاجتماعية والسياسية في صياغة هذه النظريات. إن القيمة الكبرى لكتاب الدكتور عبد الحليم ماهورباشة تتمثل في قدرته النادرة على الجمع بين الدقة الأكاديمية الشديدة وسلاسة العرض الصحفي الشائق؛ فهو لا يغرق القارئ في المصطلحات الجافة، بل يأخذ بيده في مسار منطقي متسلسل يجعل الإشكاليات الفلسفية المعقدة تبدو واضحة وممتعة. يدرك الكاتب أن التاريخ ليس مجرد ماضٍ مضى وانتهى، بل هو الحاضر الذي نعيشه والمستقبل الذي نندفع نحوه. ومن هذا المنطلق، تصبح فلسفة التاريخ ضرورة عقيلة وثقافية ماسة، لأن أمتنا التي تعاني من أسئلة النهضة والتأخر والوعي بالتاريخ أحوج ما تكون إلى امتلاك أدوات تفسيرية تمكنها من فهم موقعها في الخريطة الحضارية الإنسانية والفكاك من ربقة التبعية أو الاستغراق في السرديات المغلوطة.

إن الكتاب يضع أمام القارئ المرآة التي تشعره بمدى تداخل الرؤى الفلسفية مع الحياة اليومية والقرارات السياسية والمشاريع الحضارية. فالأمم التي لا تمتلك فلسفة لتاريخها تظل عاجزة عن صناعة مستقبلها، لأنها تعامل الأحداث كأنها خبط عشواء، بينما الأمم التي تمتلك نموذجا تفسيرياً واعياً تنظر إلى الأحداث في سياقها الكلي وتستشرف التحولات وترسم الخطط بناءً على سنن تاريخية مدروكة. بهذه التمهيدات المتينة، ينقلنا المؤلف إلى الفصل التالي ليبدأ في استعراض أولى أشكال النماذج التفسيرية الكبرى التي عرفتها البشرية، مخترقاً التحولات العميقة من العصور الوسطى اللاهوتية إلى بذور العقلانية النقدية التي وضع أسسها العلامة ابن خلدون، وهو ما سنستعرضه بالتفصيل في الدفعة التالية.

 من العناية الإلهية اللاهوتية إلى العمران البشري الخلدوني

بعد التأسيس المفاهيمي المبهر الذي حفل به الجزء الأول من الدراسة، ينتقل بنا الدكتور عبد الحليم ماهورباشة إلى الميدان التطبيقي للنماذج التفسيرية التاريخية، مبتدئاً بواحد من أهم الصراعات الفكرية التي شكلت وعي البشرية عبر العصور: الصراع بين الفهم اللاهوتي الغيبي للتاريخ والفهم العقلاني العمراني. يخصص المؤلف هذا المبحث المقارن الشائق للوقوف عند محطتين مفصليتين في تاريخ الفكر الإنساني، تمثلت المحطة الأولى في فلسفة القديس أوغسطين اللاهوتية في العصور الوسطى الغربية، وتمثلت الثانية في الطفرة الإبستمولوجية الاستثنائية التي حققها عبد الرحمن ابن خلدون في الحضارة الإسلامية. عبر هذا المقارنة المنهجية، يكشف الكاتب عن الفروق الجوهرية بين النموذج الذي يرى التاريخ تحركاً مسيراً بإرادة علوية مفارقة، والنموذج الذي يقرأ التاريخ بوصفه نتاجاً لسنن اجتماعية وعمرانية وإنسانية قابلة للدراسة والتحليل.

يبدأ التحليل بقراءة عميقة لفلسفة القديس أوغسطين، الذي عاش في فترة عصيبة شهدت سقوط الامبراطورية الرومانية واجتياح القبائل البربرية لروما، مما أثار حالة من الشك والذعر في العالم المسيحي. في كتابه الشهير “مدينة الله”، حاول أوغسطين تقديم تفسير لاهوتي شامل لتاريخ العالم يمتص هذه الفجيعة ويصوغ رؤية جديدة للمصير البشري. يوضح ماهورباشة أن النموذج الأوغسطيني يقسم التاريخ الإنساني تقسيماً ثنائياً حاداً بين مدينتين: “مدينة الأرض” وهي مدينة الإثم والشهوة وحب الذات والتكالب على السلطة واللذة، و”مدينة السماء” وهي مدينة الروح والإيمان والتضحية وحب الله. الصراع في نظر أوغسطين ليس صراعاً بين دول أو أمم بناءً على أسباب جغرافية أو اقتصادية، بل هو دراما إلهية ومسرحية لاهوتية تجري أحداثها على أرض الواقع بين أتباع المدينتين.

في هذا النموذج التفسيري الأوغسطيني، يتم تجريد الإنسان من فاعليته التاريخية الحقيقية؛ فالتاريخ لا يصنعه البشر بأفكارهم وسعيهم وتدافعهم، بل هو إنجاز مسبق في المشيئة الإلهية، أو ما يُعرف بـ “نظرية العناية الإلهية”. تسير حركة الزمن وفق خط مستقيم يبدأ من لحظة الخطيئة الأولى لسيدنا آدم وهبوطه إلى الأرض، ويمر بمحطة التكفير والصلب في العقيدة المسيحية، وصولاً إلى الخاتمة الحتمية عند يوم القيامة والحساب النهائي. إن كل ما يحدث في العالم من حروب وانهيار لإمبراطوريات وقيام لأخرى ليس إلا تيسيراً وتدبيراً ربانياً لتحقيق هذه الغاية الروحية. ومعه، تحول علم التاريخ في الغرب الوسيط إلى خادم مباشر للاهوت، وظلت الكتابة التاريخية محصورة في سِيَر القديسين وأخبار المعجزات وتدوين الكوارث بوصفها عقاباً إلهياً، مما أدى إلى تجريف الفكر التاريخي من أي مسعى عقلاني أو بحث في الأسباب القريبة المباشرة للظواهر الاجتماعية.

وفجأة، وفي قلب العالم الإسلامي خلال القرن الرابع عشر الميلادي، ومن عتمة الاضطرابات السياسية التي شهدتها رقعة المغارب والأنادلس، تشرق شمس النموذج الخلدوني ليحدث قطيعة إبستمولوجية حاسمة مع النماذج السابقة. يتوقف الدكتور ماهورباشة بإعجاب شديد عند الإسهام الفذ لعلامة الفكر العربي عبد الرحمن ابن خلدون، مبيناً أنه لم يكن مجرد مؤرخ أضاف مجلداً كبيراً للتاريخ مثل “كتاب العبر”، بل كان المؤسس الحقيقي والفيلسوف الأول لما يمكن تسميته بـ “علم العمران البشري” وفلسفة التاريخ العقلانية. لقد أدرك ابن خلدون بعبقريته النافذة أن المؤرخين الذين سبقت كتاباتهم عصره كانوا ينقلون الأخبار والوقائع بغير تمحيص، ويقحمون الأساطير والخوارق لتفسير سقوط الدول وقيامها، لعجزهم عن فهم القوانين الباطنية التي تحكم المجتمع البشري.

إن القطيعة التي أحدثها ابن خلدون تمثلت في التمييز بين ظاهر التاريخ وباطنه؛ فظاهر التاريخ لا يزيد عن أخبار عن الأيام والدول والسوابق من القرون الأولى، بينما باطنه نظر وتحقيق وتعليل للكائنات ومبادئها دقيق، وعلم بكيفيات الوقائع وأسبابها عميق. ومن هنا، نزل ابن خلدون بـ “التاريخ” من سماء الغيبيات والافتراضات اللاهوتية إلى أرض الواقع المادي والاجتماعي. جعل ابن خلدون الإنسان والحضارة هما المحرك الأساسي؛ فالاجتماع البشري ضروري، والإنسان مدني بالطبع، وحركة التاريخ تخضع لسنن وقوانين ثابتة ومطردة تشبه إلى حد كبير السنن البيولوجية التي تحكم الكائنات الحية.

يشرح المؤلف باستفاضة المفهوم المكتنز لـ “العصبية” والرفاهية والترف عند ابن خلدون بوصفهما المحركين التفسيريين الأساسيين لنشأة الدول وسقوطها. فالدولة تشهد في مسارها دورة حياة خماسية أو ثلاثية الأطوار: تبدأ بطور البداوة والخشونة حيث تكون العصبية (اللحمة الاجتماعية والتضامن القبلي) في ذروة قوتها، مما يمنح القوم القدرة على المغالبة والتغلب والمُلك. ثم ينتقل المجتمع إلى طور الاستقرار وبناء الحضارة وجمع الثروات، لتتبدل الخشونة بالترف ولين العيش. وهنا تبدأ العصبية في الانحلال والتفكك، ويتسلل الهرم والضعف إلى جسد الدولة، فتفقد قدرتها على الدفاع عن نفسها، وتصبح فريسة سهلة لقوم آخرين يمتلكون عصبية أشد وأقوى، لتيدأ الدورة الحضارية من جديد.

تتجلى في الطرح الخلدوني، كما يوضح ماهورباشة، عقلانية إسلامية فريدة تجمع بين الإيمان التوحيدي بالخالق وبين احترام القانون الطبيعي والاجتماعي الذي أودعه الله في الكون. إن ابن خلدون لا ينفي المشيئة الإلهية، لكنه يرى أن المشيئة تشاء عبر الأسباب والسنن، وأن من يجهل سنن العمران وقوانين الاجتماع سيسقط لا محالة، بصرف النظر عن دعاويه أو انتماءاته. إن هذا النموذج التفسيري لم يسبق عصره فحسب، بل إنه وضع اللبنات الأولى لما سيعرفه الغرب لاحقاً بقرون تحت مسمى علم الاجتماع وفلسفة التاريخ النقدية.

ويرى ماهورباشة أن الإنجاز الخلدوني يمثل قمة التطور الفكري للتاريخ في الحضارة الإسلامية، حيث انتقل بالمصنفات التاريخية من مجرد تدوين الحوادث والأنساب والالتزام الحرفي بالإسناد الحديثي، إلى مرحلة التفسير التركيبي والتركيز على العوامل الاقتصادية والاجتماعية والنفسية والجغرافية. لقد جعل ابن خلدون البيئة والمناخ وطبيعة المعاش (سواء أكان زراعة أم رعي صيد أم صناعة) عوامل حاسمة في تشكيل أخلاق الشعوب وطباعهم وسياساتهم. وبهذا، وضع نموذجاً تفسيرياً يمتلك قدرة هائلة على الاستقراء والتنبؤ، متجاوزاً بذلك كل التصورات الأسطورية واللاهوتية التي كبلت العقل البشري لقرون طويلة. غير أن هذا التوهج الخلدوني، ولأساب حضارية وسياسية معروفة، لم يجد من يستكمل بناءه في العالم الإسلامي آنذاك، لينتقل المشعل الفكري في مرحلة لاحقة إلى الضفة الأخرى من المتوسط، حيث شهدت أوروبا نهضتها وتنويرها، وتبلورت فيها نماذج عقلانية جديدة حاول من خلالها الفلاسفة الغربيون إعادة استكشاف مسار التاريخ الإنساني، وهو ما يتناوله المبحث القادم.

 فجر العقلانية الغربية ومفهوم التقدم من فيكو إلى هيجل وماركس

مع خروج أوروبا من ظلمات القرون الوسطى وانحسار السيطرة الكنسية المطلقة على العقول، بدأ العقل الغربي يبحث عن أدوات تفسيرية جديدة تفكك التاريخ بعيداً عن الغيبيات الأوغسطينية. وفي هذا المقطع المثير من كتاب “فلسفة التاريخ”، يقودنا الدكتور عبد الحليم ماهورباشة في رحلة فكرية مشوقة لتتبع كيف تحول التاريخ في الفكر الغربي الحديث إلى ساحة لكشف القوانين العقلانية، واكتشاف مفهوم “التقدم” الحتمي الذي أضحى الإنجيل الجديد لعصر التنوير. يستعرض الكاتب المحطات الفلسفية التي أسسها كل من الفيلسوف الإيطالي جيامباتيستا فيكو، والمفكر الفرنسي مونتسكيو، وصولاً إلى الذروة المطلقة التي مثلها الفيلسوف الألماني فريدريك هيجل ومن ثم التحوير المادي الشامل الذي أجراه كارل ماركس.

يبدأ هذا التحول المعرفي مع المفكر الإيطالي الاستثنائي جيامباتيستا فيكو في كتابه العظيم “العلم الجديد”. يوضح الباحث كيف يُعتبر فيكو الأب الشرعي الحقيقي لفلسفة التاريخ الحديثة في الغرب، حيث رفع شعاره الشهير: إن البشر لا يستطيعون فهم الطبيعة فهماً كاملاً لأن الله هو الذي خلقها، لكنهم قادرون تماماً على فهم التاريخ لأن التاريخ صنيعة بشرية خالص. أقام فيكو قطيعة مع أوهام المؤرخين القدامى، وقسم التاريخ البشري إلى ثلاثة أطوار متتابعة تخضع لدورة حلزونية ناضجة: عصر الآلهة (الذي غلب عليه الخيال والأسطورة والرهبة الديناميكية)، ثم عصر الأبطال (الذي سادت فيه الأريستقراطية والقوة والشرف)، وأخيراً عصر الإنسان (الذي تنامى فيه العقل والعدل والقانون والحرية). ومع أن فيكو رأى أن الحضارات قد تنكسر لتعود إلى مرحلة الوحشية الأولى، إلا أنه أرسى القاعدة الذهبية: التاريخ حراك إنساني عقلاني له قوانينه الذاتية التي يمكن الكشف عنها بدراسة اللغة والأساطير والمؤسسات.

وتتواصل الشعلة العقلانية مع مونتسكيو في كتابه “روح القوانين” وتأملاته في أسباب عظائم الرومان وسقوطهم. رفض مونتسكيو التفسيرات اللاهوتية السطحية التي عزمت سقوط روما إلى الانحلال الأخلاقي أو التخلي عن الآلهة، واستبدلها بتحليل موضوعي مادي وسياسي. أرجع مونتسكيو التدهور الروماني إلى التوسع الجغرافي المفرط الذي جاوز طاقة النظام الجمهوري، وفقدان روح المواطنة، والتحول إلى الاستبداد الإمبراطوري. لقد أثبت مونتسكيو أن هناك أسباباً عامة، أخلاقية ومادية، تعمل في كل دولة وتؤدي إلى رفعها أو إسقاطها، وأن ما يبدو صدفة ليس في الحقيقة إلا نتيجة لسبب كلي يجهله الملاحظ.

غير أن فلسفة التاريخ بلغت ذروتها الميتافيزيقية والعقلانية الشاملة مع الفيلسوف الألماني الكبير فريدريك هيجل. يحلل ماهورباشة المنظومة الهيجلية بقدر عالٍ من العمق والتكثيف؛ فالتاريخ عند هيجل ليس مجرد وقائع متفرقة، بل هو سيرورة عقلانية موجهة غائياً، إنه “مسار تطور الروح أو العقل الكلي (الغيست) في سعيه نحو الت реалиز الكامل للحرية”. أعلن هيجل مقولته الشهيرة: “كل ما هو عقلاني واقعي، وكل ما هو واقعي عقلاني”. فالتاريخ يسير وفق منهج الجدل (الديالكتيك): الأطروحة (الشيء)، تليها نقيض الأطروحة (ضده)، ثم التوليف المركب الذي يجمع بينهما على مستوى أعلى.

يتتبع هيجل مسار التاريخ العالمي عبر هذا المفهوم الجدلي؛ فقد بدأ التاريخ في الشرق القديم (الصين والسيطرة الفارسية) حيث كان الشعار: “واحد فقط هو الحر” (المستبد أو الإمبراطور). ثم انتقل إلى العصر الإغريقي والروماني حيث أصبح الشعار: “البعض هم الأحرار” (المواطنون دون العبيد). ثم وصل التاريخ إلى غايته الكبرى واكتماله في العالم الجرماني المسيحي المعاصر لـ هيجل، حيث أضحى الشعار: “الجميع أحرار” من خلال الدولة الحديثة التي تجسد العقل وحكم القانون. التاريخ عند هيجل انتهى غائياً بفكرة الدولة العقلانية الحرة، وكل ما جرى من حروب وصراعات وآلام في الماضي لم يكن إلا مجرد “دهاء العقل” الذي استخدم أهواء الشخصيات التاريخية العظيمة (مثل إسكندر المقدسي وقيصر ونابليون) للوصول إلى غايته العليا دون أن يعوا هم ذلك.

ولكن هذا البناء الهيجلي المثالي السابح في الفضاء الفلسفي سرعان ما تعرض للانقلاب التام على يد تلميذه كارل ماركس. يشرح الدكتور ماهورباشة كيف قام ماركس بإيقاف الجدل الهيجلي على قدميه بعد أن كان يقف على رأسه. استبدل ماركس “الروح” الهيجلية بالـ “المادة”، وصاغ نظريته الشهيرة المسماة “المادية التاريخية”. إن محرك التاريخ عند ماركس ليس الفكر أو الروح، بل هو علاقات الإنتاج وقوى الإنتاج المادية. الإنسان أحياناً يظن أنه يتصرف بناءً على أفكاره أو عقيدته، ولكن الواقع أن “وجود الإنسان الاجتماعي هو الذي يحدد وعيه، وليس وعيه هو الذي يحدد وجوده”.

يقسم ماركس التاريخ الإنساني تقسيماً حتمياً خطياً يمر بخمس مراحل أساسية حتمية بناءً على شكل الملكية وصراع الطبقات: يبدأ بالمجتمع المشاعي البدائي (حيث لا ملكية ولا طبقات)، ثم المجتمع العبودي (الصراع بين السيد والعبد)، فالمجتمع الإقطاعي (الصراع بين النبيل والأنقاض)، فالمجتمع الرأسالي (الصراع بين البورجوازي والبروليتاري). ويرى ماركس أن الرأسمالية تحمل في أحشائها بذور فنائها الحتمي بسبب تناقضاتها الداخلية، مما سيؤدي قطعا إلى ثورة العمال وتأسيس المرحلة الاشتراكية التي تمهد للمرحلة النهائية: “المجتمع الشيوعي” الخالي من الطبقات والدولة، حيث ينتهي صراع الإنسان مع الإنسان.

يقف المؤلف عند هذه النماذج التنويرية والمادية ليقدم قراءة نقدية حاصيفة. لقد نجحت هذه النظريات في إضفاء طابع علمي وعقلاني على مسار التاريخ، وجعلت الإنسان حارساً لمصيره، غير أنها سقطت في وهم “الحتمية التاريخية” والمركزية الأوروبية. فكل من هيجل وماركس افترضا أن مسار التاريخ الغربي هو المسار الوحيد والشامل الصالح للبشرية جمعاء، واعتبرا باقي الشعوب والحضارات الشرفية مجرد مجتمعات ركود أو أدوات في يد الماكينة الغربية. هذا الإفراط في اليقين الحتمي والإيمان بالتقدم الخطي الشامل سيتعرض لزلزال عنيف في القرن العشرين، حيث ستثبت الحروب الكونية والتدمير الذاتي أن التاريخ قد لا يسير نحو الأمام دائماً، بل قد يدور في حلقات مغلقة أو ينحدر نحو الهاوية، وهو ما مهد لظهور نظريات التعاقب الدوري الصادمة التي يتناولها الجزء الرابع من دراستنا.

 انكسار حلم التقدم ونظريات التعاقب الدوري للحضارات

شهد القرن العشرون تحولات مأساوية هزت أركان الثقة المطلقة بالعقل والتنوير والتقدم المستمر؛ فقد أدت الحربان العالميتان الأولى والثانية، وما رافقهما من دمار شامل واستخدام للسلاح النووي وظهور للأنظمة التوتاليتارية، إلى انهيار السردية الغربية التي بشرت بأن العلم والعقل سيقودان البشرية حتماً إلى الفردوس الأرضي. وفي هذا السياق المأزوم، بزغت نظريات تفسيرية جديدة لم تعد ترى التاريخ خطاً صاعداً نحو الأفضل، بل رأت فيه دورات حضارية تتعاقب فيها الأمم، حيث تولد الحضارة وتنفس وتكبر، ثم تصاب بالهرم والانحطاط والوفاة لتفسح المجال لحضارة أخرى. يخصص الدكتور عبد الحليم ماهورباشة هذا الفصل المحوري لاستعراض أنموذجين من أعمق وأشمل النماذج الدورية التي ظهرت في الفكر الغربي المعاصر، وهما رؤية الألمانية أوسوالد شبنغلر والمؤرخ البريطاني الشهير أرنولد توينبي.

يبدأ التحليل مع الكتاب الصادم الذي هز الأوساط الفكرية عقب الحرب العالمية الأولى: “تدهور الحضارة الغربية” أو “أفول الغرب” لـ أوسوالد شبنغلر. يوضح الباحث أن شبنغلر قدم رؤية بيولوجية صريحة ومتطرفة للتاريخ والحضارة؛ فالحضارة عنده ليست بناءً عقلانياً متراكماً مستمراً، بل هي كائن حي بكل ما تعنيه الكلمة، يمر بمراحل حتمية لا مفر منها: الطفولة، الشباب، النضج، الشيخوخة، ثم الموت. أقام شبنغلر نقداً لاذعاً للمركزية الأوروبية والتقسيم الكلاسيكي للتاريخ (قديم، وسيط، حديث)، واعتبره تقسيماً ضيقاً يعكس غرور الرجل الأبيض الذي ينصب نفسه مركزاً للكون.

بدلاً من ذلك، طرح شبنغلر فكرة “الحضارات الثماني الكبرى” التي شهدها التاريخ الإنساني (مثل المصرية، البابلية، الهندية، الصينية، الإسلامية، والغربية)، مؤكداً أن كل حضارة من هذه الحضارات تمثل روحاً قائمة بذاتها، ولديهما قدر محتوم مدته ألف سنة تقريباً، تعيش خلالها حيوية الإبداع (مرحلة الثقافة) ثم تتحول إلى التصلب المادي والجفاف الروحي (مرحلة الحضارة) قبل أن تفنى. وفي هذا السياق، بشر شبنغلر بـ “أفول الغرب”، موضحاً أن الحضارة الغربية الحديثة دخلت مرحلتها الأخيرة والنهائية (مرحلة الحضارة المادية والتكنولوجيا والمدن الضخمة المغتربة)، وهي مرحلة الشيخوخة التي لا يمكن علاجها، وأن مصيرها المحتوم هو السقوط والانقراض كما حدث مع الحضارة الرومانية من قبل.

ورغم الجاذبية القاتمة التي تمتعت بها طرح شبنغلر، إلا أنها تعرضت لنقد شديد بسبب حتميتها البيولوجية الجبرية التي أغلقت الأبواب أمام الإرادة الإنسانية. وهنا يأتي دور المؤرخ البريطاني الموسوعي أرنولد توينبي في مشروعه الضخم “دراسة للتاريخ”، والذي حاول فيه تجاوز الجبرية الشبنغلرية وتنقيح فكرة التعاقب الدوري بنكهة أكثر مرونة وإنسانية. يحلل ماهورباشة نموذج توينبي بشغف كبير، متوقفاً عند مقولته الشهيرة في تفسير نشأة الحضارات وسقوطها: “نظرية التحدي والاستجابة”.

يرى توينبي أن الحضارة لا تنشأ نتيجة ظروف بيئية مريحة ومثالية كما يظن البعض، ولا نتيجة تفوق عرق بيولوجي معين، بل تظهر كـ “استجابة مبدعة” يقدمها مجتمع ما لمواجهة “تحدٍّ” صعب يفرضه المحيط الطبيعي أو البشري. إذا كان التحدي سهلاً للغاية لا يستنفر طاقات الإنسان، فلن تتولد الحضارة؛ وإذا كان التحدي شديد القسوة والفتك المفرط، فإنه سيحطم المجتمع أو يجعده. أما إذا كان التحدي متوازناً ويقع في المنطقة الذهبية، فإنه يستحث الكفاءات الفكرية والروحية لتقديم استجابة حضارية خلاقة.

إن محرك الحضارة في بداية نشأتها وتطورها عند توينبي ليس الجمهور الغفير، بل هو “الأقلية المبدعة”؛ مجموعة صغيرة من القادة والمفكرين والملهمين الذين يبتكرون الحلول ويقودون الجماهير بالقدوة والإقناع الروحي. وتستمر الحضارة في النمو طالما بقيت هذه الأقلية قادرة على الاستجابة للتحديات الجديدة المتجددة. ولكن كيف تنحط الحضارة وتسقط؟ يوضح ماهورباشة أن الانحطاط عند توينبي لا يعود لعوامل خارجية حتمية أو الموت البيولوجي، بل يبدأ من “الداخل”، عندما تفقد الأقلية المبدعة قدرتها على الإبداع وتتحول إلى “أقلية مسيطرة” تحكم بالقوة البطشية والإكراه بدلاً من الإقناع. في هذه اللحظة، ينفصل الجمهور عن القادة، ويتشكل داخل المجتمع ما يسميه توينبي بـ “البروليتاريا الداخلية” (المستضعفون المنتفضون داخل الحضارة) و”البروليتاريا الخارجية” (البرابرة أو الأعداء على الحدود)، فتصاب الحضارة بالانكسار الداخلي والانتحار الذاتي.

غير أن ما يميز توينبي عن شبنغلر هو فتح باب الأمل؛ فالحضارة الغربية المعاصرة وإن كانت تعاني من أزمة انحطاط حادة وشكوك عميقة، إلا أنها تملك فرصة للنجاة إذا استطاعت تجنب أخطاء الحضارات السابقة، وذلك بالعودة إلى القيم الروحية والدينية السامية والتخلي عن الغرور المادي والنزعة العسكرية المحتدمة.

ويرى الدكتور ماهورباشة أن نظريات التعاقب الدوري قد أحدثت ثورة حقيقية في فلسفة التاريخ؛ فقد كسرت غرور “التقدم الخطي” الاستعلائي الغربي، وأعادت للاعتراف القيمة الحضارية المتساوية للشعوب والجهات. لم يعد التاريخ سيرة للرجل الأبيض وحده، بل أصبح سجلاً متعدد الأقطاب حافلاً بالإسهامات الإنسانية المتنوعة. غير أن هذه النظريات، حتى مع مرونة توينبي،ظلت تبحث عن مجرى كلي وشامل للحرية والإنسانية. ومع انتهاء الحرب الباردة وسقوط المعسكر الشرق في تسعينيات القرن العشرين، سيشهد الفكر الغربي عودة جديدة وأكثر شراسة لسرديات الكلية وخطط النهايات المحتومة، ولكن هذه المرة تحت لواء “نهاية التاريخ” و”صراع الحضارات”، وهو ما يتناوله المبحث الخامس من كتابنا.

 صراعات العالم المعاصر والرؤية النقدية العربية للنهوض

نصل مع الدكتور عبد الحليم ماهورباشة إلى المبحث الأخير والمثير للجدل في كتاب “فلسفة التاريخ”، حيث يتصدى المؤلف لتحليل الطروحات التي هيمنت على الخطاب السياسي والفلسفي في عالم ما بعد الحرب الباردة، ويستعرض بالبحث النظري التحليلي النموذج المعاصر المتمثل في مقولة “نهاية التاريخ” لفرانسيس فوكوياما، وأطروحة “صراع الحضارات” لصاموئيل هنتنغتون، قبل أن ينتقل ببراعة ليختم دراسته بالنماذج التفسيرية التي قدمها المفكرون العرب للوعي بالتاريخ والتأخر الحضاري، متوقفاً عند العبقرية التفسيرية لمالك بن نبي والرؤية النقدية التاريخانية لعبد الله العروي.

يبدأ هذا المبحث بمناقشة طرح المفكر الأمريكي فرانسيس فوكوياما في كتابه الشهير “نهاية التاريخ والإنسان الأخير”. يوضح المؤلف أن فوكوياما حاول إعادة إحياء الجدل الهيجلي الغائي بشكل محدث. زعم فوكوياما أن انهيار الاتحاد السوفيتي والتفكك الشيوعي لم يكن مجرد حدث سياسي عابر، بل كان الإعلان الرسمي عن “نهاية التطور الأيديولوجي للبشرية” وانتصار الليبرالية الديمقراطية واقتصاد السوق الحرة بوصفها النموذج النهائ والأمثل لحكم المجتمعات الإنسانية. التاريخ عند فوكوياما ليس يتوقف كزمن أو أحداث، بل يتوقف كصراع بين بدائل أيديولوجية كبرى؛ فالديمقراطية الليبرالية استطاعت تلية الحاجة الإنسانية الجوهرية للـ “اعتراف والتقدير”، ولم يعد ثمة نموذج منافس قادر على التسامي عليها.

ورداً على هذا التفاؤل الليبرالي الاستعلائي، برزت أطروحة صاموئيل هنتنغتون في كتابه “صراع الحضارات وإعادة تشكيل النظام العالمي”. أثبت ماهورباشة أن هنتنغتون جاء ليفكك وهم “نهاية التاريخ” الليبرالي؛ فالصراعات في العالم المعاصر لن تكون أيديولوجية أو اقتصادية كما كان الحال في العصر الحديث، بل ستكون صراعات “ثقافية وحضارية” في المقام الأول. الصدمات والنزاعات القادمة ستحدث على طول “خطوط الفسلاسل الثقافية” التي تفصل بين الحضارات الكبرى في العالم، وفي مقدمتها الصراع المفترض بين الحضارة الغربية من جهة والحضارتين الإسلامية والكونفوشيوسية (الصينية) من جهة أخرى. لقد حذر هنتنغتون الغرب من محاولة فرض قيم الليبرالية العالمية على ثقافة تمتك جينات حضارية مغايرة، داعياً إياه إلى التخلي عن الأوهام الإمبريالية والتركيز على حماية تماسط الروح الغربية ذاتها.

وبعد هذه التغطية الشاملة للنماذج الغربية متقلبة الأطوار، ينعطف بنا الدكتور عبد الحليم ماهورباشة إلى واحد من أهم وأثرى أبواب الكتاب: “إسهامات الفكر العربي المعاصر في فلسفة التاريخ”. يسعى الباحث هنا لإثبات أن المفكرين العرب لم يكونوا مجرد مستهلكين سلبيين للنظريات الغربية، بل قدموا استجابات تفسيرية أصيلة حاولت تشخيص أسباب التأخر الحضاري وسبل النهوض من جديد. يتوقف الكاتب أولاً عند الفيلسوف والمفكر الجزائري الكبير مالك بن نبي، مستعرضاً مشروعه الحضاري القائم على العبارة الفذة: “شروط النهضة” وتفكيك مفهوم “القابلية للاستعمار”.

جعل مالك بن نبي من “الحضارة” وحدة رئيسية للتحليل التاريخي والاجتماعي. وضغ معادلة حضارية ثلاثية الأركان: (حضارة = إنسان + تراب + الوقت). ويرى بن نبي أن هذه العناصر الثلاثة تظل مجرد طاقات خام معطلة ومشتتة لا تستطيع إقامة حضارة بمفردها، ما لم ينبثق المركب الكاتاليزي والمحفز الحقيقي الذي يجمع بينها، وهذا المركب هو “الفكرة الدينية” أو العقيدة الروحية. تتطور الدور الحضارية عند بن نبي عبر ثلاثة أطوار متتابعة: طور الروح (حيث تسود العقيدة وتكبح الغرائز وتدفع نحو الإبداع والتأسيس)، ثم طور العقل (حيث يبدأ الاستقرار وتتشكل العلوم والقوانين وتستمر المكتسبات)، وأخيراً طور الغريزة (حيث تتحرر الغرائز من عقال الروح والعقل، وينهدم التماسك الأخلاقي، فتفقد الأمة قدرتها الإبداعية وتدخل مرحلة ما بعد الحضارة، وتتولد فيها الحالة المرضية المسماة: القابلية للاستعمار).

ثم ينتقل الكاتب إلى الطرح التاريخاني النظري المتميز الذي قدمه المفكر المغربي عبد الله العروي. يوضح ماهورباشة أن العروي أقام نقداً مزدوجاً للوعي العربي المعاصر؛ نقد للخطاب السلفي التراثي الذي يستنسخ الماضي وينفصل عن الواقع، ونقد للخطاب الليبرالي الانتقائي السطحي الذي يستورد منتجات الغرب دون استيعاب منهجيته. يدعو العروي إلى تبني “التاريخانية” كموقف فلسفي ومنهج معرفي يرى الوقائع والمفاهيم في سياقها التاريخي المتطور. إن فهم التأخر العربي عند العروي يتطلب وعياً عميقاً بـ “المفهوم الإيدولوجي للتاريخ”، واعتماد القطيعة مع البنى التقليدية للوصول إلى الحداثة المعرفية والتاريخية التي تمكننا من صناعة مستقبلنا بحرية وعقلانية.

تأتي خاتمة الكتاب، كما يتناولها ماهورباشة، لتلخص الموقف الفلسفي النهائي: إن الوعي بالنظريات التفسيرية للتاريخ ليس ترفاً فكرياً أو استغراقاً في التناول النظري المعزول، بل هو ضرورة حتمية لتأسيس العقل الاستراتيجي لأي أمة تسعى إلى الخروج من دائرة الهامشية. التاريخ الإنساني، كما أثبتت هذه الرحلة الفكرية الطويلة، هو مجرى حافل بالتدافع والوعي والسنن؛ فمن جهل القوانين الباطنية للتاريخ أضحى حتماً مادة لتاريخ الآخرين، ومن استوعب النماذج التفسيرية وعقل سنن التدافع العمراني امتلك القدرة على توجيه الحاضر وصناعة المستقبل.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى