ديب مايند.. من لعبة بريك آوت إلى دواء ينقذ البشرية

في مطلع كتابه الاستثنائي “آلة اللانهاية: ديميس هاسابيس، ديب مايند، والسعي نحو الذكاء الفائق” (The Infinity Machine)، يأخذنا الكاتب سيباستيان مالابي في رحلة سردية عميقة وممتدة لا تكتفي بتوثيق تاريخ التكنولوجيا المعاصر، بل تغوص ببراعة في التكوين النفسي، والفلسفي، والفكري لأحد أهم العقول التي تعيد تشكيل عالمنا اليوم. يبدأ السرد بوضعنا أمام حقيقة محورية؛ وهي أن الذكاء الاصطناعي، بالنسبة لبطل هذا العمل، ليس مجرد أداة اقتصادية لزيادة أرباح الشركات، ولا هو مجرد سلاح جيوسياسي تتنافس عليه القوى العظمى للسيطرة على المستقبل، بل هو وسيلة شبه مقدسة ومفتاح كوني لفهم أعمق ألغاز الكون والطبيعة. يصور مالابي ديميس هاسابيس كشخصية فريدة، تختلف جذرياً عن الصورة النمطية المألوفة لرواد وادي السيليكون المهووسين بجمع الثروة ومراكمة النفوذ. إنه رجل مدفوع بشغف علمي خالص، يرى في الذكاء الاصطناعي تلك الأداة الفائقة التي ستمكن البشرية من تجاوز حدود الإدراك البشري المجرد، تماماً كما مكننا التلسكوب من رؤية النجوم البعيدة واستيعاب اتساع المجرات. يتجلى هذا الشغف منذ الصفحات الأولى، حيث يُطرح تساؤل وجودي وعلمي مركزي: هل يمكن لآلة أن تمتلك الذكاء الكافي والقدرة الاستقرائية لحل أصعب مشكلات البشرية التي استعصت على العقول لعقود؟ ومن هو هذا العقل البشري الذي قرر أن يكرس حياته بأكملها لبناء هذه الآلة اللانهائية؟
تعود بنا القصة إلى الجذور الأولى في أحياء شمال لندن، حيث نشأ ديميس في بيئة متواضعة لا توحي بأي شكل من الأشكال بأنها ستنجب أحد أهم مهندسي ومفطري المستقبل البشري. وُلد هاسابيس لأم سنغافورية من أصول صينية عانت من فقر مدقع في طفولتها وعاشت لفترة كيتيمة مشردة في شوارع سنغافورة القاسية، وأب قبرصي يوناني كان يحلم بالنجومية في عالم الموسيقى والغناء، لكن انتهى به المطاف بائعاً للألعاب يكسب قوت يومه من صندوق سيارته الفولكس فاغن الحمراء المتهالكة. في هذه البيئة التي تمزج بين الكفاح اليومي المرير والطموح المكبوت غير المتحقق للوالدين، ظهرت علامات النبوغ المتطرفة على ديميس في سن مبكرة جداً. يروي الكاتب بأسلوب درامي كيف أن هذا الطفل الصغير، وفي سن الرابعة فقط، جلس يراقب والده بانتباه شديد وهو يلعب الشطرنج، ليتمكن في غضون أسابيع قليلة من فهم قواعد اللعبة المعقدة وهزيمة البالغين المحيطين به. تتجسد صورة بصرية مذهلة ومؤثرة في الكتاب عندما يصف مالابي الطفل ديميس وهو في سن الخامسة، جالساً في قاعات البطولات المكتظة، مضطراً للجلوس على كتاب دليل هاتف سميك فوق كرسيين متراصين ليتمكن بالكاد من رؤية رقعة الشطرنج وتجاوز حافة الطاولة العالية. لم تكن طفولته عادية بأي مقياس متعارف عليه، فقد تحول سريعاً إلى ظاهرة خارقة في عالم الشطرنج الإنجليزي، وبحلول سن التاسعة أصبح قائد فريق إنجلترا تحت سن الحادية عشرة، وفي سن الثالثة عشرة صُنف رسمياً كثاني أقوى لاعب في العالم في فئته العمرية.
لكن هذا النجاح المبكر والمدوي لم يأتِ بلا ثمن نفسي باهظ. يغوص مالابي ببراعة تحليلية في الأعماق النفسية للضغوط الهائلة التي تعرض لها ديميس في تلك المرحلة الحساسة من عمره. كانت بيئة بطولات الشطرنج التنافسية قاسية ولا ترحم الطفولة، حتى أن المنظمين كانوا يضطرون لوضع ألواح خشبية صلبة تحت الطاولات لمنع اللاعبين الصغار من ركل بعضهم البعض تحت وطأة التوتر العصبي الشديد. والأشد قسوة من ذلك كان الضغط النفسي الذي مارسه والده عليه. يصف الكتاب نوبات الغضب العارمة التي كان ينفجر بها الأب عندما يخسر ديميس أي مباراة مهما كانت صغيرة، حيث كان يصرخ في وجهه مطالباً إياه ببذل “أقصى جهد ممكن”. المشكلة أن عقل ديميس الطفولي ذو الطبيعة الحرفية العميقة ترجم عبارة “أقصى جهد” بطريقة متطرفة ومخيفة؛ فقد كان يعتقد إيماناً راسخاً أن الطريقة الوحيدة لإثبات أنه بذل جهده حقاً هي أن يدفع نفسه عقلياً وجسدياً إلى حافة الانهيار التام، إلى النقطة التي تسبق فقدان الوعي أو الموت مباشرة. هذا الضغط النفسي الهائل والمستمر صقل عقله ليصبح آلة تحليلية مرعبة ودقيقة، لكنه في الوقت ذاته زرع فيه إدراكاً فلسفياً مبكراً بأن هذا الاستنزاف الهائل للطاقة الذهنية في لعبة مغلقة القواعد لا يتناسب بأي حال مع إمكانيات وطاقات العقل البشري الهائلة.
هنا، وفي خضم هذه الصراعات، تأتي نقطة التحول الكبرى في القصة. في وسط إرهاق البطولات والسفر والتحليل اللانهائي لنقلات الشطرنج، أدرك ديميس الشاب أن رقعة الشطرنج، بكل تعقيداتها وجمالياتها الرياضية، تظل عالماً صغيراً ومحدوداً تحكمه جدران ثابتة. كانت مجرد ساحة تدريب ذهنية لعقله، صالة ألعاب رياضية فكرية علمته كيفية بناء النماذج الذهنية التجريدية، وتقييم الاحتمالات المتفرعة، ورؤية الخطوات المستقبلية. شعر بضيق الأفق في هذا العالم المربع، وقرر أن طاقته الفكرية المتفجرة يجب أن تُوجه نحو تحديات حقيقية قادرة على إحداث تأثير فعلي في العالم الواقعي. بدأ اهتمامه يتحول تدريجياً وبقوة نحو أجهزة الكمبيوتر، والبرمجة، وصناعة العوالم الافتراضية. سحره عالم الكود البرمجي، حيث أدرك أن بإمكانه أن يخلق عوالم كاملة من العدم بمجرد كتابة خوارزميات منطقية. وبدأ يقرأ بنهم عن أجهزة الكمبيوتر التي تلعب الشطرنج، وكيف يمكن للآلات أن تحاكي خطوات التفكير البشري. كان هذا هو اللقاء الفكري الأول بين ديميس وروح الذكاء الاصطناعي، وهو اللقاء الذي سيحدد مسار حياته بالكامل ويغير شكل المستقبل.
مع تبلور شغفه العميق بالتكنولوجيا، وجد ديميس نفسه ينخرط بشكل مباشر في صناعة ألعاب الفيديو التي كانت تشهد ثورة حقيقية في أوائل التسعينيات. انضم وهو لا يزال في سن المراهقة إلى استوديو “بولفروغ” للألعاب، حيث عمل تحت إشراف المصمم الشهير وغريب الأطوار بيتر مولينو. كانت بيئة “بولفروغ” مثالية لشاب متمرد وطموح مثله؛ كانت بيئة فوضوية، مليئة بالطاقة الإبداعية الجامحة، ولا تعترف بالحدود أو القواعد التقليدية الصارمة. هناك، شارك ديميس في تطوير لعبة “Theme Park” الشهيرة التي حققت نجاحاً عالمياً كاسحاً. لم يكن هدفه من هذه المشاركة مجرد تصميم لعبة مسلية للأطفال، بل كان مهووساً بفكرة دمج آليات الذكاء الاصطناعي المبكر في ميكانيكا اللعبة الأساسية. أراد أن تتفاعل شخصيات اللعبة باستقلالية، أن تتخذ قراراتها الخاصة بناءً على بيئتها المحيطة واحتياجاتها، محاولاً محاكاة السلوك البشري الأساسي في بيئة محاكاة معقدة. يروي مالابي كيف كانت هذه التجربة حاسمة في تشكيل فهم هاسابيس للحدود التقنية لتلك الحقبة. كان مولينو يشتهر بتقديم وعود خيالية حول ذكاء الألعاب التي يطورها، وهي وعود كانت غالباً ما تصطدم بصخرة الواقع التقني وقدرات الحوسبة المحدودة آنذاك. تعلم ديميس من هذه التجربة المبكرة أن الرؤية الطموحة لابد لها أن تستند إلى أساس علمي متين لا يقبل المساومة، وأن الوعود البراقة لا تكفي لصنع ذكاء حقيقي.
ورغم النجاح التجاري الباهر للعبة والمستقبل الواعد الذي كان ينتظره في عالم صناعة الألعاب المربح، ورغم عروض العمل المغرية التي وصلت إلى أرقام فلكية لدرجة عرض رواتب مكونة من سبعة أرقام، اتخذ ديميس قراراً صادماً لكل من حوله. رفض كل هذه الإغراءات المادية ببرود تام وقرر العودة إلى مقاعد الدراسة الأكاديمية الصارمة. التحق بجامعة كامبريدج العريقة لدراسة علوم الكمبيوتر، إيماناً منه بأن بناء ذكاء اصطناعي حقيقي وعميق يتطلب فهماً رياضياً وعلمياً أعمق بكثير مما توفره صناعة الترفيه والألعاب. في كامبريدج، انفتحت آفاقه الفكرية بشكل غير مسبوق وتجاوزت حدود المناهج المقررة. لم يكتفِ بدراسة الحواسيب، بل غاص بشغف في أعماق الفيزياء النظرية، وافتتن بالبيولوجيا والتعقيد الخلوي، وتأمل في الفلسفة وعلم الأعصاب. أدرك خلال تلك الفترة التأملية أن العقول العظيمة في الفيزياء، رغم ذكائها الخارق، لم تتمكن من فك شفرة “نظرية كل شيء” أو فهم التعقيد المذهل للبيولوجيا الجزيئية. ترسخت لديه قناعة لا تتزعزع بأن العقل البشري، بتركيبته الحالية وقدراته المحدودة على معالجة البيانات، يحتاج إلى أداة مساعدة فائقة القوة للتعامل مع هذا الكم الهائل من المتغيرات الكونية. وفي تلك الأروقة العريقة، لم يتوقف عن البحث عن تحديات جديدة؛ فتعلم لعبة الـ “غو” الآسيوية المعقدة، وأصبح لاعباً محترفاً في لعبة البوكر، مستخدماً إياها كحقول تجارب حية لفهم سيكولوجية اتخاذ القرار البشري تحت وطأة عدم اليقين ونقص المعلومات، وكيف يمكن نقل هذه القدرات إلى الآلات.
بعد تخرجه من كامبريدج بامتياز، وبدلاً من الانضمام إلى الشركات التكنولوجية الكبرى والمستقرة، اختار هاسابيس طريق ريادة الأعمال الشائك والمحفوف بالمخاطر. في أواخر التسعينيات، وقبل أن تصبح ثقافة الشركات الناشئة أمراً مألوفاً في بريطانيا، أسس شركته الخاصة لتطوير الألعاب والتي أطلق عليها اسم “Elixir Studios”. كانت رؤيته التأسيسية تتلخص في تصميم ألعاب محاكاة استراتيجية شديدة التعقيد، مثل لعبة “Republic: The Revolution”، والتي تعتمد على محركات ذكاء اصطناعي طموحة جداً لمحاكاة الديناميكيات السياسية والاجتماعية لعالم افتراضي كامل بكل تناقضاته. يصف مالابي كيف واجه ديميس صعوبات تقنية وإدارية جمة في هذه المرحلة. فقد كان سقف طموحه التكنولوجي ورؤيته للذكاء الاصطناعي أعلى بكثير مما يمكن للفريق الهندسي تحقيقه في ذلك الوقت. كان يضغط بشدة لدمج أنظمة ذكاء اصطناعي ثقيلة ومعقدة أدت في كثير من الأحيان إلى بطء الألعاب وإثقال كاهل المطورين ودفعهم إلى حافة الإرهاق. ومع ذلك، أبرزت هذه التجربة الصعبة صفة قيادية فريدة ومذهلة لدى ديميس؛ فقد وُصف من قبل زملائه بـ “الجيداي” لقدرته الخارقة على الإقناع الاستثنائي، حيث كان قادراً على الدخول في عقول المستثمرين والمبرمجين وجعلهم يؤمنون برؤيته الخيالية ويتبعونها دون تردد، تماماً كما يفعل أبطال أفلام حرب النجوم.
ورغم أن استوديو “Elixir” لم يحقق النجاح التجاري الأسطوري الذي كان يطمح إليه أو التغيير الجذري الذي كان ينشده، إلا أن هذه التجربة، كما يصورها سرد سيباستيان مالابي بتفاصيلها الإنسانية الدقيقة، كانت بمثابة بوتقة الانصهار الحقيقية التي شكلت شخصية هاسابيس كرائد أعمال متمرس وعالم حالم في آن واحد. لقد أدرك ديميس في نهاية هذه المرحلة أن محاولة محاكاة الواقع المعقد والوصول إلى الذكاء المستقل من خلال ألعاب الفيديو هي مجرد واجهة ترفيهية لمشروع علمي أضخم وأكثر جدية. أدرك أن بناء ذكاء اصطناعي حقيقي وتوليدي لا يتطلب فقط مبرمجين مهرة ومهندسين بارعين، بل يتطلب في المقام الأول فهماً عميقاً لآلية عمل الدماغ البشري نفسه وتفكيك هندسته العصبية، وهو الإدراك العميق الذي سيقوده في المرحلة التالية إلى العودة مرة أخرى وبزخم أكبر إلى قاعات البحث العلمي الأكاديمي للحصول على درجة الدكتوراه في علم الأعصاب المعرفي. هذه المرحلة التأسيسية الطويلة والمعقدة التي يسردها الكتاب ليست مجرد سيرة ذاتية لشاب موهوب مر بطفولة استثنائية، بل هي تشريح دقيق ومتأني لرحلة تطور فكرة الذكاء الاصطناعي نفسها؛ من رقعة شطرنج خشبية في شمال لندن، إلى سطور من الكود البرمجي في غرف مضاءة بشاشات الحواسيب، وصولاً إلى إيمان راسخ بأن البشرية تقف على أعتاب اكتشاف وابتكار أعظم أداة في تاريخها الطويل، آلة لا متناهية ستغير وجه العلم والطبيعة والوجود البشري إلى الأبد.
بعد إغلاق استوديو “إليكسير”، أدرك ديميس هاسابيس حقيقة جوهرية: إن محاولة هندسة آلة مفكرة انطلاقاً من الصفر باستخدام الرياضيات المجردة والخوارزميات الكلاسيكية فقط هي محاولة محكوم عليها بالقصور. إذا كانت البشرية ترغب حقاً في بناء ذكاء حقيقي، ذكاء يتسم بالمرونة والقدرة على التكيف والتعلم، فلا بد لها من دراسة وتفكيك “النموذج” الوحيد العامل والمثبت في الكون لهذا الذكاء؛ ألا وهو الدماغ البشري. هذا الإدراك العميق قاده لترك عالم الأعمال مؤقتاً والعودة إلى قاعات البحث الأكاديمي، وتحديداً إلى كلية لندن الجامعية (UCL)، ليغوص في أعماق علم الأعصاب المعرفي للحصول على درجة الدكتوراه. لم تكن هذه العودة الأكاديمية تراجعاً، بل كانت هجوماً استراتيجياً من جبهة أخرى؛ فقد أراد هاسابيس أن يستخلص المبادئ الأساسية والخوارزميات الطبيعية التي يستخدمها الدماغ للتعلم والتذكر والتخيل، ثم يترجمها إلى شيفرات برمجية.
في مختبرات الكلية، ركز هاسابيس أبحاثه على الحُصين (Hippocampus)، وهو الجزء من الدماغ المسؤول عن الذاكرة والملاحة المكانية. وهناك، أجرى دراسات رائدة على مرضى فقدان الذاكرة، واكتشف أمراً مذهلاً قلب المفاهيم السائدة: المرضى الذين يعجزون عن تذكر ماضيهم، يعجزون تماماً عن تخيل مستقبلهم. كانت هذه النتيجة بمثابة إشراقة فلسفية وعلمية بالنسبة له؛ فالذاكرة ليست مجرد خزانة أرشيفية لحفظ الصور والأحداث، بل هي أداة توليدية، محرك محاكاة يستخدمه العقل لتفكيك تجارب الماضي وإعادة تركيبها لتخيل سيناريوهات المستقبل والتخطيط لها. أدرك ديميس أن القدرة على “التخيل” و”المحاكاة الداخلية” هي جوهر الذكاء البشري، وأن أي آلة نطمح في أن تكون ذكية يجب أن تُزود بآلية مشابهة تسمح لها بتخيل عواقب أفعالها قبل تنفيذها في الواقع. هذا الربط العبقري بين البيولوجيا العصبية وعلوم الكمبيوتر هو ما ميز هاسابيس عن بقية المهندسين في مجاله، وجعله المهندس الأول الذي يمتلك خريطة طريق واضحة لبناء ذكاء اصطناعي مستلهم من الطبيعة.
ومع تبلور هذه الرؤية الناضجة، حان الوقت لتحويل النظرية إلى واقع مؤسسي. في عام 2010، وفي خضم الركود الاقتصادي العالمي، ولدت شركة “ديب مايند” (DeepMind) في لندن. لم يؤسس هاسابيس هذا الكيان بمفرده، بل شكل تحالفاً غير تقليدي يعكس طبيعة مشروعه المعقد. انضم إليه مصطفى سليمان، صديق طفولته الذي لم يكن مبرمجاً، بل ناشطاً مجتمعياً ورائد أعمال يمتلك قدرة فائقة على التواصل وفهم الديناميكيات البشرية والسياسية، وكان بمنزلة الجسر الذي يربط طموحات الشركة بالواقع الاجتماعي والأخلاقي. وإلى جانبهما، وقف شين ليغ، الباحث الأكاديمي الهادئ والمهووس بفكرة رياضية بحتة وهي كيفية قياس “الذكاء الاصطناعي العام” (AGI). كانت مهمة الشركة، كما صاغوها في بداياتهم، تتسم بجرأة تقترب من حدود الجنون: “حل معضلة الذكاء، ثم استخدام هذا الحل لحل كل المشكلات الأخرى”. لقد اختاروا لندن مقراً لهم عن قصد، رافضين الانتقال إلى وادي السيليكون؛ فقد أراد هاسابيس بناء ثقافة مؤسسية فريدة تشبه مختبرات “بيل” (Bell Labs) العظيمة في القرن العشرين، ثقافة تجمع بين صرامة البحث الأكاديمي البحت وسرعة ومرونة الشركات الناشئة، بعيداً عن ضجيج شركات التكنولوجيا الأمريكية التي كانت تركز حينها على الإعلانات ووسائل التواصل الاجتماعي.
لكن هذه الجرأة اصطدمت سريعاً بصخرة الواقع المالي. يصف مالابي في السرد رحلة البحث المضنية عن التمويل، حيث واجه الثلاثي مجتمعاً استثمارياً أوروبياً يفتقر إلى الخيال. كيف يمكن إقناع مستثمر بضخ الملايين في شركة لا تمتلك منتجاً للبيع، ولا خطة واضحة لجني الأرباح، وكل ما تعد به هو مشروع يستغرق عشرين عاماً لبناء آلة تمتلك ذكاءً بشرياً أو يفوقه؟ قوبلوا بالرفض والسخرية مراراً وتكراراً. وهنا تأتي اللحظة الدرامية التي غيرت مسار الشركة؛ اللقاء الأسطوري مع بيتر ثيل، الملياردير الأمريكي والمستثمر الجريء. استخدم هاسابيس خلفيته كبطل شطرنج كطُعم فكري لجذب انتباه ثيل، الذي كان مهووساً باللعبة أيضاً. في ذلك اللقاء، لم يقدم ديميس عرضاً تجارياً تقليدياً، بل خاض في نقاش فلسفي عميق حول ركود الابتكار التكنولوجي العالمي وكيف أن الذكاء الاصطناعي العام هو الاختراق الوحيد القادر على إنقاذ البشرية ودفع عجلة التطور العلمي. سُحر ثيل بهذا الطرح الاستثنائي، وقدم التمويل الأولي الذي كان بمثابة أكسجين الحياة لشركة ديب مايند، لتصبح أول شركة ذكاء اصطناعي تستقطب اهتمام كبار مستثمري التكنولوجيا.
مع توفر التمويل، احتاجت ديب مايند إلى “حقل تجارب” لإثبات نظرياتها. لم يكن الشطرنج مناسباً لأنه يعتمد على بيئة محدودة وقواعد صلبة، ولم يكن العالم الحقيقي خياراً متاحاً لتعقيداته اللانهائية وتكلفته العالية. هنا، عادت جذور هاسابيس في ألعاب الفيديو لتلعب دوراً حاسماً؛ اختاروا ألعاب منصة “أتاري” (Atari) الكلاسيكية من السبعينيات لتكون ساحة الاختبار. كان التحدي الذي وضعوه أمام أنفسهم غير مسبوق: ابتكار خوارزمية واحدة، وكيل ذكاء اصطناعي (Agent)، قادر على تعلم لعب عشرات الألعاب المختلفة من منصة أتاري، دون أن تتم برمجته مسبقاً بقواعد أي لعبة. الآلة لن تتلقى سوى شيئين: المدخلات البصرية الخام (البكسلات على الشاشة)، والهدف النهائي المتمثل في زيادة النتيجة الرقمية. كان هذا دمجاً عبقرياً بين “التعلم العميق” لمعالجة الرؤية، و”التعلم المعزز” الذي يحاكي نظام المكافأة بالدوبامين في الدماغ البشري والذي يدفع الكائنات الحية للتعلم من التجربة والخطأ.
مع تجربة لعبة “بريك آوت” (Breakout)، تلك اللعبة الكلاسيكية التي تعتمد على ضرب كرة بمضرب لتحطيم جدار من الطوب. بدأ الذكاء الاصطناعي كلوح فارغ، يتخبط ويحرك المضرب بعشوائية تامة ويخسر باستمرار. لكن، ومع مرور ساعات من التدريب الذاتي وتكرار المحاولات ملايين المرات، حدث السحر الذي أذهل الباحثين. لم تكتفِ الآلة بتعلم كيفية ضرب الكرة ببراعة تفوق البشر، بل اكتشفت، من تلقاء نفسها وبدون أي توجيه بشري، الاستراتيجية المثلى للعبة: حفر نفق صغير في أحد أطراف جدار الطوب لتمرير الكرة إلى الأعلى، بحيث ترتد الكرة مراراً وتكراراً بين سقف الشاشة والجدار، محطمة الطوب وتحاصدة النقاط بسرعة جنونية. كانت هذه اللحظة، التي وُثقت في فيديو شهير لاحقاً، بمثابة زلزال في الأوساط العلمية. لم تكن مجرد آلة تلعب ببراعة، بل كانت آلة تكتشف، تخطط، وتستنبط استراتيجيات معقدة من بيئتها المحيطة بناءً على خبرتها الذاتية فقط.
لقد أثبتت ديب مايند للعالم أن “الذكاء العام” ليس مجرد خيال علمي، بل يمكن هندسته. كان هذا الإنجاز مع ألعاب أتاري هو الشرارة التي أشعلت ثورة الذكاء الاصطناعي الحديثة، وهو الدليل المادي القاطع الذي وضع الشركة الصغيرة في لندن تحت أنظار عمالقة التكنولوجيا في العالم، لتبدأ مرحلة جديدة من الصراع الجيوسياسي والاقتصادي على من سيمتلك هذه القوة اللامتناهية، وهي مرحلة ستشهد تطورات أكثر دراماتيكية في سعي البشرية الحثيث لفهم الآلة، وفهم نفسها.
بعد إنجاز خوارزميات ألعاب “أتاري” والبرهنة العملية على قوة “التعلم المعزز العميق”، وجد هاسابيس وفريقه أنفسهم أمام تدفق هائل من الاهتمام العالمي. لم تعد ديب مايند مجرد فكرة مجنونة يطاردها ثلاثة حالمين، بل أصبحت الكيان الوحيد على كوكب الأرض الذي يمتلك الخريطة العملية واللبنات الأساسية لبناء ذكاء اصطناعي عام. هذا التطور أثار انتباه قطبين من أقطاب التكنولوجيا المعاصرة: مارك زوكربيرغ في “فيسبوك”، ولاري بايج ولا his شريكه سيرجي برين في “غوغل”.
بدأ الصراع المحموم خلف الكواليس لاستحواذ أحد العمالقة على هذا المختبر الفريد. زوكربيرغ دعا هاسابيس إلى منزله واستضافه في جلسات استعراضية مكثفة حاول خلالها إقناعه بأن بيئة فيسبوك والبنية التحتية الهائلة لديهم ستوفر له كل ما يحتاجه لتحقيق حلمه. لكن هاسابيس، بدقته التحليلية وبُعد نظره الاستراتيجي الذي صقله على رقع الشطرنج، كان يدرك الخطورة الفلسفية والأخلاقية لبيع خوارزميات بهذا التعقيد والخطورة لشركة تعتمد استراتيجيتها كلياً على الإعلانات وشبكات التواصل الاجتماعي. من جهة أخرى، كان لاري بايج يمتلك رؤية أكثر تجريداً وإغراءً؛ فقد كان يرى في غوغل شركة ليس للبحث عن المعلومات فحسب، بل محركاً لبناء علم أصول الذكاء نفسه، وكان مستعداً لضخ موارد حاسوبية غير محدودة ودعم هاسابيس بأموال هائلة، مع منح ديب مايند درجة عالية من الاستقلالية التشغيلية داخل إمبراطورية غوغل.
في عام 2014، تم حسم الصفقة لصالح غوغل بمبلغ قياسي قُدر بحوالي نصف مليار دولار، لكن المفاوضات لم تكن مجرد أرقام مالية، بل كانت معركة قيم استثنائية. خاض هاسابيس ومصطفى سليمان وشين ليغ مفاوضات شرسة لضمان ألا تبتلع غوغل الثقافة الفريدة لـ “ديب مايند”، واشترطوا شرطاً تاريخياً غير مسبوق: إنشاء لجنة سلامة وأخلاقيات مستقلة لمراقبة تطوير الذكاء الاصطناعي والتأكد من عدم استخدام تقنيات الشركة في أغراض عسكرية أو مراقبة شمولية. تحول الاستحواذ إلى زلزال في عالم التكنولوجيا، وأصبحت ديب مايند الجوهر الفكري لـ “غوغل”، وتم إمدادها بقدرات حاسوبية هائلة وقواعد بيانات لا مثيل لها، ليصبح هاسابيس وفريقه مدججين بأعتى الأسلحة التقنية المتاحة على وجه الأرض للبدء في التحدي الأكبر التالي: معركة لعبة الـ “غو”.
لعبة الـ “غو” (Go) هي لعبة شبكية صينية قديمة تمتد لتاريخ يزيد عن ألفين وخمسين عاماً، وتُعتبر في الشرق الأقصى أقصى درجات التعبير عن الفن، والحدس، والفلسفة الإنسانية. بينما يحتوي الشطرنج على تعقيدات رياضية يمكن حسابها، فإن لعبة الـ “غو” تمتلك عدداً من الاحتمالات المتفرعة على الرقعة يتجاوز عدد الذرات الموجودة في الكون المرئي بأكمله. كانت المدرسة القديمة في الذكاء الاصطناعي تعتبر تقييم مواقف لعبة الـ “غو” أمراً يستحيل على الحاسوب تحقيقه، لأن اللعبة لا تعتمد على القواعد الحسابية المباشرة فقط، بل تتطلب شعوراً بالجمال والتوازن والحدس البصري المكاني، وهي صفات ظن الجميع أنها ستظل حصراً على العقل البشري لعقود قادمة. بالنسبة للغالبية من علماء الكمبيوتر، كان هزيمة بطل العالم في الـ “غو” هدفاً بعيد المنال يتطلب عقوداً من التطور، لكن بالنسبة لديميس هاسابيس وصديق عمره ديفيد سيلفر، كانت الـ “غو” هي القمة الجبلية التي يجب تسلقها لإثبات أن الذكاء الاصطناعي قادر على محاكاة “الحدس” الإنساني.
قام فريق ديب مايند بابتكار برنامج ” ألفا غو ” (AlphaGo)، وهو نظام هجين معقد يدمج بين شبكتين عصبيتين عميقتين؛ الأولى تُسمى “شبكة السياسات” (Policy Network) ووظيفتها تقليل نطاق الخيارات المتاحة واقتراح النقلات الأكثر منطقية، والثانية تُسمى “شبكة القيمة” (Value Network) ووظيفتها تقييم من هو اللاعب المتقدم على الرقعة في كل موقف. تُمزج هاتان الشبكتان مع تقنية البحث في شجرة أساليب مونت كارلو (Monte Carlo Tree Search). في البداية، تم تدريب البرنامج على ملايين النقلات البشرية التي قام بها محترفون، ولكن نقطة التحول الحقيقية جاءت عندما جعلوا البرنامج يلعب ضد نسخ متطورة من نفسه لملايين المرات، فيما يُعرف بالتعلم المعزز الذاتي. من خلال هذه العملية التكرارية القاسية، بدأ “ألفا غو” يتجاوز الخبرة البشرية التراكمية التي اكتسبتها البشرية عبر آلاف السنين، واكتشف أنماطاً واستراتيجيات لم يخطر ببال أي لاعب بشري أن يمارسها من قبل.
يصل السرد إلى أحد أكثر المشاهد دراماتيكية وإثارة في تاريخ التكنولوجيا، حينما سافر فريق ديب مايند إلى سيول بكوريا الجنوبية في مارس 2016 لخوض مواجهة تاريخية من خمس بطولات ضد “لي سيدول”، الأسطورة الحي البشري الحائز على 18 لقباً عالمياً في لعبة الـ “غو”. تابعه الملايين في جميع أنحاء آسيا والعالم بشغف وحبس للأنفاس، حيث لم تكن هذه مجرد مباراة في لعبة، بل كانت مناظرة وجودية حول تفوق العقل البشري أمام الآلة. بدأت المباراة الأولى بتوتر شديد، وحينما ارتكب “ألفا غو” نقلات غير متوقعة، ظن الجمهور والخبراء أنها أخطاء برمجية مبتدئة، لكن سرعان ما تجلت القوة المرعبة لهذه النقلات عندما نسج البرنامج شبكة معقدة حاصرت أحجار “لي سيدول” وأجبرته على الاستسلام في المباراة الأولى. كانت الصدمة الذهول الذي غطى وجوه أساطير اللعبة الكوريين واليابانيين.
وفي المباراة الثانية، وقع الحدث الأسطوري الذي خُلد في تاريخ الذكاء الاصطناعي: “النقلة 37”. في هذه النقلة، وضع “ألفا غو” حجرًا أسود في مكان غريب على حافة الرقعة العالية، وهي نقلة تعتبرها أدبيات الـ “غو” البشرية خطأً فادحاً يرتكبه المبتدئون فقط، لأنها تخالف التوازن المتعارف عليه منذ ألف عام. توقف “لي سيدول” مذهولاً، وغادر القاعة لعدة دقائق لاستعادة أنفاسه، واستغرق قرابة الساعة ليفهم المغزى الاستراتيجي العميق القابع خلف هذه النقلة. لقد كانت “النقلة 37” دليلًا قاطعاً على أن الآلة لم تكن تكرر ما تعلمته من البشر، بل كانت تبدع، وتفكر بطريقة حرة، وتخلق جماليات استراتيجية جديدة كلياً. رغم أن “لي سيدول” تمكن ببريق حدسي إنساني خارق من الفوز بالمباراة الرابعة من خلال “النقلة 78” الشهيرة، إلا أن الملحمة انتهت بفوز “ألفا غو” بأربع مباريات مقابل مباراة واحدة.
لم تكن هزيمة بطل العالم في الـ “غو” مجرد انتصار تسويقي لشركة غوغل أو انتصار تجاري لـ ديب مايند، بل كانت بمثابة لحظة “إسلاخ” للإدراك البشري. أثبت هاسابيس وفريقه أن خوارزميات التعلم العميق المعزز قادرة على إنتاج ذكاء يتسم بالحدس والإبداع دون التقييد بالمعرفة البشرية السابقة. تجلت هذه الحقيقة بوضوح أكبر لاحقاً عندما طوروا النسخة التالية “ألفا غو زيرو” (AlphaGo Zero)، وهو نظام لم يُغَذَّ بأي نقلة بشرية على الإطلاق؛ بل أُعطي قواعد اللعبة فقط، ولعب ضد نفسه من الصفر، وفي ظرف بضعة أيام تمكن من سحق النسخة التي هزمت “لي سيدول” بنتيجة مئة مقابل صفر. كانت تلك إشارة صارخة إلى أن المستقبل لا يكمن في نقل المعرفة البشرية للآلة، بل في تحرير الآلة لتكتشف أسرار العالم بنفسها، لتبدأ ديب مايند فوراً في توجيه هذه القوة التدميرية والإبداعية نحو المعضلات الأكثر أهمية وتأثيراً في العالم الواقعي: البيولوجيا الجزيئية ومحرك الحياة الأساسي.
بالنسبة لديميس هاسابيس، لم تكن الهيمنة على ألعاب “أتاري” أو سحق أبطال لعبة الـ “غو” سوى إثبات للمفهوم وتدريب أولي لتطوير أدوات تفكير الخوارزميات. الغاية الأسمى كانت دوماً استخدام هذا الذكاء الاصطناعي العام لمعالجة مشكلات علمية استعصت على العقل البشري لعقود طويلة، وعلى رأس هذه المشكلات واحدة من أكبر الألغاز في تاريخ البيولوجيا الحديثة: مشكلة “طي البروتين” (Protein Folding).
تُعد البروتينات أجهزة الحياة الأساسية؛ فكل خلية في جسم الإنسان، من الإنزيمات التي تهضم الطعام إلى الأجسام المضادة التي تحارب الفيروسات والهيموجلوبين الذي ينقل الأكسجين، تعتمد كلياً على البروتينات. تتكون هذه البروتينات من سلاسل طويلة من الأحماض الأمينية التي تتلتف وتتطوى على نفسها في أشكال ثلاثية الأبعاد شديدة التعقيد في أجزاء من الثانية. والشكل النهائي الذي يتخذه البروتين هو الذي يحدد وظيفته البيولوجية بالكامل. على مدى أكثر من خمسين عاماً، كان المبدأ الفيزيائي والكيميائي لطي البروتينات مفهوماً، ولكن حساب الشكل الهندسي الدقيق الذي ستتخذه سلسلة معينة من الأحماض الأمينية كان عملية معقدة لدرجة مرعبة. أشار عالم الأحياء الشهير سايروس ليفينثال إلى أن بروتيناً واحداً قد يمتلك عدداً من الأشكال المحتملة لطيّه يقدر بـ $10^{300}$ شكل، وهو رقم يفوق عدد الذرات في الكون المعروف بمرات لا تحصى. لو حاول حاسوب تقليدي حساب كل الاحتمالات لتعرف على شكل بروتين واحد، لاستغرق الأمر وقتاً أطول من عمر الكون نفسه.
هذا التحدي التعجيزي كان يُختبر كل عامين في مسابقة عالمية مرموقة تُعرف باسم “CASP” (التصحيح النقدي لتقنيات التنبؤ بهيكل البروتين). يشارك في هذه المسابقة كبار العلماء ومجموعات البحث من مختلف الجامعات والمؤسسات العلمية حول العالم، وكان أقصى ما وصلوا إليه عبر العقود هو نسبة دقة توافقية ضئيلة لا تمكنهم من الاعتماد عليها في تطوير الأدوية أو فهم الأمراض. في عام 2016، وبعد الانتصار التاريخي لـ “ألفا غو”، قرر هاسابيس جمع فريق من أفضل المهندسين والعلماء في ديب مايند لتأسيس مشروع ” ألفا fold ” (AlphaFold). كان الهدف محددًا وجريئًا: التقديم في مسابقة “CASP” وتطبيق تقنيات التعلم العميق والشبكات العصبية لحل مشكلة طي البروتين مرة واحدة وإلى الأبد.
لم تكن طريق “ألفا fold” مفروشة بالورود؛ إذ واجه الفريق عقبات علمية وهندسية هائلة. النسخة الأولى من البرنامج، “AlphaFold 1″، حققت نجاحاً لافتاً في مسابقة “CASP13” عام 2018 متفوقة على بقية الفرق الأكاديمية، لكن النتيجة بالنسبة لـ هاسابيس لم تكن كافية إطلاقاً. كانت النسبة المئوية للدقة غير كافية لتقديم إجابات بيولوجية قاطعة تمكن العلماء من تصنيع أدوية بدقة الذرة الواحدة. واجه ديميس فريقه بحقيقة قاسية: النهج الحالي وصل إلى حدوده القصوى، ولا بد من تفكيك النظام بالكامل وإعادة بنائه من الصفر بناءً على هندسة معمارية جديدة تماماً تدمج الفيزياء والبيولوجيا الجزيئية مباشرة في أصل الخوارزميات.
قام الفريق بتصميم “AlphaFold 2″، مستفيدين من ابتكارات شبكات “المحول” (Transformers) ومدمجين المعرفة البيولوجية بالروابط الكيميائية والزوايا الجزيئية داخل طبقات الشبكة العصبية نفسها. عندما شُغّل النظام الجديد وتم إرسال نتائجه إلى مسابقة “CASP14” في عام 2020، كانت النتيجة بمثابة زلزال علمي هز الأوساط الأكاديمية العالمية. حقق “AlphaFold 2” درجة دقة تتجاوز 90%، وهي الدقة الموازية للتجارب المخبرية المعقدة المكلفة التي تستغرق سنوات باستخدام الأشعة السينية والمجهر الإلكتروني خفيض الحرارة. أعلن منظمو المسابقة الرسميون أن مشكلة طي البروتين الممتدة لخمسين عاماً قد حُلت أخيراً بفضل الذكاء الاصطناعي.
لم يكتفِ هاسابيس وديب مايند بهذا الانجاز النظري، بل أقدموا على خطوة مجتمعية وعلمية نبيلة أذهلت العالم؛ فبدلاً من احتكار هذه البيانات أو بيعها بمبالغ خيالية لشركات الأدوية الكبرى، قرروا نشر قاعدة بيانات “AlphaFold” مجاناً لكل العلماء والباحثين في جميع أنحاء الأرض. اشتملت قاعدة البيانات هذه على الأشكال ثلاثية الأبعاد لأكثر من 200 مليون بروتين، وهي تقريباً كل البروتينات المعروفة للعلم في كافة الكائنات الحية، من البكتيريا إلى الإنسان. اختصر هذا الإنجاز قروناً من العمل المخبري الشاق لعلماء البيولوجيا في بضع ثوانٍ بنقرة زر واحدة، مما فتح الباب أمام ثورة غير مسبوقة في تسريع اكتشاف الأدوية، وتصميم إنزيمات قادرة على تفكيك البلاستيك الملوث للبيئة، وفهم آليات الأمراض المستعصية مثل الزهايمر وسرطان الدعم والتنبؤ بالأوبئة المستقبلية.
في السرد الممتد لمالابي، تظهر هذه اللحظة كقمة الهرم الفكري والعملي لـ ديميس هاسابيس. لقد أثبت للعالم ككل أن رؤيته المبكرة لم تكن مجرد أحلام مراهق مهووس بالشطرنج أو الألعاب الافتراضية، بل كانت بصيرة نافذة تغير مجرى التاريخ البشري. تحول الذكاء الاصطناعي تحت يد ديب مايند من أداة تجارية تُستخدم لترشيح الإعلانات وتحسين شبكات التواصل الاجتماعي إلى محرك علمي جبار يفك شفرات الطبيعة ويساعد البشرية على قراءة الكود الأساسي للحياة. ومع هذا النجاح العلمي المذهل الذي توج لاحقاً بحصول هاسابيس وجون جامبر على التقدير العالمي الأسمى، بدأت تلوح في الأفق معالم مرحلة جديدة كلياً تتعدى الحدود العلمية لتصطدم بالصراعات الجيوسياسية، والتنافس التجاري الشرس مع ظهور منافسين جدد، والأسئلة الأخلاقية العميقة حول كيفية إدارة هذه القوة التي أصبحت أقرب إلى حيازة قوة نووية فكرية.
مع اكتمال الإنجاز التاريخي لـ “AlphaFold” وحل إحدى أعقد معضلات البيولوجيا الجزيئية، لم تتوقف الملحمة عند حدود المختبرات والنتائج الأكاديمية؛ بل انتقلت قصة “ديب مايند” و مؤسسها ديميس هاسابيس إلى الساحة العالمية الأكثر تعقيداً وشراسة، حيث تتقاطع العلوم المتقدمة مع المصالح التجارية الفلكية والحروب الجيوسياسية الشاملة. يروي سيباستيان مالابي في الأجزاء الأخيرة من كتابه كيف تحول الذكاء الاصطناعي، من مجرد فكرة استثمارية واعدة تنمو في أروقة لندن، إلى محور الارتكاز الأهم في التنافس الاستراتيجي العالمي بين الشرق والغرب، وفي الصراع المحموم داخل وادي السيليكون نفسه.
داخل أروقة “شركات التكنولوجيا الكبرى” (Big Tech)، بدأت التوازنات تتغير بسرعة مذهلة. لم تعد ديب مايند مجرد قسم أبحاث مستقل يحظى برعاية وتدليل لاري بايج، بل أصبحت القلب النابض المعني بالحفاظ على هيمنة شركة “غوغل” بأكملها في مواجهة موجة جديدة كلياً من المنافسين. مع ظهور نماذج اللغات الكبيرة والذكاء الاصطناعي التوليدي، وتأسيس شركات منافسة مثل “OpenAI” بدعم مالي وتقني هائل من “ميكروسوفت”، وجدت غوغل نفسها في موقف دفاعي غير مألوف لم تشهده منذ تأسيسها. اضطرت الإدارة العليا إلى إعلان “الرمز الأحمر” (Code Red)، وهو ما ترتب عليه إعادة هيكلة داخلية جذرية أسفرت عن دمج فريق “ديب مايند” مع فريق “غوغل برين” (Google Brain) في كيان موحد تحت قيادة ديميس هاسابيس مباشرة.
هذا الدمج لم يكن مجرد عملية إدارية روتينية، بل كان اختباراً قيادياً وثقافياً طاحناً. كان على هاسابيس أن يدمج بين ثقافتين متباينتين تماماً: ثقافة ديب مايند المبنية على البحث العلمي الرزين طوّيل الأجل والتفكير الفلسفي العميق في الذكاء العام، وثقافة غوغل برين القائمة على تطوير منتجات سريعة الانتشار لخدمة مليارات المستخدمين فوراً. اضطر هاسابيس لاستخدام كافة مهاراته السياسية والتحليلية لإدارة هذا الكيان العملاق، موجهاً الموارد الحوسبية الهائلة نحو تطوير نماذج مثل “Gemini”، التي أُريد لها أن تكون الإجابة القاطعة والشاملة على كافة التحديات التنافسية في الساحة، مدمجةً القوة اللغوية للنماذج الحديثة مع قدرات التخطيط الاستراتيجي المستوحاة من إرث “ألفا غو”.
لكن البُعد التجاري لم يكن التحدي الوحيد الذي يؤرق هاسابيس؛ بل برز التحدي الأخلاقي والوجودي كأحد أكثر الملفات سخونة في ختام الكتاب. فبينما كان العالم ينبهر بالقدرات المذهلة للذكاء الاصطناعي في التنبؤ بالأمراض وتصميم المواد، كان هاسابيس يدرك أن القوة ذاتها التي تمكن الآلة من تصميم أدوية منقذة للحياة، يمكن استخدامها بسوء نية لتصميم سموم أحيائية أو أسلحة كيميائية خطيرة. تجلت هذه المعضلة الأخلاقية في النقاشات الحادة التي دارت داخل لجان السلامة والأخلاقيات؛ حيث بات واضحاً أن “السباق نحو الذكاء الاصطناعي الفائق” ليس مجرد منافسة بين شركات، بل هو سباق بين دول تدرك أن من يحسم هذه التقنية أولاً سيملك مفاتيح القوة الاقتصاديّة والعسكرية للقرن الحادي والعشرين.




