أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

الإمبراطورية البريطانية في الخليج

جذور الهيمنة.. إرث “الراج” البريطاني والظل الهندي على شواطئ الخليج

بين أيدينا اليوم وثيقةً تاريخيةً وسياسيةً بامتياز، صيغت في شكل كتابٍ مرجعي يحمل عنوان: “نهاية الإمبراطورية في الخليج: من الإمارات المتصالحة إلى الإمارات العربية المتحدة” (The End of Empire in the Gulf: From Trucial States to United Arab Emirates)، للباحث الأكاديمي والمدقق التاريخي تانكريد برادشو (Tancred Bradshaw)، الصادر عن دار النشر اللندنية العريقة “آي. بي. توريس” (I.B. Tauris).

يتوقف برادشو في مستهل مؤلفه عند حقيقة تاريخية جوهرية غالباً ما تسقط من حسابات غير المتخصصين؛ وهي أن الحضور البريطاني في الخليج العربي لم يكن، حتى أواخر أربعينيات القرن العشرين، خاضعاً لإدارة وزارة الخارجية في لندن (Foreign Office)، بل كان امتداداً مباشرًا وإدارياً لـ “حكومة الهند البريطانية” (Government of India) أو ما يُعرف بـ “الراج” (The Raj). لقد نظر الاستعمار البريطاني إلى شواطئ الخليج العربي منذ بزوغ القرن التاسع عشر باعتبارها خط الدفاع الأول والبوابة البحرية لحماية درة التاج البريطاني: الهند.

تبدأ السردية من ذلك التاريخ المفصلي، وتحديداً عام 1820، عندما شنت القوات البريطانية بالتعاون مع حلفائها المحليين حملات عسكرية صارمة ضد القواسم في رأس الخيمة، انتهت بتدمير الأساطيل البحرية المحلية وإكراه شيوخ الساحل على توقيع “المعاهدة العامة للسلام”. تلك المعاهدة لم تكن سوى حجر الأساس لما أطلق عليه البريطانيون لاحقاً “الصلح البحري الدائم” (Perpetual Treaty of Maritime Truce) لعام 1853، والذي صبغ المنطقة باسمها التاريخي الشهير: “الإمارات المتصالحة” أو “الساحل المتصالح” (Trucial States / Trucial Coast).

يحلل الكتاب طبيعة هذه الهيمنة، مشيراً إلى أنها لم تكن استعماراً مباشراً بالمفهوم التقليدي؛ فلم يُرسل البريطانيون حكاماً عسكريين مقيمين للتدخل في دقائق الحياة اليومية للسكان، بل أسسوا نظاماً يُعرف بـ “الإمبراطورية غير الرسمية” (Informal Empire). كان هذا النظام يقدم نموذجاً فريداً للحكم غير المباشر، حيث اكتفت بريطانيا بفرض السيطرة المطلقة على المياه الإقليمية، وحظر قرصنة السفن، ومنع الشيوخ من إقامة أي علاقات سياسية أو دبلوماسية أو تجارية مع أي قوة أجنبية أخرى (ولا سيما فرنسا وروسيا ثم ألمانيا لاحقاً)، وذلك بموجب “المعاهدة المانعة” (Exclusive Agreement) لعام 1892.

في مقابل ذلك الصمت الخارجي والتخلي عن السيادة الخارجية، التزمت بريطانيا بحماية الإمارات المتصالحة من أي عدوان خارجي براً وبحراً. أما على الصعيد الداخلي، فقد تركت بريطانيا للشيوخ ولعائلاتهم الحاكمة حربة الإدارة المطلقة والتصرف في الشؤون القبيلة والمحلية. يصف برادشو هذا النمط من التعامل الاستعماري بـ “الإهمال الحميد” (Benign Neglect). لقد كانت بريطانيا ترى في هذا الساحل مجرد “مرفق إمبراطوري رخيص التكلفة”؛ لا يستدعي ضخ استثمارات تطويرية، ولا إنشـاء مرافق تعليمية أو صحية، طالما أن الملاحة البحرية إلى الهند آمنة، وطالما أن الشيوخ لا يوقعون اتفاقيات مع منافسين أجانب.

ولم تكن هذه السيطرة تنطوي على تعقيدات بييروقراطية ضخمة؛ إذ أدار هذا الساحل الشاسع عددٌ ضئيل جداً من الموظفين البريطانيين. وكان على رأس الهرم القيادي “المقيم السياسي البريطاني في الخليج” (Political Resident in the Persian Gulf)، الذي كان يمارس صلاحيات شبه مطلقة تُشبه صلاحيات الملوك غير المتوجين، مقيماً في بداية الأمر في بوشهر على الساحل الفارسي، قبل أن تنتقل المقيمية إلى البحرين في أربعينيات القرن الماضي. وتحت إمرة المقيم، وجد “الوكلاء السياسيون” (Political Agents) الذين يتنقلون بين الشارقة ودبي وأبوظبي.

ولعل أشد جوانب الكتاب إثارة للدهشة، ذلك الوصف الذي يورده الباحث لـ “الوكلاء المحليين” (Native Agents)؛ وهم شخصيات عربية أو إيرانية أو هندية من التجار الموثوقين، كانوا يمثلون المقيم السياسي البريطاني في مدن الساحل. هؤلاء الوكلاء هم الذين كانوا ينقلون أخبار الشيوخ والقبائل، ويصوغون التشاريع الأولية، ويمثلون عين الإمبراطورية التي لا تنام في منطقة اتسمت بطقسها القاسي وعزلتها الجغرافية وجفاف مواردها.

لقد كانت الحياة السياسية والاجتماعية في الإمارات المتصالحة خلال فترة إشراف “حكومة الهند” تتسم بالركود الشديد. كان الاقتصاد محلياً وبائساً، يعتمد بالأساس على صيد الأسماك، وتجارة الترانزيت البسيطة، واستخراج اللؤلؤ الطبيعي الذي كان يمثل شريان الحياة الوحيد للمنطقة. غير أن هذا الشريان تعرض لضربة قاصمة قاتلة في ثلاثينيات القرن العشرين، عندما اخترع اليابانيون “اللؤلؤ المزروع”، مما أدى إلى انهيار أسواق اللؤلؤ الطبيعي، وغرق الساحل المتصالح في أزمة اقتصادية وإنسانية طاحنة، ترافقت مع كساد عالمي وحرب عالمية ثانية تركت المنطقة في حالة من الفقر المقعر والنسيان التام.

في تلك الأثناء، وتحديداً في عام 1948، ومع استقلال الهند والباكستان وانحسار الراج الهندي، كان لزاماً على بريطانيا أن تنقل ملف الخليج برمته من “مكتب الهند” في لندن إلى “وزارة الخارجية”. وهنا تبدأ المرحلة الثانية من تاريخ المنطقة، وهي المرحلة التي يتخذها المؤلف مسرحاً رئيسياً لدراسته العميقة؛ حيث تحولت الخارجية البريطانية من دور “المراقب البعيد” إلى دور “الراعي المباشر” الذي أُلقي به فجأة في معمعة التحولات النفطية والسياسية الشرق أوسطية.

 الستينات والتحديات الأولوية.. اكتشاف النفط، والرياح القومية، وصعوبة التحديث

مع انتقول السيطرة الإدارية إلى وزارة الخارجية البريطانية في لندن في أعقاب الحرب العالمية الثانية، وجد الدبلوماسيون البريطانيون أنفسهم أمام واقع مغاير تماماً للإرث الهندي البطيء. لم تعد الإمارات المتصالحة مجرد محطة لحماية الملاحة نحو الشرق، بل أضحت فجأة منطقة ذات أهمية استراتيجية واقتصادية فائقة. ويرجع ذلك بالأساس إلى شيئين: أولهما الأهمية المتزايدة للخليج كمصدر رئيسي للطاقة لدعم اقتصاد بريطانيا وأوروبا الغارقة في إعادة الإعمار، وثانيهما اندلاع الأزمات الإقليمية المتلاحقة، مثل أزمة تأميم النفط الإيراني على يد مصدق عام 1951، وما تلاها من تصاعد للموجات القومية والراديكالية في العالم العربي.

يرصد كتاب تانكريد برادشو كيف حاولت الخارجية البريطانية صياغة ما يُمكن تسميته بـ “الراج الجديد” (Neo-Raj) في الخليج خلال خمسينيات وستينيات القرن الماضي. لم يكن هذا النظام الجديد يسعى إلى الاستعمار المباشر، بل إلى تفادي أخطاء الماضي عبر محاولة إدخال إصلاحات إدارية واجتماعية واقتصادية محدودة، تُبقي على الشيوخ في الحكم، ولكنها تحميهم – وتحمي المصالح البريطانية معهم – من التهديدات الداخلية والخبارجية.

غير أن أولى العقبات الكبرى التي واجهت السياسة البريطانية تمثلت في التهديدات الحدوديّة والإقليمية. ويخصص المؤلف حجماً كبيراً من بحثه لدراسة “أزمة واحة البريمي” عام 1952، وهي الأزمة التي أظهرت بوضوح مدى هشاشة الحدود بين الإمارات المتصالحة وسلطنة عمان من جهة، والمملكة العربية السعودية من جهة أخرى. لقد كانت المملكة السعودية، المدعومة آنذاك بشركة “أرامكو” الأمريكية، تسعى إلى تثبيت حدودها في تلك الواحة الاستراتيجية المعتقد بغناها النفطي. وأمام هذا التهديد، وجدت بريطانيا نفسها ملزمة بالتدخل لحماية حلفائها من شيوخ أبوظبي وسلطان مسقط.

هنا برز القرار البريطاني التاريخي بتشكيل قوة عسكرية محلية تحت قيادة ضباط بريطانيين، عُرفت باسم “كشافة عمان المتصالحة” (Trucial Oman Levies ولاحقاً Trucial Oman Scouts). لم تكن هذه القوة مجرد أداة لطرد القوات السعودية من البريمي عام 1955، بل أصبحت، كما يوضح برادشو، العمود الفقري الذي حفظ الأمن الداخلي، وفض الخلافات القبيلية، وقضى على تجارة العبيد، وسمح لشركات التنقيب عن النفط بالعمل في عمق الصحراء دون خوف. والأهم من ذلك أن هذه القوة شكلت النواة الأولى للجيش الوطني والأنظمة الأمنية التي قامت عليها دولة الإمارات لاحقاً.

لكن التحدي الأكبر الذي واجه الدبلوماسية البريطانية لم يكن عسكرياً بقدر ما كان “تنموياً وشخصياً”. ففي عام 1958، تم اكتشاف النفط بكميات تجارية في أبوظبي (في حقل أُم الشيف البحري ثم مربان البري)، لتتغير المعادلة الاقتصادية برمتها. بدأت أموال النفط تتدفق على إمارة أبوظبي التي كانت حتى ذلك الحين من أكثر الإمارات فقراً وعزلة. وهنا اصطدمت وزارة الخارجية البريطانية بشخصية حاكم أبوظبي آنذاك، الشيخ شخبوط بن سلطان آل نهيان (1928-1966).

يرسم الكتاب بروفايلاً حافلاً للتضاد بين الرؤية البريطانية للتحديث وشخصية الشيخ شخبوط. كان الشيخ شخبوط حاكماً تقليدياً، يحذر التغيير السريع، ويرى في التدفق الفجائي للثروة النفطية خطراً يدمر النسيج البدوي والأخلاقي لمجتمعه. امتناع الشيخ شخبوط عن إنفاق أموال النفط على مشاريع البنية التحتية، والتطوير العقاري، والتعليم، والمستشفيات، وضع الخارجية البريطانية في موقف حرج للغاية. كان الت التطور الإداري في دبي – بقيادة الشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم الذي استغل موقع دبي كمركز تجاري إقليمي نشط وشيّد الموانئ والمطارات – يبرز التباين الحاد مع الركود في أبوظبي.

في الوقت نفسه، كانت المنطقة تتعرض لقصف إعلامي وسياسي مكثف من قبل إعلام “صوت العرب” من القاهرة، حيث كان الرئيس المصري جمال عبد الناصر يهاجم “الإمبريالية البريطانية” و”مشايخ النفط”. خشي البريطانيون أن يؤدي تقاعس الشيخ شخبوط عن التنمية إلى إنماء بؤر ثورية أو مشاعر قومية مناهضة للوجود البريطاني وللحكام المحليين. حاول الوكلاء السياسيون والمقيمون البريطانيون ممارسة كافة أشكال الضغط والاقناع على الشيخ شخبوط لإقامة جهاز إداري حديث وتأسيس مجلس تنفيذي وإنفاق الإيرادات النفطية، إلا أن محاولاتهم باءت بالفشل أمام إصرار الحاكم القديم على إدارة شؤون إمارته بأسلوب Majlis (المجلس التقليدي) وخزينة الدولة الملحقة بدشداشته.

وصلت هذه الدراما السياسية إلى ذروتها في أغسطس 1966. ويجلي الكتاب بصورة دقيقة الدور الكواليسي الحاسم الذي لعبته وزارة الخارجية البريطانية في إقناع أفراد عائلة آل نهيان بضرورة عزل الشيخ شخبوط، وتولية أخيه الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان مقاليد الحكم. كان الشيخ زايد، الذي مارس الإدارة بنجاح باهر في مدينة العين والمنطقة الشرقية، يمتلك رؤية ثاقبة وعصرية، وفهماً عميقاً للقبائل، وإرادة قوية لاستخدام الثروة النفطية في بناء دولة حديثة. بتولي الشيخ زايد الحكم، انفتحت أبواب التغيير على مصراعيها، وبدأت أبوظبي تسابق الزمن لتصبح المحرك المالي والسياسي لأي مشروع اتحادي قادم.

 صدمة الانسحاب.. قرار حكومة العمال وتخبط الاستراتيجية الاستعمارية

بينما كانت الإمارات المتصالحة تخطو خطواتها الأولى نحو التحديث وتحقيق الاستقرار الداخلي تحت مظلة الحماية البريطانية، وقعت الواقعة التي لم يكن يتوقعها أحد في الخليج: صدمة الانسحاب المفاجئ. يكرس تانكريد برادشو الفصل الخامس من كتابه لتحليل هذه اللحظة التاريخية الفارقة، والتي أطلق عليها عنواناً يعبر عن عمق أزمتها: “كلها سياسة ولا استراتيجية: الانسحاب من الخليج” (All Politics and No Strategy: The Withdrawal from the Gulf).

في يناير 1968، وقف رئيس الوزراء البريطاني العمالي، هارولد ويلسون (Harold Wilson)، في مجلس العموم اللندني ليعلن قراراً دراماتيكياً ينص على أن بريطانيا ستسحب جميع قواتها العسكرية من “شرق السويس” – بما في ذلك الخليج العربي والشرق الأقصى – بحلول نهاية عام 1971. نزل هذا القرار كالصاعقة ليس فقط على شيوخ الإمارات المتصالحة وحكام الخليج، بل أيضاً على واشنطن وعدد من حلفاء بريطانيا الغربيين.

يكشف برادشو، عبر وثائق وزارة المالية (Treasury) ووزارة الدفاع والملفات السرية لمجلس الوزراء البريطاني، أن هذا القرار لم يكن نتاج خطة استراتيجية مدروسة أو نتيجة لضغط وتورط عسكري ميداني في الإمارات؛ بل كان وليد أزمة مالية واقتصادية خانقة ألمّت ببريطانيا. لقد أدى انخفاض قيمة الجنيه الاسترليني عام 1967، والضغط الهائل على الميزانية البريطانية، إلى إرغام حكومة العمال على تقليص الإنفاق العسكري الخارجي للتركيز على الرعاية الاجتماعية والداخلية. وبكلمات أخرى: لقد ضُحي بالوجود الإمبراطوري التاريخي في الخليج على مذبح السياسات الحزبية والمالية الضيقة في لندن.

كانت المفارقة التاريخية المؤلمة، كما يبرزها الكتاب، أن شيوخ الإمارات المتصالحة – وخلافاً لما حدث في باقي المستعمرات البريطانية في إفريقيا وآسيا – لم يكونوا يطالبون برحيل المستعمر! بل على العكس تماماً، شعر الحكام بأن بريطانيا تخلت عنهم ونكثت بوعودها الممتدة لأكثر من قرن ونصف. يروي الكتاب كيف أن الشيخ زايد بن سلطان والشيخ راشد بن سعيد، وحكاماً آخرين، عرضوا على الحكومة البريطانية تمويل تكاليف بقاء القوات البريطانية في المنطقة بالكامل من إيراداتهم النفطية الخاصة، فقط لضمان مظلة الأمان والاستقرار حتى تكتمل جاهزية المنطقة. بيد أن حكومة ويلسون رفضت العرض، معتبرة أن بقاء قوات بريطانية كـ “مرتزقة مدفوعي الأجر” يضر بكرامة بريطانيا وسمعتها الدولية.

تسبب هذا القرار في حالة من الفوضى الدبلوماسية والتخبط السياسي. وجد الدبلوماسيون البريطانيون في الخليج – الذين أُمطِروا بالتعليمات النازلة من لندن – أنفسهم في موقف لا يحسدون عليه: عليهم أن ينهوا التزامات تاريخية معقدة خلال فترة زمنية ضيقة جداً (ثلاث سنوات فقط)، في منطقة تفتقر إلى الأطر الدستورية أو المؤسسات السياسية الحديثة، وتتصارع فيها الأطماع الإقليمية.

لم تكن المخاطر هينة؛ فإيران، تحت حكم الشاه محمد رضا بهلوي، كانت تتربص بالمنطقة وتطالب بالسيادة على البحرين، وتضع عينها على الجزر الإماراتية الثلاث (طنب الكبرى، وطنب الصغرى، وأبو موسى). أما العراق في ظل حكم البعث، فكان ينظر بعين التوجس والتهديد لنظام الحكم العشائري في الخليج. يضاف إلى ذلك الخلافات الحدودية المزمنة بين السعودية وأبوظبي، والتنافس الدفين بين الإمارات الكبرى (أبوظبي ودبي) والإمارات الصغرى الخمس.

أمام هذا المشهد المتلاطم، أدركت وزارة الخارجية البريطانية أن ترك هذه الإمارات فرادى بعد عام 1971 يعني القضاء عليها وابتلاعها من قبل القوى الإقليمية الكبرى، مما يهدد تدفق النفط والاستقرار الإقليمي. من هنا، تحول الهدف البريطاني الاستراتيجي في رمشة عين من “الحفاظ على الحماية” إلى “هندسة اتحاد سياسي” يجمع هذه الكيانات في دولة واحدة قادرة على الصمود والاستمرار.

بدأت رحلة المفاوضات الماراثونية الشاقة. رعت بريطانيا في البداية فكرة تشكيل اتحاد موسع يضم تسع إمارات: الإمارات المتصالحة السبع، بالإضافة إلى البحرين وقطر. إلا أن هذا المشروع السداسي والسباعي واجه عقبات كأداء؛ إذ كانت البحرين تتمتع بمستوى تعليمي وإداري أعلى بكثير وعدد سكان أكبر، وكانت تخشى من هيمنة أبوظبي المالية، بينما كانت قطر تفضل استقلاليتها السياسية، ناهيك عن الخلافات الشخصية والتنافسية بين بعض الحكام. ومع انسحاب البحرين وقطر وإعلانهما الاستقلال الفردي عام 1971، ركز المنسقون البريطانيون – وعلى رأسهم المبعوث البريطاني الخاص السير وليام لوس (Sir William Luce) – جهودهم المكثفة على إنجاح الاتحاد بين الإمارات السبع.

 مخاض الاتحاد وتحديات الولادة.. الدبلوماسية البريطانية في مواجهة الأطماع الإقليمية

تعتبر السنين الممتدة بين عامي 1968 و1971 من أكثر الفترات ثراءً بالدراما السياسية والدبلوماسية في تاريخ الشرق الأوسط الحديث، وهو ما يفصل فيه كتاب تانكريد برادشو ببراعة التحليل الميداني والتوثيقي. لقد غدت المنطقة أروقةً لمفاوضات محمومة تتداخل فيها المصالح البريطانية، والتطلعات الوطنية للإمارات، والأطماع الإقليمية لإيران والسعودية، والضغوط الأمريكية الهادفة إلى ضمان عدم الفراغ الأمني.

كان المبعوث البريطاني السير وليام لوس يتنقل كالمكوك بين عواصم المنطقة. وعلى الرغم من أن الموقف الرسمي البريطاني يزعم أن الاتحاد كان قراراً إماراتياً خالصاً، إلا أن أوراق الأرشيف المماط عنها النقاب تثبت أن الدبلوماسيين البريطانيين لعبوا دور “المهندس الكواليسي” والمستشار الدستوري والنفسي لجمع شمل الشيوخ. كان التحدي الأول هو إقناع الشيخ زايد (حاكم أبوظبي) والشيخ راشد (حاكم دبي) بتجاوز الخلافات التاريخية والحدودية والتجارية بين الإمارتين الكبريين. وقد تكللت هذه الجهود في اجتماع “سليح السديرة” التاريخي عام 1968، حيث تم الاتفاق بينهما على أصل الاتحاد والتضامن، وتشكيل النواة التي دعيت باقي الإمارات للانضمام إليها.

إلا أن الطريق لم يكن مفروشاً بالورود؛ فقد ظهرت معضلة رسم الحدود وتوزيع السلطات والنفوذ داخل الاتحاد الوليد. كيف يمكن توفيق الرؤى بين أبوظبي الغنية والمترامية الأطراف، ودبي المركز التجاري والمالي، والإمارات الشمالية الخمس (الشارقة، رأس الخيمة، عجمان، أم القيوين، الفجيرة) التي كانت تعاني من شح الموارد المالية وتخشى التهميش؟ وهنا برزت الحكمة السياسية للشيخ زايد بن سلطان آل نهيان، الذي أبدى استعداداً سخياً لتمويل الاتحاد وتوفير الإمكانيات المالية لكافة الإمارات، مما أزال مخاوف الحكام وعبّد الطريق نحو الوحدة.

على الصعيد الخارجي، كانت معضلة إيران هي الأشد خطورة ونكداً على الدبلوماسية البريطانية. كان الشاه يرفض قيام الاتحاد ما لم تُلَبَّ مطالب إيران الإقليمية. نجحت البريطانية أولاً في إقناع الشاه بالتخلي عن ادعائه بالسيادة على البحرين عبر استفتاء أجرته الأمم المتحدة أثبت عروبة البحرين واستقلالها. ولكن الشاه نقل ثقل ضغوطه نحو الجزر الإماراتية الثلاث: طنب الكبرى وطنب الصغرى (التابعتين لرأس الخيمة) وأبو موسى (التابعة للشارقة).

يرصد برادشو التوصل إلى ترتيبات معقدة ومثيرة للجدل عشية الانسحاب البريطاني. فبينما توصل حاكم الشارقة (الشيخ خالد بن محمد القاسمي) بموافقة بريطانية إلى مذكرة تفاهم مع إيران تسمح بتقاسم إدارة جزيرة أبو موسى وتقاسم إيرادات نفطها، رفض حاكم رأس الخيمة (الشيخ صقر بن محمد القاسمي) تقديم أي تنازل عن جزيرتي طنب الكبرى وطنب الصغرى. وفي 30 نوفمبر 1971 – أي قبل يوم واحد فقط من الانتهاء الرسمي للحماية البريطانية – احتلت القوات الإيرانية الجزر الثلاث بالقوة العسكرية.

أثارت هذه الواقعة انتقادات حادة للبريطانيين، حيث اتُّهموا بالتقاعس عن الدفاع عن الأرض التي كانوا يضمنون حمايتها بموجب المعاهدات. بيد أن برادشو يوضح من واقع وثائق الخارجية البريطانية أن لندن كانت تعي تماماً عجزها العسكري الميداني ورغبتها في تجنب صدام مباشر مع الشاه الذي كان يُعتبر آنذاك “شرطي الخليج” والحليف الأكبر للغرب في المنطقة.

ولم تقف العقبات عند هذا الحد؛ فقد رفض الشيخ صقر بن محمد القاسمي حاكم رأس الخيمة في البداية انضمام إمارته إلى الاتحاد الوليد في 2 ديسمبر 1971، اعتراضاً على طريقة التعامل مع قضية الجزر ولعدم حصوله على المزايا وشروط التمثيل التي كان يطالب بها في المجلس الأعلى للاتحاد. ولم تنضم رأس الخيمة إلى الدولة الاتحادية إلا في فبراير 1972، بعد أن أدركت أنه لا خيار أمامها للبقاء إلا تحت مظلة دولة الإمارات العربية المتحدة.

في الثاني من ديسمبر 1971، قُرئ بيان قيام دولة الإمارات العربية المتحدة في “دار الاتحاد” بدبي، وأُعلن الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رئيساً للدولة، والشيخ راشد بن سعيد آل مكتوم نائباً لرئيس الدولة ورئيساً لمجلس الوزراء. طويت بذلك صفحة المعاهدات البريطانية التي امتدت لمئة وخمسين عاماً، وأُلغيت صفة “الإمارات المتصالحة”، ولدت دولة جديدة على الخارطة الدولية، ورفعت علمها في أروقة الأمم المتحدة والجامعة العربية، لتنهي بذلك أغرب فصل من فصول الاستعمار والانسحاب في تاريخ الشرق الأوسط.

 الإرث الدائم والتقييم الصحفي الممتد.. ما الذي تركته الإمبراطورية خلفها؟

يختتم تانكريد برادشو كتابه بفصلين بالغَي الأهمية: “الخاتمة: الإرث البريطاني في الخليج” و”الاستنتاج”، ينظُر فيهما بظلال الفكر التاريخي المستنير إلى حصاد ثلاثة عقود من إدارة وزارة الخارجية البريطانية، وقرن ونصف من الحضور الإمبراطوري في ساحل الإمارات المتصالحة. يطرح الباحث السؤال الجوهري: كيف نُقَيِّم الإرث الذي تركته بريطانيا وراءها؟ وهل كان الانسحاب البريطاني قطعاً كلياً للعلاقات أم مجرد إعادة هيكلة واستبدال للمظلة العسكرية الرسمية بـ “دبلوماسية ناعمة” وعلاقات مصالح راسخة؟

يرى المؤلف أن الإرث البريطاني في الإمارات يتسم بالفرادة والخصوصية الشديدة مقارنة بمناطق أخرى من الإمبراطورية البريطانية، مثل الهند أو فلسطين أو عدن؛ حيث خرج البريطانيون دون أن يخوضوا حروب تحرير شعبية أو يواجهوا ثورات مسلحة ضد وجودهم. لقد كانت العلاقة بين الشيوخ والدبلوماسيين والضباط البريطانيين تتسم بالود والاعتماد المتبادل. ويرى برادشو أن بريطانيا، على الرغم من تقاعسها التنموي الطويل في عقود “الإهمال الحميد”، قدمت للإمارات خدمات جليلة ومحورية أدت دوراً كبيراً في نجاح التجربة الاتحادية واستقرارها.

أول هذه الخدمات هو حفظ الأمن الداخلي وتأسيس المؤسسات العسكرية. إن قوة “كشافة عمان المتصالحة” (Trucial Oman Scouts) تحولت غداة الانسحاب إلى “قوة دفاع الاتحاد” (Union Defence Force)، والتي ظلت تحت قيادة وإشراف ضباط بريطانيين لسنوات طويلة بعد استقلال الدولة عام 1971. هذه القوة احتفظت بمهنيتها وعقيدتها العسكرية الصارمة ولم تتدخل مطلقاً في المتاهات السياسية أو الانقلابات العسكرية، بخلاف ما حدث في أجزاء واسعة من العالم العربي. لقد وفر ذلك للوليد الاتحادي استقراراً أمنياً نادراً سمح للبناء الإداري والاقتصادي بالنمو الهادئ.

ثانياً، لعبت بريطانيا دوراً حاسماً في ترسيم الحدود وتثبيت الخارطة السياسية. رغم أن الحدود كانت مصدر نزاع دائم بين القبائل والإمارات، إلا أن المسوح الجغرافية والدبلوماسية الشاقة التي قام بها الخبراء البريطانيون في الخمسينات والستينات أدت إلى وضع أطر حدودية واضحة ومقبولة، مما حال دون اندلاع حروب أهلية أو نزاعات أراضٍ بعد خروج المستعمر.

ثالثاً، يبرز برادشو تحولاً ذكياً في الاستراتيجية البريطانية بعد عام 1971؛ حيث تحول الحضور البريطاني من السيطرة السياسية إلى الهيمنة الاقتصادية والتجارية والاستشارية. أفسح الخروج العسكري المجال أمام أساطيل من الشركات البريطانية في مجالات النفط (مثل شركة النفط البريطانية BP)، والمقاولات، والاستشارات الهندسية، والشركات المالية والمصرفية (مثل البنك البريطاني للشرق الأوسط)، ناهيك عن صفقات التسليح العسكري الضخمة. كما استمر الخبراء والمستشارون البريطانيون في إدارة المرافق الحيوية في دبي وأبوظبي، كالموانئ، والشرطة، وإدارات المياه والطيران لسنوات عديدة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى