أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

حين حرر السجين سجانه: مسيرة مانديلا الطويلة نحو الحرية

رحلة الحرية الطويلة: جدلية القوة والإمبراطورية في سيرة نيلسون مانديلا 

في تاريخ الأدب المتعلق بالسير الذاتية، نادراً ما نجد عملاً يتجاوز السرد الشخصي البحت ليرتقي إلى مصاف الوثائق التاريخية الكبرى التي تفكك بنى القوة العالمية وتفضح آليات الاستعمار والهيمنة. كتاب “مسيرة طويلة نحو الحرية” (Long walk to freedom) للزعيم الجنوب أفريقي نيلسون مانديلا، ليس مجرد يوميات لسجين سياسي أو مذكرات لزعيم قاد شعبه نحو التحرر، حيث ينهض المضطهد في نهاية المطاف ليس فقط لتحرير نفسه من قيود الاستعباد، بل لتحرير مستعبدِه أيضاً من سجون التحيز والعمى الأيديولوجي. في هذه القراءة نستقرئ كيف تتقاطع الفلسفة السياسية مع التجربة الإنسانية، وكيف تشكل وعي رجل وُلد في قرية نائية ليصبح أيقونة عالمية تتحدى أسس الهيمنة وتغير مجرى التاريخ المعاصر.

ولد نيلسون مانديلا في الثامن عشر من يوليو عام 1918 في قرية صغيرة تُدعى “مفيزو” تقع على ضفاف نهر مباس في مقاطعة أومكاتا، عاصمة ترانسكاي. كان عام ولادته يحمل دلالات رمزية كبرى؛ فقد تزامن مع نهاية الحرب العالمية الأولى، وصياغة خرائط جديدة للقوى العالمية، ومساعي الدول الكبرى لإعادة اقتسام مناطق النفوذ على حساب الشعوب المستضعفة. في هذا السياق العالمي المضطرب، أُطلق على الطفل اسم “روليهلاهلا”، وهو اسم بلغة الكوسا يعني حرفياً “شد فرع الشجرة”، ولكن معناه الدارج والمجازي هو “المشاغب” أو “مثير المتاعب”. لم يكن هذا الاسم مجرد صدفة عابرة، بل بدا وكأنه نبوءة لرجل سيزلزل أركان النظام العنصري الذي أسسته الإمبراطورية البريطانية وورثه النظام القومي الأبيض فيما بعد. كان والده، غادلا هنري مفكانيسوا، زعيماً قبلياً بالدم والعرف، ورجلاً يتمتع بصلابة العود والاعتزاز بالتاريخ والتقاليد. ولكن، وحتى في ذلك الوقت المبكر، كانت مؤسسة الزعامة القبلية قد بدأت تتعرض للتشويه والتقزيم تحت وطأة سياسات الحكومة البيضاء التي لا ترحم. إن تاريخ الإمبراطوريات يُكتب دائماً عبر التآكل البطيء للسيادات المحلية، ولم تكن قرية مفيزو استثناءً من هذه القاعدة التاريخية الصارمة.

تتجلى أولى ملامح الصدام بين السلطة الأهلية الشرعية والغطرسة الإمبراطورية في قصة والد مانديلا مع القاضي البريطاني. عندما استدعى القاضي الأبيض الوالد للتحقيق في شكوى بسيطة حول ثور شارد، جاء رد الزعيم القبلي محملاً بكبرياء قرون من السيادة والتاريخ: “لن آتي، ما زلت أستعد للمعركة”. لم يكن هذا الرد مجرد عناد شخصي أو تمرد غير محسوب، بل كان تأسيساً لموقف مبدئي ينكر شرعية سلطة القاضي الأجنبي ويحتكم إلى العرف المحلي. كانت النتيجة الفورية لهذا التحدي هي قيام القاضي بعزل الوالد من منصبه دون أي تحقيق أو محاكمة، وهو تصرف يجسد الغطرسة المطلقة للقوة الاستعمارية التي لا تقيم وزناً للحقوق أو القوانين الأهلية. فقدت الأسرة ثروتها ومكانتها، واضطرت للانتقال إلى قرية “كونو” المجاورة. في هذه الحادثة، نرى بوضوح كيف تعمل الآلة الاستعمارية على تجريد السكان الأصليين من أرضهم وسلطتهم، لكنها في الوقت ذاته تبذر، دون أن تدري، بذور التمرد الذي سيقضي عليها لاحقاً.

في قرية كونو، بعيداً عن الاحتكاك المباشر بالسلطة البيضاء، انغمس مانديلا الشاب في بيئة رعوية خصبة تحكمها التقاليد العريقة المتناغمة مع الطبيعة وقوانينها الأزلية. كان المجتمع هناك يعكس تناغماً كونياً شمولياً لا يعرف تلك الثنائيات الحادة التي تميز التفكير الفلسفي الغربي؛ حيث تتداخل الحياة الدينية مع الحياة العلمانية، والطبيعي مع الميتافيزيقي بسلاسة تامة. كراعٍ صغير للماشية، تعلم مانديلا القتال بالعصي، وجمع العسل البري، وعاش طفولة مبنية على المشاركة المجتمعية الصارمة والتكافل المتبادل. لم تكن الفردانية الرأسمالية قد شقت طريقها بعد إلى تلك السهول الخضراء. كان يتشرب من والدته، نوسيكيني فاني، القصص والأساطير التي تحمل دروساً أخلاقية عميقة حول الكرم والفضيلة وعواقب الغرور. هذا التكوين النفسي والثقافي كان على طرفي نقيض مع المركزية الأوروبية التي كانت تزحف ببطء نحو قريته لتلتهم هويته وتاريخه.

لم تلبث رياح التغيير الإمبريالي أن وصلت إلى كونو عبر مؤسسات التعليم التبشيري التي كانت تعتبر الذراع الناعمة للاستعمار. بتأثير من عائلة مبيكيلا التي تبنت التعليم الغربي والمسيحية واعتبرتها طريقاً للتمدن، أُرسل مانديلا إلى المدرسة في خطوة غيرت مسار حياته. وفي اليوم الأول، أطلت الهيمنة الثقافية برأسها حين قررت المعلمة أن تمنح كل طفل اسماً إنجليزياً بحتاً، فأطلقت عليه اسم “نيلسون”. هذه الممارسة السلطوية لم تكن بريئة؛ بل هي أداة من أدوات محو الهوية المنهجي، حيث يُفترض ضمناً أن الثقافة الأفريقية إما غير موجودة أو متخلفة بصورة تدعو للخجل، وأن الانضمام إلى ركب الحضارة الغربية يتطلب ارتداء عباءة المستعمر واسمه. يذكر مانديلا بوضوح أن التعليم الذي تلقاه كان تعليماً بريطانياً خالصاً، يغرس في العقول الغضة أن الأفكار والثقافة والمؤسسات البريطانية هي الأسمى والأرقى بلا منازع، وأنه لا وجود لشيء يُدعى الثقافة الأفريقية.

جاءت وفاة والده بمرض في الرئة لتشكل نقطة تحول جذرية أخرى في حياته، قاطعة حبال طفولته الوادعة. انتقل مع والدته إلى “المكان العظيم” في مكيكيزويني، ليعيش تحت وصاية الزعيم جونجينتابا دالينديبو، الوصي على عرش قبيلة الثيمبو. هذا الانتقال نقله من حياة البساطة الريفية إلى المركز النابض للسلطة القبلية، حيث بدأ يتشرب المفاهيم المعقدة للقيادة وإدارة شؤون الحكم وتصريف أمور الرعية. هناك، كان يراقب باهتمام شديد اجتماعات القبيلة التي كانت تمثل شكلاً نقياً من أشكال الديمقراطية التوافقية، حيث يحق لكل فرد، مهما كان مقامه أو وضعه الاجتماعي، أن يتحدث دون مقاطعة أو ترهيب حتى يتم التوصل إلى إجماع كامل. هذا النموذج السياسي الأفريقي الفريد يقف كبديل فلسفي وعملي قوي ومؤثر للديمقراطيات الغربية الحديثة التي غالباً ما تعتمد على ديكتاتورية الأغلبية وتهميش الأصوات المعارضة.

في مكيكيزويني، تشكل الوعي التاريخي والسياسي لمانديلا بفضل حكايات الشيوخ، وخاصة الزعيم العجوز جوي الذي كان يروي أمجاد وبطولات القبائل الأفريقية قبل مجيء الرجل الأبيض بأسلحته النارية الفتاكة. كان جوي يسرد بمرارة كيف عاشت قبائل الكوسا والزولو والبوندو كإخوة في وئام حتى جاء المستعمر الجشع الذي سلب الأرض ومزق الروابط لخدمة أطماعه التوسعية. هذه السردية التاريخية البديلة كانت بمثابة ترياق فكري قوي ضد السردية الاستعمارية الزائفة التي تُدرس في المدارس التبشيرية. كما شكل حفل الختان في سن السادسة عشرة، وهو طقس العبور المقدس إلى الرجولة في مجتمعه، محطة فاصلة أخرى؛ فبينما كان مانديلا يزهو باسمه الجديد “داليبونغا”، ألقى الزعيم ميليجكيلي خطاباً نارياً ومفاجئاً مزق فيه وهم الرجولة المزعومة في ظل الاستعمار، مؤكداً للحاضرين المصدومين أنهم مجرد عبيد ومستأجرين في أرض أجدادهم، وأن طاقات هؤلاء الشباب الأصحاء ستُهدر حتماً في مناجم الرجل الأبيض المظلمة. ورغم أن مانديلا الشاب رفض هذه الكلمات القاسية حينها لتعارضها مع أحلامه الطفولية، إلا أنها شكلت البذرة الأولى والصلبة للوعي الثوري الذي سيتبلور لاحقاً في صراع ديالكتيكي مرير مع النظام الفاشي القائم.

انتقل مانديلا بعد ذلك لمواصلة تعليمه وصقل معارفه في معهد كلاركبيري الداخلي، الذي كان يمثل في ذلك الوقت أعلى مؤسسة تعليمية للأفارقة في مقاطعة ثيمبولاند بأسرها. في هذا المعهد المرموق، الذي بُني على أراضٍ تبرع بها الملك العظيم نجوبينجكوكا، اصطدم مانديلا الشاب بحقيقة قاسية وهي أن نسبه الملكي لا يمنحه أي امتيازات استثنائية أو تقدير خاص وسط أقرانه وزملائه. كانت هذه صدمة إيجابية ودرساً قاسياً علمه أهمية إثبات الذات من خلال الجدارة الشخصية والعمل الدؤوب بدلاً من الركون إلى إرث الأجداد المريح. تحت إدارة القس هاريس، الذي كان يحكم المعهد بقبضة من حديد ونظام شبه عسكري، أدرك مانديلا أن القوة يمكن أن تُمارس بعدالة وصرامة في آن واحد لخدمة هدف أسمى. ومع ذلك، لا يمكن إغفال حقيقة أن هذه المؤسسات التعليمية كانت مصممة خصيصاً لإنتاج ما كان يُعرف بـ “الإنجليز السود”، وهم جيل من الأفارقة الذين يتم تلقينهم ثقافة المستعمر ليخدموا الإمبراطورية بإخلاص، وللتسليم المطلق بتفوق الرجل الأبيض كحقيقة علمية لا تقبل الجدل.

بحلول عام 1937، وفي سن التاسعة عشرة، اتجه مانديلا لتوسيع مداركه في كلية هيلدتاون في فورت بوفورت، وهي الكلية التي كانت تُعد أكبر مدرسة أفريقية جنوب خط الاستواء بأكمله. في هيلدتاون، تجلى التأثير الإمبراطوري في أبشع صوره الأيديولوجية من خلال مدير الكلية، الدكتور آرثر ويلينجتون، الذي كان يتفاخر دائماً وبصوت جهوري بأنه من سلالة دوق ويلينجتون العظيم الذي سحق القائد الفرنسي نابليون في معركة واترلو، مدعياً بصلف أن هذا الانتصار التاريخي أنقذ الحضارة الأوروبية من الانهيار، وأنقذ الأفارقة بالتبعية من براثن التخلف. كان هذا الخطاب المتغطرس يهدف بشكل منهجي إلى ترسيخ دونية العقل الأفريقي وتبعيته الأبدية للإمبراطورية البريطانية العظمى. لكن، ومن رحم هذا القمع النفسي والفكري، بدأت تتشكل ملامح التمرد الجريئة. ففي هيلدتاون، تعرف مانديلا لأول مرة على أساتذة أفارقة كسروا حاجز الخوف والهيمنة، مثل القس موكيتيمي الذي واجه غطرسة الدكتور ويلينجتون بشجاعة نادرة وندية غير مسبوقة لم يعهدها الطلاب من قبل. كانت هذه الحوادث اليومية بمثابة اختراقات نوعية في جدار الهيمنة البيضاء الصلب، حيث أثبتت للشاب مانديلا بما لا يدع مجالاً للشك أن الرجل الأسود المتعلم والكفؤ ليس مضطراً للانحناء والخنوع أمام أي رجل أبيض لمجرد لون بشرته.

في هذه المرحلة العمرية الدقيقة والحساسة من التكوين النفسي والسياسي، تتجسد أمامنا بوضوح وشفافية تلك الجدلية المعقدة بين محاولة المستعمر صياغة عقول المستعمرين وفق قوالبه الخاصة التي تخدم مصالحه، وبين بزوغ فجر الوعي النقدي لدى النخبة المضطهدة التي تبدأ بذكاء في استخدام أدوات المستعمر ذاتها – كالتعليم الأكاديمي، واللغة الإنجليزية، والفكر السياسي المؤسسي – لتفكيك بنيانه الإمبراطوري من الداخل. إن سيرة نيلسون مانديلا في هذه الفصول التأسيسية الأولى لا تقتصر على كونها مجرد قصة طفل أفريقي كافح بضراوة من أجل الحصول على التعليم في ظروف قاهرة، بل تتجاوز ذلك لتصبح وثيقة أنثروبولوجية وسياسية حية تسجل بدقة متناهية كيف تم تدمير البنى الاجتماعية والاقتصادية التقليدية للقبائل الأفريقية، وكيف تم استبدالها بشكل تدريجي ومدروس بنظام فصل عنصري مقيت يُخضع الإنسان القروي لعجلات الإنتاج الرأسمالي الشرس في مناجم الذهب العميقة. وهكذا، كانت رحلة مانديلا الطويلة والشاقة نحو الحرية تتطلب كخطوة أولى وحتمية تحرراً ذهنياً وفكرياً من قيود التبعية الثقافية التي كبلت قومه لعقود طويلة ومظلمة.

إن المتابع المتفحص لتاريخ صعود وسقوط القوى العظمى في المشهد الدولي، يدرك تماماً أن الإمبراطوريات الجبارة لا تسقط فقط بسبب الهزائم العسكرية في ساحات المعارك، بل تنهار فعلياً وتفقد شرعيتها عندما يمتلك المقموعون القدرة والشجاعة على إعادة كتابة تاريخهم وتشكيل سرديتهم الخاصة التي تتحدى الرواية الرسمية. وهذا بالتحديد هو ما بدأ يتبلور وينضج في عقل نيلسون مانديلا الشاب. فمن خلال الدمج العبقري بين الحكمة القبلية العميقة التي اكتسبها في بلاط “المكان العظيم”، وبين التعليم الغربي الصارم والممنهج في كلاركبيري وهيلدتاون، كان مانديلا يصوغ بخطى ثابتة شخصية القائد الكاريزمي القادر على مواجهة الإمبراطورية بأدواتها الخاصة، واضعاً بذلك حجر الأساس المتين لمشروع سياسي تحرري ضخم لن يكتفي في نهايته بتحرير الشعوب المضطهدة والمهمشة فحسب، بل سيحرر أيضاً جلادي الأمس من أوهام تفوقهم العرقي الزائف وأغلال خوفهم التاريخي من الآخر.

صدمة المدينة العظيمة وتشكل الوعي الثوري 

التحق نيلسون مانديلا بجامعة “فورت هير” في أواخر الثلاثينيات، وهي المؤسسة التي كانت تُعتبر بمثابة “أكسفورد” أو “هارفارد” بالنسبة للأفارقة في جميع أنحاء القارة السمراء جنوب خط الاستواء. كانت هذه الجامعة تمثل قمة الهرم التعليمي، ومصنعاً للنخبة السوداء التي كانت الحكومة الاستعمارية تأمل في أن تكون أداة طيعة ومثقفة لخدمة مصالحها وإدارة شؤون السكان الأصليين نيابة عنها. في فورت هير، وجد مانديلا نفسه محاطاً لأول مرة بشباب من مختلف القبائل والأعراق، من السوتو والزولو والتسوانا، وليس فقط من أبناء الكوسا. هذا التنوع الديموغرافي كان بمثابة الصدمة المعرفية الأولى التي بدأت تفكك مركزيته القبلية وتوسع مداركه نحو مفهوم “الأمة الأفريقية” الشاملة. هناك، التقى بشخصيات ستشكل لاحقاً العمود الفقري لحركة التحرر، وفي مقدمتهم أوليفر تامبو، الشاب الهادئ والذكي الذي سيصبح رفيق دربه الأقرب في النضال الطويل. ومع ذلك، كانت فورت هير تعيش تناقضاً جوهرياً؛ ففي حين كانت تدرس طلابها مبادئ الديمقراطية الغربية وفلسفات التنوير، كانت تخضع لإدارة بيضاء أبوية تتعامل مع الطلاب كقُصّر يحتاجون إلى التوجيه المستمر والوصاية الفكرية.

تجلى هذا التناقض الصارخ في حادثة الانتخابات الطلابية التي شكلت أول اختبار حقيقي لإرادة مانديلا ومبادئه. عندما قاطع الطلاب انتخابات مجلس الممثلين احتجاجاً على رداءة الطعام وسوء الخدمات وضعف صلاحيات المجلس، وجد مانديلا نفسه منتخباً من قبل أقلية ضئيلة لم تلتزم بالمقاطعة. وبدلاً من الاستمتاع بالمنصب والوجاهة التي يمنحها، اتخذ قراراً أخلاقياً شجاعاً بتقديم استقالته، رافضاً تمثيل قاعدة طلابية لا تمنحه شرعية الأغلبية. أثار هذا الموقف غضب مدير الجامعة، الدكتور كير، الذي وضع مانديلا أمام خيارين قاطعين: إما الانصياع وقبول المنصب، أو الطرد من الجامعة. في تلك اللحظة الفارقة، اختار الشاب مانديلا التضحية بمستقبله الأكاديمي المضمون ومكانته النخبوية، مفضلاً التمسك بمبدأ “موافقة المحكومين” الذي يمثل جوهر الديمقراطية. لم يكن هذا مجرد تمرد طلابي طائش، بل كان إعلاناً مبكراً عن شخصية سياسية ترفض المساومة على المبادئ الأساسية، وتدرك أن السلطة التي لا تستمد شرعيتها من إجماع القاعدة هي سلطة باطلة، حتى وإن كانت تتخفى خلف واجهة أكاديمية محترمة.

بعد عودته إلى قريته إثر هذا الطرد، واجه مانديلا تحدياً من نوع آخر، تحدياً يمس جذوره العميقة في التقاليد القبلية. فقد قرر الزعيم الوصي، وفقاً للعادات المتوارثة التي تمنح كبير العائلة حق التخطيط لمستقبل الأبناء، تزويج مانديلا وابنه جاستيس من فتيات تم اختيارهن مسبقاً، بغرض استقرارهم وتحضيرهم لتولي أدوار قيادية في الإدارة الأهلية. كان هذا الترتيب يمثل المسار الطبيعي والآمن لأي شاب أرستقراطي في ذلك الزمان، لكنه بالنسبة لمانديلا كان بمثابة سجن ناعم يصادر حقه المطلق في تقرير مصيره. في خطوة تمثل قطيعة فلسفية مع حتمية القدر القبلي وانتصاراً للإرادة الحرة الفردية، قرر الشابان الفرار تحت جنح الظلام نحو مدينة جوهانسبرغ. لم يكن هذا الهروب مجرد فرار من زيجة تقليدية غير مرغوب فيها، بل كان هروباً من دور وظيفي مرسوم سلفاً في نظام اجتماعي أصبح عاجزاً عن استيعاب التطلعات الجديدة؛ كان إعلاناً ببدء رحلة البحث عن الذات خارج الأسوار الآمنة للقبيلة.

وصل مانديلا إلى جوهانسبرغ، أو “إيغولي” (مدينة الذهب) كما يسميها الأفارقة، ليصطدم بواقع مغاير تماماً لكل ما عرفه. كانت المدينة وحشاً معدنياً هائلاً يتغذى على عرق ودماء العمال السود الذين يحفرون في أعماق الأرض لاستخراج الثروات التي تبني ناطحات السحاب للرجل الأبيض. في جوهانسبرغ، تلاشت تماماً هالة الاحترام التي كان يحظى بها كابن لعائلة حاكمة؛ ففي عيون شرطة الفصل العنصري والنظام الرأسمالي الأبيض، لم يكن مانديلا سوى مجرد “صبي أسود” آخر، رقم في سجلات قوى العمل الرخيصة. عمل لفترة وجيزة كحارس ليلي في أحد المناجم، وهناك تجلت أمامه البنية التحتية للقمع في أبشع صورها: المجمعات السكنية المكتظة والمغلقة، العمال الذين يُعاملون كآلات قابلة للاستبدال، والنظام الاقتصادي الذي صُمم خصيصاً لضمان إبقاء الأفريقي في قاع الهرم الاجتماعي والاقتصادي إلى الأبد. أدرك مانديلا حينها أن معركته ليست فقط من أجل حقوق سياسية، بل هي في جوهرها صراع ضد نظام استغلالي هيكلي يحيل البشر إلى أدوات إنتاج.

في خضم هذا الضياع الحضري، حدث اللقاء الأهم الذي غير مسار حياة مانديلا بالكامل؛ لقاؤه بوالتر سيسولو. كان سيسولو رجلاً عصامياً، لم يحظَ بتعليم جامعي رفيع، لكنه كان يمتلك بصيرة سياسية خارقة، وفهماً عميقاً لآليات العمل المنظم في الشارع. رأى سيسولو في مانديلا الشاب، بثقافته وقامته الممشوقة وكاريزمته الفطرية، قائداً مستقبلياً قادراً على إحداث الفارق. بفضل سيسولو، حصل مانديلا على وظيفة ككاتب تحت التمرين في مكتب محاماة يملكه محامٍ يهودي أبيض يُدعى لازار سيديلسكي. كانت هذه الخطوة بمثابة اختراق كبير، حيث كان من النادر جداً في ذلك الوقت أن تقبل مكاتب المحاماة البيضاء تدريب شبان سود. في هذا المكتب، تعرض مانديلا لتلاقح فكري وإيديولوجي غير مسبوق. فقد التقى بالشيوعيين البيض والهنود الذين كانوا يعاملونه بندية تامة وباحترام حقيقي يتجاوز حواجز اللون. ورغم أن مانديلا كان في البداية يحمل تحفظات عميقة تجاه الشيوعية بسبب خلفيته الأرستقراطية والدينية، إلا أنه بدأ يدرك بالتدريج أن هؤلاء اليساريين كانوا في تلك الحقبة هم الفئة الوحيدة من البيض المستعدين لمشاركة الأفارقة نضالهم ومقاسمتهم المخاطر في الخنادق الأمامية.

بالتوازي مع صعوده المهني البطيء، كانت حياة مانديلا اليومية في ضاحية “ألكسندرا” الفقيرة تمثل بوتقة صهر حقيقية لوعيه الاجتماعي. كان يعيش في غرفة ضيقة من الصفيح والطين، بلا كهرباء ولا مياه جارية، يسير أميالاً طويلة يومياً لتوفير ثمن تذكرة الحافلة، ويدرس القانون على ضوء الشموع الخافت. في ألكسندرا، اختبر مانديلا ذل “قوانين الاجتياز” (Pass Laws) المقيتة، وهي القوانين التي كانت تجبر كل أفريقي أسود على حمل وثيقة تعريفية تحدد أماكن تواجده المسموح بها، وتعرضه للاعتقال المهين من قبل أي شرطي في أي لحظة إذا ما نسي حملها أو تواجد في “مناطق بيضاء” دون إذن مسبق. هذه الحياة القاسية، التي جردته من كل امتيازاته السابقة، جعلته يلتحم عضوياً ونفسياً بمعاناة الجماهير المسحوقة، فلم يعد ينظر إلى السياسة كترف فكري أو مناقشات صالونات، بل كمسألة حياة أو موت، كضرورة حتمية لاسترداد الكرامة الإنسانية المهدورة يومياً على أرصفة المدينة.

شكلت مقاطعة حافلات ألكسندرا عام 1943 نقطة تحول عملية في مسيرته من مجرد مراقب متعاطف إلى ناشط فاعل وميداني. عندما قررت شركات النقل رفع أسعار التذاكر بشكل مجحف، قرر عشرات الآلاف من سكان الضاحية مقاطعة الحافلات والسير على الأقدام لمسافات تصل إلى عشرين ميلاً يومياً للوصول إلى أعمالهم في جوهانسبرغ والعودة منها. سار مانديلا مع هذه الجموع الغفيرة، ليس كقائد يوجههم، بل كواحد منهم، يتنفس غبارهم ويشعر بتعبهم. في تلك المسيرات الماراثونية الصامتة والمهيبة، اكتشف مانديلا قوة العمل الجماعي المنظم. أدرك أن القانون وحده، بكل ثغراته ونصوصه، غير قادر على هدم نظام مبني على الظلم الهيكلي ما لم يكن مدعوماً بقوة الجماهير المنظمة على الأرض. كانت هذه التجربة الميدانية هي الشرارة التي أضاءت وعيه السياسي الحقيقي، مهيئة إياه للخطوة التالية والأكثر خطورة: التخلي عن فكرة الخلاص الفردي من خلال احتراف المحاماة والارتقاء الطبقي، واعتناق فكرة الخلاص الجماعي من خلال الانضمام إلى الحركة السياسية الأهم في تاريخ البلاد.

وهكذا، في شوارع جوهانسبرغ القاسية وتحت وطأة التمييز المؤسسي، مات نيلسون مانديلا “الأرستقراطي الريفي” الذي كان يحلم بوظيفة محترمة وزيجة مستقرة، ليولد من رحم المعاناة نيلسون مانديلا “المناضل السياسي الثوري”. إن هذه المرحلة من مسيرته الطويلة تؤكد لنا أن القيادة التاريخية لا تُورث عبر الدم فحسب، بل تُصنع في أتون التجربة المباشرة للاضطهاد، ومن خلال القدرة على تحويل الغضب الفردي من مظالم شخصية إلى رؤية استراتيجية لتحرير أمة بأكملها. وبهذا النضج النفسي والسياسي، بات المسرح مهيأً لدخول مانديلا إلى صفوف حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، والمساهمة في تأسيس عصبة الشباب التي ستقلب الموازين وتغير استراتيجية المقاومة من المهادنة والمطالبات الخجولة إلى العمل الجماهيري الراديكالي والمواجهة المباشرة مع آلة القمع البيضاء.

العاصفة الراديكالية ومواجهة جدار الأبارتايد الصلب

 نلج إلى المرحلة الممتدة بين منتصف الأربعينيات وخمسينيات القرن الماضي، وهي الحقبة التي شهدت التحول الأكبر في طبيعة الصراع السياسي في جنوب أفريقيا. لم تعد المواجهة مجرد احتجاجات متفرقة أو نداءات خجولة تطالب بتحسين ظروف الحياة، بل تحولت إلى معركة أيديولوجية وتنظيمية شاملة ضد نظام الفصل العنصري “الأبارتايد” الذي أعلنه الحزب القومي الأبيض رسمياً عقب وصوله إلى السلطة عام 1948. في هذه الأتون الفائرة، برز مانديلا مع رفاق دربه كقوة راديكالية جديدة تعيد تشكيل حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، وتنقل المقاومة من النخبوية التقليدية إلى الفضاء الجماهيري المفتوح، حيث أصبحت المواجهة المباشرة مع آلة الدولة العسكرية أمراً لا مفر منه.

بدأت هذه التحولات الراديكالية بإنشاء “عصبة الشباب” التابعة لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي عام 1944، وهي الخطوة التي تقودها عقول شابة متقدة مثل أنطون ليمبيدي، وأوليفر تامبو، والتر سيسولو، ونيلسون مانديلا. كان الحزب الأمهات في ذلك الوقت محكوماً بقادة من النخبة التقليدية المحافظة التي تعتمد أساليب تقديم العرائض الدبلوماسية ورسائل الالتماس المؤدبة إلى السلطات الإستعمارية البيضاء، وهو أسلوب أثبت عجزاً مطلقاً أمام التغول المنهجي للاستعمار الاستيطاني. دخل أنطون ليمبيدي، بفلسفته “القومية الأفريقية” الصارمة، كعاصفة فكرية أزاحت الخمول؛ فقد طرح رؤية مفادها أن الأفارقة هم أصحاب الأرض الأصليون، وأن قضيتهم ليست مجرد مطالبة بالمساواة المدنية داخل نظام استعماري، بل هي قضية تحرر وطني واستعادة للكرامة والسيادة الكاملة على التراب الوطني. ورغم أن مانديلا كان في البداية يحمل تحفظات على بعض الأفكار المتطرفة لليمبيدي حول استبعاد المجموعات الأخرى من الصراع، إلا أنه تبنى بالكامل جوهر هذه الراديكالية التي تدعو إلى التخلي عن لغة الاستجداء واعتناق أسلوب الإضراب العصيان المدني والمقاطعة الجماهيرية.

شكل عام 1948 فصلاً مظلماً ودموياً في تاريخ البلاد؛ إذ فاز الحزب القومي الحاكم بالانتخابات التي يُحظر فيها مشاركة الأفارقة، ليبدأ فوراً في تطبيق أيديولوجية “الأبارتايد” كفلسفة رسمية وهيكلية للدولة. لم يكن الأبارتايد مجرد تحيز عرقي عابر، بل كان هندسة اجتماعية واقتصادية وقانونية شاملة تهدف إلى الفصل التام بين الأعراق، مع إبقاء الأغلبية السوداء في حالة خضوع تام وعبودية مقننة لخدمة الأقلية البيضاء. قسّمت القوانين الجائرة السكان، وشُرّعت قوانين تمنع الزواج بين الأعراق، وتفرض الفصل في السكن والتعليم والمرافق العامة، وتصادر الأراضي الخصبة لتمنح للبيض بينما يُحشر الملايين من الأفارقة في معازل فقيرة ومجدبة تسمى “البانتوستانات”. أمام هذه الهجمة الفاشية الكاسحة، أدرك مانديلا ورفاقه في عصبة الشباب أن الأدوات القديمة للسياسة لم تعد مجدية على الإطلاق، وأن المطلوب هو صياغة برنامج عمل ثوري جديد يفرض واقعاً مغايراً على الأرض.

تجسد هذا الرد التاريخي في “برنامج العمل” لعام 1949، الذي أفرضه الشباب على قيادة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، محولين الحزب من جمعية للمطالبة بالحقوق إلى حركة تحرر جماهيرية مقاتلة. اعتمد البرنامج أساليب العصيان المدني، والإضرابات العامة، والتظاهرات الكبرى، والإمتناع عن العمل. وفي عام 1952، جاءت “حملة التحدي” (Defiance Campaign) لتكون أول اختبار ميداني واسع النطاق لهذه الاستراتيجية الجديدة، حيث عُيّن نيلسون مانديلا قائداً عاماً للحملة ورئيساً للتطوع. اعتمدت الحملة على قيادة آلاف المتطوعين من كافة الأعراق لكسر قوانين الفصل العنصري علناً وبشكل سلمي؛ فكانوا يدخلون المرافق المخصصة للبيض فقط، ويتنقلون بدون وثائق الاجتياز، ويخترقون حظر التجوال، ثم يقدمون أنفسهم للاعتقال بصدور عارية وابتسامات تتحدى القمع. نجحت الحملة في تحويل السجون إلى منابر للحرية، وأدت إلى قفزة هائلة في عضوية حزب المؤتمر الوطني الأفريقي من بضعة آلاف إلى أكثر من مائة ألف عضو نشط، مما أثبت لقادة الأبارتايد أن المارد الأفريقي قد استيقظ من كبوته ولن يعود إلى الجحور مجدداً.

خلال هذه السنوات المليئة بالمخاطر، كان مانديلا يخوض معركة أخرى على الجبهة المهنية والاجتماعية؛ فقد أسس مع رفيق عمره أوليفر تامبو أول مكتب محاماة يديره أفارقة سود في تاريخ جنوب أفريقيا، وذلك في قلب جوهانسبرغ. أصلح هذا المكتب ملاذاً يتدفق عليه المئات من الأفارقة يومياً بآلامهم ومظالمهم؛ عمال تعرضوا للضرب والاعتداء من أرباب عملهم، وأمهات طُردن من بيوتهن بسبب قوانين السكن، وشبان اعتقلوا لمجرد نسيان وثيقة الاجتياز. في القاعات والمحاكم البيضاء، كان مانديلا المحامي يمارس شكلاً آخر من أشكال المقاومة؛ يرتدي بزته الأنيقة، ويتحدث بلغة القانون الصارمة، ويفكك ادعاءات الشهود والشرطة البيض بكل ثقة واقتدار. كانت لرؤية رجل أسود يقف بندية كاملة أمام قاضٍ أبيض ويهزم ادعاءاته الشائكة تأثيراً نفسياً هائلاً على الجماهير المسحوقة، حيث كسر ذلك المشهد أسطورة التفوق العرقي الأبيض في عقول البسطاء وزرع في نفوسهم بذور الثقة بالذات والمستقبل.

لم تكن السلطات الغاشمة لتسكت عن هذا الصعود المتنامي لمانديلا؛ فبدأت في فرض أوامر الحظر والمحاصرة الأمنية عليه ابتداءً من عام 1952، ومُنع من التحدث في الاجتماعات العامة، وقُيدت حركته داخل حدود جوهانسبرغ، وأُجبر على الاستقالة الرسمية من مناصبه القيادية في الحزب. لكن مانديلا، بعبقريته التنظيمية، ابتكر “خطة مانديلا” (M-Plan)، وهي استراتيجية تعتمد على تقسيم تنظيم الحزب إلى خلايا صغيرة سرية على مستوى الشوارع والأحياء، بحيث يستمر العمل السياسي والتوعوي تحت الأرض وبصورة مرنة حتى لو تم اعتقال القيادات العليا أو إغلاق المقرات الرسمية. أثبتت هذه الخطة أن الفكرة التحررية عندما تجد طريقها إلى عقول الجماهير، تحرم أقوى الأجهزة الأمنية والاستخباراتية من القدرة على خنقها أو القضاء عليها.

بلغ التلاحم النضالي ذروته في عام 1955 عند انعقاد “مؤتمر الشعب” في كليبتون، حيث التقى ممثلون عن كل الطوائف والأعراق من أفارقة، وهنود، ومستحدثي نژاد، وبيض تقدميين، لصياغة وثيقة تاريخية تُدعى “ميثاق الحرية”. أعلن الميثاق بكل صراحة شجاعة أن “جنوب أفريقيا ملك لجميع من يعيشون فيها، سوداً وبيضا”، واضعاً رؤية لبناء مجتمع ديمقراطي غير عرقي يقوم على العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروات والمساواة أمام القانون. ورغم أن مانديلا كان خاضعاً لأوامر الحظر ومُنع من الحضور العلني، إلا أنه شاهد الاجتماع التاريخي متخفياً من بين التجمعات. ردت الحكومة على الميثاق ببطش شديد، واعتقلت في ديسمبر 1956 مائة وستة وخمسين قيادياً من مختلف التيارات، وكان مانديلا في مقدمتهم، وتوجيه تهمة “الخيانة العظمى” التي تصل عقوبتها إلى الإعدام، محاولة بذلك قطع رأس الحركة الوطنية بضربة قاضية واحدة.

استمرت محاكمة الخيانة العظمى لأكثر من أربع سنوات كاملة، وتحولت القاعة إلى ساحة صراع أيديولوجي مكشوف بين رؤيتين للعالم: رؤية الأبارتايد القائمة على العرق والسيطرة، ورؤية الحركة الوطنية القائمة على الكرامة والإنسانية الجامعة. استخدم مانديلا ورفاقه المحاكمة كمنبر إعلامي وسياسي لفضح جرائم النظام أمام الرأي العام المحلي والدولي. ورغم القيد والتهديد المستمر بالإعدام، أظهر المتهمون ثباتاً أسطورياً وروحاً معنوية عالية أربكت الادعاء العام، حتى انتهت المحاكمة في عام 1961 بتبرئة جميع المتهمين لعدم ثبوت السعي لتغيير النظام بالعنف في تلك المرحلة. ومع ذلك، فإن هذه النتيجة لم تكن تعني سلامة الطريق؛ بل كانت مجرد الهدوء الذي يسبق العاصفة الهوجاء التي ستغير قواعد اللعبة السياسية في جنوب أفريقيا إلى الأبد.

خرج مانديلا من المحاكمة ليجد بلاداً تغلي على جمر الغضب، خاصة بعد مذبحة “شاربفيل” الرهيبة عام 1960 التي أطلقت فيها الشرطة البيضاء النار على مظاهرة سلمية تطالب بإلغاء قوانين الاجتياز، مما أسفر عن مقتل عشرات المواطنين العزل وسقوط المئات من الجرحى. حظرت الحكومة حزب المؤتمر الوطني الأفريقي وفرضت حالة الطوارئ، لتغلق بذلك كل النوافذ والمسارات المتاحة للعمل السياسي السلمي الشرعي. هنا، وقف مانديلا عند مفترق طرق حاسم في حياته وفي تاريخ أمة بأكملها: هل يستمر في النهج السلمي الذي تجيب عليه الدولة بالرصاص والقتل، أم ينتقل إلى مرحلة الكفاح المسلح لمواجهة العنف الاستعماري بعنف ثوري مضاد؟ كان القرار التاريخي شجاعاً وقاسياً، حيث أدرك مانديلا أن السلمية عندما تصبح وسيلة للاستسلام لم تعد فضيلة، وأن الوقت قد حان لكسر احتكار الدولة البيضاء للسلاح، مهيئاً البلاد لدخول مرحلة جديدة تماماً تُعرف بمرحلة “المقاومة السرية والجناح العسكري”.

الثورة ومحاكمة ريفونيا بوجه المشنقة 

نصل إلى اللحظة التاريخية الفارقة التي تقاطع فيها الفكر السياسي للحرية مع خيار السلاح، حيث أغلقت السلطات العنصرية كل النوافذ والتنفيسات السلمية أمام المطالب الشعبية، واستبدلت الدبلوماسية بلغة البطش والرصاص. إن التحول نحو الكفاح المسلح لم يكن بالنسبة لمانديلا ورفاقه خياراً عقائدياً أوليّاً أو رغبة في سفك الدماء، بل كان ملاذاً أخيراً فرضته الآلة العسكرية لنظام الأبارتايد فرضاً، بعد أن أضحى الإصرار على السلمية المطلقة في وجه آلة قتل بطاشة بمثابة انتحار سياسي واستسلام مجاني. وفي هذا الأتون، وُلد “الثعلب الأسود”، وتنقل مانديلا متخفياً كطيف بين بقاع القارة ليصوغ استراتيجية المواجهة الشاملة، قبل أن يقع في المصيدة ليقف بكل ثبات شجاع أمام قضاة البطش واضعاً حياته برمتها على محك الإعدام.

عقب مذبحة شاربفيل الحزينة عام 1960 وحظر حزب المؤتمر الوطني الأفريقي، خيم الموات السياسي على جنوب أفريقيا، وبدت الدولة الاستعمارية وكأنها حسمت الصراع بالحديد والدم والترهيب. في هذه اللحظة المظلمة، قررت قيادة الحزب إسناد مهمة تاريخية شاقة لمانديلا، وهي التواري تماماً عن الأنظار والانتقال إلى العمل السري تحت الأرض. تحول المحامي الأنيق المعتاد على أروقة المحاكم إلى طريد متخفٍ يرتدي زياء العمال والسائقين والخدم، ويتنقل بين المزارع والأحياء الفقيرة تحت إشراف أجهزة أمنية استنفدت كل قواها للقبض عليه. أطلقت عليه الصحافة لقب “الخشخاش الأسود” (The Black Pimpernel)، لبراعته الفائقة في مراوغة الكمائن والأجهزة الاستخباراتية وتفادي شبكات الجواسيس. لم يكن التخفي بالنسبة له مجرد حيلة للنجاة الفردية، بل كان وسيلة حيوية لإعادة تنظيم القواعد الشعبية المحبطة، وزرع الأمل مجدداً في النفوس، والتأكيد للجماهير على أن قيادتها ما زالت حية وفاعلة وتعمل بين صفوفها.

توجت هذه المسيرة السرية بالقرار التاريخي الأصعب عام 1961: تأسيس الجناح العسكري لحزب المؤتمر الوطني الأفريقي والمعروف باسم “أومخونتو وي سيزوي” أو (رمح الأمة). عُيّن مانديلا قائداً أعلى لهذا التنظيم المسلح الجديد، ليكتب بنفسه بيانه التأسيسي الأول الذي خاطب فيه أبناء شعبه والعالم صراحةً بأن الوقت قد حان للتصدي بالعدوان؛ لأن الحكومة لا تفهم سوى لغة القوة. غير أن مانديلا، بحسه الأخلاقي والفلسفي الصارم، رفض خيار حرب العصابات العشوائية أو الإرهاب الموجه ضد المدنيين العزل، واختار استراتيجية “التخريب المنظم” (Sabotage) كخطوة أولى وعقلانية. كانت الخطة تقضي باستهداف المنشآت الحيوية والاقتصادية التابعة للدولة، مثل خطوط الكهرباء ومحطات السكك الحديدية والمباني الحكومية، بهدف شل قدرة النظام المادية وإجبار المستثمرين الأجانب على سحب أموالهم، دون سفك دماء البشر، تاركاً باب التفاوض مفتوحاً إذا ما تعقل النظام البيض وأدرك كلفة قمع الشعب.

في أوائل عام 1962، غادر مانديلا البلاد سراً دون جواز سفر في رحلة ملحمية ومخاطِرة عبر القارة الأفريقية وصولاً إلى أوروبا، بهدف جلب الدعم المالي والعسكري والسياسي لـ “رمح الأمة”. زار مانديلا عدداً كبيراً من الدول الأفريقية المستقلة حديثاً، مثل إثيوبيا والجزائر ومصر وغانا والمغرب، حيث استُقبل استقبال الفاتحين والتقى بقادة كبار من أمثال جمال عبد الناصر وأحمد بن بلة وإمبراطور إثيوبيا هيلا سيلاسي. في الجزائر، التي كانت قد خرجت للتو من حرب تحريرية شرسة ضد الاستعمار الفرنسي، تلقى مانديلا دروساً مكثفة في الفن العسكري وحرب العصابات والاستراتيجيات الثورية على أيدي قادة جبهة التحرير الوطني. هناك أدرك أن القوة العسكرية ليست سوى امتداد مجرد للسياسة، وأن السلاح لا قيمة له إن لم يخدم هدفاً وطنياً واضحاً ومؤطراً بأيديولوجية تحررية واعية. كما خضع لتدريبات عسكرية ميدانية مكثفة على استخدام الأسلحة ومتفجرات التكتيكات في إثيوبيا، استعداداً لتأسيس جيش تحرير أفريقي حقيقي.

عاد “الخشخاش الأسود” إلى جنوب أفريقيا محكماً خططه، ومحذراً رفاقه من استهانة العدو، لكن المقادير كانت تخبئ دراما إنسانية وقاسية. ففي الخامس من أغسطس عام 1962، وأثناء عودته من اجتماع سري مع قيادة الحزب في دربان وهو يتنقل بسيارة تحت اسم مستعار وشخصية سائق، وقع مانديلا في كمين محكم أعدته الشرطة بالقرب من مدينة هويتسبرغ، بعد تسريب معلومات استخباراتية دقيقة عن تحركاته. قُبض على مانديلا، وحُكم عليه في البداية بالسجن لمدة خمس سنوات بتهمة مغادرة البلاد بشكل غير قانوني والتحريض على الإضراب. غير أن السلطات العنصرية لم تكتفِ بهذا القدر، إذ قامت في عام 1963 بتمشيط ومداهمة المقر السري لقيادة “رمح الأمة” في مزرعة “ريفونيا” بالقرب من جوهانسبرغ، وعثرت هناك على وثائق سرية للغاية، وخرائط، وخطط لمواجهة عسكرية شاملة تحمل توقيع مانديلا ورفاقه.

نُقل مانديلا من سجنه ليمثل مجدداً أمام المحكمة في يوليو 1963، فيما عُرف تاريخياً بـ “محاكمة ريفونيا”، والتي ضمت إلى جانبه نخبة من أبرز قادة النضال مثل والتر سيسولو، وأحمد كاثراضة، ودينيس جولدبرج، وغيرهم. كانت التهم الموجهة إليهم هذه المرة هي التآمر للإطاحة بالحكومة بالقوة والتخطيط لحرب عصابات، وهي تهم تنص قوانين الأبارتايد الصارمة على عقوبة الإعدام شنقاً حتى الموت لمعاقبة مرتكبيها. سعت الحكومة الجائرة لتصوير مانديلا ورفاقه أمام العالم كمجموعة من الإرهابيين والمخربين المأجورين الموالين للشيوعية، محاولة بذلك سلب الشرعية الأخلاقية والسياسية عن قضيتهم العادلة. لكن مانديلا تحين الفرصة ليقلب السحر على الساحر، محولاً قاعة المحكمة المكفهرة إلى منصة تاريخية عالمية لمحاكمة النظام العنصري نفسه وتعرية وحشيته أمام الضمير الإنساني.

في العشرين من أبريل عام 1964، وقف نيلسون مانديلا في قفص الاتهام ليقدم بيانه الدفاعي الشهير الذي دام أربع ساعات كاملة، والذي يُعد واحداً من أعظم الخطابات السياسية والأخلاقية في تاريخ البشرية الحديث. لم يدافع مانديلا عن نفسه بأسلوب قانوني تبريري، ولم ينكر الوقائع أو يتوسل الشفقة من القاضي الأبيض، بل أقر بشجاعة بمسؤوليته الكاملة عن تأسيس “رمح الأمة” والتخطيط للعمليات المسلحة، مبيناً الأسباب الأخلاقية والسياسية المفصلة التي دفعت الحزب لاتخاذ هذا الخيار القاسي بعد سد كل أبواب النضال السلمي. استعرض مانديلا في كلمته آلام وطنه، والفقر المدقع والمهانة التي يعيشها الأفارقة، وتفوق البيض الاستئثاري بالثروة والكرامة، مؤكداً أن نضاله ليس نابعاً من كراهية للبيض بل من عشق خالص للحرية والمساواة الإنسانبة.

ختم مانديلا خطابه الخالد بكلمات هزت أركان القاعة وشخصت لها أبصار العالم، قاطعا الصمت بالقول: “لقد كرست حياتي لخدمة هذا النضال للشعب الأفريقي. لقد حاربت ضد سيطرة البيض، وحاربت ضد سيطرة السود. لقد أحببت مَثَل المجتمع الديمقراطي والحُر الذي يعيش فيه جميع الأشخاص معاً في وئام وبفرص متكافئة. إنه مَثَلٌ آمل أن أعيش من أجله وأن أراه يتحقق. ولكن إذا لزم الأمر، فهو مَثَلٌ أنا مستعد للموت من أجله”. لم تكن هذه الخاتمة القوية مجرد بلاغة لفظية، بل كانت استعداداً حقيقياً وواعياً لاعتلاء منصة الإعدام براس مرفوعة. وفي الثاني عشر من يونيو 1964، أعلن القاضي الحكم: السجن مدى الحياة بدلاً من الإعدام، خفية من تحول مانديلا لشهيد يلهم الثورة الجماهيرية. وهكذا طُويت صفحة الحرية في حياة مانديلا لتبدأ مرحلة العزل الصارم في جزيرة روبن آيلاند الموحشة، حيث اعتقد النظام القومي الأبيض أنه واري مانديلا الثرى في زنزانة ضيقة، غير مدرك أن الأسوار العالية ستصنع منه أسطورة عالمية تزلزل أركان النظام من قلب عتمتها.

أسطورة روبن آيلاند وانكسار القيد إلى الانتصار التاريخي

 نصل إلى الفصل الختامي الملحمي الذي يختزل واحدة من أعظم التحديات في التاريخ السياسي الحديث. إنها مرحلة التحول من ظلمات السجن العزل القاسي في “روبن آيلاند” إلى أروقة المفاوضات المعقدة، ومن ثم التتويج التاريخي برئاسة جنوب أفريقيا كأول رئيس أسود ديمقراطي للبلاد. يعتقد قضاة الأبارتايد عندما أصدروا حكمهم بالسجن مدى الحياة في محاكمة ريفونيا عام 1964 أنهم دفنوا مانديلا ورفاقه في طي النسيان، وأنه بمجرد إغلاق باب الزنزانة على جزيرة صخرية معزولة في قلب المحيط، سيموت الفكر الثوري ويخمد المارد الجماهيري. لكن التجربة أثبتت أن السجن لم يكن سوى جامعة صقلت روح القائد، ومصنع للتخطيط الاستراتيجي الذي فكك بنية الفصل العنصري من داخل عتمته.

كانت جزيرة “روبن آيلاند” بمثابة قلعة استعمارية صممت خصيصاً لكسر إرادة المعتلقين السياسيين وتجريدهم من أدنى مقومات الكرامة الإنسانية. أُدخل مانديلا إلى زنزانة انفرادية ضيقة لا تتعدى مساحتها بضعة أقدام، تحتوي على حصيرة قش رقيقة ودلو بلاستيكي لقضاء الحاجة، ويحيط بها جدار أسمنتي بارد يمنع عنه العالم خارجي. فرضت إدارة السجن نظاماً صارماً وعنصرياً حتى في تفاصيل الحياة اليومية؛ فكانت حصص الطعام وقواعد اللباس تُحدد بناءً على العرق، حيث يحصل المعتقلون الأفارقة على الوجبات الأقل قيمة غذائية والسراويل القليلة التغطية، بهدف ترسيخ عقدة النقص والإهانة النفسية المنظمة. وفي مقلع الجير الملتهب تحت أشعة الشمس الحارقة، كان مانديلا ورفاقه يجبرون على حفر الصخور يومياً لساعات طويلة، وهي أشكال من العمل الشاق التي سببت له أضراراً دائمة في بصره ورئتيه.

ومع ذلك، استطاع مانديلا بصلابته الفلسفية تحويل السجن إلى “جامعة روبن آيلاند”. أدرك منذ اليوم الأول أن المعركة الحقيقية داخل السجن هي معركة العقول والإرادات، وأن النصر يبدأ بفرض احترام السجين على سجانه. قاد مانديلا حركة تنظيمية داخل الاعتقال، أقر فيها دراسة التاريخ، واللغات، والعلوم القانونية، والأيديولوجيات السياسية بين المساجين. تعلّم مانديلا اللغة “الأفريقانية” (لغة البيض الحاكمين) ودرس تاريخ قوم البور وعقيدتهم الدينية بدقة، لم يكن ذلك استسلاماً أو ذوباناً في ثقافة المستعمر، بل تطبيقاً للمبدأ الاستراتيجي الذي يقول: “كي تهزم عدوك، عليك أولاً أن تفهم عقليته ونقاط ضعفه”. بفضل هذا الفهم العميق، تحول مانديلا تدريجياً في نظر حراس السجن وإدارته من مجرد مجرم خطير إلى زعيم مهيب يُحسب له ألف حساب، وأرغم إدارة السجن بعد إضرابات طويلة عن الطعام على تحسين ظروف المعيشة ورفع القمع الفردي.

خارج أسوار السجن، كانت الأوضاع تتفجر في جنوب أفريقيا وخارجها خلال سبعينيات وثمانينيات القرن الماضي. شحنت انتفاضة طلاب “سويتو” عام 1976 الدماء في شرايين الحركة التحررية، وتصاعدت حركة المقاطعة الدولية للنظام العنصري، واحتدمت الضغوط الاقتصادية والدبلوماسية والشعبية حول العالم للمطالبة بفك أسر مانديلا. أضحى اسم “نيلسون مانديلا” رمزاً كوكباً للحرية والعدالة، وأيقونة ملهمة للشعوب المظلومة في كل مكان. عجز النظام الحاكم عن إخماد جمر الثورة الداخلي وعن تحمل عزلتين متزايدتين الدولية والاقتصادية، ما اضطره في أواسط الثمانينيات إلى محاولة تقديم مساومات ونوافذ إفراج مشروط لمانديلا؛ حيث عرض عليه رئيس الوزراء بوتا الإطلاق فوراً بشرط واحد: أن يعلن مانديلا نبذ الكفاح المسلح والعنف السياسي.

جاء رد مانديلا الشجاع والراديكالي من زنزانته بليغاً ومؤثراً عبر خطاب تلتْه ابنته زيندزي على الجمهور الملتهب في ملعب سويتو: “أي حرية هذه التي تُعرض علي بينما جمعية شعبي محظورة؟ ليس مانديلا هو من يرفض الشروط، بل الأبارتايد هو من يجب أن يرحل. ما الحرية التي تُعرض عليّ طالما أنني لست حراً في التعبير عن رأيي؟ لا يمكن لمواطن سجين أن يجري مفاوضات؛ فالأحرار فقط هم من يملكون حق التفاوض”. أثبت هذا الموقف الخالد أن مانديلا لا يبحث عن خلاص فردي أو راحة شخصية، بل يرى نفسه مجرد تجسيد حقيقي لإرادة الشعب ومطالبه التاريخية غير القابلة للتجزئة أو المساومة.

نُقل مانديلا لاحقاً إلى سجن “بولسمور” ثم إلى سجن “فيكتور فيرستر”، حيث بدأت القنوات السرية والمفاوضات المعقدة بينه وبين كبار المسؤولين في نظام الأبارتايد، وعلى رأسهم الوزير كوبسي كوتزي ولاحقاً الرئيس دي كليرك. خاض مانديلا مفاوضات عسيرة تحت ظروف معقدة، واضعاً نصب عينيه تجنب حرب أهلية عرقية مدمرة قد تأكل الأخضر واليابس، وفي الوقت ذاته عدم التفريط في مبدأ نقل السلطة إلى الأغلبية وإنهاء سيطرة البيض الاستئثارية. وفي الحادي عشر من فبراير عام 1990، وبعد سبعة وعشرين عاماً متواصلة في ظلمات السجن، انفتحت أبواب المعتقل، وخرج نيلسون مانديلا مرفوع الرأس ممسكاً بيد زوجته ويندي، ليخطو خطوته الأولى في العالم الحر وسط ذهول وشغف الملايين حول العالم.

لم تكن مرحلة ما بعد الإفراج مفروشة بالورود، بل كانت مليئة بالألغام والتهديدات؛ إذ حاولت قوى اليمين الأبيض المتطرف تعويق عملية الانتقال الديمقراطي، وتصاعدت موجات العنف العرقي والاقتتال الأهلي في المناطق الفقيرة. غير أن قيادة مانديلا الحكيمة وضبطه الفائق للنفس جنب البلاد كارثة المحرقة الأهلية، لا سيما عقب اغتيال القائد الشاب المحبوب كريس هاني عام 1993، حيث وجه مانديلا خطاباً تلفزيونياً مهدئاً للأمة جمعاء، امتص به غضب الجماهير وأجبر النظام على تحديد موعد فوري لإجراء أول انتخابات ديمقراطية الشاملة. وفي أبريل 1994، توجه ملايين المواطنين من كل الأعراق لأول مرة في تاريخ البلاد لصناديق الاقتراع، ليُنتخب نيلسون مانديلا بأغلبية ساحقة رئيساً لجمهورية جنوب أفريقيا.

في حفل تنصيبه التاريخي في برايتوريا، أعلن مانديلا ميلاد “أمة القوس قزح”، مؤكداً أن هذه الأرض الجميلة لن تشهد أبداً مرة أخرى تسلط إنسان على إنسان، ومجسداً الجدلية الهيجلية العميقة في أجلى صورها؛ حين مد يده للصلح مع جلاديه السالفين، مبرهناً أن الحرية الحقيقية تنطوي على تحرير الضحية من آلام المظلمة وتحرير الظالم في الوقت ذاته من أغلال خائفياته وجشعه العرقي. إن سيرة “مسيرة طويلة نحو الحرية” تخطت كونها مجرد مذكرات فردية، لتغدو وثيقة إنسانية وسياسية خالدة، تعيد كتابة مفهوم القوة والإمبراطورية، وتلهم أجيال المستقبل بأن نضال الشعوب من أجل الكرامة والحرية هو قانون تاريخي حتمي لا يمكن لأعتى القوى الاستعمارية خنقه أو إيقاف مسيرته.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى