أبرز المواضيعتحقيقات وتقارير

الخوف كآلة سياسية: كيف أعاد “البديل من أجل ألمانيا” هندسة المشهد الألماني؟

جذور الخوف وصناعة السياسة

يقف المشهد السياسي الأوروبي المعاصر على صفيح ساخن، تتجاذبه تيارات جيوسياسية وتحولات اجتماعية عميقة أفرزت ظواهر سياسية لم تكن مألوفة في التاريخ الحديث للقارة العجوز. وفي القلب من هذا المشهد، تبرز ألمانيا كقوة اقتصادية وسياسية كبرى، تواجه اليوم تحديات داخلية تعيد تشكيل هويتها السياسية التي استقرت لعقود. في هذا السياق الدقيق، يأتي كتاب “الخوف على ألمانيا: الحقيقة حول حزب البديل من أجل ألمانيا” للكاتبة والصحفية المخضرمة في مجلة “دير شبيغل”، ميلاني أمان، ليمثل وثيقة تحليلية نادرة وغوصاً استقصائياً عميقاً في أحشاء ظاهرة سياسية قلبت الموازين. إن هذا الكتاب ليس مجرد سرد لتاريخ حزب سياسي، بل هو تشريح دقيق لسيكولوجية الجماهير، وقراءة متأنية في كيفية تحول المشاعر الدفينة والمخاوف غير المعلنة إلى قوة سياسية منظمة قادرة على زلزلة أركان المؤسسات الديمقراطية العريقة.

تنطلق ميلاني أمان في مقاربتها الصحفية المحكمة من اعتراف مهني شجاع، يضفي على عملها مصداقية استثنائية. فهي تقر بأنها، كغيرها من المراقبين، قد أساءت تقدير قوة وحجم هذه الحركة في بداياتها. لقد كانت مسؤولة عن تغطية أخبار حزب “البديل من أجل ألمانيا” (AfD) منذ تأسيسه في الرابع عشر من أبريل عام 2013، وخلال تلك السنوات، وجدت نفسها تضطر مراراً لتصحيح توقعاتها وتعديل تحليلاتها. تعترف أمان بأنها أصيبت بما تسميه “عمى ترامب”، حيث كانت على يقين تام بأن حزباً يتبنى خطابات شعبوية إقصائية لا يمكن أن يحقق نجاحاً جماهيرياً واسعاً في ألمانيا الحديثة، لتكتشف لاحقاً أن تلك الحقبة من السياسة الألمانية المحافظة على هدوئها قد ولت إلى غير رجعة. هذا الاعتراف يمهد الطريق لقراءة موضوعية تتجاوز الأحكام المسبقة، وتسعى للفهم الحقيقي لدوافع ملايين الناخبين.

إن الأطروحة المركزية والعبقرية في تحليل أمان تكمن في تأكيدها على أن حزب البديل من أجل ألمانيا كان موجوداً وحاضراً بقوة قبل أن يتم الإعلان عن تأسيسه رسمياً. لم يكن الحزب في إرهاصاته الأولى كياناً مادياً أو هيكلاً تنظيمياً ملموساً، بل كان فكرة هائمة، وشعوراً عميقاً بالانزعاج وعدم الارتياح يتمدد بصمت في عقول وقلوب شريحة واسعة من الشعب الألماني. كان هذا الشعور يتلخص في قناعة متزايدة بأن هناك خللاً ما يضرب بجذوره في بنية الدولة والمجتمع؛ إحساس بأن الأجانب يرفضون الاندماج بينما يتحمل الألمان الأعباء، وأن هيبة الدولة تتراجع، والمدارس والجامعات تتدهور، في حين تفرض أقليات صاخبة هيمنتها على ثقافة الأغلبية الصامتة، بينما ينشغل السياسيون التقليديون بقضايا هامشية لا تمس العصب الحقيقي لمعاناة المواطنين.

للغوص في جذور هذا الشعور الجمعي، تأخذنا الكاتبة بأسلوبها المتدفق إلى قبو في منطقة شارلوتنبورغ-فيلمرسدورف في العاصمة برلين، وهو القبو الذي يضم أرشيف الكاتب والسياسي المثير للجدل تيلو ساراتسين. في هذا المكان البسيط، الذي لا يحوي سوى رفوف بيضاء من “إيكيا”، تقبع الوثائق التي تمثل المادة الخام التي تشكل منها حزب البديل لاحقاً. هناك، تحتفظ ملفات ساراتسين بردود الأفعال العارمة على مقابلته الشهيرة في مجلة “ليتر إنترناشيونال” في سبتمبر 2009، والتي أطلق فيها تصريحات نارية حول المهاجرين، أثارت عاصفة من الاستنكار الرسمي والشعبي في الأوساط النخبوية، وكادت أن تطيح بمستقبله المهني في البنك المركزي الألماني.

لكن المفاجأة التي تكشفها أمان هي حجم التأييد الشعبي الكاسح الذي تلقاه ساراتسين في الخفاء. آلاف الرسائل التي تدفقت عليه، والتي عبرت بوضوح عن شكر عميق وامتنان كبير لأنه تجرأ على قول “الحقيقة” التي كان الكثيرون يخشون البوح بها. لقد كانت كلماته بمثابة ضربة فأس حطمت جدار الصمت، ومنحت المواطنين العاديين شعوراً بالراحة لأن هناك من يعبر عن هواجسهم دون أن يُتهموا بالعنصرية أو الخوف المرضي. وعندما نشر كتابه الصادم “ألمانيا تلغي نفسها” في أغسطس 2010، تحول هذا التأييد إلى سيل عارم من الرسائل التي طالبت بتحرك سياسي فعلي. لقد تصرف ساراتسين كمن يضرب الأرض بعصا سحرية لتنفجر منها ينابيع من المشاعر السياسية الخام، التي كانت تنتظر من يقوم بتكريرها وتوظيفها.

وهنا تبرز الكاتبة تفصيلة بالغة الأهمية في علم النفس السياسي؛ وهي آلية “العقلنة” (Rationalization) التي اعتمدها ساراتسين، والتي استنسخها حزب البديل لاحقاً ببراعة فائقة. إن الخوف، بطبيعته، شعور غير عقلاني يجعل صاحبه يبدو ضعيفاً أو غير منطقي. لكن ما فعله ساراتسين هو تغليف هذا الخوف المظلم بغلاف من الأرقام والإحصائيات والتحليلات الديموغرافية والاقتصادية، ليتحول الخوف (Angst) إلى مجرد “قلق” أو “اهتمام” (Sorge) مشروع ومبرر. لقد استخدم الحقائق المجردة كغطاء لتمرير رسائل التخويف، تاركاً للجمهور استنتاج الخلاصات الراديكالية بأنفسهم. هذه المنهجية هي التي جعلت من أفكاره قابلة للاختراق والانتشار في الأوساط الأكاديمية والطبقات الوسطى التي لا تستهويها عادة الشعارات اليمينية الفجة.

في خضم هذا الغليان الشعبي الصامت، فشلت الأحزاب السياسية التقليدية في استيعاب هذه الشريحة، واكتفت بردود أفعال خجولة ومترددة لم ترقَ إلى مستوى المخاوف المتضخمة في الشارع. كما أن المحاولات المبكرة لتأسيس منصات سياسية تستغل هذا الغضب، مثل حزب “الحرية” الذي أسسه رينيه شتادتكيفيتس، باءت بالفشل الذريع، لأن “مصفاة التكرير” السياسية لم تكن قد اكتملت بعد، ولم تكن تمتلك الأدوات المناسبة لتحويل الغضب الشعبي إلى مقاعد برلمانية.

وهنا كانت اللحظة التاريخية الفاصلة في مارس 2013، عندما تواصل الخبير الاقتصادي بيرند لوكه مع ساراتسين ليعرض عليه الانضمام إلى مشروع سياسي جديد. ورغم رفض الأخير، إلا أن الحزب الوليد أخذ على عاتقه تبني ذات المنهجية، متحدثاً بلسان ساراتسين ومستخدماً نفس نبرته الهادئة التي تدعي التحدث بلغة الحقائق والأرقام المجردة، رافعاً شعار “الشجاعة لقول الحقيقة”. لقد أدرك المؤسسون الأوائل، أمثال لوكه وكونراد آدم، كيف يمزجون المخاوف الاقتصادية الناتجة عن أزمة اليورو والديون السيادية، بالمخاوف الثقافية والاجتماعية المتعلقة بالهجرة والاندماج، ليخلقوا وعاءً سياسياً قادراً على استيعاب كل الغاضبين والمحبطين من سياسات المستشارة أنجيلا ميركل.

ومع مرور الوقت، وكما ترصد أمان بدقة متناهية، بدأت القشرة العقلانية والاقتصادية الهادئة التي غلف بها الحزب نفسه تتشقق، لتخرج منها القيادات الأكثر تطرفاً وشعبوية. لقد تحولت المنهجية من تلميحات هادئة حول الإحصائيات إلى تصريحات صارخة ومباشرة تعزف على وتر الخوف الوجودي البحت. بدأت شخصيات مثل بياتريكس فون شتورش تدلي بتصريحات صادمة حول استخدام السلاح ضد اللاجئين على الحدود، وبدأ ألكسندر غاولاند يطالب بمنع دخول المسلمين على غرار تصريحات ترامب، بينما انطلق بيورن هوكه في تحذيراته المروعة من “الإبادة الثقافية للشعب الألماني”، مستحضراً مفردات قومية غارقة في التاريخ الألماني المظلم.

إن هذا التحول السريع والخطير لم يكن وليد الصدفة، بل كان نتيجة حتمية لطبيعة القاعدة الجماهيرية التي استقطبها الحزب، والتي وجدت في الأزمات المتلاحقة – بدءاً من أزمة اليورو وصولاً إلى أزمة تدفق مئات الآلاف من اللاجئين في خريف عام 2015 – أرضاً خصبة لتبرير مخاوفها وتأجيج مشاعر الغضب لديها. تشير أمان إلى أن الحزب تخلى تدريجياً عن لغة العقل والمنطق التي حاول المؤسسون الأوائل فرضها، وانحاز بشكل كامل إلى لغة المشاعر الجياشة، لأنه أدرك أن الخوف هو المحرك الأقوى والأكثر فعالية في حشد الجماهير في أوقات الأزمات الوجودية.

تنتقل الكاتبة ميلاني أمان، بعد تفكيكها  للجذور النفسية والاجتماعية التي مهدت لظهور حزب البديل من أجل ألمانيا، إلى تشريح البنية التكتيكية والهندسة السياسية التي اعتمدها الحزب لتحويل هذا الرصيد الهائل من الغضب والخوف المجتمعي إلى آلة انتخابية شديدة الفعالية. في هذا السياق، تبرز أطروحة بالغة الأهمية في الكتاب، وهي أن الحزب لم يكتفِ بكونه وعاءً سلبياً لاستقبال الإحباطات الشعبية، بل تحول بمرور الوقت إلى صانع نشط للأزمات، ومحفز مستمر لحالة الاستقطاب الحاد في المجتمع الألماني. إن الانتقال من مرحلة التذمر الصامت في أقبية الطبقة الوسطى إلى مرحلة الصدام المفتوح تحت قبة البوندستاغ (البرلمان الألماني)، تطلب استراتيجية إعلامية وخطابية غير تقليدية، استراتيجية تعتمد على قلب الطاولة على المؤسسات الديمقراطية واستخدام أدوات النظام ضده.

تغوص أمان بعمق في ما يمكن تسميته بـ “فخ الاستفزاز الممنهج”، وهو التكتيك الأبرز الذي استنسخه قادة حزب البديل ببراعة من الحركات الشعبوية العالمية، وطوعوه ليناسب التعقيدات التاريخية والثقافية للبيئة الألمانية. يقوم هذا التكتيك على ديناميكية ثلاثية الأبعاد: تبدأ بإطلاق تصريح سياسي أو ثقافي صادم يتعمد كسر التابوهات المستقرة في ألمانيا ما بعد الحرب العالمية الثانية، كأن يتم التقليل من فظائع الحقبة النازية، أو استخدام مصطلحات عرقية عفا عليها الزمن لوصف المهاجرين. الخطوة الثانية هي انتظار الانفجار الحتمي في وسائل الإعلام التقليدية وردود الأفعال المنددة من الأحزاب الرئيسية والمؤسسات الثقافية، وهو ما يضمن للحزب تغطية إعلامية مجانية واحتكاراً لدورة الأخبار لعدة أيام. أما الخطوة الثالثة والأهم، فتتمثل في التراجع التكتيكي المدروس؛ حيث يخرج المتحدث باسم الحزب ليدعي أن التصريح أُخرج من سياقه، أو أنه كان مجرد زلة لسان، مستغلاً هذا الهجوم لترسيخ سردية “المظلومية”، وإقناع قواعده الشعبية بأن هناك مؤامرة من “النخبة الفاسدة” و”الإعلام الكاذب” لإسكات الصوت الوحيد المعبر عن الحقيقة.

من خلال هذا التكرار المنهجي لكسر المحرمات اللفظية، نجح الحزب في تطبيق نظرية “نافذة أوفرتون” السياسية بدقة متناهية، حيث عمل على توسيع نطاق ما هو مقبول ومسموح بقوله في المجال العام الألماني. لقد أدرك منظرو الحزب أن الكلمات هي الطلقات الأولى في أي حرب ثقافية، وأن تغيير القاموس السياسي سيؤدي حتماً إلى تغيير الخيارات السياسية للناخبين. وتوضح أمان كيف أن مصطلحات كانت تُعتبر حتى وقت قريب حكراً على اليمين المتطرف المنبوذ، بدأت تتسلل تدريجياً إلى النقاشات اليومية للمواطنين العاديين، بل وفرضت على الأحزاب المحافظة التقليدية، مثل الحزب المسيحي الديمقراطي، تعديل خطابها واستعارة بعض مفردات حزب البديل في محاولة يائسة لوقف نزيف الناخبين. هذا الانزياح الدلالي والسياسي نحو اليمين هو التاثير الأعمق والأخطر للحزب، فهو لم يغير فقط موازين القوى في البرلمان، بل أعاد تشكيل الوعي الجمعي ورسم حدوداً جديدة للهوية الوطنية الألمانية.

وتنتقل الكاتبة لتقدم قراءة تشريحية للديناميكيات الداخلية التي تحكم تنظيم حزب البديل، مبرزة التناقض الصارخ بين صورته الخارجية ككتلة صلبة تتحدى النظام، وحقيقته الداخلية كساحة معارك طاحنة تغلب عليها الانشقاقات والتصفيات السياسية القاسية. وخلافاً للأحزاب التقليدية التي تميل نحو الوسطية والاعتدال كلما اقتربت من السلطة أو كبر حجمها، تثبت أمان أن حزب البديل يخضع لقانون التطور العكسي؛ حيث يُعتبر التطرف والراديكالية هما العملة الوحيدة الرابحة في صراعاته الداخلية. إن عملية “أكل الأبناء” داخل الحزب لم تكن مجرد حوادث عابرة، بل هي آلية بنيوية لضمان بقاء الحزب في أقصى درجات الغليان.

تستعرض الكاتبة بالتفصيل الدرامي كيف تم الانقلاب على الجيل المؤسس؛ حيث تم طرد الخبير الاقتصادي وأستاذ الاقتصاد الكلي بيرند لوكه، الذي أسس الحزب على أرضية رفض العملة الأوروبية الموحدة (اليورو) والمطالبة بإصلاحات اقتصادية هيكلية صارمة. لقد أدرك التيار القومي داخل الحزب أن الحديث الجاف عن السياسة النقدية ومعدلات التضخم والديون السيادية لا يمتلك الزخم العاطفي الكافي لحشد الجماهير بشكل دائم. لذلك، تم إقصاء لوكه بوحشية سياسية لصالح فراوكه بيتري، التي وجهت دفة الحزب نحو صراع الهوية وقضايا الهجرة واللجوء. ومع ذلك، لم تنجُ بيتري نفسها من هذه المقصلة الداخلية؛ فعندما حاولت لاحقاً وضع خطوط حمراء تنظيمية للحد من تنامي النفوذ النازي الجديد داخل صفوف الحزب وتقديم وجه أكثر اعتدالاً يمهد للمشاركة في الحكومات الائتلافية، تم عزلها وتهميشها لصالح تيار “الجناح” (Der Flügel) الأكثر تطرفاً بقيادة بيورن هوكه، الذي لا يتورع عن استدعاء الخطاب القومي العرقي بشكل سافر.

هذا الانزياح المستمر نحو أقصى اليمين يعكس فهماً عميقاً لطبيعة الجمهور الذي يستهدفه الحزب. تشير أمان إلى أن قيادات الحزب تدرك تماماً أن قاعدتها الانتخابية الصلبة لا تبحث عن حلول براغماتية معقدة للمشكلات الجيوسياسية والاقتصادية التي تواجهها ألمانيا، بل تبحث في المقام الأول عن “التنفيس العاطفي” وعن كبش فداء واضح وبسيط يمكن تحميله مسؤولية التغيرات العاصفة في العالم المعاصر. لقد نجح الحزب في خلق عالم ثنائي الأبعاد، يقسم المجتمع بحدة إلى معسكرين لا يتلاقيان: معسكر “الشعب” الأصيل والمضطهد الذي يمتلك الفطرة السليمة، ومعسكر “النخب” الحضرية المعولمة التي تسيطر على المؤسسات وتسعى لتدمير الهوية الثقافية للدولة الوطنية لصالح مشاريع أممية غامضة.

إن هذه الهندسة الاجتماعية التي يمارسها الحزب تعتمد بشكل مكثف على استغلال الشعور بالاغتراب الاقتصادي والثقافي، خاصة في ولايات ألمانيا الشرقية سابقاً، حيث لا تزال ندوب التوحيد الألماني والتحولات الاقتصادية القاسية حاضرة في الذاكرة الحية. هناك، حيث تتراجع الصناعات التقليدية وتفرغ المدن من شبابها، يبدو خطاب الحزب الذي يمجد الماضي ويوفر إجابات قاطعة حول المذنبين (المهاجرين، الاتحاد الأوروبي، النخب السياسية)، أكثر جاذبية من أي برامج تنموية معقدة تطرحها الأحزاب التقليدية. لقد تحول حزب البديل من مجرد حزب سياسي إلى ملاذ نفسي لشريحة واسعة تشعر بأن قطار العولمة قد تجاوزها، وأن هويتها ومكانتها الاجتماعية مهددة بالزوال في خضم نظام دولي مضطرب وسلاسل توريد عالمية تفرض تحولات قسرية على نمط حياتهم.

بذلك، تقدم ميلاني أمان في هذا الجزء من تحليلها تحذيراً منهجياً من خطورة التبسيط المخل لظاهرة صعود اليمين الشعبوي. فالأمر لم يعد يقتصر على مجموعة من الناقمين الذين يمكن استيعابهم ببعض الوعود الاقتصادية، بل نحن أمام مشروع سياسي متكامل يمتلك رؤية مغايرة لطبيعة الدولة، ويستخدم تكتيكات مدروسة لتفكيك الإجماع الديمقراطي من الداخل، مستفيداً من كل أزمة أو هزة جيوسياسية لتعزيز سرديته.

تتجاوز القراءة التحليلية  التي تقدمها ميلاني أمان في كتابها حدود التكتيكات الانتخابية والصراعات الداخلية، لتغوص في البنية التحتية المعلوماتية والأسس الأيديولوجية التي يعتمد عليها حزب البديل من أجل ألمانيا لترسيخ وجوده كقوة مضادة للنظام القائم. في هذا الجزء من التحليل، تتكشف لنا ملامح استراتيجية بالغة الدهاء والخطورة، لا تهدف فقط إلى الفوز بأصوات الناخبين، بل تسعى إلى إعادة هندسة الإدراك العام وتفكيك المرجعيات المعرفية والإعلامية التي استقرت عليها الديمقراطية الألمانية لعقود طويلة، وصولاً إلى طرح رؤية جيوسياسية بديلة تتحدى الهيكل التقليدي للتحالفات الغربية.

تنطلق أمان، انطلاقاً من موقعها كصحفية ، في تشريح العلاقة الصدامية المعقدة بين الحزب ووسائل الإعلام التقليدية، مبينة أن هجوم الحزب على الصحافة لم يكن مجرد رد فعل غاضب على التغطيات النقدية، بل هو حجر الزاوية في مشروعه السياسي. لقد أعاد الحزب إحياء مصطلح “صحافة الكذب” (Lügenpresse)، وهو مصطلح يحمل حمولة تاريخية ثقيلة من حقبة الثلاثينيات، ليستخدمه كأداة قوية لنزع الشرعية عن السلطة الرابعة. الهدف الاستراتيجي هنا ليس تحسين صورة الحزب في الإعلام السائد، بل ضرب مصداقية هذا الإعلام بالكامل، وتحويله في نظر القاعدة الجماهيرية للحزب إلى مجرد ذراع دعائية تابعة لـ “النخب الفاسدة” التي تسعى لتغييب وعي الجماهير.

من خلال هذا التشكيك الممنهج، نجح الحزب في عزل مؤيديه في “غرف صدى” رقمية محكمة الإغلاق. وتشرح أمان كيف استثمر الحزب بذكاء منقطع النظير في خوارزميات وسائل التواصل الاجتماعي والمنصات البديلة لإنشاء واقع موازٍ، حيث يتم تغذية المخاوف بشكل يومي ومكثف بعيداً عن أي تدقيق أو تقصي للحقائق من قبل المؤسسات الصحفية المستقلة. في هذا العالم الرقمي الموازي، تتحول الحوادث الفردية إلى أزمات وطنية كبرى، وتُصاغ نظريات المؤامرة ببراعة لتبدو كتحليلات سياسية رصينة. إن هذه الاستراتيجية الإعلامية تخلق حالة من “الاستقطاب المعرفي”، حيث لم يعد المجتمع الألماني منقسماً حول الآراء السياسية فحسب، بل أصبح منقسماً حول “الحقائق” الأساسية نفسها، مما يجعل أي حوار عقلاني بين المعسكرات السياسية المختلفة أمراً شبه مستحيل.

وبموازاة هذه الحرب المعلوماتية، تنتقل الكاتبة لترصد كيف أن حزب البديل لم يعد مجرد ظاهرة احتجاجية محلية، بل طور رؤية جيوسياسية متكاملة تتناقض بشكل جذري مع ثوابت السياسة الخارجية الألمانية منذ نهاية الحرب العالمية الثانية. ففي الوقت الذي قامت فيه هوية ألمانيا الغربية، ولاحقاً ألمانيا الموحدة، على الاندماج العميق في التحالف الأطلسي، والاعتماد على المظلة الأمنية الأمريكية، والالتزام الصارم بالنظام الدولي الليبرالي، يطرح الحزب مقاربة تفكيكية لهذا النظام. وتوضح أمان كيف تلعب قيادات الحزب على وتر السيادة الوطنية، معتبرين أن الارتهان للهيمنة الأطلسية والولايات المتحدة يضر بالمصالح الاستراتيجية العليا لألمانيا، خاصة في ظل التحولات الكبرى التي يشهدها هيكل القوة العالمية وتصاعد حدة التنافس الاستراتيجي الدولي.

يتجلى هذا التوجه الجيوسياسي بوضوح في الموقف الجدلي للحزب من روسيا، وهو ما تخصصه الكاتبة بمساحات تحليلية واسعة. فرغم الانتهاكات الروسية المتكررة للقانون الدولي، يتبنى تيار واسع داخل حزب البديل خطاباً متعاطفاً مع موسكو، مطالباً برفع العقوبات الاقتصادية وإعادة الدفء للعلاقات الثنائية. هذا الموقف لا ينبع فقط من حسابات براغماتية تتعلق بأمن الطاقة الألماني وسلاسل التوريد، بل يستند أيضاً إلى تقارب أيديولوجي عميق؛ حيث يُنظر إلى روسيا البوتينية، في أدبيات اليمين الجديد التي يتكئ عليها الحزب، كحصن أخير للقيم المحافظة التقليدية، ونموذج للدولة الوطنية القوية القادرة على مقاومة موجات العولمة الثقافية والتمدد الليبرالي الغربي. إن هذا الانزياح الجيوسياسي نحو الشرق الأوراسي يمثل تحدياً هيكلياً جسيماً للسياسة الخارجية الألمانية، ويغازل مشاعر قطاعات واسعة، خاصة في شرق ألمانيا، التي لا تزال تحتفظ بذاكرة تاريخية ونظرة أقل عدائية تجاه موسكو مقارنة بالنخب في بون وبرلين.

وتمتد تداعيات هذا الصعود السريع لحزب البديل لتضرب في صميم البنية الهيكلية للنظام الحزبي الألماني، محدثة حالة من الشلل المؤسسي والارتباك الديمقراطي. ترصد أمان كيف أن قاعدة “الجدار العازل” (Brandmauer) التي تبنتها الأحزاب التقليدية – والتي تنص على الرفض القاطع لأي شكل من أشكال التحالف أو التعاون مع حزب البديل على كافة المستويات التشريعية والتنفيذية – قد أدت إلى نتائج عكسية وغير مقصودة. فمع استمرار حصول الحزب على نسب تصويت تقارب أو تتجاوز العشرين بالمائة في بعض الولايات، تجد الأحزاب التقليدية (كالمسيحيين الديمقراطيين والاشتراكيين الديمقراطيين والخضر) نفسها مضطرة لتشكيل “ائتلافات كبرى” أو تحالفات هجينة تضم أطيافاً أيديولوجية متنافرة لمجرد إبقاء حزب البديل خارج السلطة.

هذه التحالفات القسرية، كما تشرح الكاتبة ببراعة، تؤدي إلى بهتان الهويات السياسية للأحزاب التقليدية، وتجبرها على تقديم تنازلات مؤلمة تميع برامجها الأصلية وتجعل سياساتها تبدو وكأنها مجرد استمرار لنهج إداري تكنوقراطي باهت لا يقدم حلولاً حقيقية. وفي مفارقة سياسية مريرة، يقدم هذا الشلل المؤسسي لحزب البديل أقوى حججه الانتخابية على طبق من ذهب؛ حيث يستخدم الحزب هذه الائتلافات الهجينة كدليل قاطع على صحة سرديته بأن جميع الأحزاب التقليدية هي مجرد واجهات لـ “كارتل سياسي” واحد، وأنها لا تختلف عن بعضها البعض، وأن البديل الحقيقي الوحيد المتاح أمام الناخب هو التصويت للحزب الذي يقف منبوذاً خارج هذا الإجماع النخبوي.

ولا تتوقف الكاتبة عند هذا الحد، بل تعمق التحليل بربط حزب البديل بما يُعرف بـ “اليمين الجديد” (Neue Rechte) في ألمانيا، مبينة أن الحزب ليس كياناً معزولاً، بل هو الواجهة البرلمانية والذراع السياسية لشبكة معقدة وواسعة من مراكز الفكر، ودور النشر، والمنظمات الطلابية، والمجلات الفكرية، مثل معهد سياسة الدولة (Institut für Staatspolitik) الذي أسسه غوتس كوبيتشيك. هذه البنية التحتية الفكرية هي التي تمد الحزب بالكوادر، وتصيغ له المفاهيم الفلسفية، وتعمل على هندسة “ثورة محافظة” طويلة الأمد لا تسعى فقط للفوز في الانتخابات القادمة، بل تستهدف تحقيق الهيمنة الثقافية وتغيير روح الأمة الألمانية من جذورها، متأثرة بتنظيرات المفكرين المحافظين من حقبة جمهورية فايمار.

إن هذه القراءة البانورامية التي تقدمها ميلاني أمان تضعنا أمام استنتاج مرعب؛ وهو أن حزب البديل من أجل ألمانيا قد نجح في خلق بيئة سياسية ومعرفية مكتفية ذاتياً، ومحصنة ضد أي انتقادات عقلانية أو تفنيد للحقائق من خارجها. لقد تحول الحزب إلى ثقب أسود سياسي يمتص طاقة الغضب المجتمعي ويعيد توجيهها لتفكيك الأسس التي قام عليها النظام الجمهوري الديمقراطي، مستغلاً في ذلك التناقضات الهيكلية للنظام العالمي الجديد ومشاعر التيه التي تعاني منها المجتمعات الغربية في عصر التحولات الكبرى.

تنتقل الكاتبة ميلاني أمان في مقاربتها التشريحية، بعد أن فككت البنية الأيديولوجية والهندسة المعلوماتية لحزب البديل من أجل ألمانيا، إلى الغوص في الأعماق السوسيولوجية والتركيبة الديموغرافية والاقتصادية التي تشكل القاعدة الصلبة لهذا التنظيم السياسي. في هذا المستوى من التحليل، تتصدى الكاتبة ببراعة لتفكيك واحدة من أكثر السرديات تبسيطاً وتضليلاً في القراءة السياسية المعاصرة؛ وهي السردية التي تحاول اختزال ناخبي اليمين الشعبوي في شريحة “الخاسرين من العولمة” أو الطبقات المعدمة والجاهلة التي تعاني من البطالة والفقر المدقع. من خلال الاستناد إلى بيانات استقصائية دقيقة ومقابلات ميدانية، تثبت أمان أن هذه النظرة الفوقية التي تتبناها النخب الليبرالية التقليدية لا تفسر سوى جزء يسير من الظاهرة، بل وتساهم في تعميق الفجوة بين المؤسسات الحاكمة والواقع الاجتماعي المعقد الذي أفرز حزب البديل.

تطرح أمان مفهوماً بالغ الأهمية في علم الاجتماع السياسي لتفسير جاذبية الحزب، وهو مفهوم “قلق المكانة” (Statusangst). وتؤكد أن المحرك الأساسي لملايين الناخبين الألمان الذين تحولوا نحو اليمين المتطرف ليس الغضب الناتج عن الحرمان المادي المباشر، بل هو الخوف العميق والمستمر من الانحدار الاجتماعي وفقدان المكتسبات. إن العمود الفقري لحزب البديل يتشكل في الواقع من أبناء الطبقة الوسطى، من الحرفيين، وأصحاب الأعمال الصغيرة، والموظفين الذين يمتلكون وظائف مستقرة نسبياً ودخلاً معقولاً، لكنهم يعيشون حالة من الهلع النفسي من المستقبل. هؤلاء يشعرون بأن شبكة الأمان الاجتماعي التي ميزت نموذج “اقتصاد السوق الاجتماعي” الألماني لعقود قد بدأت تتآكل، وأن جهودهم المضنية للحفاظ على مستواهم المعيشي مهددة بالضياع في ظل تقلبات الاقتصاد العالمي، وموجات التضخم، والتحولات التكنولوجية الكاسحة التي قد تجعل مهاراتهم زائدة عن الحاجة. هذا القلق الوجودي المتعلق بالمكانة يخلق حالة من الترقب العدائي تجاه أي تغيير، ويجعل من هؤلاء الأفراد فريسة سهلة لخطاب سياسي يَعِدُ بتجميد الزمن وإعادة عقارب الساعة إلى حقبة متخيلة من الاستقرار والرخاء الحصري.

وفي قلب هذا الخوف الطبقي، تبرز استراتيجية اقتصادية واجتماعية خبيثة تبناها حزب البديل بنجاح فائق، وتُعرف أكاديمياً بـ “شوفينية الرفاه” (Welfare Chauvinism). تشرح أمان كيف تمكن الحزب من حل التناقض الجذري بين جذوره النيوليبرالية الرأسمالية التي أسسها بيرند لوكه، وبين حاجته لجذب أصوات الطبقة العاملة والشرائح الأقل دخلاً. لقد تم ذلك من خلال إعادة صياغة مفهوم “دولة الرفاهية”؛ فبدلاً من تقديم برامج اشتراكية أو سياسات إعادة توزيع جذرية للثروة، قام الحزب بالترويج لفكرة أن المشكلة لا تكمن في بنية النظام الرأسمالي ذاته، بل في أن موارد الدولة الألمانية تُستنزف من قبل “الغرباء”. من خلال هذه السردية، يتم تصوير المهاجرين واللاجئين ليس فقط كتهديد ثقافي أو ديموغرافي، بل كطفيليات اقتصادية تقتات على أموال دافعي الضرائب الألمان وتنافسهم على الموارد المحدودة من سكن شعبي، ورعاية صحية، ومعاشات تقاعدية. إن شوفينية الرفاه تحول التضامن الاجتماعي من قيمة إنسانية شاملة إلى امتياز قومي حصري، وتمنح الناخب الخائف شعوراً زائفاً بالأمان من خلال وعده بطرد المنافسين الأجانب من طابور الانتظار الطويل للحصول على الخدمات الحكومية.

وتفرد الكاتبة مساحة تحليلية واسعة ومكثفة لخصوصية التجربة التاريخية في ألمانيا الشرقية سابقاً، معتبرة إياها المختبر السياسي الأهم والأكثر تعقيداً لحزب البديل. إن فهم الصعود الكاسح للحزب في ولايات مثل ساكسونيا وتورينغن وبراندنبورغ يستحيل دون النبش في الذاكرة الجمعية المؤلمة لانهيار جدار برلين وتداعيات إعادة التوحيد الألمانية (Die Wende). توضح أمان أن الملايين من مواطني ألمانيا الشرقية لا يزالون يعانون من صدمة حضارية واقتصادية عميقة؛ فقد شهدوا في التسعينيات انهيار قطاعاتهم الصناعية، وتفكيك شركاتهم الوطنية عبر مؤسسة “الترويحاند”، وفقدانهم لمكانتهم الاجتماعية وقيمتهم المهنية في نظام رأسمالي غربي فُرض عليهم منتصراً. هذا الشعور المتجذر بكونهم “مواطنين من الدرجة الثانية” يتعرضون للوصاية والازدراء من قبل النخب السياسية والإعلامية المتمركزة في الغرب، خلق جرحاً نرجسياً مفتوحاً.

وقد تجلى الدهاء السياسي لحزب البديل في استغلاله لهذا الجرح التاريخي بطريقة غير مسبوقة. ترصد الكاتبة كيف قام الحزب باختطاف الإرث الأخلاقي والسياسي للثورة السلمية التي أسقطت النظام الشيوعي عام 1989، مستخدماً نفس الشعارات التاريخية، وعلى رأسها الشعار الأيقوني “نحن الشعب” (Wir sind das Volk). لقد أقنع الحزب قواعده في الشرق بأن الديكتاتورية لم تنتهِ، بل استبدلت فقط من ديكتاتورية الحزب الشيوعي في برلين الشرقية إلى ديكتاتورية “النخب الليبرالية والصوابية السياسية” في برلين الموحدة. من خلال هذا التماهي السيكولوجي، يقدم الحزب تصويتاً انتقامياً يتيح للمواطن الشرقي توجيه صفعة مدوية للنظام الغربي الذي خذله، ويحول عملية الاقتراع من فعل سياسي لاختيار ممثلين إلى فعل تمرد وجودي لاستعادة الكرامة المهدورة.

إلى جانب هذا البعد الجغرافي والتاريخي، لا تغفل أمان البعد الديموغرافي والجندري البالغ الأهمية في تركيبة الحزب. تشير الإحصائيات التي تحللها الكاتبة إلى أن حزب البديل هو مشروع سياسي يغلب عليه الطابع الذكوري بشكل ساحق، سواء في قياداته، أو أعضائه، أو ناخبيه. إن هذا الخلل الديموغرافي ليس صدفة، بل هو انعكاس لرد فعل عكسي عميق ضد التحولات الاجتماعية السريعة التي شهدتها ألمانيا في العقود الأخيرة، بما في ذلك تزايد نفوذ الحركات النسوية، وتغيير الهياكل الأسرية التقليدية، وبروز سياسات الهوية الجندرية. يقدم الحزب ملاذاً نفسياً وأيديولوجياً للرجال الذين يشعرون بأن سلطتهم الأبوية التقليدية ومكانتهم كمعيلين مهيمنين في المجتمع تتعرض للتفكيك الممنهج. من خلال الترويج لنموذج الأسرة التقليدية البحتة، ورفض سياسات الإدماج الجندري، يعزف الحزب على وتر “الرجولة المهددة”، مقدماً وعوداً متخيلة باستعادة النظام الاجتماعي القديم حيث كانت الأدوار محددة بصرامة، وهو ما يفسر جاذبيته العالية في أوساط الرجال في المناطق الريفية وشبه الحضرية التي تشهد هجرة واسعة للإناث نحو المدن الكبرى بحثاً عن التعليم والفرص الوظيفية الأفضل.

أخيراً، وفي سياق نقد النخب الحاكمة، تضع أمان جزءاً كبيراً من المسؤولية عن صعود حزب البديل على عاتق “أزمة الوسط الليبرالي” نفسها، وتحديداً خلال حقبة المستشارة أنجيلا ميركل. لقد تميزت تلك الحقبة بتقارب أيديولوجي شديد بين أكبر حزبين في ألمانيا، الحزب المسيحي الديمقراطي والحزب الاشتراكي الديمقراطي، مما أدى إلى غياب الاختلافات الجوهرية في السياسات العامة. وتستخدم الكاتبة مصطلح “لا بديل له” (Alternativlos) الذي كانت ميركل تردده لتبرير سياساتها في أزمة اليورو، لتوضح كيف أن هذه التكنوقراطية الجافة التي تدعي امتلاك الحقيقة المطلقة وتلغي مساحة النقاش والخلاف السياسي الطبيعي، هي التي خلقت الفراغ الهائل الذي ملأه حزب البديل. عندما يتحول العمل السياسي إلى مجرد إدارة إدارية خالية من الشغف والبدائل الأيديولوجية الواضحة، فإن الجماهير التي تبحث عن انتماءات وهوية واضحة ستلجأ حتماً إلى القوى الراديكالية التي تتقن لغة المشاعر وتقدم أجوبة حاسمة، ولو كانت مضللة، على أسئلة الهوية والوجود المعقدة.

تنتقل ميلاني أمان في هذا المفصل  من كتابها للغوص في واحدة من أخطر الديناميكيات التي أسهمت في تحول حزب البديل من أجل ألمانيا من مجرد ظاهرة برلمانية محدودة إلى حركة جماهيرية كاسحة؛ ألا وهي عملية التلاحم العضوي بين الهياكل الحزبية المؤسسية وبين حركات الاحتجاج الراديكالية في الشارع. في بدايات التأسيس، حرصت القيادة الأولى للحزب، المكونة في أغلبها من أساتذة اقتصاد ومحامين وأكاديميين، على إبقاء مسافة أمان صحية بينهم وبين التجمعات الغاضبة التي بدأت تملأ الساحات، وفي مقدمتها حركة “بيغيدا” (أوروبيون وطنيون ضد أسلمة الغرب) التي انطلقت من مدينة دريسدن. كانت النخبة المؤسسة تخشى من أن يؤدي الارتباط بهذه الحشود، التي تفتقر إلى الانضباط السياسي وتستخدم لغة فجة ومباشرة، إلى تلطيخ الصورة “البرجوازية” المحترمة التي يحاول الحزب رسمها لنفسه كبديل محافظ ورصين للأحزاب التقليدية.

لكن أمان ترصد بدقة متناهية كيف ذابت هذه التحفظات تدريجياً تحت وطأة البراغماتية السياسية وتغير موازين القوى الداخلية. لقد أدرك التيار القومي المتصاعد داخل الحزب أن البدلات الأنيقة والمناظرات التلفزيونية الهادئة لا تكفي وحدها لصناعة ثورة سياسية، وأن الحزب بحاجة ماسة إلى الوقود العاطفي الخام، وإلى الحشود البشرية التي توفرها حركات الشارع. وهكذا، بدأت عملية اندماج استراتيجي مرعبة؛ حيث وفرت حركات الشارع مثل بيغيدا للحزب الزخم الجماهيري، وحالة الغضب العارم، والمساحة الحرة لاختبار الشعارات الأكثر تطرفاً دون تحمل مسؤولية تنظيمية مباشرة، بينما وفر الحزب لهذه الحركات الغطاء السياسي، والشرعية البرلمانية، والمنابر الرسمية التي تنقل أصواتهم من الساحات المفتوحة إلى قاعات البوندستاغ. هذا التخادم المتبادل أدى إلى محو الحدود الفاصلة بين المعارضة البرلمانية المشروعة وبين التحريض غير الديمقراطي خارج أسوار المؤسسات، مما خلق كياناً هجيناً يعمل بيد داخل النظام التشريعي ويد أخرى تضرب استقرار النظام من الشارع.

وفي سياق تفكيكها لهذا التحول الراديكالي، تسلط الكاتبة الضوء على آلية بالغة الخطورة تُعرف بـ “تكتيك السلامي” (Salami-Taktik) في تمرير التطرف داخل أروقة الحزب. لم يحدث الانقلاب الأيديولوجي دفعة واحدة، بل تم بشكل تدريجي ومدروس؛ شريحة تلو الأخرى. وتتوقف أمان طويلاً عند الظاهرة التي مثلها تيار “الجناح” (Der Flügel) بقيادة بيورن هوكه، وكيف تمكن هذا الفصيل، الذي بدأ كأقلية متطرفة داخل الحزب، من ابتلاع الكيان بأسره. اعتمد هوكه ومجموعته على استراتيجية الاستفزاز المستمر لاختبار مدى تحمل النظام المناعي للحزب وللمجتمع الألماني ككل. في كل مرة كان يطلق فيها تصريحاً يحمل نبرة قومية عرقية (Völkisch) تستدعي أحلك حقب التاريخ الألماني، كانت القيادات “المعتدلة” داخل الحزب تعتقد أنها قادرة على احتوائه وتوظيف شعبيته في الشرق لصالحها، متوهمة أنها تستطيع ترويض هذا التطرف والسيطرة عليه.

تصف أمان هذا الوهم بأنه الخطيئة القاتلة التي ارتكبها قادة مثل فراوكه بيتري ولاحقاً يورغ مويتن. لقد كرروا نفس الخطأ التاريخي القاتل الذي ارتكبته النخب المحافظة في جمهورية فايمار خلال الثلاثينيات، عندما اعتقدوا أن بإمكانهم استخدام اليمين المتطرف كأداة مرحلية ثم التخلص منه. النتيجة الحتمية كانت العكس تماماً؛ ففي كل صراع داخلي، كان التيار الأكثر راديكالية هو الذي ينتصر، لأنه يمتلك السردية الأكثر تماسكاً والأكثر قدرة على دغدغة المشاعر البدائية للقاعدة الانتخابية. انتهى المطاف بتيار “الجناح”، حتى بعد إعلان حله صورياً، إلى أن يصبح هو التيار السائد والروح الحقيقية للحزب، محولاً إياه من حزب محافظ متشكك في أوروبا إلى حزب يميني قومي راديكالي بامتياز.

وتنتقل أمان من الديناميكية الحزبية الداخلية لتطرح الإشكالية الكبرى التي يمثلها حزب البديل أمام بنية الدولة الألمانية ومؤسساتها، وتحديداً التحدي الموجه لمفهوم “الديمقراطية المحصنة” (Streitbare Demokratie). لقد صُمم الدستور الألماني بعد الحرب العالمية الثانية ليكون قادراً على الدفاع عن نفسه ضد أي قوى تسعى لتدميره من الداخل، وتم تأسيس “المكتب الاتحادي لحماية الدستور” (الاستخبارات الداخلية) ليكون كلب الحراسة الذي يرصد التحركات المناهضة للديمقراطية. لكن حزب البديل، بذكائه التكتيكي، وضع هذا الجهاز والدولة بأكملها في مأزق دستوري وسياسي غير مسبوق. كيف يمكن للديمقراطية أن تراقب وتصنف حزباً معارضاً يمتلك عشرات المقاعد في البرلمانات الإقليمية والاتحادية ويمثل ملايين الناخبين؟

تشرح الكاتبة كيف استغل الحزب هذا التوتر لصالحه ببراعة. فكل خطوة تتخذها أجهزة الدولة لمراقبته أو تصنيف بعض أجنحته كـ “حالات اشتباه بالتطرف اليميني”، يستخدمها الحزب كذخيرة حية في سردية المظلومية السياسية. يصور الحزب نفسه أمام قواعده كضحية لجهاز أمني مسيس (يصفه بعض قادة الحزب بأنه يشبه جهاز شتازي في ألمانيا الشرقية سابقاً)، يعمل بأوامر من الأحزاب الحاكمة لإقصاء المعارضة الوحيدة الحقيقية. هذا الخطاب لا يقتصر على تحصين الحزب ضد الانتقادات، بل يؤدي إلى نتيجة أشد فداحة: نزع الشرعية عن مؤسسات الدولة نفسها في نظر شريحة واسعة من المواطنين، وتحويل أجهزة إنفاذ القانون وحماية الدستور من حكام محايدين إلى أطراف في الصراع السياسي، مما يعمق أزمة الثقة في النظام الجمهوري ككل.

ولا يكتمل هذا التشريح المؤسسي دون التوقف عند الجناح الشبابي للحزب، “البديل الشاب” (Junge Alternative). تعتبر أمان هذا الجناح ليس مجرد منظمة تابعة، بل هو مختبر الراديكالية ومفرخة القيادات المستقبلية التي ستضمن بقاء الحزب في أقصى اليمين لعقود قادمة. ما يميز هذا التنظيم الشبابي هو تبنيه العميق لمفاهيم ما يُعرف بـ “حركة الهوية” (Identitäre Bewegung)، وهي حركة فاشية جديدة ترتدي ثوباً عصرياً. بدلاً من الحديث الفج عن التفوق البيولوجي والعرقي الذي عفى عليه الزمن، يستخدم هؤلاء الشباب مفاهيم أكثر نعومة وخطورة مثل “التعددية العرقية” (Ethnopluralismus). إنهم يجادلون، بأسلوب شبه أكاديمي، بأن لكل ثقافة وعرق الحق في البقاء، ولكن بشرط ألا تختلط الثقافات، وأن تظل كل مجموعة في نطاقها الجغرافي “الطبيعي” للحفاظ على نقائها من “الاستبدال العظيم”. توفر هذه الفلسفة غطاءً تنظيرياً بالغ التطور للعنصرية ورهاب الأجانب، مما يجعلها جذابة للغاية في أوساط الطلاب الجامعيين والشباب الذين يرفضون المظهر التقليدي لحليقي الرؤوس، مفضلين بدلاً من ذلك ممارسة تطرفهم بأسلوب أنيق ولغة حديثة.

وتختتم الكاتبة هذا المحور بتحذير شديد اللهجة من مغبة النظر إلى حزب البديل كظاهرة محلية ألمانية معزولة. إن الحزب يمثل حلقة قوية في سلسلة عابرة للحدود من الحركات الشعبوية الأوروبية والعالمية. وفي مفارقة تبدو للوهلة الأولى صارخة، تتعاون هذه الأحزاب القومية المتطرفة، التي ترفع شعار “أمتي أولاً”، بشكل وثيق مع نظيراتها في فرنسا وإيطاليا والمجر لتشكيل ما يشبه “أمَمية قومية”. هدف هذا التحالف العابر للحدود هو تفكيك الاتحاد الأوروبي من الداخل، وإسقاط المنظومة الليبرالية العالمية التي أرست قواعد ما بعد الحرب، مستفيدين من تبادل التكتيكات الانتخابية، والتمويل، والغطاء الإعلامي المتبادل. إن هذا الترابط الدولي يمنح حزب البديل حصانة إضافية وعمقاً استراتيجياً يجعل من عملية احتوائه بمجرد إجراءات سياسية أو أمنية محلية أمراً في غاية الصعوبة، إن لم يكن مستحيلاً، دون معالجة الجذور العميقة لـ “الخوف” الذي تتغذى عليه هذه الحركات في المجتمعات الغربية بأسرها.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى