كيف صنع هتلر عدوه الأكبر

يعد كتاب “غارة ستالين الكبرى: صعود الاتحاد السوفيتي ونهب ألمانيا” للمؤلف والمؤرخ بوجدان موسيال بمثابة وثيقة تاريخية واستقصائية استثنائية، ومرجعاً أكاديمياً يفكك بشجاعة نادرة واحداً من أعقد التحالفات وأكثرها دموية وتناقضاً وعبثية في تاريخ القرن العشرين بأسره، ألا وهو التحالف الاستراتيجي والاقتصادي والعسكري السري والمعلن بين الاتحاد السوفيتي وألمانيا النازية. لا يكتفي هذا العمل الضخم بسرد الأحداث التاريخية في إطارها التقليدي الكلاسيكي الذي اعتدنا قراءته في كتب التاريخ المدرسية، بل يقدم رؤية بانورامية شديدة الاتساع والعمق للعلاقة التكافلية والقاتلة بين القوتين الدكتاتوريتين الشموليتين، مبرهناً بالأدلة الأرشيفية الدامغة على أن هذه العلاقة الشائكة والمتشابكة هي التي شكلت فعلياً، وبشكل حاسم، مسار وتداعيات ونتائج الحرب العالمية الثانية بأكملها. إن الأطروحة المركزية الجريئة التي يطرحها موسيال بأسلوب سردي سلس ومتدفق تتلخص في مفارقة تاريخية مذهلة وصادمة للوجدان الإنساني والسياسي: إن صعود الاتحاد السوفيتي كقوة عظمى لا تقهر بعد انتصاره الساحق والمدمر على ألمانيا في عام 1945، لم يكن ليتحقق على الإطلاق لولا الدعم المادي والتكنولوجي والصناعي الهائل الذي قدمته ألمانيا نفسها للسوفييت طواعية وبدافع من مصالح استراتيجية قصيرة النظر قبل بدء العمليات العسكرية. ففي حين ينظر التاريخ والشعوب غالباً إلى هذين الكيانين الضخمين كعدوين أيديولوجيين لدودين يمثل أحدهما أقصى اليمين الفاشي والآخر أقصى اليسار الشيوعي، يكشف الكتاب من خلال الغوص في الوثائق الأرشيفية الروسية والألمانية التي رُفعت عنها السرية مؤخراً، أنه حتى لحظة الغزو الألماني المفاجئ والصاعق في فجر الثاني والعشرين من يونيو من عام 1941، كانت الآلة الصناعية الألمانية الجبارة هي المورد الرئيسي للخبرات الهندسية والمعدات الثقيلة والآلات الدقيقة والأدوات المتقدمة التي لولاها لما تمكن الاتحاد السوفيتي في ظل العزلة الدولية التي كان يعيشها من بناء وإرساء قواعد صناعاته الثقيلة والدفاعية. هذه الصناعات بالذات، والتي بُنيت لبنة تلو أخرى بآلات ومكابس ومخارط ألمانية، هي التي مكنت السوفييت ليس فقط من امتصاص الصدمة الأولى المروعة والصمود أمام موجات الغزو الألماني العاتية التي اجتاحت أراضيهم، بل ومن قلب الطاولة تماماً على الغزاة، وسحقهم عسكرياً، ودفعهم للتراجع خطوة بخطوة عبر سهول أوروبا الشرقية وصولاً إلى رفع العلم السوفيتي الأحمر فوق أنقاض مبنى الرايخستاغ في قلب العاصمة الألمانية برلين.
يستعير المؤلف في مقدمته العميقة والتأملية وصف الكاتب والمؤرخ سيباستيان هافنر الذي أشار ببراعة منقطعة النظير إلى أنه لا يمكن للمرء العثور في التاريخ البشري الحديث كله على مثال آخر لمثل هذا التشابك الحميم، والتعاون الوثيق، والعداء القاتل بين أمتين كما حدث بين ألمانيا وروسيا السوفيتية، واصفاً هذا التاريخ المتشابك والمعقد بأنه أكثر إثارة للدهشة والتشويق والرعب من أي رواية خيالية يمكن أن ينسجها عقل كاتب درامي. وللتدليل على هذا التشابك المعقد والممتد عبر الزمن، لا يبدأ موسيال تحليله من حقبة الثلاثينيات كما يفعل معظم المؤرخين، بل يعود بذاكرة القارئ إلى الجذور التأسيسية الأولى لنشأة الدولة السوفيتية ذاتها، متسائلاً بصورة استنكاريه عميقة عما إذا كان الاتحاد السوفيتي سيوجد أصلاً في صفحات التاريخ ككيان سياسي حاكم لولا التدخل المباشر والتمويل السخي الذي قدمته الإمبراطورية الألمانية. ففي ربيع عام 1917، وفي غمرة الفوضى العارمة والاضطرابات السياسية التي أعقبت إطاحة ثورة فبراير بالقيصر الروسي نيكولاي الثاني، كان فلاديمير إيليتش لينين، زعيم الفصيل البلشفي الراديكالي، يعيش حالة من العزلة السياسية والتهميش في منفاه الاختياري في سويسرا، مقطوعاً عن مجريات الأحداث المتسارعة في وطنه. ولم يكن لينين ليتمكن من العودة إلى المشهد الروسي لقلب موازين القوى وتوجيه دفة الثورة لولا مساعدة وتخطيط وتواطؤ مباشر من الحكومة الألمانية المحافظة والقيادة العليا للجيش الإمبراطوري الألماني آنذاك. لقد وفر الألمان للينين ورفاقه البلاشفة ما عُرف تاريخياً بـ “القطار المغلق”، وهي رحلة آمنة وسرية عبر الأراضي الألمانية والسويدية والفنلندية وصولاً إلى محطة فنلندا في بتروغراد، فضلاً عن تقديم تمويل مالي ضخم جداً يُقدر بملايين الماركات الذهبية، وذلك بهدف استراتيجي وعسكري بحت يتمثل في استغلال مهارات لينين التحريضية لزعزعة استقرار روسيا الإمبراطورية من الداخل، وتدمير الروح المعنوية لجيشها، ودفعها في نهاية المطاف للانسحاب المهين من الحرب العالمية الأولى، مما سيسمح لألمانيا بإغلاق الجبهة الشرقية وحشد كل قواتها لسحق الحلفاء على الجبهة الغربية. يصف هافنر قرار إرسال لينين إلى روسيا بأنه كان بمثابة إلقاء “القنبلة النووية السياسية للحرب العالمية الأولى”، وهو تحالف براغماتي وتكتيكي مع الشيطان من كلا الجانبين أدى في النهاية إلى اندلاع ثورة أكتوبر الدموية وتأسيس أول دولة شيوعية شمولية في العالم على أنقاض الإمبراطورية الروسية. وبدون هذه المساعدة الألمانية الأولية والحاسمة، مالياً ولوجستياً، ربما كان لينين سيظل مجرد منظر سياسي مغمور يعيش على هامش أحداث العالم الجسام، وربما لم تكن الخريطة الجيوسياسية للقرن العشرين لتتشكل بالطريقة التي نعرفها اليوم.
ينتقل موسيال بعد ذلك لمناقشة العقيدة التاريخية، والتبريرات السياسية، والقيود الأيديولوجية التي أحاطت بتلك الحقبة المفصلية، مشيراً إلى أن التاريخ السوفيتي، وخاصة التفاصيل الدقيقة والخفية للعلاقات الألمانية السوفيتية خلال فترة ما بين الحربين العالميتين، لا يزال يعتبر موضوعاً حساساً للغاية ومحاطاً بالكثير من المحرمات الممنوع الاقتراب منها، خاصة في روسيا المعاصرة التي عمدت بدعم حكومي إلى إعادة إحياء أسطورة “الحرب الوطنية العظمى” كعنصر محوري وأساسي ومقدس في سرديتها الوطنية الحديثة، متجاهلة عمداً التحالفات الانتهازية التي سبقت اندلاع تلك الحرب. يوضح موسيال بأسف كيف أن العديد من المؤرخين والأكاديميين في المعسكر الغربي قد رددوا لفترة طويلة، وبطريقة غير واعية وساذجة في بعض الأحيان، الدعاية الستالينية القديمة التي حاولت جاهدة تبرير معاهدة عدم الاعتداء سيئة السمعة، المعروفة بـ “ميثاق هتلر-ستالين” أو “ميثاق مولوتوف-ريبنتروب” الموقع في أواخر أغسطس 1939، وتسويق هذا التحالف المشين للعالم والمراقبين كإجراء دفاعي بحت واضطراري فرضته الظروف القاسية وتخاذل الديمقراطيات الغربية. هذه السردية الدفاعية المضللة والذكية أسسها ووضع لبناتها الأولى جوزيف ستالين بنفسه في شهري فبراير ومارس من عام 1948 عندما حرر، وكتب أجزاء كبيرة منه بيده، كتيباً دعائياً شهيراً نُشر على نطاق واسع تحت عنوان “مزورو التاريخ”، وذلك في محاولة يائسة واستباقية للرد على تسريب وزارة الخارجية الأمريكية واكتشاف العالم للبروتوكول السري الملحق بالميثاق، والذي نص صراحة على تقسيم أوروبا الشرقية ودول البلطيق إلى مناطق نفوذ بين النازية والشيوعية. ادعى ستالين في ذلك الكتيب التبريري أن الاتحاد السوفيتي أُجبر قسراً وتحت وطأة التهديد على قبول اتفاقية عدم الاعتداء من أجل كسب الوقت الثمين، وتأجيل الصدام الحتمي، وإعداد قواته وتحديث صناعته لمواجهة عدوان ألماني كان يراه قادماً لا محالة. وهو الادعاء التاريخي الذي يفنده موسيال تماماً وبشكل قاطع، مستنداً إلى وثائق أرشيفية روسية حديثة رُفعت عنها السرية، ومحاضر اجتماعات المكتب السياسي، والتي تكشف بوضوح جلي أن ستالين لم يكن ضحية يتلمس طريق النجاة، بل كان الفاعل الرئيسي والمحرك الخفي الذي كان يسعى عمداً، وبكل قوة ومكر، لإشعال نار حرب مدمرة وشاملة بين الدول “الرأسمالية” و”الإمبريالية” في أوروبا الغربية. كان الهدف الاستراتيجي الأسمى لستالين، والذي عبر عنه في عدة خطابات مغلقة أمام قادة الحزب، هو دفع ألمانيا من جهة، وفرنسا وبريطانيا من جهة أخرى، لاستنزاف بعضهم البعض في حرب خنادق دموية وطويلة الأمد شبيهة تماماً بمسالخ الحرب العالمية الأولى، ليتسنى للاتحاد السوفيتي القابع في أمان خلف الحدود أن يتوسع جغرافياً بكل هدوء، ويبني قوته العسكرية والاقتصادية العظمى، بينما ينزف أعداؤه الأيديولوجيون جميعاً حتى الموت، ممهدين الطريق، دون أن يدركوا، لزحف الثورة البروليتارية العالمية على حراب الجيش الأحمر نحو عواصم أوروبا المنهكة.
وفي التاسع عشر من أغسطس عام 1939، أي قبل أيام قليلة ومعدودة من الإعلان المزلزل عن معاهدة عدم الاعتداء التي صدمت العواصم الأوروبية وأصابت الحركة الشيوعية العالمية بالذهول، وقعت ألمانيا والاتحاد السوفيتي معاهدة تجارية وائتمانية بالغة الأهمية والخطورة، جاءت استجابة لطلب ملح ومستمر من العاصمة السوفيتية موسكو التي كانت تتوق للحصول على التكنولوجيا الألمانية المتقدمة. بموجب هذا الاتفاق الائتماني والتجاري غير المسبوق في حجمه ونطاقه، منحت حكومة الرايخ الثالث الألمانية الاتحاد السوفيتي ائتماناً تجارياً ضخماً بقيمة 200 مليون مارك ألماني بفائدة مالية منخفضة ومغرية قدرها 4.5 في المائة، وتعهدت برلين في الوقت ذاته، وعبر بروتوكولات سرية ومعلنة، بتصدير سلع صناعية وآلات متطورة إضافية بقيمة 180 مليون مارك ألماني، على أن يتم تسديد قيمة هذه المعدات المتطورة لاحقاً عبر تسليم السوفييت للمواد الخام الاستراتيجية والزراعية التي كانت تفتقر إليها ألمانيا بشدة وتعاني من نقص مزمن فيها. ومن المثير للاهتمام والمفارقة أن الجانب السوفيتي المفاوض قد أُعطي الحرية الكاملة والمطلقة من قبل القيادة الألمانية لاختيار الشركات الألمانية الكبرى التي يرغب في التعامل معها وشراء منتجاتها وتقنياتها الحساسة، حيث تصدرت الآلات الصناعية الألمانية الحديثة والمكابس العملاقة وآلات الخراطة قائمة المشتريات السوفيتية مستحوذة على نسبة الأسد البالغة 44 في المائة من إجمالي المشتريات، بقيمة مالية بلغت 167 مليون مارك ألماني، بالإضافة إلى سلع ومعدات عسكرية متنوعة وعينات من أسلحة حديثة بقيمة تزيد عن 58 مليون مارك ألماني. هذا التحالف الاقتصادي الوثيق، والتأمين الشامل للجبهة الشرقية الذي وفره الميثاق السياسي، هو الذي منح أدولف هتلر الثقة الكاملة والشعور بالأمان الكافي لمهاجمة بولندا المغلوبة على أمرها في فجر الأول من سبتمبر 1939، مما أشعل الشرارة الأولى للحرب العالمية الثانية. وعندما تخلت بريطانيا وفرنسا عن سياسة الاسترضاء وتدخلت وأعلنت الحرب على ألمانيا وفاءً بالتزاماتهما العسكرية والأخلاقية تجاه بولندا، بدا وكأن حلم ستالين المنشود بوقوع حرب إمبريالية تستنزف القوى الكبرى قد تحول أخيراً إلى حقيقة واقعة ودراما دموية تتكشف فصولها أمامه، بينما جلس القادة السوفييت بكل هدوء وارتياح في أروقة الكرملين على الهامش يراقبون الموقف، قبل أن تتدخل قوات الجيش الأحمر الغازية لاحقاً وتطعن بولندا في الظهر لغزو وتقسيم أراضيها مع حلفائهم الألمان الجدد في أواخر سبتمبر من نفس العام، ملتقين على نهر بوج لتبادل التهاني نخب النصر المشترك على أنقاض الدولة البولندية.
من أبرز المحاور الاستراتيجية والاقتصادية التي يفككها ويفصلها الكتاب بتحليل اقتصادي رصين هي كيفية مساهمة الاتحاد السوفيتي المباشرة والفعالة في إنقاذ ألمانيا النازية من الانهيار الاقتصادي الحتمي والسريع الذي كان يلوح في الأفق نتيجة الحصار البحري الصارم والمحكم الذي فرضته البحرية الملكية البريطانية مدعومة بالأسطول الفرنسي. فقد كانت الاستراتيجية الغربية الشاملة في الأشهر الأولى من الصراع تعتمد بشكل كلي على خنق الاقتصاد الألماني ببطء، وتجويع آلة الحرب النازية، وعزلها تماماً عن أسواق العالم ومصادر المواد الأولية، كما حدث بنجاح ساحق وأدى إلى انهيار الإمبراطورية الألمانية في الحرب العالمية الأولى. وكانت هذه الاستراتيجية مبنية على حسابات دقيقة، خاصة وأن ألمانيا كانت تفتقر بشدة للموارد الطبيعية وتعتمد بشكل حيوي ومرعب على الواردات الخارجية لاستمرار آلتها العسكرية وصناعاتها المدنية؛ حيث كانت الإحصائيات تؤكد أن برلين تستورد 65 في المائة من احتياجاتها النفطية الحيوية لحركة الدبابات والطائرات، و80 في المائة من المطاط الطبيعي الضروري للإطارات والمحركات، و45 في المائة من خام الحديد اللازم لصناعة الصلب، وتصل نسبة اعتمادها المطلق والحاسم على استيراد المعادن النادرة والضرورية للغاية لتصنيع سبائك الصلب العسكري عالي الجودة مثل التنجستن والموليبدينوم والكروم والنيكل إلى 100 في المائة. وبمجرد بدء سريان الحصار الغربي البحري وتطبيقه بصرامة، انخفضت التجارة الخارجية الألمانية بشكل كارثي بنسبة تجاوزت 40 في المائة في شهر سبتمبر 1939 وحده، مما هدد بحدوث شلل تام للصناعة العسكرية الألمانية، وبدا أن خطة الحلفاء تجني ثمارها مبكراً. وهنا بالضبط، وفي هذه اللحظة الحرجة من تاريخ الرايخ الثالث، جاء دور السوفييت كطوق نجاة سحري ورئة اصطناعية للآلة العسكرية النازية، حيث بدأت الشحنات السوفيتية المحملة بالموارد الحيوية تتدفق بلا انقطاع عبر الحدود المشتركة الجديدة إلى ألمانيا في أواخر ديسمبر 1939، ثم توسعت هذه التوريدات بشكل هائل وغير مسبوق إثر اتفاقية اقتصادية وتجارية جديدة وُقعت بعد مفاوضات مضنية وتدخل شخصي وحاسم من قبل هتلر وستالين لتذليل العقبات البيروقراطية في 11 فبراير 1940. تعهد السوفييت بموجب هذه الاتفاقية الموسعة بتسليم مواد خام استراتيجية وزراعية بقيمة فلكية بلغت 650 مليون مارك ألماني بحلول أغسطس 1941، وهي كميات هائلة فاقت حتى التوقعات الألمانية الأكثر تفاؤلاً، وتضمنت التزاماً سوفيتياً صارماً بتسليم 872 ألف طن من المنتجات النفطية عالية الجودة المستخرجة من حقول باكو، و934 ألف طن من الحبوب لسد رمق الجبهة الداخلية الألمانية، ومئات الآلاف من الأطنان من القطن وخام الحديد والكروم والمنغنيز الفوسفاتي. بل إن الأمر تجاوز مجرد التصدير المباشر ووصل إلى حد موافقة الاتحاد السوفيتي، بكامل أجهزته الحكومية والمخابراتية، على مساعدة ألمانيا النازية في الالتفاف سراً وبشكل ممنهج ومؤسسي على الحصار البحري البريطاني الخانق، وذلك من خلال قيام الحكومة في موسكو بشراء الموارد المحظورة التي تحتاجها ألمانيا بشدة، مثل المطاط من جنوب شرق آسيا، من الأسواق العالمية بصفتها دولة محايدة، ثم إعادة تصديرها سراً إلى ألمانيا عبر شبكة الأراضي السوفيتية المترامية الأطراف باستخدام خط السكك الحديدية العابر لسيبيريا، في عملية تهريب دولية برعاية الدولتين وفرت لألمانيا شرايين حياة لم تكن لتحلم بها.
في مقابل هذه الشرايين الحيوية من الموارد الطبيعية والمواد الخام التي أبقت آلة الحرب الألمانية تنبض بالحياة واستعدت لاجتياح غرب أوروبا، كان على القيادة الألمانية أن تدفع ثمناً استراتيجياً وتكنولوجياً باهظاً تمثل في نقل أحدث وأعقد تقنياتها الصناعية وأسرارها العسكرية إلى من كان يُفترض أنه عدوها الأيديولوجي السوفيتي. يستعرض الكتاب بتفصيل أرشيفي مذهل قائمة المشتريات السوفيتية التي أثارت قلق وحفيظة بعض القادة العسكريين الألمان الذين أدركوا خطورة تسليح العملاق الشرقي، فقد تضمنت القائمة الروسية مطالبات لا تنتهي بالحصول على معدات متطورة ومخططات هندسية لبناء السفن الحربية، ولوحات مدرعة فائقة السماكة، ومحركات بحرية جبارة للمدمرات والغواصات، وعينات فنية دقيقة وتفصيلية لبناء أحدث طرازات الغواصات الألمانية من فئة يو-بوت. بل إن ألمانيا، وتحت ضغط الحاجة الماسة للنفط والحبوب الروسية، تعهدت بشكل رسمي بتسليم السوفييت طراداً بحرياً ثقيلاً ومهيباً بالكامل وهو لا يزال قيد الإنشاء في أحواض بناء السفن الألمانية، وهو الطراد الشهير “لوتزو” مع كامل مخططاته ومعدات تسليحه. كما شملت الصادرات الألمانية، التي أشرفت عليها لجان سوفيتية جابت المصانع الألمانية بحرية، معدات طيران متطورة للغاية، حيث تلقت موسكو طائرات حربية متكاملة وعينات هندسية من كل طراز حديث ومتفوق تستخدمه القوات الجوية الألمانية المتقدمة (اللوفتفافه)، بما في ذلك قاذفات القنابل والمقاتلات الاعتراضية، بالإضافة إلى محركات طائرات قوية وأجهزة ملاحية معقدة ومعدات اتصال راديوية وبصريات دقيقة للغواصات والدبابات من إنتاج شركة كارل زايس العريقة. وعلى صعيد تسليح القوات البرية، تم تسليم تصميمات هندسية لأسلحة مدفعية حديثة وعينات من الدبابات الألمانية من طراز بانزر، وأصر ستالين شخصياً وبشدة، وهو يدرك أهمية البنية التحتية الصناعية، على ضرورة الحصول على آلات تشغيل وتصنيع متطورة جداً وضرورية لإنتاج الذخيرة والمدافع بكميات ضخمة، بما في ذلك حوالي 200 آلة متخصصة ونادرة جداً من إنتاج شركة “هاسه وفريده” الألمانية الشهيرة، والتي كانت ضرورية لخرط سبطانات المدافع الكبيرة. ولم يقتصر التبادل على العتاد العسكري المباشر أو المخططات فقط، بل شمل التوقيع على عقود لبيع ونقل مصانع كاملة للكيماويات وإنتاج المطاط الصناعي الضروري للإطارات، وتكرير وإنتاج النفط الاصطناعي ووقود الطيران العالي الأوكتان، وآلاف الآلات المتطورة والمعقدة التي بلغت أكثر من 6430 آلة متطورة شكلت العمود الفقري والحجر الأساس لتحديث كامل البنية التحتية للصناعة السوفيتية استعداداً للحرب الشاملة.
يفرد المؤلف في سياق كتابه مساحة واسعة ومتعمقة لتحليل تأثير هذا التبادل التكنولوجي الكثيف والمستمر على الصناعة العسكرية السوفيتية وتطورها السريع، متخذاً من تطور صناعة الدبابات السوفيتية نموذجاً صارخاً وواضحاً على حجم الاستفادة القصوى من التكنولوجيا الألمانية. يوضح موسيال كيف أن الدبابات كانت تُعتبر في العقيدة العسكرية السوفيتية هي السلاح الهجومي الرئيسي الذي حسم فعلياً كافة المعارك الكبرى على الجبهة الشرقية الواسعة، وأن الاتحاد السوفيتي بفضل تركيزه المبكر على التصنيع العسكري استطاع أن يمتلك قبل الغزو الألماني أكبر أسطول دبابات على وجه الأرض، تفوق أعداده كل جيوش العالم مجتمعة، حيث قفز العدد الخيالي من حوالي 100 دبابة متقادمة ومتهالكة في عام 1929 إلى أكثر من 23 ألف دبابة بحلول شهر يناير من عام 1941. غير أن هذا الأسطول الضخم والمرعب من الناحية النظرية والإحصائية كان يعاني في الواقع العملي والميداني من عيوب هندسية قاتلة وتقادم تكنولوجي شديد، حيث كانت الدروع رقيقة وضعيفة والمحركات تعمل بالبنزين السريع الاشتعال والبطيء، وهو ما اكتشفه الخبراء السوفييت بصدمة بالغة وذعر شديد خلال تجربتهم الميدانية في الحرب الأهلية الإسبانية ثم بشكل أكثر كارثية خلال حرب الشتاء الفنلندية التي كشفت هشاشة الجيش الأحمر. استجابة لهذه الإخفاقات العسكرية المدوية والمحرجة، اتخذ المكتب السياسي في الكرملين بقيادة ستالين قرارات حاسمة وفورية بتحديث الأسطول المدرع بالكامل وبأقصى سرعة ممكنة عبر التخلي عن النماذج القديمة والبدء الفوري بإنتاج نماذج جديدة ومتطورة وذات دروع مائلة قوية ومحركات ديزل جبارة، مثل الدبابة الثقيلة (كي في) والدبابة المتوسطة الأسطورية (تي-34) التي ستغير وجه الحرب لاحقاً وتصيب الجنرالات الألمان بالرعب. ومن المثير للدهشة والمفارقة التاريخية العميقة التي يركز عليها الكتاب، أن الآلات والمكابس والمعدات الثقيلة التي استخدمت في المصانع السوفيتية لبناء وتجميع هذه الدبابات الجديدة التي سحقت الدروع الألمانية وقادت الهجوم المضاد فيما بعد، تم استيراد الجزء الأكبر والأكثر تطوراً منها بشكل مباشر من ألمانيا نفسها بتوجيهات حثيثة وميزانيات ضخمة من الذهب الخالص اعتمدها المكتب السياسي لشراء آلات ضغط وقطع وتشكيل المعادن الألمانية المتطورة التي لم يكن السوفييت قادرين على تصنيعها محلياً.
إن الأدلة المتينة الذي يقدمه بوجدان موسيال في هذا العمل يكشف بجلاء ووضوح عن مفارقة استراتيجية قاضية أوقعت كلاً من الدكتاتورين، هتلر وستالين، في شباك الحسابات الخاطئة والقاتلة. فقد ساهمت الموارد السوفيتية السخية والمتدفقة باستمرار وكثافة عالية أثناء الهجوم الألماني الكاسح على فرنسا والدول المنخفضة في ربيع عام 1940 في تمكين هتلر من إدامة زخم الهجوم وسحق الجيوش في أوروبا الغربية في أسابيع معدودة أذهلت العالم، وتجنب سيناريو حرب الخنادق وحصار التجويع الطويل التي كان ستالين يعول عليها بشدة لإنهاك الألمان ودفعهم للانهيار الداخلي. وبفضل هذا النصر العسكري السريع والخاطف الذي ضمن الموارد الفرنسية وسيطر على القارة، تمكنت ألمانيا بصلف وغرور من تحويل فائض الموارد السوفيتية المكدسة لديها للتحضير السري والمكثف وتجميع ملايين الجنود لعملية بربروسا وغزو الاتحاد السوفيتي نفسه، متجاهلة بدم بارد كافة المواثيق والعهود الدبلوماسية. وفي المقابل، وبنفس درجة الدهاء والتخطيط المسبق، استخدم السوفييت المعدات الثقيلة والتكنولوجيا الدقيقة والخبرات الألمانية المستوردة لإعادة بناء وتحديث وتوسيع صناعتهم العسكرية الثقيلة وزيادة طاقتها الإنتاجية لأقصى حد في اللحظات الأخيرة الحرجة التي سبقت الغزو الألماني. وبينما كان هتلر يعتقد واهماً ومغروراً بقوته العسكرية الضاربة أن الهيكل السوفيتي العملاق سينهار تماماً كقصر من ورق بمجرد توجيه ضربة عسكرية قوية واحدة، وكان يردد مقولته الشهيرة “علينا فقط ركل الباب وسينهار المبنى المتعفن بأكمله”، كان ستالين قد بنى – وبمساعدة هتلر ذاته وعبر آلاته الصناعية التي باعها طمعاً في القمح والنفط – نظاماً صناعياً وعسكرياً مرناً وقادراً على امتصاص الصدمة الأولى المروعة للغزو، ومن ثم نقل مصانعه وملايين العمال إلى ما وراء جبال الأورال، وبدء إنتاج آلاف الدبابات والمدافع والطائرات التي رجحت كفة الحرب في النهاية وصنعت الانتصار السوفيتي العظيم في معارك ستالينجراد وكورسك. هذا التحليل المعمق الذي يقدمه الكتاب لا يقتصر إطلاقاً على سرد الأحداث العسكرية الجافة ومسارات المعارك، بل يغوص ببراعة نادرة في تعقيدات الاقتصاد السياسي للحرب، مظهراً بأسلوب سردي محكم وتدفق فكري رائع كيف ارتهن مصير العالم بأسره، وربما دون أن يدري ملايين الضحايا، لتلك الشراكة الاقتصادية والعسكرية الخفية والمصالح المتبادلة بين أكثر نظامين دكتاتوريين دموية وقسوة في التاريخ الحديث.
ويتجاوز السرد التاريخي لموسيال مجرد إحصاء أعداد الدبابات والمصانع وأطنان الحبوب، ليدخل بعمق في النسيج الاجتماعي والسياسي المظلم والقاسي الذي مكن النظام السوفيتي من تمويل هذه القفزة الصناعية المهولة وتوفير العملة الصعبة في وقت قياسي. فالاستثمارات الرأسمالية الهائلة المطلوبة لاستيراد الآلات الألمانية والغربية المكلفة بالذهب لم تكن متوفرة على الإطلاق في بلد زراعي متخلف دمرته الحروب الأهلية والسياسات الاقتصادية الشيوعية الكارثية منذ عام 1917. يوضح الكتاب بشفافية مؤلمة تفطر القلوب كيف لجأ ستالين ورفاقه في الحزب الشيوعي إلى سياسة “التجميع القسري” البشعة والدموية للزراعة في أوائل الثلاثينيات، حيث تم تجريد ملايين الفلاحين الروس والأوكرانيين من أراضيهم ومواشيهم وممتلكاتهم بالقوة المسلحة، وتحويلهم بقوة السلاح والإرهاب إلى ما يشبه العبيد أو أقنان الأرض في مزارع جماعية (كولخوزات) تديرها البيروقراطية الشيوعية المركزية بقبضة من حديد ونار. لقد شكل هذا النظام الوحشي وغير الإنساني، الذي سحق الطبقة الفلاحية، الأساس المالي الفعلي الوحيد لعملية التصنيع السوفيتي المتسارع، حيث تم الاستيلاء على المحاصيل ومصادرتها وتصدير الحبوب والموارد الأولية إلى الأسواق الغربية والألمانية بأي ثمن لجمع العملة الصعبة اللازمة للاستيراد وشراء التكنولوجيا. ويشير المؤلف بصورة قاطعة وموثقة بالأرقام إلى أن هذه السياسات الوحشية أدت مباشرة إلى مجاعات كارثية ومفتعلة (مثل مجاعة هولودومور في أوكرانيا) حصدت أرواح الملايين من البشر جوعاً في القرى السوفيتية، في حين، ويا للمفارقة المأساوية، كانت قطارات الحبوب السوفيتية المحملة بقمح الفلاحين الجوعى تعبر الحدود دون توقف لتفريغ حمولتها الثمينة لإطعام الجيوش والمدن الأوروبية والألمانية وفقاً للاتفاقيات التجارية. هذا التراكم الرأسمالي الدموي القائم على المصادرة المطلقة والعمل القسري المجاني في شبكة معسكرات الاعتقال (الجولاج) كان هو المحرك السري الحقيقي والوحيد الذي سمح للسوفييت بالدفع نقداً وبشكل فوري وذهبي مقابل التكنولوجيا المتقدمة التي استوردوها لإرساء قواعد قوتهم العظمى وبناء امبراطوريتهم العسكرية.
ويواصل المؤلف تحليله الرصين للمرحلة الحرجة التي سبقت الغزو بتسليط الضوء المكثف على الأهمية الاستراتيجية القصوى لقطاع الهندسة الميكانيكية وبناء الآلات، الذي اعتبره ستالين شخصياً وبكل وضوح وصراحة في خطاباته “العصب الرئيسي للصناعة السوفيتية بشكل عام” والذي بدونه لا يمكن بناء اشتراكية ولا جيش حديث. يروي الكتاب قصة التحول الجذري والمذهل في هذا القطاع الحيوي، مشيراً إلى الإحصائيات التي تؤكد أنه في عام 1928 لم يكن الاتحاد السوفيتي المترامي الأطراف بأكمله يمتلك سوى حوالي ثمانية آلاف آلة متواضعة وبدائية لقطع المعادن، وكان يعتمد بشكل شبه كلي وعاجز على الواردات الألمانية والأمريكية لتسيير أدنى أعماله الصناعية وإصلاح قاطراته. ولكن بحلول أواخر الثلاثينيات، وبفضل النقل المكثف والمستمر للتكنولوجيا الألمانية المتقدمة وعمليات الاستيراد الضخمة وتأسيس مصانع محلية عملاقة تمتد من جبال الأورال إلى السهول الأوكرانية بتصميم وإشراف مهندسين غربيين، ارتفع هذا العدد بشكل صاروخي ومذهل ليقترب من ستمائة ألف آلة متطورة للتشغيل المعدني، مما شكل طفرة غير مسبوقة تاريخياً في القدرة الإنتاجية العسكرية والصناعية لدولة واحدة في غضون عقد واحد من الزمان. إلا أن هذا النمو الهائل والمتسارع كان مصحوباً في كثير من الأحيان بفوضى تنظيمية عارمة، وهدر هائل للموارد، وسوء إدارة متأصل في هيكلية النظام الشيوعي القائم على التخطيط المركزي الجامد والخوف من المبادرة، مما جعل استمرار تدفق الآلات والتكنولوجيا الألمانية المتقدمة وقطع الغيار حاجة ماسة واستراتيجية لا غنى عنها بالنسبة لموسكو حتى عشية بدء الحرب الطاحنة.
لكن المشهد لم يقف عند حدود التبادلات التجارية والإحصاءات الصناعية، بل تحول إلى تراجيديا دموية هائلة بمجرد أن أُطلقت الرصاصة الأولى لعملية بربروسا. لم تكن ساعات الفجر الأولى من يوم الثاني والعشرين من يونيو عام 1941 مجرد بداية لغزو عسكري تقليدي واسع النطاق، بل كانت زلزالاً مدمراً أسقط في ساعات كل الحسابات الاستراتيجية المعقدة التي بناها جوزيف ستالين على مدى سنوات من المكر والمناورات. في تلك اللحظة الفارقة، انقلب الحليف الاقتصادي بحكم الأمر الواقع إلى عدو لدود يسعى للإبادة الشاملة، ووجدت الآلة العسكرية السوفيتية، التي كانت في خضم عملية إعادة هيكلة وتحديث واسعة النطاق لم تكتمل بعد، نفسها في مواجهة عاصفة الحرب الخاطفة (البليتزكريغ) النازية وهي في أضعف حالاتها التنظيمية بسبب حملات التطهير التي أعدمت كبار جنرالاتها قبل سنوات. يصف بوجدان موسيال بدقة كيف أن الهجوم الألماني المباغت قد أصاب القيادة السوفيتية العليا بحالة من الشلل التام والصدمة العميقة التي أعجزتها عن إصدار أوامر متماسكة. ففي غضون ساعات قليلة، وفي ظل ارتباك القيادة، انهارت الخطوط الدفاعية السوفيتية الأمامية على الحدود الغربية بالكامل كبيت من ورق، وساد هرج ومرج وفوضى لم يسبق لها مثيل في تاريخ الجيوش الحديثة. لقد تخلت جيوش سوفيتية بأكملها عن مواقعها ومعداتها ودباباتها الحديثة التي تُركت على جوانب الطرقات لعدم وجود وقود أو أوامر بالتحرك، وتحول مئات الآلاف من الجنود والضباط المحاصرين في جيوب عملاقة إلى أسرى حرب يتساقطون تباعاً بالآلاف في قبضة الفيرماخت الألماني المتقدم بسرعة مذهلة. وتشير الأرقام المروعة والكارثية التي يوردها الكتاب إلى أنه بحلول العشرين من ديسمبر من العام نفسه، وبينما كانت الدبابات الألمانية تتجمد على أبواب موسكو، كان الألمان قد أسروا ما يزيد عن ثلاثة ملايين ونصف المليون جندي سوفيتي، وهو رقم مهول يكشف بوضوح عن حجم الانهيار المعنوي والتنظيمي والانكسار الشامل الذي ضرب صفوف الجيش الأحمر في الأشهر الستة الأولى من الصراع الدموي.
وفي أروقة الكرملين المظلمة، كانت الصورة لا تقل قتامة ودرامية عن ساحات القتال المشتعلة. فبعد أيام قليلة من تلقي تقارير الهزائم المتتالية وسقوط مدينة مينسك الاستراتيجية بأيدي الألمان، أصيب ستالين بانهيار عصبي حاد وفقد أعصابه تماماً، وانسحب بصمت مريب إلى مقر إقامته الريفي (الداتشا) في غابات كونيتسيفو، عازلاً نفسه عن العالم وفي حالة من اليأس العميق والاكتئاب، معتقداً بحق أن كل ما بناه هو ولينين ورفاقه قد دُمر للأبد وأن نهايته قد دنت. يروي الكتاب تفاصيل تلك الأيام الحرجة وكيف تجرأ أعضاء المكتب السياسي المصابين بالهلع، وعلى رأسهم مدير المخابرات المرعب لافرينتي بيريا ووزير الخارجية فياتشيسلاف مولوتوف والمسؤول الحزبي جورجي مالينكوف، على الذهاب في قافلة إلى مقر إقامة ستالين الريفي لإنقاذ الموقف المتهاوي. وبدلاً من أن يعتقلوه ويعدموه بتهمة الخيانة أو الفشل، كما ربما كان يخشى ستالين نفسه في تلك اللحظة حينما رآهم يدخلون عليه متوقعاً حرس الإعدام، اقترحوا عليه بصوت مرتجف تشكيل “لجنة دفاع الدولة” وتولي هو رئاستها لتكون بمثابة مجلس حرب أعلى يمتلك دكتاتورية مطلقة وسلطات غير مقيدة لإدارة شؤون البلاد المهزومة. وبمجرد استعادته لرباطة جأشه وإدراكه أنهم بحاجة ماسة لرمزيته، تولى ستالين رئاسة هذه اللجنة بلا تردد، والتي أصبحت فعلياً قلب السلطة النابض والمستبد في الاتحاد السوفيتي، ومن خلالها بدأ في إصدار آلاف القرارات الصارمة والدموية التي سعت إلى تدارك الكارثة بأي ثمن وإعادة تنظيم المجهود الحربي للدولة التي توشك على الفناء.
من أبرز الإنجازات التي حققتها هذه اللجنة، والتي يفصلها موسيال معترفاً بحجم الإنجاز رغم قسوته، كانت عملية الإخلاء الصناعي الأسطورية من المناطق الغربية الأوكرانية والبيلاروسية المهددة بالغزو إلى مناطق الأورال وسيبيريا ونهر الفولغا النائية. لم تكن هذه العملية مجرد انسحاب تكتيكي عشوائي، بل كانت معجزة لوجستية وتنظيمية بكل المقاييس البشرية، حيث تم تحت القصف الجوي الألماني تفكيك آلاف المصانع الضخمة الثقيلة، بما فيها تلك التي بُنيت واشتُريت بآلات ألمانية قبل الحرب بوقت قصير، وتحميلها بدقة على ملايين العربات المكشوفة في قطارات الشحن المتجهة شرقاً، ونقلها لمسافات تبعد آلاف الكيلومترات إلى مجاهل الشرق الباردة. وفي ظل ظروف مناخية قاسية تصل إلى أربعين درجة تحت الصفر ونقص حاد في المأوى والمؤن والأدوية، أعاد العمال والمهندسون السوفييت تجميع هذه المصانع في العراء وسط الثلوج، وبدأوا في تشغيل الآلات والمكابس لإنتاج الدبابات والطائرات والذخائر حتى قبل أن تُبنى الجدران والأسقف حولهم لحمايتهم من الصقيع. يسلط المؤلف الضوء بشكل خاص ومفصل على صناعة الدبابات السوفيتية وكيف تحولت مدينة تشيليابينسك الصناعية الهادئة في جبال الأورال إلى ما عُرف تاريخياً بـ “تانكوغراد” أو مدينة الدبابات العملاقة، حيث تم دمج المصانع المخلاة مع المصانع المحلية لإنتاج الدبابة الشهيرة (تي-34) والدبابات الثقيلة بأعداد هائلة وبأسلوب الإنتاج الضخم المبسط، متفوقين بشكل ساحق في الكمية والاعتمادية على الإنتاج الألماني المعقد والحرفي، مما شكل في نهاية المطاف نقطة التحول الحقيقية والفاصلة في حرب الاستنزاف الصناعي والاقتصادي بين البلدين والتي حسمت الحرب لصالح الترسانة السوفيتية.
لكن هذا الإنجاز الصناعي الجبار وتلك البطولات الميدانية لم تكن لترى النور أو تصمد أمام الآلة الألمانية لولا الثمن البشري الباهظ الذي تم دفعه، واللجوء الممنهج إلى أساليب التعبئة القسرية الأكثر وحشية في التاريخ الحديث. وهنا يضرب الكتاب بشجاعة الأسطورة السوفيتية الراسخة التي روجت لها السينما والأدب حول “الوطنية السوفيتية” التلقائية والاندفاع الشعبي الطوعي للفلاحين والعمال للدفاع عن الوطن الأم الاشتراكي. يوضح موسيال، مدعوماً بالأدلة والتقارير الاستخباراتية الداخلية لجهاز الكي جي بي، أن الأسابيع والشهور الأولى من الحرب شهدت حالات هروب جماعي للمسؤولين الحزبيين والسياسيين الذين تخلوا عن مراكزهم وتركوا المدنيين العزل يواجهون مصيرهم أمام الدبابات الألمانية، كما أن قطاعات واسعة جداً من السكان في بيلاروسيا وأوكرانيا ودول البلطيق، والذين ذاقوا الأمرين من عمليات التجميع القسري والمجاعات الستالينية، قد رحبوا في البداية بالجيش الألماني كقوة تحرير من نير القمع الستاليني واستقبلوهم بالخبز والملح. ومما زاد الطين بلة وعمق من أزمة النظام، تفشي ظاهرة الهروب من التجنيد والانشقاق الجماعي لوحدات كاملة والانضمام إلى صفوف العدو، حيث تشير السجلات إلى أن أكثر من مليون ونصف المليون مواطن سوفيتي اختاروا حمل السلاح وارتداء الزي الألماني والقتال جنباً إلى جنب مع الألمان ضد حكومتهم السابقة في مفارزة جيش التحرير الروسي (جيش فلاسوف) والوحدات المساعدة. أمام هذا الانهيار الشامل والعميق في الولاء والانضباط المدني والعسكري، لم يكن أمام ستالين ورفاقه المذعورين سوى اللجوء السريع إلى الأداة الوحيدة التي أثبتت نجاحها في الماضي والتي يجيدون استخدامها بمهارة: الإرهاب الجماهيري المنظم والقمع الدموي غير المحدود.
لقد أوكل ستالين بلا تردد إلى جهاز الأمن الداخلي ومفوضية الشؤون الداخلية سيئة السمعة بقيادة لافرينتي بيريا مهمة استعادة الانضباط ووقف التقهقر بأي ثمن بشري مطلوب. وسرعان ما تم تشكيل مفارز السد والمفارز الحاجزة المدججة بالمدافع الرشاشة، والتي نُشرت بشكل كثيف خلف الخطوط الأمامية للجيش الأحمر بمهام واضحة ومباشرة وصريحة: إطلاق النار الفوري والقتل العمد على أي جندي أو ضابط أو وحدة تكتيكية تحاول التراجع أو الفرار أو الانسحاب من ساحة المعركة دون أوامر صريحة ومكتوبة من القيادة العليا. كما أصدر ستالين شخصياً الأمر العسكري الشهير والقاسي رقم 270 في أغسطس 1941، والذي اعتبر كل ضابط أو جندي يقع في الأسر حياً مهما كانت ظروف المعركة خائناً للوطن ومستسلماً طوعاً، ولم يكتف هذا الأمر المروع بمعاقبة الجندي الذي لا حول له ولا قوة فحسب، بل امتدت العقوبة بانتقام بدوي لتشمل عائلته بالكامل، حيث حُرمت زوجات وأمهات وأبناء الأسرى والمفقودين في المعارك من الحصص الغذائية الشحيحة وتعرضن للاعتقال والنفي المباشر إلى معسكرات العمل القسري في سيبيريا القارسة باعتبارهن عائلات خونة. هذا العقاب الجماعي الدنيء والابتزاز العاطفي جعل الجنود السوفييت يقاتلون حتى الموت بشراسة يائسة في خنادقهم ليس حباً في النظام الشيوعي الذي قمعهم، بل خوفاً ورعباً من الانتقام الذي سيطال زوجاتهم وأطفالهم وأمهاتهم إذا ما استسلموا للعدو أو ألقوا سلاحهم.
ولم يتوقف الإرهاب العسكري الموجه ضد الذات عند هذا الحد، بل تلاه في الصيف التالي، عندما وصلت الدبابات الألمانية إلى نهر الفولغا، الأمر رقم 227 التاريخي المعروف بشعار “لا خطوة واحدة إلى الوراء”، والذي بموجبه تم التوسع الهائل في إنشاء الكتائب والسرايا العقابية سيئة الذكر. كانت هذه الوحدات الانتحارية تتألف حصرياً من الضباط والجنود والسياسيين الذين أُدينوا بتهم التراخي أو الجبن أو ارتكاب أخطاء تكتيكية في الميدان، وتم تجريدهم من رتبهم وأوسمتهم ودفعهم كدروع بشرية إلى الخطوط الأمامية المباشرة في أكثر القطاعات دموية وخطورة وتحصيناً للعدو، ليُطلب منهم بوضوح “التكفير عن ذنوبهم وخيانتهم بالدم”. وقد مر مئات الآلاف من الرجال السوفييت عبر جحيم هذه الوحدات العقابية التي كانت نسبة الخسائر البشرية فيها تتجاوز في كثير من الأحيان الخمسين إلى السبعين بالمائة خلال الهجوم في المعركة الواحدة. يشير المؤلف بوضوح تام واستناداً إلى مذكرات الجنود إلى أن هذه الإجراءات القمعية الشديدة وهذا الإرهاب المؤسسي المنظم من الخلف هي التي أجبرت الجيش الأحمر على الصمود المتصلب ودفعته للتقدم فوق جثث زملائه، وهي حقيقة تاريخية تتناقض بشدة وتنسف من الأساس الروايات الرومانسية البطولية التي روجت لها الدعاية الشيوعية في فترة ما بعد الحرب.
وفي تحليل سيكولوجي واجتماعي وسياسي ، يربط موسيال بين انتصار الاتحاد السوفيتي الملحمي في الحرب ضد النازية وبين الإرهاب الجماهيري وحملات التطهير الدموية الكبرى التي شنها ستالين في أواخر الثلاثينيات قبل الحرب. ففي حين يعتقد البعض من المؤرخين السطحيين أن تلك الحملات التي أعدمت آلاف الضباط كادت أن تدمر قدرة الدولة على القتال، يرى الكاتب والمحلل أن إبادة الفلاحين المستقلين، وتصفية النخب الفكرية والثقافية والسياسية، والقضاء الاستباقي على أي معارضة محتملة أو تفكير حر داخل هياكل الحزب والجيش والمجتمع، قد خلق في النهاية مجتمعاً مرعوباً، مشلولاً، ومحطماً نفسياً ومسلوب الإرادة تماماً، مجتمعاً غير قادر بتاتاً على التفكير في تنظيم أي عصيان مدني أو تمرد داخلي ضد السلطة المركزية، حتى في أحلك لحظات الغزو الأجنبي وانهيار الدولة. بعبارة أخرى، لقد مهدت جرائم ستالين في الثلاثينيات الطريق لسيطرة مطلقة ودكتاتورية حديدية سمحت له بتعبئة ملايين البشر كأرقام مجردة، وإلقائهم كوقود في أتون الحرب، وسوقهم للعمل الشاق في المصانع تحت التهديد بالموت والنفي دون أن يواجه ثورة داخلية أو إضراباً واحداً في قطاع حيوي.
بالإضافة إلى كل ذلك الخراب، يسلط الكتاب الضوء الكثيف على الثمن المروع والعبثي الذي دفعه المدنيون السوفييت الأبرياء الذين وجدوا أنفسهم علقوا بلا رحمة بين نيران القوات الألمانية القاسية وفرق الإعدام النازية (الأينزاتسغروبن) من جهة، وقوات حرب العصابات السوفيتية (البارتيزان) التي وجهتها موسكو من جهة أخرى. فقد أصدرت القيادة السوفيتية في موسكو أوامر صارمة لا ترحم بتطبيق سياسة “الأرض المحروقة” التامة، والتي شملت تدمير القرى، وحرق المحاصيل، وتفجير السدود والبلدات السوفيتية التي تقع بالقرب من الخطوط الألمانية المتقدمة أو المتراجعة لمنع العدو من استخدامها كملاجئ شتوية أو مصادر للغذاء، بغض النظر تماماً عن مصير السكان المحليين المدنيين من الشيوخ والنساء والأطفال الذين تُركوا بلا مأوى ليتجمدوا حتى الموت في العراء والصقيع القارس. وكانت التعليمات الصادرة من موسكو واضحة وحاسمة بألا تأخذ فرق البارتيزان الشيوعية العاملة خلف الخطوط أي رأفة بالمدنيين الذين يتعاونون أو يعملون، أو حتى يمتثلون مكرهين لتأمين قوت يومهم، لأوامر سلطات الاحتلال الألمانية، مما حول المناطق المحتلة الشاسعة في بيلاروسيا وأوكرانيا وروسيا الغربية إلى مسالخ دموية مفتوحة تعرض فيها المواطن السوفيتي الأعزل للإبادة والشنق سواء على يد الغزاة النازيين كرهائن أو على يد أبناء جلدته من البارتيزان كخونة. في هذا الصراع الطاحن الذي لم يعترف بأي قيمة دينية أو علمانية للحياة البشرية، بل كان مكرساً ومسخراً بالكامل لخدمة بقاء النظام الستاليني واستمراريته في السلطة، كان الثمن النهائي هو نصر عسكري استراتيجي غُمس وتلطخ حتى النخاع بالدم والحديد والدموع، وبنى أمجاد دولة عظمى على تلال من جماجم مواطنيها قبل أعدائها، ليؤكد بوجدان موسيال في النهاية أن الحرب في الجبهة الشرقية لم تكن حرباً بين الخير والشر، بل كانت صراع إبادة استنزافياً بين اثنين من أعتى وحوش التاريخ البشري، تغذيا على بعضهما البعض قبل أن يفترس أحدهما الآخر.




