معمار الروح والانتماء: كيف يقدم الإسلام ترياقاً أخلاقياً لحداثة مأزومة؟

يقف القارئ المتأمل أمام كتاب “Travelling Home Essays on Islam in Europe (Abdal Hakim Murad (Timothy John Winter)) ” أمام وثيقة فكرية بالغة التعقيد والعمق، لا تكتفي برصد السطح الاجتماعي لتواجد المسلمين في القارة الأوروبية، بل تغوص في الجذور المعرفية واللاهوتية والتاريخية التي شكلت هذه العلاقة الشائكة. يقدم المؤلف، عبد الحكيم مراد، أطروحة تتجاوز البكائيات التقليدية للأقليات، وتتجاوز كذلك ردود الفعل الاستشراقية العكسية، ليؤسس لما يمكن تسميته بـ “لاهوت الوجود الإسلامي في أوروبا”. يبدأ هذا التأسيس من تفكيك مفهوم “الوطن” والانتماء في الوعي الإسلامي، حيث يستعير المؤلف مقولة إيمانويل ليفيناس بأن الحقيقة العالمية أثمن من الخصوصيات المحلية، ليؤكد أن هذا البعد العالمي في التوحيد الإسلامي هو ذاته ما يمنح المسلم القدرة على التجذر في أي مكان. فالإسلام، بطبيعته الإبراهيمية وبنموذجه المحمدي، أثبت أنه دين قابل للانتقال بقوة، محملاً بثقافة تاريخية راسخة عن الهجرة والمهاجرين. إن النبي محمد عليه الصلاة والسلام، مثله مثل إبراهيم، كان لاجئاً وطالباً للمأوى، وقد شطرت الهجرة مسيرته النبوية وعرّفتها، لكنه سرعان ما طوّر حباً للمدينة المنورة يضاهي حبه لمدينته الأم، لتتحول “دار الهجرة” هذه إلى وطنه الدائم والأصيل.
من هذه النقطة المركزية، ينطلق الكاتب ليقرر أن هذا المزيج النبوي يقدم نموذجاً يشكل الهوية الإسلامية؛ ففي حين يتجه المسلمون نحو مكة في صلاتهم وحجهم، إلا أنهم ينتمون بالكامل إلى كل الأماكن التي يحلون بها، استناداً إلى الحديث الشريف “جُعلت لي الأرض مسجداً”. إن علامات حضور الله الشافية تتجلى في كل مكان، حتى في جزيرة مان النائية التي عاش فيها عبد الله كويليام، جغرافياً بعيداً عن ديار الإسلام التقليدية. وبناءً على ذلك، يجادل المؤلف بأن المؤمنين يشعرون بالانتماء إلى المكان أكثر مما قد يشعر به أي ملحد، لأن فقدان الاتصال بالله يعني فوراً فقدان الإحساس بالارتباط بالمكان الذي خلقه؛ إنه يعني ذبول الجذور والهوية. من هذا المنظور الإسلامي، لا يمكن اعتبار لينين روسياً حقيقياً، ولا دوغلاس موراي بريطانيًا، ولا سام هاريس أمريكياً، فهم يبدون وكأنهم ينتظرون في مخيم أجنبي بائس حتى وهم في أوطانهم الرسمية. على النقيض من ذلك، فإن اعتناق الإسلام، أو القدوم من بيئة إسلامية إبراهيمية، والحفاظ على تلك الحساسية التقليدية التي ترى آيات الله بوضوح في كل مكان، يعني البدء فوراً في رؤية الأرض بفهم عميق، ومن ثم البدء في إنماء الجذور وتزيين الأرض والتفاعل معها. إن هذه النظرية الإسلامية للحراك الإبراهيمي تختلف جذرياً عن شتات بني إسرائيل الذين ينتظرون التدخل المسيحاني ليعودوا إلى وطن أكبر من كل الأوطان؛ فالمسلمون يهاجرون على خطى إبراهيم، وكل بلد بالنسبة لهم، إذا ما أقاموا فيه شرع الله وتواصلوا مع خلقه، هو أرض ميعاد.
يتجه الكتاب بعد ذلك إلى تفكيك مفهوم “الإسلام التقليدي” الذي يتخذه كإطار مرجعي، مشدداً على أن هذا المفهوم ليس ممارسة عفا عليها الزمن تسعى لإحياء أحكام العصور الوسطى وتطبيقها بشكل غير نقدي في العالم الحديث، بل هو عودة إلى “الأصول” المعرفية العريقة للحضارة الإسلامية. إنها محاولة لاستخدام الحكمة المتراكمة عبر القرون الإسلامية بكل اتساعها، من مذاهب وتصوف وكلام، لتوسيع السردية المستمرة للأمة ومحاولة صياغة نظرية غير مساومة للانتماء الإسلامي في الوطن الأوروبي وسط الفوضى الحداثية المتأخرة. يتطلب هذا السياق رفضاً قاطعاً لمعاداة الغرب العاطفية التي تميز الحركات الأصولية، كما يتطلب إصراراً على أن الاندماج والانسجام يجب أن يتم بشروط الإسلام؛ إذ لا يحق لمنظري مراكز الأبحاث غير المسلمين، أو الإداريين الاجتماعيين، أو السياسيين الحزبيين التدخل في المسائل الداخلية المتعلقة بالمعتقد والنظرة والممارسة الإسلامية. ويستلهم المؤلف هنا أعمال تشارلز أندريه جيليس، الذي يصر على أن العلاقة الإسلامية بالمجتمعات العلمانية يجب أن تستحضر عدم القابلية للتفاوض على “الحق”، والحاجة الحيوية لفضيلة “الصدق” في التفسيرات وفي أشكال العيش المشترك المرغوبة.
في خضم هذه التحليلات، يبرز المؤلف ضرورة تبني موقف إيجابي تجاه مجتمعات الأغلبية غير المسلمة والانخراط السليم في هياكلها المدنية، ليس فقط كأمر مرغوب فيه، بل كضرورة ملحة في بيئة ما بعد مذبحة سريبرينيتسا. فأوروبا تتجه بسرعة نحو مسار قومي متطرف، ويُنظر إلى المسلمين من قبل أعداد متزايدة باعتبارهم “الآخر المظلم” الذي يجب أمننته ووصمه، وربما طرده من حديقة أوروبا المسورة في أحلام البعض. لذلك، تمثل السرديات الأصولية والإسلاموية، التي تعتمد على الاستقطاب والتضاد، تهديداً مباشراً لازدهار المسلمين في أوروبا، لأنها تتوافق مع الصورة القاسية التي يرسمها الخصم، وتجند المتحمسين لخدمة قضيته عن غير قصد. غير أن التحول نحو “الإسلام التقليدي” لا ينبغي أن يكون مجرد استراتيجية دفاعية، بل يجب أن يتبنى رفضاً حازماً لنقطتي ضعف يعاني منهما المسلمون المعاصرون: أولاً، دين الهوية الانفعالي الذي يدفعه السعي وراء المكانة والانتقام بدافع الأنا؛ وثانياً، تراجع استحضار وجود الله وقوته ورحمته، وهو تراخٍ يؤدي إلى حالة مستحكمة من الخوف. لقد أدى تراجع البعد الروحي والتصوف، وما نتج عنه من جعل الإسلام خارجياً وقشرياً، إلى إنتاج نظام متصلب ظاهري تشغله الحدود والانقسامات، ويسوده الدفاع والتعاسة.
ويعرج الكتاب ببراعة على نقد تيارات ما بعد الحداثة والتيارات المتطرفة التي تحاول علاج هذا الواقع، مستعيراً رؤية جون غراي في كتابه “القاعدة وماذا يعني أن تكون حديثاً”، حيث يستعير تعليق كارل كراوس الساخر حول التحليل النفسي ليرى أن الإسلاموية الراديكالية هي “عرض للمرض الذي تتظاهر بأنها علاجه”. ويتفق سلافوي جيجك مع هذه النقطة، مشيراً إلى أنه على الرغم من السردية التقليدية للإسلاموفوبيا، فإن الإسلاموية المتطرفة تمثل قطيعة جذرية مع الماضي الإسلامي، وتبنياً لاستراتيجيات التنوير أو مناهضة التنوير الساعية لتحقيق يوتوبيا بوسائل عنيفة وإرهابية. إنها مشاريع تريد، بحسب جيجك، “رأسمالية بدون رأسمالية”، وبدون ديناميكيات التفكك الاجتماعي التي تجعل كل ما هو صلب يذوب في الهواء، وصولاً إلى استنتاج مفاده أن النظام الثقافي الأمريكي يهيمن على العالم بشكل مطلق لدرجة أن توصيف “الجهاد ضد عالم ماك” لم يعد كافياً، بل إن واقع الجهاد المزعوم قد تحول هو ذاته إلى “ماك جهاد”.
ينتقل التحليل إلى معالجة العقدة الجيوسياسية والتاريخية المتمثلة في أوروبا وعلاقتها بالإسلام عبر سؤال استفزازي: هل يجب على المرء أن يكون ليبرالياً لكي ينتمي إلى أوروبا؟ يطرح الاتحاد الأوروبي، وهو يكافح من أجل صياغة رؤية حضارية واقتصادية مشتركة، بيانات ضخمة حول أوروبا كرؤية لمجتمع إنساني حر يؤكد نجاحه الأنموذج العالمي الذي يُفرض الآن على بقية العالم. يبدو الليبراليون الأوروبيون، بتنويرهم ومجتمعهم المدني ومؤسساتهم الديمقراطية، وكأنهم يعرّفون أنفسهم كـ “مسيح علماني جماعي” مستعد لإنقاذ غير المؤمنين، وأي مقاومة لهذا النموذج تُعتبر انحيازاً لإنسانية غير متجددة وخاطئة. إلا أن هذا الدين الليبرالي للتقدم يجد صعوبة بالغة في احترام المعارضين، رغم أن الاتحاد الأوروبي يرفع شعار “متحدون في التنوع”. يستكشف المؤلف الجذور الأعمق لأوروبا، مستحضراً أسطورة اختطاف أوروبا ابنة ملك فينيقيا على يد زيوس، معتبراً إياها استعارة ذات مغزى لبداية أوروبا كغارة استعمارية عنيفة على آسيا. لكن أوروبا لم تكتشف حدود روحها وجسدها إلا بعد أن فقدت شواطئها الإفريقية والآسيوية لصالح الإسلام في القرن السابع الميلادي. حينها، وتحت وطأة العزلة، بدأت أوروبا تعرّف نفسها، مستندة إلى أطروحة هنري بيرين الشهيرة التي تؤكد أن الفرنجة، وبالتالي الأوروبيين، لم يكتسبوا إحساسهم الأول بالذات إلا عندما تم إيقاف التقدم العربي والبربري في فرنسا.
لم تعترف أوروبا يوماً بالإسلام كوارث شرعي لأثينا، على الرغم من أن ابن سينا كان فيلسوفاً متأثراً بالهلنستية بامتياز يفوق أي مسيحي في عصره. بل إن الرفض الأوروبي للإسلام كشريك في الميراث الكلاسيكي يوازي في رمزيته الرفض الدراماتيكي الذي يقدمه سفر التكوين للابن الأول لإبراهيم، إسماعيل، لصالح الابن الأصغر إسحاق. يشرح المؤلف كيف أن النظرة الاستشراقية القديمة زعمت أن الإسلام شمّ رائحة اليونان لفترة وجيزة ثم ابتعد عنها، ملقين باللوم على الغزالي في دق ناقوس الخطر الأخير للفلسفة اليونانية في العالم الإسلامي، وهي أسطورة لا تزال مستمرة لدى بعض المجادلين اليوم مثل ليو شتراوس الذي كان له معجبون مؤثرون مثل دونالد رامسفيلد وبول وولفويتز. حتى محاضرة البابا بنديكتوس السادس عشر المثيرة للجدل في ريغنسبورغ عام ألفين وستة بدت موجهة لتقديم المسلمين كمشاركين غير شرعيين في الإرث الكلاسيكي للعقلانية والحقوق، والذي يُفترض أنه حكر على أوروبا وحدها. لكن الأبحاث الحديثة، مثل أعمال روبرت ويسنوفسكي، تفند هذا الاستحواذ السياسي والبابوي، وتثبت أن علماء كباراً مثل الجويني والغزالي والرازي كانوا دعاة لاستخدام نقدي وعميق للديالكتيك اليوناني.
إن القارة الأوروبية التي دخلت في مرحلة ما بعد المسيحية، والتي يبدو أنها تبنت آراء جيبون حول تراجع العصور القديمة باعتباره انتصاراً للهمجية والدين، تشهد اليوم صعود طبقة جديدة من الملاحدة الصليبيين الذين يهاجمون الإيمان لافتقاره المزعوم للعقلانية. وفي ظل هذا المناخ المعادي للإيمان، يدرك المنظرون في بروكسل أن التوسع المستقبلي للاتحاد يجب أن يكون دائماً نحو الشرق، وليس نحو الجنوب. فرغم أن طنجة لا تبعد سوى عشرين ميلاً عبر البحر الذي كان طريقاً سالكاً وليس حاجزاً في العصور الكلاسيكية، إلا أنها تعتبر نفسياً أرضاً أجنبية بعيدة. إن إسماعيل، رغم كونه إبراهيمياً وهلنستياً في لاهوته، ورغم اعترافه التام بإسحاق كأخ ونبي، إلا أن هذا الاعتراف لا يُقابل بالمثل أبداً. هذا الرفض المتجذر يفسر التوتر المستمر في المناقشات الأوروبية حول انضمام تركيا إلى الاتحاد الأوروبي، حيث يبرز التناقض الليبرالي حين تعارض النخب الأوروبية هذا الانضمام لأسباب تتعلق بوضوح بتعريف أوروبا التاريخي لنفسها ككيان غير مسلم في جوهره. إن الليبرالية الأوروبية، التي أصبحت ديناً علمانياً صارماً، تجد نفسها عاجزة عن التسامح مع من يرفض عقائدها الاجتماعية والجسدية، وهو ما تبدى جلياً في إجبار السياسي الإيطالي روكو بوتيجليوني على الاستقالة لمجرد التزامه بالتعاليم الكاثوليكية المحافظة. هذا الاستبداد الليبرالي الناعم يخلق بيئة معادية ليس فقط للمسلمين، بل لكل من يتمسك برؤية أخلاقية تقليدية، مما يستوجب بناء تحالفات استراتيجية مع المحافظين من أتباع الديانات الأخرى لحماية حرية الضمير والدفاع عن كرامة الاختلاف.
يغوص عبد الحكيم مراد في الدفعة الثانية من تحليله لكتاب “الرحلة إلى الوطن” في أعماق الجرح الأوروبي الحديث، متخذاً من حرب البوسنة والإبادة الجماعية في سربرنيتسا نقطة ارتكاز تاريخية ولاهوتية لفهم طبيعة هذا الصدام العنيف. لا يتعامل المؤلف مع المأساة البوسنية كمجرد حدث سياسي عابر أو فشل دبلوماسي عابر للقارة العجوز، بل يراها تجلياً مرعباً لبنية عميقة من “الإسلاموفوبيا” المتأصلة، حيث يفكك ببراعة نادرة كيف تم توظيف اللاهوت الأرثوذكسي وتطويره بشكل منهجي ومدروس لاستهداف واستئصال الوجود الإسلامي في البلقان. إن الصرب، في ارتكابهم لتلك الفظائع، لم يكونوا يتصرفون انطلاقاً من فراغ علماني مجرد، بل كانوا يرون أنفسهم يمارسون أفعالاً دينية مقدسة لتطهير الأرض من هذا الوجود “الآخر”. تمثل هذه المجزرة، التي يعتبرها الكاتب في فداحتها ورمزيتها أسوأ بكثير من أحداث الحادي عشر من سبتمبر بالنسبة للمسلمين في أوروبا، جرس إنذار قاسٍ يذكر الأقليات المسلمة بأنهم يعيشون في قارة سريعة النسيان، قارة مستعدة في أي لحظة من لحظات أزماتها لإنتاج خطابات إقصائية دموية. يوضح مراد بطريقة تثير القشعريرة كيف أن الغرب قد قام بتعريف نفسه، وبناء تاريخه، وإعادة تفسير العديد من جوانب هذا التاريخ المتشابك بهدف رئيسي هو التموضع كحصن أبدي وعائق دائم ضد زحف العالم الإسلامي وتمدده. إن هذا التذكير المروع بمدى هشاشة الوجود الإسلامي في حديقة أوروبا المسورة يضع المسلمين أمام تحدٍ وجودي معقد، يستلزم استجابة تتجاوز السطحية السياسية والشعارات الحزبية، وتغوص في أعماق التراث الروحي والأخلاقي الإسلامي للعثور على بوصلة النجاة.
وهنا بالضبط يتجه مراد لتشريح الاستجابة الإسلامية الداخلية لهذا التهديد المزدوج المتمثل في الإقصاء العلماني الناعم والاستئصال القومي العنيف، محذراً بشدة من الوقوع في فخ ردود الفعل الانفعالية التي تتغذى على ثقافة المظلومية والغضب الأعمى التي تهيمن على بعض المهاجرين. يصك المؤلف مصطلحاً غاية في العمق والفرادة في حقله الدلالي، وهو ما يمكن تسميته بـ “اللهبية”، مستلهماً شخصية أبي لهب، عم النبي محمد عليه الصلاة والسلام، الذي مثّل النموذج الأبرز للكراهية العمياء والرفض المدمر للإسلام والمسلمين في فجر الدعوة. يرى الكاتب أن هذه “اللهبية” ليست مجرد موقف تاريخي مضى وانقضى بنزول النص القرآني، بل هي حالة روحية ومرض قلبي مستدام يمكن أن يتلبس حتى بأولئك الذين يظنون أنهم يدافعون عن الدين. إنها تتجلى اليوم في سلوكيات التطرف والحدة التي تعتمد على “التنفير” بدلاً من “التبشير”، وتستخدم العنف اللفظي والجسدي، وتتبنى مبدأ “العين بالعين” الذي، كما قال غاندي، سيجعل العالم كله أعمى، مما يؤدي في النهاية إلى إبعاد الناس عن رحاب الإسلام بدلاً من جذبهم إليه. يشدد المؤلف على أن المسلمين، بطبيعة رسالتهم التوحيدية، يجب أن يكونوا “جاذبين للأرواح”، وأن الخطأ الأكبر يكمن في الظن بأن التشدد والضيق هما مرادفان للتقوى ودليل لا يقبل الشك على الإخلاص في الدين ورفض المساومة مع الباطل. إن هذا الانفعال الغاضب والمشبع بالخوف والحسد غير المعلن يدفع الشباب المسلم نحو أيديولوجيات محلية ضيقة، تحول الدين من رسالة رحمة عالمية منفتحة إلى أداة للانتقام الأيديولوجي المنغلق، وهو ما يخدم في النهاية نفس الخطاب اليميني المتطرف الذي يسعى لشيطنة الإسلام وجعله خطراً أمنياً قابلاً للاجتثاث.
ولتعميق هذا التحليل النفسي والروحي الذي يلامس جذور المشكلة، يخصص مراد مساحة واسعة لتمييز ما يسميه “الغضب المحمود” عن “الغضب المذموم”، رابطاً إياه بمفهوم عقدي مركزي وهو “شرك الأسباب”. في هذا السياق الشائك، ينتقد المؤلف بشدة الحركات الإسلاموية التي تستغرق في النشاط السياسي والاحتجاجي لدرجة تنسى معها أن الله سبحانه وتعالى هو المتحكم المطلق في مقاليد الأمور. إن الاعتماد المفرط على الأسباب المادية، والظن بأن الغضب البشري والثورة والانتقام هي وحدها القادرة على تغيير الواقع، يمثل نوعاً من الشرك الخفي بالأسباب، لأنه يسلب الفاعلية المطلقة من يد الخالق ليضعها في يد المخلوق الضعيف المنفعل. لا يدعو الكاتب هنا إلى سلبية قاتلة أو انسحاب كامل من الشأن العام، ولا يدعو إلى اعتناق الفلسفة الرواقية التي تجعل الإنسان متبلداً وخالياً من المشاعر ككائن بركاني متجمد لا يكترث لما حوله، بل يدعو إلى ضرورة إعادة توجيه هذه المشاعر والانفعالات لتكون متوافقة مع ما يريده الله حقاً، وليس استجابة طائشة لنزوات النفس الانتقامية. إن الغضب الجيد هو ذلك الذي تحركه الغيرة على الحق ويضبطه ميزان الشرع وتظلله السكينة الإيمانية التي توقن بأن تدبير الله نافذ، بينما الغضب السيئ هو ذلك الذي تلهبه الأنا المحتقنة بالشعور بالظلم، والذي يحول الناشط المسلم إلى مجرد آلة لردود الأفعال العنيفة التي تزيد من دمار العالم بدلاً من إصلاحه.
من رحم هذا النقد اللاذع لثقافة ردود الأفعال العنيفة، يقدم عبد الحكيم مراد نقلة نوعية وجذرية في التفكير الاستراتيجي والروحي للأقليات المسلمة في الغرب، مقترحاً انتقالهم السريع من خانة “المشتكين” المتذمرين إلى خانة “المعالجين” الفاعلين، ومستنداً في هذا التحول المعرفي إلى الآية القرآنية الكريمة “ادفع بالتي هي أحسن” من سورة فصلت. يستحضر المؤلف في هذا المقام أمهات كتب التفسير بدقة الأكاديمي المتمرس، مستشهداً بأقوال ابن جرير الطبري، والقاضي البيضاوي، وفخر الدين الرازي، ليؤسس لقاعدة إسلامية راسخة ومستمدة من الوحي في كيفية التعامل مع البيئات المعادية أو المريضة روحياً. يرى مراد أن المجتمعات الغربية المعاصرة، التي تعاني من فراغ روحي قاتل، وتآكل في البنى الأخلاقية، وتغول لليبرالية العلمانية التي جعلت من المتعة والقوة آلهة جديدة، هي في الحقيقة مجتمعات مريضة تحتاج إلى علاج وشفاء حقيقيين، لا إلى مزيد من الصراخ والشكوى والتباكي على المؤامرات. من هنا، تصبح وظيفة المسلم الأوروبي، المتجذر في تقاليده الإبراهيمية العريقة والمزود بالرحمة المحمدية الشاملة، هي ممارسة دور المعالج النفسي والروحي لهذا المجتمع المأزوم. إن الإصرار على صناعة الجمال وتقديمه كرد فعل قرآني على القبح والعداء هو ليس مجرد تكتيك دفاعي مؤقت لدرء الخطر، بل هو علم وفن إسلامي أصيل يهدف إلى كسب القلوب، وتغيير المعادلات من جذورها، وإثبات أن الإسلام قادر على تقديم بديل أخلاقي وجمالي متماسك يمتلك القدرة الفائقة على معالجة أمراض الحداثة المتأخرة والخواء المادي. إن القيم التي زرعها القرآن والسنة النبوية قادرة على اختراق قلوب البشر جميعاً، مهما بدت تلك القلوب محجوبة بضباب المادية الإلحادية الكثيف.
ولكن كيف يمكن إعداد هذا الجيل من “المعالجين” المسلمين في بيئة تتسم بالسيولة الفكرية والتشظي الهوياتي؟ ينتقل الكتاب ببراعة لمعالجة أزمة طالب العلم المسلم في الغرب، والذي يصفه المؤلف بأنه يعاني من “شهوة التجوال في الشتات” أو الاغتراب المزدوج الباحث عن مستقر. يشبه مراد هذا الشاب المسلم المنبت عن جذوره، والذي يغادر الغرب باحثاً عن تراثه الديني المفقود في أنحاء العالم الإسلامي، بشخصية “المجنون” في الفلكلور العربي، الذي يهيم على وجهه في الصحاري القفار بحثاً عن سراب ميتافيزيقي وأصالة رومانسية متخيلة لم يعد لها وجود مادي ملموس في أرض الواقع. يستعرض الكاتب بتشريح نقدي صارم الخيارات التعليمية المتاحة لهذا الشاب المشتت؛ فالمدارس الدينية في جنوب آسيا غالباً ما تمثل خطاباً دفاعياً ارتكاسياً يعود للقرن التاسع عشر، والمناهج في العديد من الدول الإسلامية مشبعة بالأيديولوجيا الإسلاموية الحركية التي تبتعد عن التراث الأصيل، بينما أقسام الدراسات الإسلامية في الجامعات الغربية تهيمن عليها بقوة النظرة الاستشراقية التي يقودها في كثير من الأحيان باحثون غير مسلمين يحملون عداءً مبطناً للدين ويهتمون بأبحاث مفرطة في التخصص الدقيق الذي لا يغذي الروح ولا يبني اليقين. ورغم هذه الصورة التعليمية القاتمة التي تزيد من حيرة الشباب، يرى مراد بصيص أمل مشرق في صعود مؤسسات لاهوتية إسلامية جادة داخل الجامعات الغربية، والتي غالباً ما يقودها أكاديميون وعلماء مسلمون متمكنون، مما يمهد الطريق لظهور جيل جديد من العلماء القادرين على استيعاب تعقيدات الواقع الغربي المتشابك، وتقديم فقه يوازن بين الأصالة العميقة والمعاصرة الواعية، دون التفريط في الثوابت أو الغرق في سيولة الحداثة المدمرة.
وفي استكمال متقن لرؤيته الكلية التي لا تفصل الدين عن الدنيا، لا يغفل عبد الحكيم مراد البعد الاقتصادي الذي يشكل العصب الرئيسي والمحرك الأساسي للحداثة الغربية وما تفرزه من أزمات اجتماعية وروحية طاحنة، حيث يخصص مساحة واسعة لنقد الرأسمالية المتأخرة والاقتصاديات الاستهلاكية النيوليبرالية المتوحشة. يحلل الكاتب بدقة التشوهات العميقة في النظام المالي العالمي في القرن الحادي والعشرين، والذي يصفه بأنه مليء بالعبثية والتجاوزات الصارخة التي تسحق إنسانية الإنسان وتزيد من فقره الروحي وتعمق تفاوتاته المادية. ولا يسلم قطاع “البنوك الإسلامية” الناشئ من مشرطه النقدي الحاد، حيث يرى أنه فشل في كثير من الأحيان في تقديم بديل جوهري حقيقي وانخرط في منظومة مالية لا تختلف كثيراً في مآلاتها الاستغلالية عن النظام الرأسمالي السائد. وفي مواجهة هذا التوحش المالي والنزعة الاستهلاكية القاتلة، يقدم مراد طرحاً استشرافياً جريئاً حول الدور الحيوي والمنسي لفريضة “الزكاة” في اقتصاديات ما بعد الحداثة أو ما يطلق عليه علماء الاجتماع “الحداثة السائلة”. لا يتعامل المؤلف مع الزكاة كمجرد صدقة فردية معزولة لتسكين الضمير، بل يتأمل بعمق في الإمكانيات الهائلة التي يمكن أن تفتحها إعادة إحياء منظومة الزكاة على مستوى مجتمعي ومؤسساتي شامل ومنظم. إن الزكاة، من هذا المنظور اللاهوتي والاقتصادي المندمج، تمثل آلية ثورية هادئة وفعالة، قادرة على تفكيك التمركز المريض حول الذات وتقويض جشع الأسواق المنفلتة، وإرساء قواعد متينة للعدالة الاجتماعية والتكافل الإنساني، وهي القيم التي يحتاجها الغرب المأزوم بشدة اليوم لإنقاذ نفسه من الانهيار الداخلي. وبهذا، يكتمل قوس التحليل المعرفي ليربط بإحكام بين الروح والمادة، وبين العقيدة الراسخة والواقع الاجتماعي المتغير، ليثبت بالدليل القاطع أن الإسلام يمتلك ترسانة مفاهيمية وأخلاقية لا تنضب، قادرة ليس فقط على حماية أبنائه وحفظ هويتهم في الشتات، بل وعلى تقديم سفينة نجاة فكرية وروحية لحضارة بأكملها تبدو وكأنها تتجه حثيثاً وبكامل إرادتها نحو الهاوية.
ينتقل بنا عبد الحكيم مراد من التجريد اللاهوتي والاشتباك الجيوسياسي إلى التجسد المادي والبصري للوجود الإسلامي في أوروبا، متخذاً من “فلسفة العمارة” مدخلاً عبقرياً لقراءة أزمة الانتماء والتوطين. يطرح المؤلف نقداً لاذعاً لما يمكن تسميته بعمارة “الأطباق الطائرة” أو المساجد المستوردة؛ تلك البنايات التي تُزرع في قلب المدن الأوروبية بنسخ مشوهة ومستقطعة عن العمارة العثمانية أو المملوكية أو المغولية، وكأنها كبسولات زمنية وجغرافية ترفض الاعتراف بمحيطها وتصر على فرض غربتها البصرية. يرى مراد أن هذا الإصرار على استنساخ قوالب معمارية من عصور إسلامية سابقة وفي بيئات مناخية وثقافية مختلفة بالكلية لا يعبر عن أصالة دينية بقدر ما يعكس حالة من الاغتراب النفسي والعجز عن التكيف. إن العمارة في الرؤية الإسلامية التقليدية، عبر عصور ازدهارها، لم تكن يوماً قالباً أصماً جامداً، بل كانت دائماً ابنة بيئتها الذكية، تستعير من الثقافات المحلية وتطوع خاماتها وأشكالها لخدمة التوحيد ووظائف العبادة. ومن هنا، يبرز نموذج “مسجد كامبريدج المركزي”، الذي لعب المؤلف دوراً محورياً في تنظيره وتأسيسه، ليس كأول مسجد صديق للبيئة في أوروبا فحسب، بل كبيان فلسفي حي وملموس يزاوج ببراعة بين الجماليات الإسلامية والهندسة القوطية والبيئة الطبيعية الإنجليزية. إن استخدام الأخشاب المورقة التي تحاكي الأشجار المتشابكة في الغابات البريطانية لتشكيل أعمدة المسجد، مع دمج الهندسة المقدسة للنسب الإسلامية والإضاءة الطبيعية، يقدم رسالة بصرية عميقة ونافذة مفادها أن الإسلام يمكن أن ينبت من تربة أوروبا بشكل طبيعي وعضوي، دون أن يكون نبتة شاذة تستفز العين أو ترفض الاندماج الجمالي مع محيطها. هذا التأسيس المعماري هو في جوهره تأسيس عملي لهوية أوروبية مسلمة متصالحة مع ذاتها ومع فضائها العام، هوية تبني الجسور بدلاً من تشييد الجدران العازلة.
ويتجاوز اشتباك الكتاب مع الحداثة الأوروبية حدود العمارة والفضاء العام ليغوص في أدق تفاصيل البنية الاجتماعية، وتحديداً أزمة “الأسرة” وتفككها المتسارع في عصر ما بعد الحداثة. يفكك مراد بعين عالم الاجتماع المتمرس واللاهوتي الحصيف ظاهرة “الفردانية المفرطة” التي تبتلع المجتمعات الغربية المعاصرة، حيث أدت الرأسمالية المتأخرة والسيولة الأخلاقية إلى تحطيم الروابط الأسرية التقليدية، وتحويل الإنسان إلى مجرد كائن استهلاكي معزول تغذيه الرغبات العابرة والمنفعة اللحظية. في خضم هذا التشظي المجتمعي والسيولة التي تذيب كل الثوابت، يقدم الإسلام، بنموذجه الأسري التقليدي ورؤيته المتوازنة للتكامل والمودة، طوق نجاة أخلاقي وملاذاً دافئاً في عالم يزداد برودة وقسوة. ولا ينزلق المؤلف هنا بأي حال إلى فخ الدفاع عن الممارسات الأبوية الاستبدادية والقهرية التي استوردتها بعض الجاليات المهاجرة من بيئاتها الريفية تحت غطاء الدين، بل يوجه نقداً مزدوجاً ومركباً: نقد صارم للتقاليد القبلية البالية التي تهمش المرأة وتخالف جوهر الشريعة التكريمي، ونقد موازٍ وعميق للنزعات الراديكالية السائلة ومحاولات طمس الفروق الطبيعية التي تنتهي بتدمير مفهوم الأسرة ذاته وخلخلة الاستقرار النفسي للأجيال القادمة. يرى مراد أن التمسك الواعي بالسردية الإسلامية حول قدسية الميثاق الغليظ للزواج، والرحمة المتبادلة، وتكامل الأدوار، يمثل اليوم موقفاً حضارياً مقاوماً لعمليات التسطيح والتشييء التي تمارسها الثقافة الاستهلاكية، وأن الأسرة المسلمة المستقرة والمتوازنة في الغرب هي بحد ذاتها أكبر إسهام إيجابي وأقوى دعوة صامتة لتقديم بديل متماسك لمجتمعات تعاني بصمت من وباء الوحدة القاتل والانهيار الديموغرافي المفزع.
ولمعالجة أزمة الشباب المسلم التائه في الغرب، والذي يجد نفسه عالقاً بين مطرقة التهميش الاجتماعي والاقتصادي في ضواحي المدن الكبرى وسندان التطرف الذي يتصيد المأزومين وفاقدي البوصلة، ينبش عبد الحكيم مراد في كنوز التراث الإسلامي ليخرج بمفهوم “الفتوة” كعلاج روحي واجتماعي متكامل الأركان. لا يتعامل الكاتب مع “الفتوة” كمجرد مصطلح تاريخي أو فروسية رومانسية عفا عليها الزمن وانتهت بانتهاء العصور الوسطى، بل يعيد صياغتها وتكييفها كمشروع بناء أخلاقي ونفسي عملي للشباب المعاصر. إن الفتوة، في جوهرها الصوفي والاجتماعي، هي كبح جماح الأنا المتضخمة، وإيثار الآخرين، ونصرة الضعيف، ومقاومة الظلم، والالتزام المطلق بالصدق والشرف ونظافة اليد واللسان. يرى مراد أن إحياء طرائق الفتوة وتطبيقاتها العملية في السياق الغربي هو البديل السني التقليدي والأصيل لعقلية العصابات الحضرية المدمرة وللأيديولوجيات الإسلاموية الغاضبة على حد سواء. حين يتشرب الشاب المسلم قيم الفتوة الحقيقية، فإنه يتحول تلقائياً من كائن ناقم وساخط يسعى للتخريب أو الانعزال المرضي، إلى فاعل إيجابي يمتلك نبلاً داخلياً يدفعه لخدمة مجتمعه، مسلمين وغير مسلمين، بكل تفانٍ وإخلاص. إن مشاريع الفتوة الحديثة تقدم للشباب ما يفشلون تماماً في العثور عليه في المؤسسات الاستهلاكية الشرهة: الانتماء الحقيقي، والمعنى الأسمى للوجود، والقدرة الصارمة على التحكم في الذات وتوجيه الطاقات الكامنة نحو بناء الجمال ونشر الخير، مما ينسف من الأساس كل محاولات استقطابهم نحو العدمية السائلة أو الإرهاب الأعمى.
في ختام هذه الرحلة الفكرية الشاقة والممتعة في آن واحد، يعود الكتاب ليعانق عنوانه العميق “الرحلة إلى الوطن”، ليطرح السؤال الوجودي الأهم: أين هو الوطن الحقيقي في عصر الشتات؟ يتجاوز مراد الجغرافيا السياسية والقانونية، ولا يكتفي بحدود جوازات السفر والمواطنة الورقية، ليؤكد أن الانتماء المادي لأوروبا يجب أن يُتوج ويُحاط بانتماء ميتافيزيقي ومرجعية أكبر وأرحب. إن المؤمن في نهاية المطاف هو عابر سبيل في هذه الدنيا، والوطن النهائي والأبدي هو في الدار الآخرة في حضرة الخالق جل جلاله. لكن هذا اليقين الأخروي الراسخ لا يبرر بأي شكل من الأشكال الانسحاب من العالم أو التقاعس عن عمارة الأرض، بل على العكس تماماً، إنه يمنح المسلم الأوروبي الحرية الروحية والاستقلال النفسي ليكون حاضراً بقوة وبإيجابية لا تضاهى، لأنه لم يعد يستمد قيمته الجوهرية من اعتراف الآخرين به أو من هويات قومية ضيقة وقابلة للتبدل، بل يستمدها مباشرة من ارتباطه بالسماء وامتثاله للتكليف الإلهي. إن المسلم الذي يدرك بعمق أن الأرض كلها جُعلت مسجداً وطهوراً، وأن كل بقعة فيها يمكن أن تكون معراجاً نحو الله عبر العمل الصالح، يستطيع أن يبني وطناً حقيقياً وراسخاً في أوروبا، وطناً لا يقوم على أسوار الإقصاء وعقد النقص والبارانويا، بل ينهض على ركائز صناعة الرحمة، وإغاثة الملهوف، وإقامة العدل، وإنتاج الجمال. ينتهي الكتاب بتأكيد صوفي مشرق بأن أزمة الإسلام في أوروبا، بكل تعقيداتها، لن تُحل بالدساتير والمحاكم والصراعات السياسية والمظاهرات وحدها، بل ستُحل جذرياً عندما يعود المسلمون إلى مركزهم الروحي الأصيل، عندما يتوقفون عن محاولة إثبات جدارتهم لمجتمعات استهلاكية مريضة بمنطق تلك المجتمعات، ويبدأون بدلاً من ذلك في تقديم الترياق الأخلاقي والروحي الذي تحتاجه هذه المجتمعات بشدة لإنقاذ إنسانيتها. إن “الرحلة إلى الوطن” هي في النهاية السعيدة رحلة متواصلة نحو الذات المطمئنة التي تجد الله حاضراً في كل زمان ومكان، وحينها فقط، يصبح كل مكان في أرض الله الواسعة وطناً دافئاً يتسع للجميع، وتغدو التجربة الإسلامية في الغرب فصلاً جديداً ومشرقاً يثري تاريخ الإنسانية، بدلاً من أن تظل مجرد وقود محترق في ساحات صراع الحضارات الموهوم.




